2016-05-09

تقاطعات بين الأديان

الأضاحي البشرية

عبد المجيد حمدان

أظن أن كثيرين منا، باتوا يعرفون الآن، أن  كل الديانات، قديمها وحديثها، وفي كل أقطار الأرض، عرفت طقوس تقديم الأضاحي لآلهتها. كما باتوا يعرفون أن أغلبية هذه الديانات عرفت تقديم الأضاحي – الذبائح-  البشرية، وأنها انتقلت، في وقت لاحق، لاستبدالها بالأضاحي الحيوانية والنباتية. فكيف ومتى حدث هذا الانتقال ؟

 ابتدع إنسان مطلع الديانات  فكرة التقدمات للآلهة، ومنها الأضاحي، بغية استرضائها فنيل ثوابها من ناحية، واتقاء غضبها ، فتجنب عقابها من ناحية أخرى. ولأن الغضب – غضب الطبيعة كالزلازل والفيضانات وغزوات الوحوش...الخ – كان هائلا  وصاعقا في كثير من ا لأحيان، فقد تطلب استرضاء الآلهة  التفكير في رفع قيمة الأضاحي ، فكانت طقوس التضحية بالبشر ذاتهم، والأبناء الأبكار، بما لهم من حظوة عند الوالدين، في المقدمة .

لكن مسيرة البشرية أمدت الإنسان بفهم أفضل لفعل الطبيعة وكوارثها من جهة، وبإمكانية استرضائها بما هو أقل من قيمة الإنسان من جهة أخرى .  هكذا جاء الانتقال من الأضاحي البشرية – الأطفال بصورة عامة – ، بعد ممارسات مديدة، إلى الأضاحي الحيوانية والنباتية .

بعض أتباع الديانات الموصوفة بالإبراهيمية ، والسماوية في قول آخر – اليهودية ، المسيحية والإسلام – ينسبون هذا التطور، إلى هذه الديانات، استنادا لقصة إبراهيم وذبح ابنه الواردة في كل من التوراة والقرآن . لكنهم، وهم ينسبون هذا الفضل لدياناتهم ، يتناسون جملة من الحقائق . أولها أن ديانات سابقة على الإبراهيمية ، حققت هذه النقلة النوعية، ودون معرفة بقصة إبراهيم، والتي جاءت تالية . فالشريعة السومرية مثلا، وقبل إبراهيم بأكثر من ألف وخمسمائة سنة، أحلت الضأن – الكبش – مكان الإنسان في هذه التضحيات. وحذت البابلية الأولى حذوها ، بتقديمها  الحمل – الخروف – كقربان للآلهة. وثانيها أن ديانات لم يسمع أتباعها بأي من الديانات الإبراهيمية، حققت هذه النقلة أيضا، وفي أزمان سابقة وتالية. منها الديانات الأوروبية القديمة ، وديانات قسم كبير من العالم القديم – شرق ووسط آسيا ، وشمال ووسط أوروبا - . وثالثها أن شعوب العالم الجديد – الأمريكتين ، أفريقيا جنوب الصحراء، أستراليا والأقيانوسيا– لم تسمع بالديانات السماوية إلا منذ أقل من خمسمائة سنة . وكانت أغلب دياناتها قد تجاوزت طقس التضحيات البشرية. ورابعها أن ديانات بعض أمم أمريكا الجنوبية، كالمايا ، الأزتيك والأنكا، واصلت ممارسة طقس الأضاحي البشرية، حتى الغزو الإسباني لها، أي إلى بداية القرن السادس عشر . وظل هذا الطقس شديد الوحشية في كل مراحله . إذ لم يكتف القائمون عليه  التضحية بالآحاد من الناس ، كما في الديانات الأخرى ، وإنما تجاوزوه إلى التضحية بالجموع . احتاج ذلك لغزو القبائل المجاورة وأسر أفرادها، وتقديمهم أضاحي جماعية. وأكثر من ذلك، لم يكتفوا بقتل الضحية وحرقها على المذبح، بل كانوا يعمدون إلى انتزاع القلب من الأسير وهو حي، في طلب لرضا الآلهة. وكما أشرنا لم يتوقف هذا الطقس الجهنمي إلا بفعل الغزو الإسباني.

