2018-07-01

مع كتاب ابراهام بورغ "لننتصر على هتلر"

عرض وتقديم: سعيد مضية

في هذه الحلقة من سلسلة استعراض كتب تنقض الصهيونية، أقدم كتابا لمؤلف خرج من صلب الحركة واندمج في خضم أنشطتها، ومضى شوطا بعيدا في ركبها وجمع تجربة أوردها في كتابه "لننتصر على هتلر" [تأليف أبراهام بورغ، ترجمة بلال ضاهر وسليم سلامة، مراجعة وتقديم انطون شلحت ،إصدار مدار ـ مركز الدراسات الإسرائيلية، رام الله نيسان 2010].

أبراهام بورغ هو ابن يوسف بورغ، المهاجر من ألمانيا، رئيس الحزب الديني الوطني، ووزير الأديان في حكومات بن غوريون. ولد عام 1955 من ام يهودية عاشت في مدينة الخليل وقصت عليه حكايات عن حياتها هناك قبل أن تهاجر من المدينة إثر أحداث 1929. وقد تحدث عن تلك الأحداث البروفيسور آينشتين امام لجنة تحقيق دولية عام 1946، والقي المسئولية على البوليس البريطاني بالتحريض على تلك الأحداث وأورد اسم ضابط بوليس بريطاني خدم سلطة الانتداب وسجل اعترافاته عام 1934بهذا الشأن. كما أن البروفيسور آينشتين، وقد تأكد بعيد الأحداث من قيام عناصر يمينية يهودية باستفزازات مهدت للصدامات المسلحة، طالب في حينه بإطلاق سراح الثلاثة المحكومين بالإعدام بسبب مشاركتهم في الأحداث ( محمد جمجوم، عطا الزير، فؤاد حجازي). غير أن المندوب السامي البريطاني لم يستجب للطلب ونفذ الحكم.

دخل أبراهام بورغ، الكنيست نائبا عام 1985، وبقي هناك حتى عام 1995، حيث اختير رئيسا للوكالة اليهودية ومنظمة الصهيونية العالمية، ثم عاد على الكنيست عام 1999. خرج من هذه التجربة يرى في الاستيطان، كما أورد في مقبلة صحفية معه، عملا لاأخلاقيا والدولة اليهودية قنبلة موقوتة. وهو يقول في كتابه أن هتلر، وإن اندحر عسكريا فقد انتصر ثقافيا، حيث هزم الذهنية الإسرائيلية وطبعها بطابع الموت وجثثه. تجلت الحقيقة لديه إثر "دراسة تم إعدادها قبل بضع سنوات بين طلاب موضوع التربية في إحدى كليات تأهيل المعلمين المرموقة في تل أبيب، كشفت عن نتيجة مذهلة: أكثر من تسعين بالمائة من المشاركين في الاستطلاع الذي شملته الدراسة أفادوا بأن المحرقة بالنسبة لهم هي التجربة الأهم في تاريخ الشعب اليهودي (..) وهؤلاء هم معلموك يا إسرائيل! أضيفوا إلى ذلك عشرات ألوف الطلاب الذين يسافرون كل عام إلى ’مسيرة الحياة'(في مخيمات الإبادة النازية)، كي تدركوا الاندفاع المحزن إلى طقوس عبادة الموت اليهودية، وانجذابنا الذي يكاد يكون شهوانيا على حافة الخلاعة البورنوغرافية، نحو الموت وجثثه" [بورغ :43].

وهذا نموذج للذهنية التي توجه سلوك الشبان المنخرطين في الخدمة العسكرية. إذ بهذه التعبئة المكثفة والمتواترة للفتيان في سنتي الدراسة الثانوية الأخيرتين، قبيل الالتحاق بالخدمة العسكرية، بات "الماضي المحرقي، وهذا الماضي على عكس جميع الأزمان الماضية الأخرى ليس ماضيا يبتعد فحسب، وإنما هو ماض يقترب منا طوال الوقت، حاضر أكثر، موضب أكثر ،مضبوط أكثر مسموع وله تمثيل اكبر بكثير. إنه ماض أصبح جزءا لا يتجزأ من الحاضر الإشكالي لدينا جميعا." [بورغ :48].

اراد أبراهام بورغ في كتابه أن يعبر عن قناعته التي كونها من خلال تجربته الغنية، طفلا في كنف أسرة مطلة على السياسات العامة ، ثم شابا وسياسيا انخرط مبكرا في خضم النشاط السياسي. أجمل خلاصة التجربة أن الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل قد استلهمتا النازية بصورة مباشرة وغير مباشرة، لينتهي إلى أن "حان الوقت لإجراء نقاش حقيقي ولاذع بشأن ما هي هذه الدولة وما هي أمراضها، وما هي أساساتها المتورمة وماذا يمكن ان تكون مصادرها للشفاء والمساعدة [78].

