2019-01-13

حوار مع  “القدس العربي” حول التجمع الديمقراطي والوضع الفلسطيني الراهن

الأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني بسام الصالحي: الضحية الأكبر للانقسام هو القضية الوطنية والحريات والتجربة الديمقراطية

* تمييز اليسار يكمن بالأساس في النضالات الاجتماعية والديمقراطية إلى جانب الوطنية

* نريد أن يكون هذا التيار واضح الهوية باعتباره يساريا تقدميا وليس ديمقراطيا عاما، ونحن نؤمن بأن الوضوح في الهوية له مبرر موضوعي

* نحن نعول على التخلص من التزامات "أوسلو" وتبعياته على الحركة الشعبية وليس على القيادة فقط، في ظل تباطؤ المؤسسة الأكثر حذرا في التحلل منها

* القيمة السياسية للانتخابات أن تجرى في غزة والضفة والقدس، وان تشكل اشتباكا سياسيا مع الاحتلال واشتباكا مع مشروع فصل غزة

 “القدس العربي” - حاوره: مهند حامد

أثار تشكيل القوى اليسارية تجمعا جديدا لتوحيد اليسار الفلسطيني، تحت مسمى ”التجمع الديمقراطي الفلسطيني” تساؤلات حول الأهداف والغايات في ظل الحديث عن صدام محتدم بين القوى اليسارية “وفتح” التي يقودها الرئيس محمود عباس “أبو مازن” داخل المنظمة وخارجها. بيان إطلاق التجمع أشار بشكل واضح إلى أن الغاية توحيد الجهود للتصدي لحالة التفرد بالقرارات داخل المنظمة وتعزيز دور اليسار.

ويضم التجمع كلا من: الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، حزب الشعب الفلسطيني، حزب "فدا"، المبادرة الوطنية، إلى جانب مجموعة من الشخصيات الوطنية المستقلة.

هذه الخطوة التي يرى البعض أنها محاولة لإنقاذ اليسار نفسه داخل المنظمة، وخطوة مبكرة للاستعداد إلى أي انتخابات مقبلة، وسط مخاوف من أن يعزز هذا الإطار تهميش دور منظمة التحرير.

بسام الصالحي الأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني (الشيوعي سابقا) والنائب في المجلس التشريعي الفلسطيني المنحل عن قائمة “البديل” ذات التوجه اليساري والعضو في المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، والعضو في القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة الأولى، كان مناهضا لاتفاقات كامب ديفيد، اعتقل عام 1990 وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات ومثلها مع وقف التنفيذ.

“القدس العربي” التقت الصالحي في حوار شامل، ليجيب فيه عن غايات تشكيل “التجمع” وعن رؤية هذا التجمع للانتخابات المقبلة، وعن مخاوف تهميش المنظمة والفصل بين غزة والضفة الغربية.

* ما هي الدوافع لتشكيل “التجمع الديمقراطي الفلسطيني”؟

– هي رغبة قديمة من أجل توحيد القوى اليسارية والديمقراطية في النضال الاجتماعي والوطني، وتعزيز دور هذه القوى التي هي من مكونات النضال الوطني الفلسطيني الرئيسي، وبالتالي كانت هناك مساع لتوحيد هذه القوى في إطار واحد، وهذه ليست المرة الأولى، ونعمل على أن تكون هذه المبادرة أكثر نجاحا واستمرارية، وألا تعاني من الإشكاليات السابقة التي أدت إلى فشلها.

* لكن في بيان إطلاق المؤتمر تحدثتم عن أولوية مواجهة التهميش والتفرد داخل المنظمة التي تقودها “فتح”؟

–  نحن في حزب الشعب لا نرتاح لهذا النوع من المصطلحات، قضية الدور أو المكانة تكتسبها القوى بنشاطها وبحضورها، لا يوجد أحد يهمش أو يعطي أدوارا، القوى هي تستطيع أن تخلق لنفسها دورا أكبر ومكانة أوسع من خلال نشاطها سواء في الحضور السياسي أو الاجتماعي أو الشعبي، لذلك نحن لا ننطلق بأن هناك من يهمش أو لا يهمش، ننحن ننطلق من حاجة إلى تعزيز دور اليسار كمكون أساسي في البنية النضالية الديمقراطية والاجتماعية.