 الأضاحي الكنعانية :

وكما نعرف لعبت البيئة  الكنعانية – الفينيقية ، دور الحاضنة الاجتماعية والعقائدية للآباء المؤسسين، لما عرف فيما بعد ببني إسرائيل – إبراهيم، إسحق ويعقوب الذي انقلب اسمه لإسرائيل - ومن ثم للديانتين؛ اليهودية والمسيحية، كما توضح لنا التوراة . كما وعكست تأثيرا  بالغ الأهمية، على البيئة الحجازية، حاضنة الإسلام .

الديانة الكنعانية - الفينيقية، مثل سائر الديانات القديمة ، كانت قد عرفت  طقس الذبائح البشرية، وهو ما أكدته المكتشفات الأثرية الحديثة. فقد عثر الأثريون في المرتفعات، أو المقامات الكنعانية، والفينيقية، على بقايا للأضاحي البشرية .

والمرتفعات، وهي غير المعابد، تقام في الهواء الطلق، على مرتفع جبلي،  محاطة بمذابح، بحجارة مقدسة، وبأفنية واسعة. في هذه الأفنية، وفي مواقع فينيقية – سواحل جنوب ووسط البحر المتوسط - وكنعانية  متعددة، عثر الأثريون على آلاف من الجرار الحاوية على العظام  المحروقة لأطفال غالبيتهم دون سن الثانية، وقلة في الثانية عشرة،  أحرقوا كأضاحي للآلهة. وعلى الجرار وجدوا كلمة مولك، أو مولوخ باليونانية . كما عثروا على رسوم  منقوشة على أعمدة ، وعلى آنية، لأهالي يهدهدون أطفالهم المرعوبين، بغرض تهدئتهم ، ووقف بكائهم قبل تقديمهم للمحرقة.

فسر الأثريون كلمة مولك المكتوبة على الجرار بأنها اسم لإله كنعاني، كانت تقدم له هذه الذبائح البشرية من الأطفال. ورغم أن البانثيون – مجمع الآلهة - الكنعاني خلا من اسم هذا الإله، إلا أن الأثريين وصفوه بأنه إله للصواعق والرعود، يشترك في هذه الصفات مع الإله بعل. ومؤخرا، وبعد مكتشفات أوغاريت، وفك رموز اللغة الكنعانية، اتضح أن مولك تعني الذبيحة البشرية، وليس اسما لإله، ووضعها على الجرة، إشارة لأن  الجرة تحوي رفات ذبيحة بشرية .

في الأفنية المشار إليها، عثر الأثريون على جرار، تنتمي لحقبة تاريخية متأخرة، وتحتوي على عظام محروقة لطيور وحيوانات، وعلى بقايا نباتية. الأمر الذي  يشير لانتقال الكنعانيين – الفينيقيين، في تقديم الأضاحي، إلى البدائل الحيوانية والنباتية،  مثلما فعل غيرهم من أتباع الديانات الأخرى، السابقة والمعاصرة لهم .

إبراهيم وذبح ولده: 

ونأتي إلى السؤال: هل حدثت النقلة من الأضاحي البشرية إلى الحيوانية والنباتية بتأثير من الديانات الإبراهيمية، استنادا لقصة إبراهيم وذبح ولده ؟

 في التوراة وردت قصة ذبح إبراهيم لابنه إسحق في الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التكوين. وتقول  أن الله أراد امتحان إبراهيم، بأن أمره أن يُصَعِّد ابنه، وحيده، إسحق ، محرقة على جبل في أرض الموريا – حسب التسمية التوراتية - . لا تقول التوراة أين كان إبراهيم يقيم حين تلقى هذا الأمر، وإن يفهم من السياق أنه كان يقيم في جنوب فلسطين – بئر السبع أو الخليل - . امتثل إبراهيم للأمر . شد على حماره . صحب اثنين من عبيده، وتوجه إلى أرض الموريا بصحبة ابنه، يبحث عن الجبل الذي عينه له الله . في اليوم الثالث وجد الجبل – جبل جرزيم الذي يحتضن نابلس من الناحية الجنوبية حسب معتقدات طائفة السامريين - . ترك العبدين وصعد الجبل  مع ابنه. بنى المذبح. حَضَّر الحطب ، النار والسكين، وإذا بابنه يسأله: " هو ذا النار والحطب ، ولكن أين هو الخروف للمحرقة ؟ ". رد إبراهيم:" الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني ".

