2016-04-19

فـرح أنطــون

رائد من دعاة العلمانية وفصل الدين عن الدولة

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين

نعيم ناصر

كان فرح أنطون أحد أبرز المثقفين السياسيين والاجتماعيين العرب في الدولة العثمانية، في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ورائد من رواد حركة التنوير.

تأثر بأفكار المصلحين الأوروبيين: "روسو" و "فولتير" و "رينان" و "منتسكو"، وكان داعية للتسامح الديني والسياسي والاجتماعي بين المسيحيين والمسلمين.  وكان يكتب كانسان، لا كمسيحي أو مسلم، بل باسم الإنسانية.  وتأثر فرح أنطون، كذلك، بفلاسفة عرب ومسلمين عديدين من أمثال "ابن رشد" و "ابن طفيل" و "الغزالي" و "عمر الخيام"، وآخرين وآمن بالإشتراكية واعتبر أنها تحمل الخلاص للإنسانية.

وعكست ثقافة فرح أنطون الواسعة انحيازه للإنسان، بغض النظر عن دينه أو لونه أو عرقه.  وفي هذا يقول الدكتور طيب تيزيني في تقديمه لكتاب فرح انطون "ابن رشد وفلسفته": "ان المفكر المنوّر فرح أنطون ينطلق من أن تحرير العقول من التعصب الديني، وضيق الأفق العقلي، يمثل المدخل الى فهم كيفية تحقيق التقدم في الشرق.  ولذلك كان يهدف من ورائها الى الحث على التفكير العقلي والتسامح الكوني".

وقد أثارت كتابات فرح أنطون الجريئة، وأفكاره النيّرة، عدداً من الكتاب السلفيين ورجال الدين المسلمين والمسيحيين، فكتبوا منتقدين فكره، متهمينه بالإلحاد والعلمانية.  وجاء في جريدة "المشرق" المصرية، الصادرة في شهر شباط (فبراير) 1927، عن فرح أنطون ما يلي: "حوّل فكره منذ شبابه الى حرية الضمير، وأخذ يدرس تآليف الكتبة المتطرفين في آرائهم الدينية والشيوعية، فرنسويين وروسيين وجرمانيين، لرينان، وكارل ماركس، وتولستوي، ونيتشة، فعششت أفكارهم في دماغه فصار يجاريهم في كتاباته.. يعالج المواضيع الاشتراكية والديموقراطية المتطرفة المجردة عن روح الدين، لا يأخذه في كتاباته ملل، بل تجاوز ذلك كل حدود الفطنة، دون مراعاة لصحته، وهو يشتغل ليلاً مع نهار، حتى غلبت قواه، فمات ضحية غلوائه".

وبسبب آرائه وفلسفته، التي تدعو الى التسامح، ونبذ التعصب، واحترام عقول الناس تعرض لهجوم لاذع من قبل رجال الدين.  وحمل عليه الأب لويس شيخو (1859 – 1927) لأنه ترجم كتاب الفيلسوف الفرنسي آرنست رينان "تاريخ المسيح": قائلاً: .. فما كان بأنطون أن يضنّ بشرفه ودينه عن نقل سفاسفه فيعز علينا أن نرى حاملي الأقلام في بلادنا ينشرون، بدون تعقل، مبادئهم المستقبحة، فيلقون قراءهم في وهاد الإلحاد وقعر الفساد، وكان بوسعهم أن يهذبوا عقولهم، ويرقّوا أخلاقهم، ويجعلوهم سنداً لوطنهم".

وفرح أنطون لم يكن ملحداً، ولم يهاجم الأديان، أو يدعو لهدمها.  ويقول في هذا الشأن رداً على منتقديه من رجال الدين: "معاذ الله أن نروم هدم الدين، كما تفترون علينا، وانما نروم هدم الأوهام والخزعبلات في الدين.  فلماذا تجعلون هذه قسماً منه؟!  وأول هذه الخزعبلات قولكم أن الإنسان لا يمكن أن يعبد الله، ولا أن يفهم الكتب الدينية، الا بواسطة كاهن أو شيخ.  وبذلك تضعون أنفسكم بين الله، وبين عباده، رفعاً لشأنكم وطلباً للفائدة لكم".

