2016-08-06

نحن والواقعية الاشتراكية

 

خليل توما 

أثار الصديق الناقد أ. د عادل الأسطة في دفاتر الأيام  12/6/2016، مسألة الواقعية الاشتراكية، مشيراً من خلال تعليقات بعض الكتاب إلى اعتقادهم بانتهاء صلاحيتها، وكنت قد سمعت تعليقاً مماثلاً ذات يوم من كاتب يساري صديق، هذه الواقعية الاشتراكية التي انتشرت في وطننا العربي في الخمسينيات والستينيات، واستمر حضورها طاغياً في الأنواع الأدبية المختلفة، وقدمت أجيالاً من الأدباء المبدعين في العالم، وفي الوطن العربي، وفي فلسطين التي سار معظم مبدعيها على نهجها الأدبي.

ولعل المسألة المثارة تستحق أن تطرح لنقاش عام، ليدلي كتابنا وأدباؤنا وفنانونا أيضا برأيهم فيها، ففي هذا منفعة لنا جميعاً، خصوصا للجيل الناشئ من أدبائنا، إذ نفتقد في بلدنا مثل هذا النقاش لقضايا عامة تهم المجتمع أو نخباً منه.
بداية أود أن أوضح أن الواقعية الاشتراكية باعتبارها منهجاً أدبياً زكته ضرورات إنسانية، ومجتمعية، وتاريخية، وفلسفية، لا تتأثر بفشل التجربة الاشتراكية سواء في الاتحاد السوفييتي أو غيره، فهي منهج أدبي قائم بذاته، وليست برنامجاً أو تنظيماً سياسياً

ويتضح ذلك عند النظر إلى الأسس التي بني عليها هذا المنهج، ومميزاته، والأفق الذي يسعى إلى ملامسته.

كما أن صفة الاشتراكية في هذه التسمية، ليست ملزمة بالضرورة، فكثير ممن ساروا على درب الواقعية الاشتراكية لم يكونوا اشتراكيين ولا شيوعيين، أما الأهم  فهو منطلقاتها وغاياتها، ولذا، يمكن أن تدعى الواقعية التقدمية أو الكفاحية في خضم النضال من أجل الديموقراطية والتخلص من نير الرجعية والانفكاك من قيود التخلف، أو في واقع كواقعنا يناضل فيه الشعب للخلاص من الاحتلال وليست الاشتراكية من الأهداف المطروحة حالياً

أما القواسم المشتركة لهذه الواقعية فهي الانحياز إلى الطبقات الكادحة، والفقراء، والمهمشين في المجتمع، وإلى "المعذبين في الأرض" عموماً، وإيمانها بانتصار الجماهير والشعوب المضطهدة والمنهوبة، في الصراع الطبقي المحلي والعالمي، حيث تستشرس القوى الرجعية والمستغلة،  وقوى الاستعمار والامبريالية، ولنا أن نضيف هنا معاناة النساء من القمع والاحتجاز وقضايا النوع الاجتماعي عامة، وحقوق الإنسان، والإرهاب ومجازره والتصدي له

وتؤمن هذه الواقعية بأن الشعوب ستحقق أهدافها في النهاية في الحرية والتقدم

وهي بذلك تعطي أملاً للجماهير والشعوب وتحفزها على الكفاح الذي سينال مبتغاه مهما كانت حلكة الدرب ووعورة الطريق

إنها واقعية متفائلة، ترى النور في نهاية النفق، ولا تقدم أدباً ينعق بالخراب واليأس والإحباط والعدمية، وليس هناك من هو أكثر حاجة لمثل أدب الحياة هذا من شعبنا الفلسطيني في هذا الظلام المطبق.

وللأديب في هذا المنهج الأدبي دور طليعي في معركة التقدم والتحرر وإمداد الإرادة الإنسانية بوقود الوعي والثقة والأمل، فالأدب هو موقف والأدب هو رسالة، ودم غسان كنفاني، وماجد أبو شرار، ولوركا وآخرين لا حصر لهم شاهد على ذلك.