بعد ترتيب الحط، ربط إبراهيم ابنه إسحق ووضعه فوق الحطب. وحين أخرج السكين وهَمَّ بذبحه ناداه ملاك الرب – وليس الله الذي سبق وأمره – من السماء، وأمره قائلا: " لا تمد يدك إلى الغلام ، ولا تفعل به شيئا لأني الآن علمت أنك خائفٌ الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني". توقف إبراهيم، فك إسحق وأنزله عن المذبح . جال بعينيه حوله فرأى كبشا علق قرناه بين فروع شجرة في الغابة. أخذ الكبش وأصعده محرقة لله. 

أما في القرآن فالقصة وردت في سورة الصافات، ومن الآية 100 إلى الآية 111 ، وعلى النحو التالي : بعد فراره من أهله في جنوب العراق واستقراره في فلسطين بين الكنعانيين، دعا إبراهيم  ربه طالبا منحه خِلفة . { رب هب لي من الصالحين * فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين *}.

تطابق:

باستثناء نحو القصة القرآنية للإيجاز، وترك التفاصيل، يلاحظ القارئ تطابق الروايتين، حتى في تحديد اسم الذبيح . ذلك أن تبشير الرب لإبراهيم بالغلام ، كان لزوجته سارة، وابنها إسحق. يضاف لذلك تقاطع الرواية التوراتية مع المعتقدات الكنعانية، وهو ما سنبينه لاحقا .  والسؤال الآن: من كان إله إبراهيم الذي طالبه بذبح إنه وتصعيده على المحرقة  ؟ هل  الذي ورد في النص التوراتي هو الله الذي يعبده أتباع الديانات الموصوفة بالإبراهيمية ، أم هو إله آخر ؟

 إبراهيم، كما توضح التوراة، والقرآن يحيط الأمر بالإبهام، خرج شريدا من مدينته أور – جنوب العراق-  وطريدا من بني قومه ليستقر به الترحال في أرض الكنعانيين – فلسطين-، وليعيش في عزلة تامة عن أهلها. لا يعترض على الدين القائم ، ولا يرفض طقوسه  كما فعل مع قومه ، كما ولا يبشر بدين  جديد . والأهم أنه جاء من عند ديانة رفضها ، مع أنها تجاوزت مسألة الذبائح البشرية، وقدمت الضأن بديلا، وسؤال ابنه:"هو ذا النار والحطب ولكن أين هو الخروف للمحرقة ؟ "، يعكس معرفة الولد، وتذكيرا للوالد،  بديانة قومه، و تسبب رفضه لها في غربته هذه . ويعود السؤال : من هو إذن هذا الإله الذي أراد امتحان إيمان إبراهيم به ، فأمره بذبح ابنه ؟ هل هو الله الذي عبده المسلمون واليهود والمسيحيون، كما توحي التسمية في مقدمة هذه القصة ؟

تحليل الروايتين التوراتية والقرآنية  يقول أنه الإله إيل ، إله الكنعانيين . لكن كيف يمتثل إبراهيم لطلب مثل هذا الإله إلا إذا كان إيل هو ذاته إله إبراهيم ؟ وأين هي الشواهد .

1- في الرواية التوراتية السالفة يلاحظ المرء إتقان إبراهيم لاختيار الموقع– المرتفع حسب الطقوس الكنعانية-، بناء المذبح ، توفر الفناء ، تحضير الحطب، النار والسكين، ربط الولد ووضعه على الحطب ، في مطابقة تامة مع ذات الطقوس.