تأثر فرح أنطون بأفكار الثورة الفرنسية (1789) مثل الدعوة الى الحرية والمساواة وحقوق الإنسان.  ولذلك وقف الى جانب التيار العلماني العربي، الذي كان قد ظهر في أوروبا، وحمل لواءه الدكتور شبلي الشميّل (1850 – 1917) الذي يلخص شعار: "الدين لله والوطن للجميع" أهم أفكاره.  وكان منفتحاً على العلم، وتعليم المرأة والتحرر من التقاليد البالية، والتوفيق بين العلم والدين.  ولذلك سعى الى تغيير الواقع الاجتماعي العربي الى واقع آمن بعيداً عن القهر والاستغلال.  وفي هذا قال: "نحن نريد بدل هذه الإنسانية المضطربة المتشنجة انسانية هادئة مطمئنة، متمتعة بأمن وسلام، بنعم الأرض والسماء.  وهذا لا يتم مع النظام الحاضر، والحالة الحاضرة، لأن الإنسان لا تهدأ نفسه ويسكن جأشه وتتلطف أخلاقه، الا اذا صار أميناً على رزقه.  ولا أمن على الرزق ما دام الأقوياء متروكين على الضعفاء يمصون دماءهم، والضعفاء يزمجرون ويزيدون حسداً وطلباً للنقمة".

أربعة أسس للخروج من المأزق الحضاري

ووضع فرح أنطون أربعة أسس للخروج من المأزق الحضاري، الذي تعيشه المجتمعات العربية – الإسلامية هي: "الدين، الوطن، الاتحاد، الارتقاء.  الله واحد للمسلمين والمسيحيين، وكذلك الوطن.  والاتحاد يجب أن يكون السد المنيع للوقوف في وجه الغرب الطامع بالسيطرة على المسلمين والمسيحيين معاً.  وعلى هذا الاتحاد أن يحقق التقدم والرقي، ولا يكتفي بالتغني بالماضي".

 لذلك اعتبر فرح أنطون أن المدنية الغربية، بمفاهيمها وشعاراتها ومنجزاتها العلمية، هي المثال، الذي يجب أن يحتذى اذا ما أريد للمجتمعات العربية – الإسلامية أن تنهض، وتنجو مما هي فيه من تخلف وتقهقر.  "فليس بغير المفاهيم الغربية يستطيع العرب والمسلمون أن يضعوا حداً لتخلفهم ويلحقوا بركب الحضارة.  ان المجتمع الغربي، الذي يرتكز على مبادئ الحرية والمساواة والعدالة والأخوة، والديموقراطية، استطاع أن يحقق نهضة علمية حديثة، ويصهر الأقليات الدينية في بوتقة واحدة تجمع بين الملل والأديان والطوائف والاثنيات في مجتمع متجانس.  وهذا ما نحن بأمس الحاجة اليه لنتطور ونخرج من السلفية، فلماذا تقدم الغرب وتخلف الشرق؟".

وفي سياق كلامه في هذا الموضوع يؤكد على فصل الدين عن الدولة، "لا مدنية حقيقية ولا تساهل ولا عدل ولا مساواة ولا أمن ولا ألفة ولا حرية ولا علم، ولا فلسفة، ولا تقدم، إلا في ظل مجتمع متطور ومتجانس، ومفاهيم حضارية جديدة".

التحرر من سلطة التيار الديني

لقد تمثل طموح فرح أنطون في تحرير الشعب العربي من سلطة التيار الديني، وتحقيق مصالحة بين التيارات المختلفة، وفق مبادئ العلم والعقل والفلسفة، من أجل خلق مجتمع متناسق ومتماسك قادر على حل مشكلاته الكبرى في جو من حرية الفكر والتعبير، والنقد العقلاني لأسباب تلك المشكلات.