صنع الموافقة ـ غسيل الدماغ

تعبير "صنع الموافقة" صاغه نوعام تشومسكي في معرض توصيفه لعمل الميديا في الغرب. فهي تنتقي حزم الأخبار والتعليقات والتحقيقات مشوهة ومشفوعة بمؤثرات نفسية، بحيث تؤثر نفسيا في المتلقي وتدمر الدفاعات الأمامية لمقاومة غرائب ما يتلقاه، والغرض تسهيل عبور الرسالة إلى الدماغ بجهود أقلية ذكية تحترف التضليل وتقديم الوعي المزيف. مثال ذلك ما قدمه شلومو ساند (اختراع الشعب اليهودي) من تغييب صفحات من التاريخ اليهودي في مواقع خارج فلسطين عن برامج الدراسة والثقافة العامة، (اليمن وشمال إفريقيا وإسبانيا وجنوب روسيا ـ الخزر) لأنها تنقض خرافة الشعب اليهودي الواحد ذي الأصل الواحد الممتد في بطن التاريخ .

وبدوره قدم بورغ أمثلة اخرى. إذ شرعت الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل بقطع الجذور الثقافية التي ربطت جمهرة اليهود الشرقيين بالثقافة العربية الإسلامية. الثقافة الوحيدة المعترف بها هي ثقافة غرب أوروبا وأميركا الشمالية. في الفصل الثالث يتوصل بورغ إلى تعمد الصهيونية شطب "مئات وآلاف السنوات التي ارتبطت فيها المجتمعات اليهودية بإسبانيا بصورة مثيرة وكأنها لم تكن، ومعها مجمل العلاقات الثقافية والاجتماعية مع المحيط العربي والإسلامي. جرى محو تراث وعادات وألحان وقصائد من على وجه الأرض، وانهار المبنى العائلي القديم" [63]. أُفهِم اليهود القادمون من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أنهم يحملون ثقافة منحطة وعليهم أن يتخلصوا منها. وإلى أن ينجز غسيل الدماغ عليهم القبول بمكانة دونية في المجتمع الإسرائيلي . وارتضى اليهود الشرقيون تلك المهانة. استغل حزب حيروت وزعيمه ميناحيم بيغن تذمر اليهود الشرقيين من سياسات الأشكيناز التي طبقها حزب العمل خلال الفترة (1948ـ 1977) واستطاع الحصول على أصواتهم في انتخابات عام 1978 والفوز بأكثرية نيابية مكنته من تسلم الحكم. ورد إيهود باراك بهجوم مضاد في نهاية القرن الماضي وخاطب نفسية المضطهد لدى اليهود الشرقيين لابتزاز أصواتهم. "عندما جاء إيهود باراك ، وكان آنذاك مرشح حزب العمل، لرئاسة الحكومة، إلى إحدى بلدات النقب، وطلب بصورة درامية صفح الطوائف الشرقية باسم حزب العمل على مر أجياله ، فقد واصل بذلك نهج الاستعلاء الفارغ ذاته ، الذي كان ينقصه التعاطف الحقيقي مع كل ما انهار وكل ما تسبب الألم. وكان ينقصه أيضا التفهم العميق أن انهيار اليهودية الإسلامية هو أمر مهم بالنسبة لإسرائيل وليس أقل ، وربما أكثر بكثير ، من انهيار يهودية أوروبا.لأن يهودية الإسلام التي انهارت كان بإمكانها أن تشكل جسرا بشريا دافئا وصادقا بين إسرائيل وجيرانها .[بورغ:63]

ثم انثنت الصهيونية تضرب على وتر الاضطهادات عبر التاريخ وتربي عقدها في النفسية الاجتماعية. يورد البروفيسور بابه أن الدعاية السياسية كانت تخيف اليهود من تجربة الهولوكوست وتحذر من تجربة ثانية يعد لها الفلسطينيون على (أرض الميعاد). " أدركت القيادة العسكرية كم كانت ضعيفة المقاومة الفلسطينية، وصرح بن غوريون لمستشاريه أن بالإمكان احتلال فلسطين بكاملها. ورغم ذلك كان يخاطب الجمهور اليهودي ’هذه حرب هدفها تدمير المجتمع اليهودي وابادته'"[82]. ثم توسعت عملية استثمار جرائم النازية على الطريقة الرأسمالية نفسها في مشروعات إقامة الدولة اليهودية النقية والموسعة. كان بن غوريون يدرك استحالة التعويل على دولة من الطراز الوارد في قرار تقسيم فلسطين (181)، وعمد منذ البداية إلى تجاهل القرار الدولي معتمدا على رفض العرب للقرار دون أن يمتلكوا القوة الضرورية لفرض البديل الأعدل. شرعت الصهيونية تختلق البطولات الملهمة لخوض "معركة البقاء" وإفشال خرافة " الحصار".