2- يتحدث الإصحاح الرابع عشر عن إغارة عدد من الملوك على أملاك لوط، سبيه ونجدة إبراهيم له. كسر إبراهيم ورعاته وخدمه  للغزاة، إستعادة المنهوبات ، وفك أسر لوط، ثم احتفاء عدد من الملوك بنصر إبراهيم هذا.  بين المحتفين ورد اسم ملكي صادق، ملك شاليم، وكاهن الله العلي، ومباركته لإبراهيم ؛ " وملكي صادق ملك شاليم  أخرج خبزا وخمرا، وكان كاهنا لله العلي، وباركه وقال : مبارك أبرام من الله العلي مالك السموات والأرض . ومبارك الله العلي الذي أسلم أعداءك في يدك". رد إبراهيم – أبرام – بأن أعطى ملكي صادق عشر الغنائم." وقال ملك سدوم لأبرام أعطني النفوس وأما الأملاك فخذها لنفسك . فقال أبرام لملك سدوم رفعت يدي إلى الرب الإله العلي مالك السموات والأرض لا آخذن خيطا ولا شراك نعل ولا من كل ما هو لك فلا تقول أنا أغنمت أبرام، ليس لي غير الذي أكله الغلمان. وأما نصيب الرجال الذين ذهبوا معي عانر وأشكول وممرا فهم يأخذون نصيبهم ." . والله العلي ، مالك السموات والأرض هنا هو الإله إيل .

3- القارئ لفصول حركة إبراهيم – أبرام – في ربوع فلسطين ، تلفت نظره مسألة . وهي أن أبرام، ما أن كان يحط رحاله  في أرض ، ولو للاستراحة ، حتى يقوم ببناء مذبح. "فبنى هناك مذبحا للرب ودعا باسم الرب". والمذبح الذي ظل أبرام يبنيه على مرتفع يختاره مطابق للمرتفع الكنعاني .

4- ونصل إلى أبناء إبراهيم، والذين يفترض أنهم ورثوا ديانة أبيهم .  وتعالوا نتوقف عند قصة يعقوب. يعقوب وبعد أن سرق البكورة من أخيه عيسو، هرب إلى خاله لابان في حران – شمال العراق-. تزوج ابنتي خاله، راحيل وليئة ، وخادمتيهما. كما يقول لنا الإصحاح الحادي والثلاثون. وأخيرا، وبعد خداع خاله في تقسيم الغنم ، رحل بزوجاته وأبنائه، وغنمه، هاربا من خاله . في قصة الهرب هذه، بعيدا عن الخداع والمكر ...الخ، يلفت النظر سرقة راحيل لأصنام أبيها وتستر يعقوب على السرقة. وأكثر من ذلك، وحين لحق لابان بيعقوب، اهتم الأول باستعادة أصنامه ، وقام بتفتيش الأمتعة بحثا عنها . لكن راحيل كانت قد وضعتها في خرج وجلست فوقها، الأمر الذي حال بين أبيها والعثور على أصنامه . والسؤال هنا: إذا كان يعقوب على دين أبيه إبراهيم ، وهو الدين الرافض للأصنام ، دين التوحيد، كما يزعم أتباع ديانات التوحيد ، فكيف وافق على سرقة  راحيل لأصنام أبيها، وتواطأ على تخبئتها، وبديهي عبادة زوجاته لها .؟

5- ونأتي أخيرا إلى يعقوب ومصارعته هذا الإله، ومن ثم تحويل اسمه من يعقوب إلى إسرائيل، وتعني الذي صارع إيل . وإيل في الديانة الكنعانية هو الله. وتقول الحكاية، كما وردت في الإصحاح الثاني والثلاثين – الآيات من 22 إلى 33 : " ثم قام في تلك الليلة وأخذ امرأتيه وجاريتيه وأولاده الأحد عشر وعبر مخاضة يبوق *  أخذهم وأجازهم الوادي وأجاز ما كان له * فبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر * ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حُقَّ فخذه . فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه * وقال أطلقني لأنه قد طلع الفجر . فقال لا أطلقك إن لم تباركني * فقال ما اسمك ، فقال يعقوب * فقال لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل . لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت * وسأل يعقوب وقال أخبرني باسمك . فقال لماذا تسأل عن اسمي وباركه هناك * فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل . قائلا لأني نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي * وأشرقت له الشمس إذ عبر فنوئيل وهو يخمع على فخذه * لذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النسا ، الذي على حق الفخذ إلى هذا اليوم ، لأنه ضُرب حق فخذ يعقوب على عرق النسا * " .

