2016-08-28

    مقدمة كتاب نعيم الأشهب "إرهاب العولمة وعولمة الإرهاب"

ليس العصا.. وإنما اليد التي تقبض عليها!

عصام مخول

الحرب التي أعلنها الرئيس الامريكي السابق جورج دبليو بوش مع بداية القرن الحادي والعشرين الجاري، باعتبارها “حرب الديمقراطية العالمية على الإرهاب”  للرد على هجمات 11 سبتمبر 2001، لم تكن في جوهرها وفي جيناتها إلا حربا إمبريالية إرهابية على الديمقراطية وعلى حريات الشعوب والدول المستقلة لإخضاعها لمشاريع الهيمنة الامريكية عالميا، وقمع الحريات الديمقراطية الحقيقية، والانقضاض على حقوق الانسان وإنجازات العاملين وكل ضحايا السياسات الليبرالية الجديدة. إن هذا صحيح  ليس في البلدان المستهدفة من هذه الحرب وحدها، بل صحيح في المراكز الرأسمالية المتطورة نفسها بما فيها في الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي

وعندما خرج الرئيس بوش في حينه الى الرأي العام الامريكي والعالمي ليعلن حربه الارهابية العدوانية "على الإرهاب"، "بشّر" شعوب العالم بأن حربه سوف تستهدف وتطال أكثر من ستين دولة في مختلف أنحاء العالم، وبأن مدتها قد تطول على امتداد عقود من الزمن

إن ما أرادته المؤسسة الامبريالية الحاكمة في الولايات المتحدة من هذه الحرب لا أن تكون "حدثاً" في التاريخ، ولا أن تكون رداً على حدث إرهابي في نيويورك، وإنما أرادت منها بشكل مخطط ومنهجي،  أن تخلق حالة عالمية جديدة  ونظاما عالميا متوحشاً جديدا، على مقاس تفرّد الولايات المتحدة الامريكية، ليس في السيطرة على الشعوب وخيراتها ومواردها ومصادر الطاقة فيها فقط، وإنما في السيطرة على مستقبل هذه الشعوب والتحكم بثقافاتها  وإغراقها بالوعي الزائف والفكر الغيبي التكفيري الظلامي، ليصبح هذا الفكر أداة الامبريالية الرئيسية المُعتمَدَة في تنفيذ مشروع الهيمنة المنفلت، وهدر طاقات الشعوب وأنفَاسِها الوطنية وكراماتها القومية، وهدر وحدة الاوطان والشعوب، وتشويه ثقافاتها والنيل من حضاراتها وفكرها التحرري

كان إعلان "الحرب على الإرهاب" بداية هذا القرن، إيذانا بإطلاق منظومة من المفاهيم الدخيلة، هدفها ترسيخ عالم القطب الامريكي الواحد بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وإطلاق الامبراطورية الامريكية، وتدشين مفاهيم "نهاية التاريخ"، و"نهاية الايدولوجيا" وتكريس الرأسمالية المتوحشة نظاما أبديا لا بديل عنه،  بقوة التفوق العسكري والترويج لأوهام الديمقراطية بيدها الواحدة، ونشر منظمات الارهاب المُعَوْلَم بالأخرى

ويكفي أن نشير إلى ما تفضحه المؤسسة الامريكية السياسية والأمنية نفسها من اعترافات، بما فيها اعترافات هيلاري كلينتون المرشحة للرئاسة الامريكية ووزيرة الخارجية الامريكية في إدارة الرئيس أوباما الاولى، بأن الولايات المتحدة ومؤسساتها المخابراتية، كانت وراء إقامة منظمات ارهابية مثل "القاعدة" و"داعش" و"جبهة النصرة"، وضمان تمويلها وتدريبها ومدها بالسلاح. ويكفي أن نسجل ما تناقلته وسائل الاعلام وبعض مراكز الابحاث الالمانية، من أن عدد الارهابيين الذين جرى إدخالهم الى سوريا منذ بداية الازمة عام 2011 قد بلغ  ثلاثمئة وستين ألف إرهابي، على الاراضي السورية منهم اليوم أكثر من مئة ألف إرهابي فاعل

كان مشروع "الامبراطورية الامريكية العالمية"  يبدو واعداً بالنسبة للدوائر الحاكمة في الولايات المتحدة وعكاكيزها بداية القرن الحالي، في ظل تعمق عمليات العولمة الرأسمالية والهيمنة على مصادر الطاقة والتحكم بها وخصوصا في الشرق الاوسط ومنطقة الخليج العربي. وكان يبدو أن في متناول يد الولايات المتحدة كل وسائل التحكم لمنع نشوء قوى عالمية منافسة لمشاريع هيمنتها، وأن في متناول يدها فرض مفاهيم جديدة للعلاقات الدولية وللعلاقات الطبقية والثقافة السياسية السائدة داخل الدول وبين الدول، بما تشكله هذه المنظومة المستحدثة من المفاهيم، من  انقلاب على المفاهيم التحررية السياسية والاجتماعية التي سادت وميّزت نضالات الشعوب وجمهور العاملين على امتداد القرن العشرين.