ثم كانت حكاية صناعة البطولات. "في تلك الفترة جدد الييشوف الآخذ بالتطور في إسرائيل ـ ويكاد يكون قد أوجد من جديد ـ الحانوكا (عيد الأنوار اليهودي ) كعيد البطولة والانتصار وأنشد بحنجرة مبحوحة وبأصوات متعددة: "إسمع في تلك الأيام وفي هذا العصر[69]. ثم اختلقوا حصار قلعة " الماسادا"، وحروب المكابيين ضد الرومان الوارد في التوراة، رغم أن التاريخ الروماني لم يشر من قريب أو بعيد لتلك الحروب في فلسطين؛ حيث جرت حقا في سراة اليمن على سواحل البحر الأحمر. كما أن الحكم الروماني المستقر في الديار السورية ومنها فلسطين، أحدث تنظيمات إدارية تتناقض وطبيعة الحرب المدعاة في تلك الحقبة التاريخية (القرن الثاني قبل الميلاد). "هناك مكابي يخلص ويفدي ...ففي كل جيل ينهض البطل ومخلص الشعب" [ بورغ:69].

وكذلك اختلقوا بطولة تمرد غيتو وارصو، "الحلقة المفقودة بين باركوخبا ، آخر أبطال قوة الاستقلال السيادية اليهودية، وأبطال العام 1948 وصراعات الانبعاث، اختلقت لدينا من العدم في صورة متمردي الغيتوات. تمرد غيتو وارصو في حد ذاته كحدث عسكري لم يكن مهما بصورة خاصة، بالمقارنة مع بقية الجبهات ومع زخم العمليات في مجمل أحداث الحرب العالمية الثانية[159].

أفردت الصهيونية مكانة متميزة لدور اليهود في الصراع المناهض للنازية رغم وقائع تؤكد التعاون بين الطرفين إبان الحرب العالمية الثانية." استحوذ التمرد في وارصو على الخيال اليهودي والعالمي وحوّله بصورة كاملة إلى مركب متساوي الحقوق في معادلة محرقة وبطولة. النصف البطولي يعود إلينا نحن الصهيونيين ، ونصف المحرقة يعود للآخرين ، لليهود الضعفاء والعاجزين [161]. أثناء الحرب كان الصهاينة يشكلون أقلية بين يهود العالم ، ونتيجة لعمليات غسل الدماغ بالبطولات "تحولت الحركة الصهيونية في أعقاب المحرقة إلى حركة الأغلبية المنتصرة" .....

المحرقة منعت عملية النشوء والارتقاء الطبيعية لسن النضوج القومي . "والنتيجة الظاهرة أمام عيوننا اليوم كئيبة ومؤلمة أكثر من ذي قبل. إن إسرائيل والعالم اليهودي مرتبطان بكل شباك أنفسنا مع الأجزاء المريضة والمصابة والمتورمة للتجربة الأوروبية.إننا نعيش سنوات الحياة اليهودية المروعة الاثنتي عشرة بكثافة مرضية ، وننسى ونُنسي ’ الألف اليهودية' في أوروبا، هذه الأقلية المذهلة من التأثيرات المتبادلة التي غيرت ملامحنا وملامحهم"[77].

الحلقة المفقودة بين باركوخبا، آخر أبطال قوة الاستقلال السيادية اليهودية، وأبطال العام 1948 وصراعات الانبعاث، اختلقت لدينا من العدم في صورة متمردي الغيتوات. تمرد غيتو وارصو في حد ذاته كحدث عسكري لم يكن مهما بصورة خاصة، بالمقارنة مع بقية الجبهات ومع زخم العمليات في مجمل أحداث الحرب العلمية الثانية[159]

تحولت الحركة الصهيونية في أعقاب المحرقة إلى حركة الأغلبية المنتصرة ... "في الطريق للدولة المنشودة والمطلوبة اختلقت وعظمت رموز بطولية وأساطير وقصص شعبية ووصفتها بصورة مغايرة لما كانت عليه في الواقع من دون خجل. كانت الغاية مقدسة وقد قدست الوسائل من اجلها أيضا ... في الغيتو كان هناك تنظيم فوقي للمتمردين وشمل جميع من كانوا بالغيتو، جميع الأحزاب السياسية اليهودية، وبينهم الكثير من أعضاء ال’بوند' الاشتراكيين سويا مع الشيوعيين، الذين كانوا معادين للصهيونية منذ البداية . اخفوا عنا أن عملية التمرد لم تكن لتتحقق بتاتا لولا الدعم والمساعدة التي وفرتها مؤسسات المجتمع وقادته، رؤساء الجوينت غير الصهيونيين وحتى منظمة الأنصار البولندية. جميع هؤلاء جرى إخفاؤهم وإسكاتهم وإخراسهم [161].