بنو إسرائيل والأضاحي البشرية:

 الحكاية السابقة توضح بجلاء، وتقطع الشك باليقين، أن إيل هو إله يعقوب،  وأن إيل إله أبيه إبراهيم. ومع ذلك دعونا نوافق أهل الإسلام في أن إله إبراهيم الذي أمره بذبح ابنه، امتحانا لإيمانه ، هو الله، إله المسلمين والمسيحيين واليهود، لنعود ونسأل: هل كان هذا الطلب وسيلة لحث الكنعانيين، ومن بعدهم العبرانيين، على التوقف عن تقديم الأضاحي البشرية  واستبدالها بالأضاحي الحيوانية ؟ وهل  حققت هذه الوسيلة  نجاحا يذكر عند شعوب المنطقة، وبني إسرائيل في المقدمة ؟

التوراة تجيبنا بلا قاطعة. وتقول في مواضع عدة أن الجميع في المنطقة، بمن فيهم بنو إسرائيل ، واصلوا طقوس الأضاحي البشرية، وإلى وقت متأخر، قرنان أو ثلاثة ق . م .  وإذن تعالوا نستعين بالدكتور أنطون القسيس  وكتابه :" ملامح من الفكر الديني الكنعاني الفينيقي " ، في عرض شهادات التوراة .

يقدم  د . القسيس لعرض الشهادات بالقول :" إن هذه الإشارة الواردة في سفر التكوين حول ذبيحة إبراهيم لا تتكرر خلال العصر البرونزي في التراث العبراني . إذ هناك صمت مطبق ، لا تفسير له خلال تلك الفترة . لكن عند تكوين الممالك العبرية في فلسطين ، خلال العصر الحديدي ، وتحديدا مع حكم داود حوالي 1000 ق . م نلاحظ أن النص التوراتي راح يشير بوضوح إلى ممارسة هذا النوع من الذبائح البشرية عند العبرانيين أو جيرانهم "  .

يبدأ د . القسيس بجيران العبرانيين، مستعينا بسفر الملوك الثاني، الإصحاح الثالث،  وحصار الإسرائيليين لميشا ملك موآب – القرن التاسع قبل الميلاد - . الملك، وفي محاولة لرد المحاصرين، قدم ابنه البكر وولي عهده، ذبيحة لإله موآب، وعلى السور أمام أعين العبرانيين. يقول النص: " فلما رأى ملك موآب أن الحرب قد اشتد عليه أخذ سبعمائة رجل مستلي السيوف لكي يشقوا إلى ملك أدوم فلم يقدروا * فأخذ ابنه البكر الذي كان مَلَكَ عوضا عنه وأصعده محرقة على السور . فكان غيظ عظيم على بني إسرائيل . فانصرفوا عنه ورجعوا إلى أرضهم " . 

ومن ذات السفر الإصحاح السادس عشر ، ينتقل د. القسيس للإشارة إلى مواصلة بني إسرائيل   طقس الأضاحي البشرية . يقول النص:" في السنة السابعة عشرة لفتح بن رَمَلْيا مَلَكَ آحاز بن يوئام - ( 736 – 720 ق .م ) – ملك يهوذا * كان آحاز ابن عشرين سنة حين ملك . وملك ست عشرة سنة في أورشليم ، ولم يعمل المستقيم في عيني الرب إلهه كداود أبيه ، بل سار في طريق ملوك إسرائيل حتى أنه عبر ابنه في النار حسب أرجاس الأمم الذي طردهم الرب من أمام بني إسرائيل * وذبح وأوقد على المرتفعات وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء * " .

ويمضي د. القسيس مقدما مزيدا من الشهادات من الإصحاحات  السابع عشر، والحادي والعشرين ،والثالث والعشرين وفيها يقدم ملوك بني إسرائيل أبناءهم ذبائح ولمن ؟ للإله بعل إله الكنعانيين .

