2016-03-10

المرأة كقضية غير منفصلة عن النضال الطبقي

تمارا العمري

على إختلاف التشكيلات الإجتماعية الاقتصادية ومنذ إنهيار الفترات الاولى من المشاعية البدائية، لم تساهم المرأة بمقدار ما ساهمه الرجل في جوانب الحياة الإجتماعية ، ففي الطور الاول من المشاعية كان للمرأة دور رئيسي في عملية الانتاج مما أدى إلى نمو نفوذها ودورها الإجتماعيين، وبالتالي سميت هذه الفترة من المشاعية بـ(المجتمعات الأمومية).

ومع تطور القوى المنتجة، الذي أدى إلى فائض في إنتاجية العمل، محدثا تغييرات في العلاقات الإنتاجية وبالتالي تغييرات في طابع ومدى نفوذ حرفة الرجل في العملية الإنتاجية، حيث أن موقعه تفوق اقتصاديا على المرأة، لأن عمله شكّل المصدر الرئيسي لثروة المجتمع المادية، واقتصر دور المرأة شيئا فشيئا على الأعمال المنزلية، لأنها –أي المرأة- أصبحت ذات أهمية ثانوية في عملية الإنتاج، وهنا اكتسب الرجل (بعد انعكاس العملية المذكورة آنفا على العلاقات الإجتماعية والمنظومة القيمية والاخلاقية نافية الحالة السابقة لها تدريجيا)، اكتسب الرجل دورا قياديا في المجتمع، فتحولت المجتمعات إلى (مجتمعات أبوية).

ومع إستمرار سيرورة التطور الديناميكي لأسلوب الإنتاج، ظهرت وتطورت أشكال الإستبداد والإستغلال للغالبية الساحقة للشعوب من قبل مالكي القوى المنتجة، والتي تمثلت – أي أساليب الاستغلال- في الإستيلاء على فائض قيمة العمل الذي تتغير قيمته وشكل التحصل عليه من قبل مالك القوى المنتجة المعنية بتغير التشكيلات الإجتماعية الإقتصادية، ويتم التعبير عن ذلك أحيانا بعبارة (استغلال الإنسان لأخيه الإنسان)، ومن هذه الأشكال الاستغلالية تتحدد نماذج سلوكية حسب المنظومة القيمية التي تحافظ على بقاء هيمنة الطبقة السائدة.

في النصف الاول من القرن التاسع عشر، بدأت المشاركة الفعلية للمرأة في السوق الرأسمالية إلى جانب الرجل الذي كان منخرطا فيه أصلا، وكان الدافع الرئيسي لدخولها في هذه السوق هو انخفاض سعر قوة عمل المرأة مقارنة مع الرجل بسبب المنظومة الإجتماعية القيمية التي كانت تعتبر المرأة على أنها مواطن بل وحتى انسان من الدرجة الثانية، ومما ساهم أكثر في اضطهادها هو إفتقارها للإختصاص المهني والحالة المعيشية السيئة، كل هذا أغرى مالكي القوى المنتجة، وأجبر النساء على الطاعة العمياء لكل شروط العمل القاسية والمجحفة جدا بحقوقهن، من نوعية وساعات العمل والمستوى المتدني للأجور؛ مما دفع بعض أصحاب المصانع في اوربا والولايات المتحدة الامريكية إلى طرد جزء كبير من الرجال وتوظيف النساء بدلا منهم، فأصبح الرجل في الكثير من البيئات ينظر إلى المراة كعدو ومنافس له.

ومع بداية القرن العشرين، ظهرت الرأسمالية الأكثر تطورا في الدول الغربية، وظهرت معها المحاولات الرامية إلى تحقيق شكل من اشكال المساواة بين اجور العاملين والعاملات من خلال ضغط النقابات العمالية، لكن المرأة في روسيا ظلت تحت وطأة الاضطهاد حتى ثورة اكتوبر الأشتراكية تتقاضى ثلث أجر الرجل، وما زالت –اي المرأة- حتى يومنا هذا في الغالبىية العظمى من دول العالم تعاني من اضطهاد عدم تساوي الأجور مع الرجل.