وتركزت الجهود العملية والثقافية في تكوين الدفيئة الخاصة للتعصب القومي. وكانت تجربة ألمانيا منذ عهد بيسمارك ملهمة في إسرائيل. "ليس نحن من أوجد اختراع مجتمع عسكري كهذا، فقد كان هناك آخرون قبلنا وعلى رأسهم المانيا في عهد المستشار الحديدي بيسمارك" [95]. مهدت الأرضية لعسكرة المجتمع والحياة الاجتماعية.

"حتى أوج الحرب العالمية الثانية كانت الغالبية العظمى من اليهود ضد فكرة الدولة اليهودية(..)كانوا جميعا موحدين في مواجهة الخوف الذي تحقق في النهاية بتحول الإطار المؤسسي ـ السياسي للشعب اليهودي إلى دفيئة خصبة لنشوء مشاعر قومية ضيقة تغير بشكل كبير طبيعته التاريخية" [68]. تكثفت الجهود واندفعت بقوة باتجاه تحقيق " الثكنة المحاصرة "، دولة صغيرة تنشد الحياة وسط محيط عربي بدائي وحاقد، و..الخ. كان التوجه يرمي لإنجاز عدة أهداف منها تبرير التحالف مع قوى الامبريالية، والإبقاء على حالة الصراعات المسلحة مع الجوار وتعبئة النفسية المقاتلة بروح الكراهية تجاه الشعب الأصيل والشعوب العربية وحركاتها التقدمية على وجه الخصوص. " ومن مكان الألم حصرا، ومن وجهة النظر الحزينة للضحية السابقة علي أن أعترف وأعلن أمام العالم أن المفاجأة الأكبر التي ظهرت أمامي خلال كتابة هذه الصفحات هي أن البني السياسية والاجتماعية والقومية الأكثر شبها لإسرائيل هي بنى ألمانيا في فترة بلورتها منذ إقامة الرايخ الثالث وحتى فترة الفوضى التي ادت إلى صعود النازيين[91].

في الفصل الرابع (محرقة ومعادلة ) يرصد الكاتب المنعطف الصاعد في التعبئة العنصرية بوصول الليكود إلى الحكم ووضع خطة استيطانية عام 1987 اعدها شارون، وزير الزراعة آنذاك، لتنفيذ مشاريع استيطانية من شأنها ان تجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية بجوار إسرائيل غربي نهر الأردن. "بيغن، رئيس الحكومة الأكثر صبيانية في تاريخ إسرائيل ؛ كطفل صغير حصل لأول مرة على بندقية دمية راعدة ، ’آلة إطلاق نار' حسب لغته البائدة ، ويضغط على الزناد بلا نهاية. بجنون، ونشوة [84]. صرخ بيغن في حينه مستغيثا من "ميونيخ جديدة" تغدر من خلالها إدارة كارتر بإسرائيل . مقلدا في مسعاه بن غوريون إذ نفذ خطة دالت لتنفيذ مجازر تجبر الفلسطينينيين على الهجرة الجماعية وأطلق دعوات استغاثة من محرقة تدبر على أرض الميعاد. كرر بيغن اللعبة يستغيث بينما ينفذ خطة استيطانية جديدة. "جدران كبيرة مزينة برسومات لكتابات عنصرية من قبيل ’الموت للعرب' و’إذا لا يوجد عرب لا توجد عمليات' والبلدية والشرطة وكل المسئولين عن الواجهة الخارجية لإسرائيل لا يتكفلون حتى بمحو هذا الخزي الظاهر للعيان. [89]. وتغلبت الخرافة على الحقيقة. "إذن ما هي المادة اللاصقة، الدبق، التي توحد المجتمع الإسرائيلي؟ الحرب؟ كم مرة قلنا لأنفسنا من حسن حظنا أنه يوجد عرب، لأنه بدونهم لكان الواحد منا قد افترس الآخر منذ وقت طويل. كم مرة فكرنا أنه لو كان أعداؤنا ’يملكون العقل' لألقوا أسلحتهم وطبعوا سيوفهم سككا ورماحهم مناجل، وانتظروا بصبر؟ [90]

بدل الانتظار يجدر استخدام العقل والتفكير بعقل بارد

نواصل تصفح كتاب أبراهام بورغ "لنتحرر من هتلر" ونرى كيف تمت الأدلجة الفاشية للأجيال اليهودية داخل إسرائيل وخارجها.