ويستذكر د . القسيس أنه وفي سفر التثنية ، الإصحاح الثاني عشر ، كان إله بني إسرائيل قد نهاهم وبصورة قاطعة عن ذبح أبنائهم قرابين للآلهة، ولكنهم لم يستجيبوا، وواصلوا طقوسهم . يقول النص:" لا تفعلوا هذا نحو يهوه إلهكم . فهم فعلوا لآلهتهم كل رجس يكرهه يهوه حتى أنهم أحرقوا بناتهم وبنيهم في النار " . " لا يكن فيما بينكم من يحرق ابنه أو ابنته ذبيحة في النار، ولا من يتعاطى العرافة ولا الشذوذ ولا الفأل ولا السحر " .

ورغم هذه الأوامر الصارمة ، شديدة الوضوح ، واصل الإسرائيليون ، تقديم الذبائح البشرية، وإلى الآلهة الكنعانية، وحتى وقت متأخر. وحتى أن النبيين إرميا وحزقيال، عزوا غضب الرب على بني إسرائيل، فالسبي إلى بابل ، إلى مواصلة تقديم الذبائح البشرية وللآلهة الكنعانية . تقول الآيتان 20 و21 من الإصحاح السادس عشر من سفر حزقيال :" وأخذت بناتك وبنيك الذين ولدتهم لي وذبحتهم لها طعاما. أهو ٌقليل هذا من زناك ؟ *  أنك  ذبحت بني  وجعلتهم يجوزون  في النار لها ؟ "، وفي الإصحاح 20 الآية 31 جاء :" وتقدمون بنيكم في النار ذبائح لها وتتدنسون  بكل أصنامكم إلى اليوم ".

وماذا عن عرب الجزيرة ؟:

وإذا كانت ذبيحة إبراهيم  لم تنفع عبرة لنسله ، فهل فعلت ذلك لأقوام وشعوب لم تسمع بها ؟ كتب التراث الإسلامي، خصوصا السيرة النبوية ، تشير إلى أن عرب الجزيرة، والذين كانوا على احتكاك دائم بأهل الشام، أي بالمجتمع الكنعاني – الفينيقي، ومعتقداته وطقوسه الدينية، عبروا مرحلة الأضحية البشرية، إلى الأضحية الحيوانية. ولا يشهد على ذلك الهدي وتزيينه ، وذبحه أضاحي في موسم الحج  فقط. هناك قصة عبد المطلب وعزمه ذبح ابنه، الأثير لقلبه، عبد الله، والد النبي، وحيث،في حديث منسوب له،  وصف النبي نفسه بابن الذبيحين؛ إسماعيل وعبد الله.

والقصة أوردتها بالتفصيل، في الحلقة الأولى من هذه السلسلة – تقاطعات بين الأديان – وتحت عنوان: " عبد المطلب جد الرسول هل كان نبيا ؟ ". إذن تعالوا نستعرضها بإيجاز غير مخل  .

عبد المطلب كان قد نذر للآلهة أحد أبنائه، إن بلغوا العشرة ومنعوه . أجرى كاهن هبل المقيم داخل الكعبة  القداح - القرعة – فخرج على عبد الله، أحب أبناء عبد المطلب وآثرهم على قلبه . سحب عبد المطلب ابنه، متوجها إلى الكعبة وعازما على ذبحه عند قدمي هبل ، كبير آلهة قريش. قابله وتصدى له  كبار قومه، مذكرينه  أنهم تخطوا طقس الذبيحة البشرية، وأنهم يرفضون العودة إليها. وبالنتيجة ألزموه الالتجاء لعرافة قرب المدينة ، والتي وفرت له الحل ؛ و المتمثل في إعادة كاهن هبل عملية القداح، وهذه المرة على عبد الله، وفدية مكونة من عشرة وراء عشرة من الإبل حتى ترضى الآلهة . وهو ما تم حسب الرواية، عند الرقم مائة .