وكتب مظهراً موقفه من الدين قائلاً: "الاختلاف العظيم (بين الأديان) انما في تعريف هذا التساهل.  فاذا كان المقصود به أن يحترم الناس جميع الأديان، التي ليس فيها مس بكرامة الإنسان، ولا نقض للنواميس الطبيعية، كاليهودية والإسلامية والمسيحية والبوذية، كما شرعها شارعوها، لا كما هي الآن، فان هذا المبدأ صحيح، غضب الناس عليه أو رضوا عنه.  وأما اذا كان المقصود به ما يسمونه عدم الاكتراث بالدين، لا التساهل – اذ بين الأمرين ما بين الأرض والسماء، وقد قال الفلاسفة إن الكفر أخف ضرراً من عدم الاكتراث – فاننا نرد هذا المبدأ ولا نستحسنه لأنه يقطع الإنسان عن مصدره الأعلى، والذات الأعظم، الذي أخذ منه، ويهدم أساس الفضيلة في هذه الحياة.  وان قيل ما هو التساهل الحقيقي أجبنا: هو أن تعمل بهذه القاعدة القديمة: إصنع بالناس ما تريد أن يصنع الناس بك، لأنك لست أفضل من سواك.  فمتى عمل الإنسان بها وأدرك معناها الحقيقي احترم أديان الناس، واعتقادهم ليحترموا دينه واعتقاده، وبلغ من معرفة الحقيقة مبلغاً صار يعتقد عنده أن كل طعن في دين الغير طعن في دينه، لأن الأديان واحدة في الوجهة، وهي عبادة الله، وان كانت مختلفة الطرق والفروع.  ومتى صار الإنسان يعتقد هذا الاعتقاد، أو ينظر الى آراء الناس ومعتقداتهم، حتى أغلاطهم وأوهامهم وخزعبلاتهم، نظرة الرفق والشفقة والاعتدال – ولو كانت مضرة به، ومخالفة لمبدئه – جاز له حينئذ أن يسمي نفسه حكيماً متساهلاً".

من هنا يتضح أن فرح أنطون لم يكن ملحداً، ولم يكن ضد الأديان.. وانما كان رجلاً مؤمناً، ومنفتحاً في الوقت ذاته.. يأخذ بجوهر الدين ويرفض القشور والخزعبلات، كما يرفض التعصب.. انه داعية لفصل الدين عن الدولة.  فالدين لله والوطن للجميع، ولإعمال العقل، الذي يميز الإنسان عن الحيوان.  وانه لمن الواضح الجلي أن فرح أنطون كان يقول بالتسامح الديني، ولكنه يفرق بين الإلحاد والتسامح.. ويؤمن بالدين، وبالدور الذي يلعبه في ترقي الشعوب، شرط أن لا يؤدي الدين الى نفي العقل.. "فالدين معاملة، والدين يدعو الى الفضيلة، وهذا شيء مهم للمجتمع البشري شرط أن لا نخلط بين الدين والوطن، فالدين لله والوطن للجميع".

كلمة أخيرة

لم يجن فرح أنطون مالاً ولا مجداً من وراء عمله وأعماله.. عاش مضطهداً غريباً مسافراً ناقلاً مجلته "الجامعة" من الإسكندرية الى نيويورك ثم الى القاهرة.  فمات مكموداً عن 48 عاماً، أعطى خلالها انتاجاً ضخماً ومنوعاً.

ومن أبرز الأعمال، التي تركها لنا فرح أنطون الكتب التالية: ابن رشد وفلسفته، الحب حتى الموت، الدين والعلم والمال، الوحش الوحش الوحش، أورشليم الجديدة، مريم قبل التوبة.

أما الكتب، التي ترجمها فهي: الكوخ الهندي، بولس وفرجيني، أتالا، ابن الشعب، نهضة الأسد، تاريخ المسيح، تاريخ الرسل، زارا توسترا، ملفا.  وكلها من كنوز الأدب العالمي.  ونشر تراجم الرجال، شرقيين وغربيين، لجعلها أمثولة للشرقيين.  وكان ينشر الأخبار العلمية تقديراً منه للعقل البشري، هادفاً الى حث الشرقيين على احترام العقل والاقتداء به.  وكان من النقاد الأدبيين يتذوق الأدب والشعر، ويضع أسس كتابة الرواية.

فرح أنطون في سطور

ولد فرح أنطون في طرابلس في لبنان بتاريخ 1874، ودرس في مدرسة "دير كفتين" في الكورة (شمال لبنان) ثم سافر لمصر سنة 1897، حيث عمل في الصحافة والأدب، وأسس مجلة "الجامعة" في الإسكندرية، وأصدر منها هناك سبعة مجلدات.  وفي عام 1906 نزح الى نيويورك، حيث تابع اصدار "الجامعة" ولكنه لم يلق نجاحاً، فعاد الى مصر يتابع عمله في الصحافة والتأليف الى أن توفي سنة 1922.

وهو الى كونه صحافياً بارزاً كاتب اجتماعي، وصاحب فكر فلسفي، وكاتب روائي ومسرحي وشاعر، وأحد كبار رجالات النهضة الأدبية والفكرية العرب. والى ذلك كله كان نصيراً للحركات الوطنية ومن دعاة الثورة والتحرر.