ثقافة العسكرة ـ إدمان العنف 

أسفرت التعبئة النفسية عن إخضاع المجتمع للجيش . تمت عسكرة الاقتصاد والثقافة والسياسة .

يقول ابراهام بورغ:"فقط شاب واحد من اثنين يخدم في الجيش، ورغم ذلك رغم التراجع الخفي، ما زال الجيش العمود الفقري في حياة المواطن الإسرائيلي وهويته. ولا يزال الطيارون يعتبرون الأفضل من الجميع. ضباط كبار سابقون يحتلون مواقع متقدمة في الإدارة العامة والقيادة البلدية، وأكثر من ربع أعضاء الكنيست من كتلة حزب العمل البرلمانية هم جنرالات او كولونيلات سابقون ... ما زالت الخدمة في الجيش تفتح أبوابا. وحدات نخبوية تشكل نقطة انطلاق نحو رئاسة هيئة الأركان العامة ومن هناك إلى السياسة على مستوياتها كافة، حتى رئاسة الحكومة. ويتم التعبير عن كون الجيش عمود الهوية المركزي أيضا من خلال الانتقال غير المحتمل والأوتوماتيكي تقريبا لرؤساء هيئة الأركان وضباط من رتبة لواء سابقين نحو القيادة السياسية لإسرائيل [94]. غدت العسكرة والكراهية العراقية ضرورة بقاء، وغدت رديفا ل "الحق في الأمن"، المتجسد بصورة عملية في الاحتلال والتوسع الاستيطاني والتهويد المتصاعد. "نحن لا نعترف بمستويات العداء ولسنا مستعدين للقبول بعدو هو مجرد خصم، أو إمكان بقاء احتمال بأن لديه مصالح شرعية. دائما جميعهم ’يوشكون على إبادتنا.' ونحن منشغلون فقد بالدفاع عن أنفسنا[97]. 

وعلى غرار المثال الألماني جرت صياغة الثقافة المقاتلة واستنبت في إسرائيل "جيش الثقافة" يشحن المجتمع بثقافة القوة. "من الصعب الوقوف أمام الواقع الإسرائيلي الآني، الذي بسببه لا يجوز لنا تجاهل الحقيقة بأن للغة العبرية المعاصرة قسطا كبيرا في غسل كلمات تخفي واقعا استعلائيا، عنيفا وربما عنصريا تجاه العدو العربي. ربونا على ’طهارة' السلاح، تناقض ممتع ومهدئ غايته تنظيف الضمير وفوهة البندقية بجرة قلم. كأنهم يقولون لنا إذا قتلت بسلاح ’طاهر' فإن كل شيء حلال[105]. إحلال النبيذ الفاسد في الجرار المزوقة هي وسيلة "صناعة الموافقة". إسرائيل ترد الاعتداءات ولا تعتدي، وإسرائيل تنشد مجرد "الأمن" وإن أوقعت الكوارث بالآخر. "حضارة، لغة كاذبة تنتج ثقافة كاذبة ، مجتمع غير مبال ومسدود، وأسوأ شيء لغة ’غير دقيقة' لدولة تسمح لمواطنيها وشركائها بالتنصل من مسئولياتهم عن أعمال يتم تنفيذها باسمهم ومن اجلهم" [100]. ويعبر بورغ عن الغضب الشديد والاحتجاج على التزييف:

"لا تقولوا’هذه مجرد كلمات'. الكلمات تقتل ، الكلمات تحيي، الكلمات تعكس، ’الحياة في أيدي اللغة'، ليس مجرد تعبير عبري قديم، إنما حقيقة إسرائيلية مرة. إذا أنصتنا جيدا لكلمات حياتنا ليس فقط لنغمتها، لن نتمكن من التهرب من الاستنتاج أننا قريبون من لغة الموت أكثر بكثير من قربنا من لغة الحياة" [106]. هذا بالضبط مآل نهج الاحتلال، وهو ما تنبأ به وحذر منه الفيلسوف ليبوفيتش منذ عام 1967. حالة أشبع بالتسمم بالغاز ، تضعف الأحاسيس شيئا فشيئا ثم يمضي الضحية في حالة إغماء فاختناق. وهذا ما يحدث مع مجتمع أدمن استخدام القوة وادعاء الحق في الأمن. اما بورغ فقد صحا على حالة الخدر قبل أن تتدهور إلى إغماءة.