ومع استمرار تطورها –اي الرأسمالية- ظهرت انعكاسات اخرى لاضطهاد الانسان في مجمل البناء الفوقي للمجتمعات الرأسمالية مثل : (تسليع العلاقات الانسانيه ، افساد اذواق الجماهير وغيرها)، وانعكس ذلك على المرأة على وجه الخصوص كتسليعها في الادب الخلاعي تحت مسميات الجمال و الانوثة ...الخ ، الذي يتناقض مع تحرر المرأة الذي يسعى الى تحقيق الذات الانسانية ، والجدير بالذكر ان الاضطهاد يطال جميع نساء المجتمع الرأسمالي بأختلاف موقعهن الطبقي ، فالمرأة تعاني من التشييء والتبعية من قبل و للرجل في إطار الزواج و الاسرة ، وهذا الذي قد يظهر على شكل احتقار للمرأة وتعنيفها او وضعها في اطار الامومة و الانوثه الغرائزية او كليهما معا وهذا يظهر جليا في المجتمعات المتخلفة اقتصاديا ذات البناء العائلي البطريركي التقليدي .

كان للمرأة مشاركة في ثورات و إضرابات على مرّ التاريخ إلى جانب الرجل ، ومن اكثر المشاهد إلهاما التي لا بد أن نذكرها في يوم المرأة العالمي هو مشاركة المناضلة الشيوعية الرفيقة (الكسندرا كولونتاي) في ثورة اكتوبر عام 1917 ، حيث يروي مكسيم غوركي على لسان مارتوف (يوجد في روسيا شيوعيان فقط : لينين و مدام كولونتاي) ، كانت الكسندرا كولونتاي اول إمرأة تشغل منصب وزير في العالم ، وكان لها دور مهم جدا في السنوات الأولى من ثورة اكتوبر.

ولدت الكسندرا كولونتاي في سان بطرسبرغ عام 1872 ، تزوجت احد اقاربها المهندس (فلاديمير كولونتاي)، وعندما برزت الحلقات الماركسية التي اتحدت مع حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي عام 1898 انضمت كولونتاي الى الحركة العمالية خلال سنينها الاولى ، وقد أثرت فيها زياره قامت بها لأحد مصانع النسيج الضخمة الذي كان يضم 12000 عامل و عاملة، فقررت ربط مصيرها بالطبقة الثورية، حيث أدى إلتزامها السياسي إلى تأزم علاقتها بزوجها لأنه اعتبر هذا الالتزام تحدي له فأنفصلت عنه رغم ما تكن له من حب و احترام ومعها طفلها الوحيد.

وبعد ان استعادت كولونتاي حريتها –اي بعد انفصالها- سافرت من روسيا الى المانيا لدراسه الاقتصاد السياسي في زيوريخ وساهمت في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الالمانيه وتوثقت علاقتها بأبرز قادتها (روزا لوكسمبرغ ، كلارا زتكن وغيرهم) ، أما على صعيد السياسة الثورية فقد وقفت كولونتاي إلى جانب المناشفة خلال انشقاق الحزب عام 1903 ولم تنظم إلى البلاشفة إلا خلال الحرب العالمية الاولى .

ففي عام 1906 انضمت كولونتاي رسميا الى المناشفة لخلافها مع البلاشفة حول دور النقابات وحول مسألة مشاركة نواب العمال في الدولة ، وفي عام 1908 اضطرت كولونتاي الى مغادرة روسيا لانها كانت مطلوبة من قبل محاكمتين : 1) لقيامها بعمليه تنظيم لعاملات النسيج 2) لدعوتها الى الثورة في كراسه صدرتها بأسم (فنلندا والاشتراكية) وعاشت في المهجر بين عامي 1908-1917 وأصدرت كتابيها المشهورين (المجتمع و الامومة / الاسس الاجتماعية للمسألة النسوية) ، وناضلت في عدد من الدول بنشاطها و قلمها كـ(الدنمارك ، النرويج، بلجيكا، ايطاليا ، سويسرا ، الولايات المتحدة الامريكية).

وفي سنه 1915 انفصلت عن المناشفة لتنضم الى البلاشفة واعتقلت مع عدد من رفاقها في ايام حكومة كرنسكي .

عند قيام ثورة اكتوبر الاشتراكية كانت عضوا في اللجنة المركزيه للحزب و تولت منصب مفوضة الشعب للشؤون الاجتماعية ومن خلال منصبها قامت بجملة من التحولات الجذرية بالنسبة لوضع المرأة و الطفل منها:

  1. انشاء دور الحضانه النهارية لايواء اطفال النساء العاملات.
  2. توفير وسائل منع الحمل.
  3. بناء مؤسسات خاصة لايواء الايتام و اللقطاء.
  4. شكلت لجنة لوضع قانون الضمات الصحي الشامل المجاني لجميع المواطنين وغيرها.