* كان لديكم تردد في الانضمام إلى التجمع، من أي منطلق ينبع هذا التردد؟

–  لا يوجد تترد، نحن من القوى الأساسية التي تعمل على التوحيد، لكن لدينا رؤية فيها بعض الاختلاف عن بعض القوى الأخرى في التجمع، نريد أن يكون هذا التيار واضح الهوية باعتباره يساريا تقدميا وليس ديمقراطيا عاما.

نحن نؤمن بأن الوضوح في الهوية له مبرر موضوعي من حيث ازدياد الحاجة إلى رؤية اليسار على الصعيد الفكري والاجتماعي والوطني وإلى دوره التاريخي الذي لعبه اليسار، ومن أجل تطوير المستقبل. إضافة إلى أن تمييز اليسار يكمن بالأساس في النضالات الاجتماعية والديمقراطية إلى جانب الوطنية، انطلاقا من قناعتنا بأن الحقوق الاجتماعية والديمقراطية هي ضمان للحقوق الوطنية، وبالتالي كنا نريد إعطاء أولوية إلى النضالات الاجتماعية. ونريد بنية ديمقراطية داخل هذا الإطار تسمح بأن يكون هناك انخراط أكبر للأفراد والتيارات وألا يقتصر القرار على رؤية هذه القوى. إذا كانت هناك حاجة فقط للعمل في الإطار السياسي فيمكن أن يكون ائتلافا سياسيا فقط، وألا يكون هناك ائتلاف أوسع.

كنا نريد توضيح الأولويات السياسية وما هي الخطوة الملموسة التي يجب العمل عليها ولا نريد تكرار التجارب السابقة التي لم تنجح، لذلك كنا بحاجة إلى مزيد من الحوار والاتفاق حول هذه المسائل لكن تحت رغبة الأطراف الأخرى بأن نبلور هذه الرؤية خلال العمل تجاوبنا مع هذا المنهج، بالرغم من قناعتنا بأن هذه الاعتبارات يجب أن تترسخ لينجح هذا التجمع ولا يلقى الفشل.

* تزامن توقيت إطلاق التجمع مع حل المجلس التشريعي هل يحمل ذلك أي اشارات؟

–  في الحقيقة إنه غير مرتبط بحل التشريعي، وكان نتاج حوارات سابقة لكنه تصادف مع إعلان حل التشريعي. نحن كحزب شعب في التجمع يجب أن تكون أولوياتنا العمل من أجل إجراء الانتخابات التشريعية، وأن نكون ضمن قائمة موحدة باعتبار أنها جزء من برلمان فلسطين، وثم العمل على إجراء انتخابات رئاسية ومجلس وطني.

* إذن تخططون لخوض أي انتخابات مقبلة بقائمة مشتركة؟

–  هذا الأمر طبيعي بان يكون للتجمع قوائم مشتركة ونعمل من أجل ذلك، لكن التجارب السابقة لم تكن ناجحة، والأهم الآن هو الضغط من أجل إجراء انتخابات تشريعية باعتبار أن قرار المحكمة ينص على ذلك ونحن في حزب الشعب نرى عقب فشل إنهاء الانقسام بأن تكون المقاربة البديلة هي الانتخابات فالمواطن يحسم الخلافات بإيجاد سلطة تشريعية تكون أداة لإنهاء الانقسام.

* هل هذا يشمل موقف جميع التجمع خاصة أن هناك معارضة من اليسار لحل التشريعي؟

–  موقف حل التشريعي لا يحظى بقبول أحد لكن المسألة ليس رفض أو قبول، في النهاية الجميع عليه أن يتعامل مع قرار المحكمة الدستورية بالرغم من الملاحظات حولها. هذا ليس موضع خلاف في التجمع المهم كيف يتم العمل على البديل؟ وكيف يتم الذهاب إلى الانتخابات؟

* ما هي الانتخابات التي تريدونها؟

– نحن لا نريد انتخابات في الضفة فقط، نحن نرى أن القيمة السياسية للانتخابات أن تجرى في غزة والضفة والقدس، حيث نريد من الانتخابات أن تحقق هدفين رئيسيين: أولا بكونها اشتباكا سياسيا مع الاحتلال لأننا نريدها في القدس، واشتباكا مع مشروع فصل غزة لأننا نريدها في غزة وبالتالي إجراء الانتخابات تعني إفشال صفقة القرن واشتباك مع حالة الانقسام.