يطالب بورغ بالكف عن التلاعب والسخرية السوداء، ويحذر من جراثيم التطرف العنصري :

"إن شمل مليون ونصف مليون عربي في تخوم الحكم اليهودي يعني تقويض الجوهر الإنساني اليهودي للدولة وتدمير المبنى الاجتماعي ـ الاشتراكي الذي أنشأناه فيها ..خراب الشعب اليهودي وإفساد الإنسان في إسرائيل( نبوءة توماس غولي في كتابه عام عوفيد) [108]. إن مركزية الجيش في حياتنا، ومكانة اللغة في تطهير الآثام والشرور، وتغلغل الخطاب اليميني إلى لب النقاش العام، ولا مبالاة الأغلبية السلبية ، إن ذلك كله هو اللاعب الأساسي الذي يبيح لجراثيم التطرف العنصري الخروج من نطاق المختبر ونقل العدوى إلى الجميع [109]. أريد للمأساة اليهودية أن تعلو على مآسي الآخرين مهما أنزلت بهم من كوارث وجرائم، حتى لو اقترفتها إسرائيل." وليست لنا أي فكرة وأية رغبة سوى إعطاء القوة فرصة للتحدث و’دعوا الجيش ينتصر'. وفي نهاية المطاف حدث لنا ما يحدث مع كل عنيفي العالم وزعرانه: حولنا الكآبة إلى نظرية ومفهوم، ونحن لا نفهم بأنفسنا أي شيء غير لغة القوة" [بورغ 56]

البداية ـ قبلة النازية 

تم الارتباط الروحي بألمانيا القوة المتفوقة بالسير على خطى بيسمارك في أواخر القرن التاسع عشر. ثم تعززت الرابطة بالتعاون المباشر بين الييشوف اليهودي بفلسطين والنازية المهيمنة في ألمانيا. "لقد تم تأليف كتب لا حصر لها حول غسل الكلمات الألمانية، وحول الأساليب المباشرة وغير المباشرة لغسل دماغ الشعب الألماني ... لقد تم تطوير لغة خاصة لجعل اليهود يذهبون بمحض إرادتهم إلى مراكز الإبادة، من خلال القناعة أنهم يذهبون إلى أماكن عمل في الشرق . فالحديث دار عن ’معسكر عمل' ...[100]

في الفصل الخامس يستعرض بورغ دور النازية في إقامة دولة إسرائيل. 

جرى الاتفاق بين الطرفين على السماح لجماعات من المتمولين اليهود بالهجرة إلى فلسطين يحملون مبالغ مالية وسلعا مقدرة بأثمان متفق عليها. "وبنظرة إلى الوراء يبدو أن الاتفاق مع النازيين كان أيضا خطوة ضمن خطوات على الطريق لإقامة دولة إسرائيل... وهكذا كان النازيون ضالعين في ثلاث مرات بطريقتهم المتنورة في دفع فكرة الدولة الصهيونية وإخراجها إلى حيز التنفيذ. قبل الحرب من خلال اتفاقيات النقل، وفي أثناء الحرب وبعدها مع قدوم موجة اللاجئين، وبعدها مع الأموال الطائلة التي تم دفعها باسمهم بواسطة قادة ألمانيا الغربية. بدون هذا هل ستكون لنا دولة؟[118]

فصل ديفيد كيمحي علاقة الموساد الإسرائيلي بهتلر زمن الحرب، وذلك في كتابه "الدروب السرية". وكيمحي عمل مديرا لوزارة الخارجية الإسرائيلية وعمل من قبل في الاستخبارات (الموساد)، وفي مؤلفه سرد جولات مبعوثي الموساد في ألمانيا النازية بموافقة هتلر. التقى الموساد بهتلر وتسلم منه تأييده لمشروع إقامة دولة إسرائيل، مع رسالة إلى مديري السجون يطلب منهم تسهيل مهمة الموساد في تحرير الشبان القادرين من السجون وتوجيههم إلى فلسطين. 
" قبل انتشار الفواجع جرت اتصالات بين الييشوف اليهودي ، وممثلته الوكالة اليهودية، وبين النازيين. تعاون مشين: الصهيونيون والنازيون لم يريدا اليهود في ألمانيا ،النازيون أرادوهم بعيدا وفي الخارج . والصهيونيون أرادوا أنفسهم في دولة خاصة بهم في الداخل، هنا وقريبا. وكانت النتيجة الجدلية إنشاء جزء كبير من البنية التحتية الاقتصادية في الثلاثينات[117].