وابتداءا من عام 1920 اصبحت كولونتاي المسؤوله عن قطاع النساء في الحزب، وفي عام 1922 ، كان يدور سجال عاصف بين رفاق الحزب البلشفي عن دور النقابات في ظل دكتاتورية البروليتاريا، فوقفت كولنتاي موقفا معارضا يسعى إلى تسيير الصناعة من قبل مؤتمر للمنتجين في عموم روسيا، وشكلت كتلة باسم (المعارضة العمالية) مع الكسندر شليابنيكوف وغيره، كانت المعارضة ترد بالدرجة الاولى على تروتسكي الذي رفع شعار (عسكرة العمل) بفرض الانضباط العسكري الصارم على الطبقة العاملة وتسخير نقابات لتنفيذ هذا الشعار واعتماد التعيين بدل من الانتخاب في اختيار القيادات النقابية، ولقد التف اغلبية الحزب حول لينين الذي ادان البيروقراطية الادارية لتروتسكي، ورد لينين على المعارضة العمالية معتبرا الدعوة الى تسيير النقابات للانتاج الصناعي يلغي الدور القيادي للحزب ودور النقابات كحلقة وصل بين الطليعة والجماهير، دعا لينين إلى منح النقابات نوع من الاستقلالية للدفاع عن الطبقة العاملة اتجاه الدولة السوفيتي التي لم تصبح بعد اشتراكية بل عمالية ذات انحراف بيروقراطي، واعتبار النقابات مدرسة شيوعية للادارة العمالية، وهنا يظهر التوافق الجزئي بين فكرة كولينتاي والطرح اللينيني اتجاه مسألة النقابات، وكان انسحابها من الكتلة العمالية بعد تعينها بالسلك الدبلوماسي، ادى في نهاية المطاف إلى اعتزالها العمل السياسي وتفرغها للانتاج النظري.

واستنادا إلى العرض الموجز جدا عن حياة الرفيقة الكسندرا كولنتاي وانخراطها في العمل الحزبي إلى جانب رفاقها وما حققته من تحسين لجوانب في المجتمع السوفييتي، نذكر ان يوم المراة العالمي ليس احتفالية أو شكل دعائي لنستذكر ما قامت به المرأة من انتفاض لحقوقها، وانما هو وقفة على ما تم انجازه من مكتسبات تصب في صالحها وتذكيرا بان قضية المرأة هي عملية نضالية مستمرة غير منفصلة ابد عن سيرورة النضال الطبقي ومسار التقدم الاجتماعي بشكل عام، هذا الفهم العام لهذه العلاقة يجب ان نمزجه مع خصوصية كل حالة اجتماعية على حدة، فقضية المراة بالإضافة إلى قضايا اخرى (الطفل، الحقوق، الثقافة،...إلخ) في المجتمعات التقليدية ذات البناء الرأسمالي المشوه وغير المتكامل هي قضية أعقد من نظيرتها في المجتمعات المتقدمة.

لن يكون هناك نهاية لإضطهاد المراة بدون تراكم نضالي نحو نظام اجتماعي اقتصادي اكثر عدلا، واختم باقتباس من مذكرات كولنتاي المكتوية في عام 1926 التي لخصت فيها فهمها لقضية تحرر المرأة: "إذا كنتُ قد حققت شيئا في هذا العالم، فليس مرد ذلك لصفاتي الشخصية. فإنجازاتي ما هي إلا الدليل على أن المرأة باتت تسير باتجاه كسب الاعتراف العام بها، على الرغم من كافة الصعاب. فانخراط ملايين النساء في العمل الإنتاجي، الذي تم بوتيرة متسارعة خلال الحرب، هو الذي أفسح المجال أمام المرأة لكي تحتل أعلى المراكز السياسية والدبلوماسية. غير أنه من المؤكد أن بلدا مستقبليا، كالاتحاد السوفييتي، هو وحده القادر على معالجة قضية المرأة دون أفكار مسبقة، وعلى تقييم أعمالها فقط من منظار مهارتها ومواهبه، وبالتالي فهو وحده القادر على أن يوكل إليها مراكز المسؤولية. وحدها العواصف الثورية الجديدة امتلكت القوة الكافية لتكنيس كافة العقد والترسبات ضد النساء. ووحده الشعب الكادح المنتج هو القادر على تحقيق المساواة الكاملة والتحرر الناجز للمرأة ببنائه المجتمع الجديد".