حاول البعض أن يطعن  في أهلية هذا المنهج، بسبب بعض النتاج غير الموفق، فكما في كل أدب، هناك مبدعون وهناك من يحاولون، والحياة هي التي تحكم في نهاية الأمر، فمقابل أعمال أدبية رفيعة ورائعة في مواقفها وإبداعاتها الإنسانية والفنية، قدمتها الواقعية الاشتراكية، نجد نماذج أخرى اتسمت بالسطحية والشعاراتية، ربما كانت نتاج فهم خاطئ لهذه الواقعية، حيث ظن البعض أن الهبوط بالمستوى الفني للعمل الأدبي أمر لا بد منه للتواصل مع الجماهير وخدمة رسالة سياسية ما، وربما كان للقمع السلطوي دور في ذلك، وربما كان للافتقار إلى التجربة في بدايات الأدباء نصيب في ذلك كما نلاحظ في بعض أشعارنا قبل أن تستقيم الأداة الفنية ويقوى عودها، إلا أن اللوم في ذلك يقع على الأدباء أنفسهم، أما الواقعية الاشتراكية فلا تتجاهل الإبداع الفني في العمل الأدبي، وتعتبر أن الشكل يكمل المضمون الذي هو الرسالة – الموقف

إن فهم الواقعية الاشتراكية والثقة برسالتها التي تتجسد بإعلاء الوعي النضالي، والتضحية بلا حدود، والتفاؤل، والثقة بقدرات الشعوب والجماهير، يدفع إلى التأكيد على ضرورة وأهمية الأدب الملتزم، ربما تساق تبريرات على عكس ذلك بدواعي الهزائم المتكررة والإحباط، أو في مجتمعات مستقرة، رغم أن المعاناة الإنسانية على هذا الكوكب تستدعي كل ضمير حي للانخراط في صد أسبابها بما يستطيع، والأدباء هم من يحمل السلاح الأقوى، سلاح الكلمة، ولذا فإن إسهامهم في ذلك ذو أهمية بالغة في الحشد للتصدي لتغول الامبريالية بتجلياتها المختلفة وأهمها الاحتلال، وسطوة رأس المال؟ أما القول إن "أصحاب الرسالة من الأدباء هم أنبياء كذبة وعرافون فاشلون" قياساً بعدم تحقق انتصار ما في حياة الفرد - فلا يسعنا سوى أن نقول إن أصحاب الرسالة من الأدباء هم منارات تضيء دروب شعوبهم، وتقدم قضاياهم للعالم وتسبر عمق المعاناة الإنسانية، وتسهم في حشد المناصرة والتأييد لهذه القضايا العادلة، ورغم أن الفجر لم يسطع على الكثيرين منهم، إلا أنهم أوسعوا لهذا الفجر طريقا بدمائهم وعذاباتهم، إذ كيف يكون الأديب "مجرد وسيط لا حول له"، وهو من الطليعة الواعية في شعبه، يعاني ما يعانيه شعبه، ويشاركه الأمل نفسه، ويفترض أن  يناضل معه لا أن يقف متفرجاً، وقد يسجن ويستشهد، ولا يتميز إلا بأن سلاحه القلم، بينما اختار آخرون أسلحة وأساليب أخرى

لنفتح النوافذ مشرعة على كل التيارات الأدبية، للاطلاع عليها، والاستفادة منها لتطوير أدواتنا، ولكي نختار منها عن قناعة ما ينفعنا في نضالنا المرير من أجل الحرية والتقدم، إذ لا نملك ترف التسكع على أرصفة أدبية وفنية لمجتمعات لا تعاني ما نعاني من احتلال استعماري وقهر وتخلف، ولذا اعتقد أن من الواجب تقديم الواقعية الاشتراكية، أو التقدمية، أو الكفاحية سمها ما شئت للجيل الصاعد من أدبائنا بشكل موضوعي وأمين، لتكون من روافد إبداعهم بدل التنفير منها، خاصة في وقت تراجعت فيه الهمم، وأطبق الإحباط،  فهي طريق الأدباء المناضلين من أجل كل ما هو إنساني ونبيل على هذا الكوكب

يدفعني إلى ذلك ملاحظتي المتواضعة وأنا أطالع مجموعات شعرية فلسطينية حديثة الصدور، لا يعثر المرء فيها على شيء له علاقة بالقضية والهم العام.

الأيام 19/7/2016