بعد هذا ليس غريبا أن تتوصل الصهيونية سريعا إلى تفاهم وتعاون مع ألمانيا. أمثال نجاد ممن يثرثرون بصدد حصول المحرقة أو عدم حصولها ، وكذلك حول أعداد الضحايا .. لدى هؤلاء وثائق تدين الصهيونية بالتعاون في حصول المحرقة وتواصلها في خفية عن العالم. وبالنتيجة "نسمح لأنفسنا بالعيش براحة كبيرة مع ورثة الشرير الألماني، المريح، النوعي، الجمالي، والتمتع بالفلسطينيين ككيس ضربات للتنفيس عن شحنات العدوانية والغضب والتاريخ المخزونة فينا أكثر مما ينبغي [128]. تصالحوا مع النازية ومع ألمانيا وانخرطوا في العداء اللدود للعرب. "وبعد حوالي خمسين عاما اضطر يوشكا فيشر وزير الخارجية الألمانية ، أن يعلن عام 2004 إلى الاعتذار عن مواصلة نازيين تسلم مناصب في السلك الديبلوماسي الألماني في أعقاب انتهاء الحرب[189].

فهل من الاستقامة السياسية بعد هذا كله الاستنجاد بعقد الاضطهاد؟ هل يتطابق التاريخ الحقيقي للحركة الصهيونية مع حركة تحرر وانبعاث قومي؟ وما مدى الصدق في ادعاءات "الحفاظ على الدم اليهودي"؟! يقول بورغ، "لقد انتهى فصل اليهودية الخائفة والصهيونية المذعورة، وحان وقت الاندماج في الحيز العالمي الحر والإيجابي. يجب ترميم ثقة الشعب اليهودي والإنسان اليهودي بالعالم وبالإنسان[159]. 

يصر باراك على اعتبار النضال الفلسطيني من اجل الاستقلال إرهابا، وهو في نفس الوقت يحرض الفتيان الفلسطينيين على الإرهاب!! "لو كنت فتى فلسطينيا اليوم لأصبحت عضوا في منظمة إرهابية تحارب من اجل استقلال بلاده" اما بورغ فمن التجربة البائسة التي خبرها ينصح الفلسطينيين: "لو كنت فلسطينيا اليوم لألقيت السلاح جانبا، وعانقت إسرائيل عناقا وحيدا لا يمكنها التحرر منه، عناق السلام. لو كنت شابا يهوديا في زمن المحرقة سأتوجه للموارد الروحية للمهاتما غاندي وأحاول اُثارة احتجاج اوروبا في موجة احتجاج مدنية غير عنيفة... كنت سأرد كيهودي ابن أوروبا، ابن الشتات، واطلب بعد ذلك كما قال ألتلامان العودة والاختلاط في العتمة مع سيرة جموع بيت إسرائيل. أن أكون يهوديا عالميا وليس متقوقعا إسرائيليا استعلائيا[166].

الاستثمار الرأسمالي لجرائم هتلر لم يقف عند حد. في الفصل السابع "إحباط الستينات" يورد أبراهام بورغ فصل الحصاد الخصب للاستثمار. فقد اعترف ضحايا الاضطهاد النازي على الدكتور كاستنر، وهو زعيم نازي مجري، اتفق مع النازيين على توريد أعداد كبيرة من اليهود إلى المحتجزات، من خلال الزعم بأنها معسكرات عمل مقابل السماح لعدد من أقربائه وكبار المتمولين بالمغادرة خارج المجر. ابتكرت كلمات جديدة تستبدل معسكرات الاعتقال بورش عمل يتوجه اليهود طوعا إليها، ومن ثم تبدأ رحلة النهاية. قدم كاستنر إلى المحاكمة وكانت فضيحة مدوية للصهيونية، حيث ثبت تعاون المذكور مع النازيين وحكم عليه بالإعدام، ليستأنف الحكم ويفرج عنه ويسقط صريع رصاصات في منتصف الليل وهو عائد إلى منزله؛ وكان لابد من التفكير في عملية مضادة. 