وفي إطار هذه المنظومة من المفاهيم أسست المؤسسة الامريكية الحاكمة لعالم لا مكان فيه لمفاهيم نضال الشعوب المظلومة، والتحرر القومي، والصراع الطبقي، ولا مكان فيه لمقاومة الاحتلال والعدوان،  والدفاع عن حقوق الامم واستقلالها الوطني، ولا شرعيةً للاعتراض على السياسات الامريكية أو النضال للإفلات من معادلات التبعية لها، ولا مكان لأنظمة وقوى سياسية تمانع مشاريعها وترفض الانضواء في إطارها

واعتبرت أن كل تحدٍّ لمصالح وجشع الامبراطورية الامريكية وحلفائها، وسطوة شركاتها العملاقة العابرة للقارات و"عالمها الحر"، يصب في خانة "الارهاب والتحريض" و"الإقلاع عكس الزمن"،  مما يقتضي الاقتصاص منه حتى ولو اضطرت "الامبراطورية" الى إحراق الأخضر واليابس، بل من الأفضل عبر إحراقهما، كي لا تقوم للشعوب والكيانات الوطنية الممانعة  قائمة في المستقبل المنظور.  

وتزامن ذلك مع قيام المؤسسات الايديولوجية ومؤسسات صناعة الرأي في الولايات المتحدة، ومراكز أبحاثها الاستراتيجية، بالترويج الى ان "الامبريالية" هي مفهوم "متخيل" بائد. واعتبرت أن أية محاولة لرفض هذه المنظومة الجديدة، أو فضح دور أمريكا وأتباعها ووكلائها، بصفته دورا عدوانياً إرهابياً وتفكيكياً يهدد الشعوب والدول العريقة، ليس أكثر من الغوص في متاهات "نظرية المؤامرة". 

وأخذت الابواق  المأجورة الناطقة من حنجرة أرباب نعمتها،  من فضائيات تابعة وإعلاميين ووسائل إعلام و"مفكرين"، تظهر كالفقع بعد يوم ماطر، تبرِّر الحروب العدوانية على الشعوب، من أفغانستان الى العراق الى المقاومة اللبنانية الى ليبيا الى سوريا الى السودان الى اليمن،  وتستل ادعاء "نظرية المؤامرة" الممجوج،  لِوَأْد أية محاولة لفضح طابع وطبيعة الحرب الارهابية على الديمقراطية وحريات الشعوب، وهي حرب تقودها الامبريالية الامريكية، اعتمادا على عكاكيزها الصهيونية والرجعية العربية والإقليمية، من الوهابية الى العثمانية الجديدة. وتلجأ الى امتشاق "تهمة" "نظرية المؤامرة" للتغطية على مؤامراتها الدموية وضمان استمرار نشر الوعي الزائف والتخلف وتفكيك الاوطان وتفتيت الشعوب الى مركباتها الإثنية والطائفية والمذهبية الأولية

وإذا كان النظام العالمي الجديد، نظام القطب الواحد قد ولد وتكرّس في حرب أمريكا الاولى على العراق 1991، وتكرّس في الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فإن من المفارقات أن نظام القطب الواحد مرشح للانهيار على صخرة صمود سوريا وتماسكها دولة وجيشا وشعبا، في وجه الهجمة الارهابية لتحطيم هذا البلد وتفكيكه وفي ظل تعثر مشروع العدوان الأمريكي الذي يجري تنفيذه بأيدي قوى الارهاب العالمية وحلفائها على سوريا.