* وإذا رفضت حماس إجراءها في غزة ومنعت إسرائيل إجراءها في القدس هل سنكون أمام انتخابات في الضفة فقط؟

– هناك فرق بين القدس وغزة، في القدس يوجد احتلال ولن نقبل بإجراء انتخابات بأي شكل من الأشكال بدون القدس، لأنه يعني تكريس أن القدس لم تعد في الفضاء الفلسطيني وهذا أمر في غاية الخطورة ولا يمكن الموافقة عليه، بينما في غزة العائق حماس، يجب ألا تضع نفسها في أي ظرف يمكن أن تمنع فيه إجراء الانتخابات، فقط حقها أن تشارك أو تمتنع، بالتالي في غزة الصراع مع تيار سياسي. وأؤكد بدون القدس لن تكون هناك انتخابات وفي غزة المسألة مختلفة فحماس ليست غزة.

* التجمع يقتصر الآن على القوى اليسارية ماذا عن المستقبل؟ كيف تخططون لتوسعته إذا كان فعلا لديكم خطة لتوسعته؟

–  بالمناسبة بعض قوى الائتلاف لا تعتبر جزءا من اليسار ونحن نعتبر ذلك أمرا مزعجا، نحن نريد تحالفا يساريا واضحا. هناك جمهور لليسار ويجب تعزيز هذا الجمهور وحشد طاقته وفكره، ونحن نسعى أن يتسع التجمع لضم الحركات المختلفة الجماهرية، النساء، الشباب ولا نريد إعادة إنتاج الصيغ القائمة، نريد التغيير بإشراك أوساط أظهرت حضورها مثل حراك المعلمين، وحراك رفض الأسعار، والاتصالات والضمان الاجتماعي.

* في ظل حالة التصادم مع “فتح” وعدم حضور الشعبية والديمقراطية جلسة المركزي ألا يعزز ذلك المخاوف بأن يعمل “الإطار” خارج المنظمة؟

– حزب الشعب يؤمن بأن تفعيل دور المنظمة يأتي من داخلها وليس من خارجها، ونحن نختلف مع رؤية الشعبية بأن تفعيل المنظمة يأتي عبر مجلس توحيدي، المجلس التوحيدي يكون نتيجة تحقيق المصالحة، ولكن ربطه في هذه الصيغة يعني شل ما هو قائم، وسنصبح بدون تشريعيات أو تمثيل، نحن نرى أن جميع القضايا المطروحة داخل المنظمة يمكن معالجتها بحوار حقيقي وجدي مع حركة فتح، وبالتالي في حاجة إلى إعادة صياغة آليات العمل المشترك بما يطور دور المنظمة.

الآن نحن في مرحلة حساسة أكثر لما يجري من تآكل للتشريعيات وما يجري من مس بالحقوق الفلسطينية وبالكيان الموحد للشعب الفلسطيني من قبل أمريكا وإسرائيل.

* في ضوء ما تحدثتم حول صدام وخلافات أين تتجه المنظمة؟

–  مهما بلغت حدة الخلافات بين قوى المنظمة فالجميع يدرك خطر اللعب في قضية التمثيل الفلسطيني، لذلك الحس الوطني والمسؤولية ستحمي المنظمة حتى من أي نزعات واحتجاجات قد تنشأ هنا أوهناك، والأهم أن يكون هناك حوار صريح بعيدا عن الشعارات العامة لأخذ المنظمة في دور أفضل لمواجهة مشاريع تقام لتصفية القضية الفلسطينية.