"في ربيع1960 وبدون أي مقدمات إشارة أو تسريب أعلن رئيس الحكومة دافيد بن غوريون أمام الكنيسيت ’عليّ أن أبلغ الكنيست أنه قبل وقت قصير اكتشفت أجهزة الأمن الإسرائيلية أحد كبار المجرمين النازيين، ادولف آيخمان [186]. وتمت محاكمته بمشهد استعراضي نظم بعناية للتغطية على فضيحة محاكمة الدكتور كاستنر. "جمع الشهود كتمثيل للشعب اليهودي (..) آيخمن ومحاكمته استخدما كديكور ضروري ’لتربية الجيل' والأجيال القادمة [187]. جرى اختيار الشهود بدقة صارمة طبقا للخط التربوي الذي أرادوا مده عبرهم وصقل الشخصية الإسرائيلية الشابة ذاك الوقت من خلاله.. بعضهم وربما غالبيتهم لم تكن تربطهم أي علاقة، مباشرة أو غير مباشرة بالمجرم النازي؛ لكنهم كانوا ذوي أهمية ل’العرض الأفضل في المدينة'[199]. ففي مقابل طابور الشهادات في محاكمة كاستنر، والتي حولت المحاكمة من تنازع قضائي تشهيري عادي إلى محاكمة علنية ضده، ضد حزبه وضد المؤسسة الصهيونية، جاء بن غوريون ومبعوثه، هاوزنر بموكب شهودهما في محاكمة أيخمان.المزيد والمزيد من الشهود ممن لاعلاقة لهم بالمجرم صعدوا منصة الشهادة[209] . 

كانت عملية تربوية تواصلت حتى الوقت الحاضر حيث أدخلت المحرقة في المنهاج الدراسي ونظمت الرحلات المدرسية إلى معسكرات الإبادة على أن تجري للمرتحلين ندوات ولقاءات يتحدثون خلالها عن مشاهداتهم وانطباعاتهم. بالنتيجة " حوّل جهاز التعليم الإسرائيلي المحرقة إلى تجربة الحياة المبلورة المركزية في جهاز تعليم أولادنا "[بورغ :46]. فهم حتما يستوعبون وجدانيا بسبب صغر سنهم ويصدقون كل ما يقال لهم دون مناقشة. "عدت محاكمة ايخمان معاقبة الشرير صقل وبلورة جيل شاب أصبح في إسرائيل يعيش في ظل النسيان التاريخي، إيقاظ الضمير العالمي من سباته، والأهم تطهير العلاقات السرية مع ألمانيا الغربية التي بدأت تُنسج من جديد[210].

"والأصوات الأخرى، مثل حنة آرندت، وهي فيلسوفة يهودية رائعة مولودة في ألمانيا، (هاجرت هربا من الحكم النازي، عاشت في الخارج ثم عادت إلى ألمانيا الشرقية. ناصبتها الصهيونية العداء لما تعاونت مع النازيين القدامى). جاءت لتغطية المحاكمة لصالح مجلة نيويوركر، فرضوا عليها الصمت وأخرسوها ورفضوها وأبعدوها عنا. وهي لم تتردد في تمزيق الرواية البنغوريونية إربا ولذلك اضطرت لتلقي شحنات كبيرة من الضغينة والعدائية غير المسبوقة والتي وجهت إليها[187].

و"كتابها الذي تصدر لائحة الكتب الأكثر مبيعا حول محاكمة أيخمن وحول تفاهة الشر لم يترجم إلى العبرية... حنة أرندت توفر حقا العدسات الضرورية والمصطلحات المطلوبة لمراجعة وفهم القرن الذي ائتلفت فيه حداثة وعظمة المنجزات الإنسانية سوية مع فظاعاته المرعبة ومع انكار السلبي الإطلاقي لذات الإنسان،لإنسانيته ولحياته... لا أستطيع اليوم عدم استخدام بعض من أدوات، تساؤلات ومدارك هذه السيدة المستقيمة والشجاعة، محاولا أن أفهم[188]. 

البديل الآخر الذي يقترحه بورغ يتصور إسرائيل مسالمة، تتعايش مع جيرانها ولا تنشغل بأدوات القتل وعدته: "أرغب في الافتراض أن إسرائيل كان يمكنها ولا زال في وسعها، أن تكون شيئا آخر مختلفا؛ دولة تأخذ على عاتقها مسئولية أن تشكل شارة ’قف'عالمية كبيرة منارة لقيم عالمية إنسانية، إسرائيل كدولة ومجتمع وحضارة، تطمح إلى تغيير منظومات الأخلاق العالمية[226].

و"بذلك تكون محاكمة أيخمان( بقضاة من مختلف شعوب العالم ومكان غير إسرائيل) ’هدية' الشعب اليهودي إلى العالم بأسره. محاكمة انفتاح لا محاكمة سجن ذاتي وانغلاق. من الجائز أن السير في هذا المسار كان بإمكانه أن يمنع المجازر والكوارث البشرية الرهيبة والممارسات البشرية المتوحشة المنفلتة، وأن يمنع محارق أخرى ليست لنا[226].