في قلب هذا التطور الاستراتيجي الخطير وفي ظلّ فرصة انقلاب السحر على الساحر، كما تسطرها في هذه الايام معركة مدينة حلب الشهباء، بعد أن أصبح واضحا أن انتصار الدولة السورية وتقدم جيشها وحلفائه في كل موقع على الارض السورية يشكل مساهمة فعّالةً  وأساسيةً، في معركة عالمية ديمقراطية وإنسانية حقيقية لا بد للشعوب من خوضها ضد الارهاب وضد رعاته في الوقت نفسه،  ضد إرهاب العولمة وعولمة الارهاب، التي يقدمها لنا ببراعة في هذا الكتاب الرفيق والكاتب والمناضل العريق نعيم الأشهب الذي شرفني بتقديم كتابه القيم هذا

ومن المفارقات أن يكون أحد الرفاق المسؤولين الهنود الذين رافقوني  أثناء جولة محاضرات قمت بها في خمس ولايات هندية يحكمها الشيوعيون في العام 2009، قد تحدَّر من منطقة قروية في ولاية كيرالا الجنوبية، وقصّ عليّ ذات صباح، كيف كان أحد لاعبي السيرك يحضر الى ساحة القرية يحمل حزمة من العصي في يد، ويجر غوريلا ضخمة باليد الاخرى. وكان اذا تحلق من حوله الناس يمتشق عصاه الغليظة ليلهب بها ظهر الغوريلا، وعندما تفقد الغوريلا صبرها تهاجم الرجل فتنتزع العصا من يده وتكسرها حتى لا تصلح للضرب أكثر. فيستل الرجل عصاً أخرى وأخرى الى أن تأتي الغوريلا على تكسيرها جميعا

إن حل المشكلة الحقيقية لا يمكن أن يكمن في مهاجمة العصا - أداة العدوان - وحدها، من دون المواجهة والصدام مع من يحرك العصا ويعذّب الغوريلا ويضرب ظهرها بعصاه الغليظة.. تماما كما أن الحل لن يتأتى  من دون مقاومة القوى العالمية التي تلهب ظهر الشعوب بعصا الارهاب والتفكيك والتفتيت. وهذا يعني أن الحرب ضد الإرهاب، هي بالضرورة حرب ضد الامبريالية ومشاريع هيمنتها،  وضد التبعية، وضد عملائها الاقليميين والمحليين

إن نعيم الاشهب بكتابه هذا يتناول الموضوع الاكثر خطورة في عالمنا اليوم، ويكشف لنا بإصدار هذا الكتاب الهام "إرهاب العولمة وعولمة الإرهاب"، أن الارهاب ليس ظاهرة قائمة بذاتها، وليس قدرا أو كارثة طبيعية، وإنما يشكل أداة في خدمة  قوىً بعينها في إطار منظومة  العولمة الرأسمالية المعادية لمصالح الشعوب وحرياتها، تستفيد منه القوى الامبريالية المتنفِّذة عالميا وتروج له وتعتمده في تعميق هيمنتها في سياق مادي تاريخي عيني

إن ما يقوم به عتاة "مشروع الامبراطورية الامريكية العالمية"، الطامحة الى ترسيخ عالم القطب الواحد،  والتفرد بالهيمنة على موارده، والتربع على عرش العولمة الرأسمالية والليبرالية الجديدة، هو محاولة تضليلية لنقل ظاهرة الارهاب من ميدان التاريخ الى خارج التاريخ، ومن مجال الصراع الطبقي والسياسي في الواقع المعاش الى الميدان الديني الغيبي والتكفيري،   وهو بذلك يشكل محاولة لتهريب جوهر الصراع الاجتماعي والتناقض الطبقي السياسي الحقيقي المحتدم بين دول مراكز العولمة الرأسمالية، وبين دول فككتها الحروب الامبريالية بالوكالة  تقبع شعوبها على هامش العولمة الرأسمالية، وقد مزقتها منظمات الارهاب والتكفير الظلامي من جهة، وهو من الجهة الاخرى صراع داخل دول المركز الرأسمالي التي تعاني من استقطاب طبقي واجتماعي غير مسبوق، يرافقه  تدهور الحيز الديمقراطي وتصاعد ملامح التدهور الفاشي الخطير

إن نعيم الأشهب في كتابه هذا يمسك بالثور من قرنيه، ويكشف العلاقة العضوية بين عولمة الإرهاب وإرهاب العولمة.. ويرصِّع  الغلاف الخلفي لكتابه بمقولة ابن رشد، التي لم تكن في يوم أكثر صلة بالواقع مما هي عليه اليوم : "التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، وإذا أردت أن تتحكم في جاهل فعليك أن تغلّف كل باطل بغلاف ديني ".   

  • مقدمة كتاب الرفيق نعيم الاشهب، "إرهاب العولمة وعولمة الإرهاب" الصادر حديثًا