في الرواية  تماثل مذهل مع قصة إبراهيم وذبح ولده الأثير لقلبه ، فاستبدال الضحية البشرية بالحيوان؛ كبش في قصة إبراهيم، ومائة بعير في قصة عبد المطلب.  ومبرر الذبح؛ أمر الله في حالة إبراهيم، والنذر في حالة عبد المطلب، يبقى مجرد فارق لفظي .

أكثر ما يلفت الانتباه في الرواية ذلك  الاحتفاء الإسلامي بها؛ 1- بإبرازها  في صدر السيرة النبوية، والاستشهاد بها كدليل إضافي على رفعة نسب النبي، رغم أن القصة في الجانب الآخر منها ، تنحو إلى تعظيم   آلهة مكة، والإقرار بكراماتهم. 2-  اعتماد الشرع الإسلامي لقيمة الفدية هذه دية للمسلم القتيل ، وتعريفها باسم الدية المحمدية .

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال : ما الذي دفع المسلمين لاختراع قصة ذبح عبد الله والد النبي، ومحاولة إعادة الأضحية البشرية، على مجتمع كان قد تجاوزها منذ وقت طويل ؟ هل هو مجرد التنافس مع اليهود، من خلال المقابلة بين إسرائيل – يعقوب - ابن الذبيح إسحق، ومحمد ابن الذبيح عبد الله ؟ وهل هو تلميح إسلامي بأن إسحق كان ذبيح آلهة وثنية ، كما هو حال عبد الله ؟ والسؤال الأهم لماذا وكيف أبقى الإسلام على الأضحية رغم أنها طقس وثني، استنه الناس طلبا لرضى آلهتهم، ودفعا لغضبها. طقس مورس في كل الديانات الوثنية ، وعلى رأسها ديانة مكة ؟ ولماذا أخذ الإسلام عيد الأضحى وهو عيد وثني، وثبته عيد المسلمين الأكبر ؟  

صلح الحديبية:

سيجيب أدعياء الدين برفض علاقة الأضحية الإسلامية، ومن ثم عيد الأضحى، بسابقاتها الوثنية. سيفعلون ذلك اعتمادا على ضعف معرفة المسلمين بالقرآن وبتراثهم . ونقول :

حين حط النبي وصحابته رحالهم في الحديبية، في أول رحلة حج،  نهاية السنة السادسة للهجرة، تخوفت مكة من احتمالية غزوها، فاستعدت للحرب. وفشلت رسل الطمأنة، وبينهم عثمان بن عفان، في تهدئة  المخاوف. وكانت رؤية فرسان مكة  الهدي وزينته وقلائده كافية لإزالة تلك المخاوف ، ففتح الطريق للمفاوضات التي انتهت بتوقيع صلح الحديبية. لماذا ؟ لأن الهدي وزينته كان مطابقا لمواصفات وطقوس الحج في ديانتهم الوثنية. وحين حج النبي بعدها بسنة نفذ طقوس الهدي والنحر بحذافيرها . ثم كان أن التنزيل اعتمد هذه الطقوس دون إضافة أو حذف . وزاد على ذلك أن اعتمدت السنة طقوس تعليم وتزيين الهدي ، من قلائد وغيرها .

وفي التوراة تصف عشرات الآيات تنشق وتمتع  يهوه، إله إسرائيل، بروائح الشواء، وامتداد لسان من اللهب لشفطه ولحسه من على المذبح .

وما من مسلم سأل: هل الله، هو مثل كل آلهة الوثنيين الأخرى، تسكره روائح الشواء، ويحتاج للأضاحي؟ سيجيب الأدعياء أن الأضحية، وإن كانت على اسم الله، فهي لإطعام الفقراء من أهل مكة وجوارها، وغيرهم من فقراء المسلمين . ومع أن هذه الوسيلة فشلت على مر التاريخ في حل مشكلة واحدة من مشاكل الفقر، إلا أنه لا بد من السؤال : لماذا لم يجد  الله وسيلة أخرى لإطعام الفقراء، واستعار وسيلة كان الكفار الوثنيون قد ابتدعوها ؟ ولماذا شرع عيد الكفار، الذي يأتي خاتمة لطقس، عيدا أكبر للمسلمين ؟