* كيف تعلل عدم تطبيق قرارات المجلس المركزي المتعلقة بتحديد العلاقة بإسرائيل؟

–  يجب أن تكون هناك مقاربة وقراءة مختلفة لقرارات المجلس المركزي، نحن في حزب الشعب تكمن قراءتنا لها في أمرين رئيسيين:

أولا أن المجلس المركزي أكد على العلاقة بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل وهي علاقة بين دولة محتلة وشعب محتل، وهذا أمر ليس بالعادي لأن هناك نظرة داخلية وخارجية. هناك اتفاقيات ومستقبل سلام ينشأ وبات المجتمع المحلي والدولي يتعامل على هذا الأساس، وبالتالي إعادة التاكيد على جوهر الصراع أمر في غاية الأهمية.

الأمر الثاني أن المجلس المركزي أقر بإنهاء التزامات السلطة والمنظمة التي ترتبت على السلطة والمنظة عقب اتفاق “اوسلو” هذا الإقرار يعني أن الشعب الفلسطيني رسميا في حل من هذه الاتفاقيات، ويعطي الحركة الشعبية الحق من التخلص من تبعيات هذه الاتفاقيات وليس على القيادة فقط. نحن نعول على التخلص من هذه الالتزمات على الحركة الشعبية في ظل تباطؤ المؤسسة الأكثر حذرا في التحلل من هذه الالتزمات.

* عقب فشل المصالحة هل بتنا أقرب إلى مخاوف فصل غزة عن الضفة؟

–  نعم: المخاوف تزداد وخطة شارون في الأساس هي قائمة على الفصل، وأوسلو كان غزة أولا، وازدات المخاوف عقب انسحاب شارون من غزة وسيطرة اليمين الإسرائيلي. نحن نقول يجب تفويت الفرصة بتعزيز الوحدة السياسية امام إسرائيل التي تسعى لاستغلال ذلك لتكريس الفصل. هناك مخاوف حقيقية من مشروع “تدويل غزة” التي تعمل عليه إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الإقليمية في تكريس واقع أن مستقبل غزة يختلف عن مستقبل الضفة.

*هناك تراجع للحريات في الأراضي الفلسطينية إلى ماذا ترجع ذلك؟

– الضحية الأكبر لحالة الانقسام كانت ولا زالت هو القضية والمكتسبات الوطنية وحقوق المواطنين والحريات والتجربة الديمقراطية، حيث جرى استغلال هذا الانقسام من قبل اعداء شعبنا للقضاء على مكتسباته الوطنية التي تعمدت بتضحيات جسام والسعي لتصفية القضية الفلسطينية برمتها، كما أنه جرى المساس مباشرة بحقوق المواطنين وحرياتهم وبالمكتسبات والتجربة الديمقراطية. هناك إجراءات تمت وتتم خارج القانون الأساسي. إن استمرار سلطة الواقع في غزة يكرس غياب أي مرجعية للحياة الديمقراطية، والضفة في ظل غياب التشريعي وتعديل العديد من القوانين وشعور بعض المؤسسات أنها خارجة الرقابة ازدادت معها عمليات المس بالحريات، بما فيها المس بالحياة الاقتصادية وعيش المواطن.

* ماذا عن دور مؤسسات المجتمع المدني في حماية الحريات وأنت جزء منها؟

–  دخلت مؤسسات المجتمع المدني في مرحلة العمل التقليدي حيث جاءت في المظهر لتغيير بعض الأشياء، ثم العديد منها أصبح لديها الأمراض نفسها التي جاءت من أجل معالجتها وتغييرها.

* هل نحن أمام أدوات جديدة للتغيير في ظل حراك متنام في الشارع الفلسطيني؟

– نعم: هناك أدوات جديدة باتت عبر قوى اجتماعية جديدة وهي الفئات الوسطى خصوصا في الضفة وهي من أوساط المتعلمين ولهم مصلحة مباشرة لا تعبر عنها القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، ولا السلطة وحتى النقابات، لذلك نجد انتعاشا في ظاهرة الحركات الشعبية والجماهرية التي تتشكل حول بعض القضايا وبات لها دور فعال أكثر من النشاط التقليدي للأحزاب والمجتمع المدني والنقابات.

يجب أن يعطى الزخم لهذا الحراك حتى يزال الركود الذي أصاب المكونات الفلسطينية التقليدية وأن تأخذ هذه الحركات الفصائل والأحزاب نحو صيغ أوسع في القضايا الوطنية والاجتماعية.