2019-01-10

تبقى الماركسية أساساً لفهم النظام العالمي (2)

الفضل شلق

فقدت البورجوازية الكبرى حول العالم تواضعها. مرت عبر أزمة 2008 من دون أضرار. الأضرار لحقت بالطبقات الدنيا. هي التي دفعت ثمن الأزمة من أموال الحكومة التي تأتي من الضرائب على الفقراء. الآن تنتهي هذه المرحلة. الغضب الذي استخدمته يرتد عليها. بريطانيا تنفصل عن أوروبا. مظاهرات الفقراء تتوسع انطلاقاً من فرنسا لتعم أوروبا (في الصورة). العنصرية تتصاعد في الولايات المتحدة. نتائج ثورة العرب في 2011 ابتلعتها الثورة المضادة. والأنظمة العربية تزداد قمعاً واستبداداً ومصادرة لأموال الفقراء.

في أعقاب الثورة الصناعية كان رأس المال المالي عاملاً مساعداً ولكنه لم يكن الأقوى. صار المال في أواخر القرن العشرين يقود سياسات العالم. أصحاب المال الكبار يحكمون، ويجتمعون سنوياً في دافوس وغيرها. تكونت ايديولوجيا جديدة حول الفقر. صار الفقر هو المشكلة وليس تكدّس الثروات. الفقراء لم يعرفوا كيف يحسّنون سلوكهم ويجنون المال في هذا العالم. تحوّل الضحية الى مشكلة. مع تراكم المال، لم يعودوا بحاجة الى الفقراء، وهم معظم الشعوب. حتى شعوبهم ما عادوا بحاجة إليها. لهم دور المستهلكين فقط. الإنتاج في مكان آخر. المكان الآخر مضطر الى الانسجام مع سياساتهم. الأصوليات الدينية تعمل حسب توجيهاتهم. الفاشية والنازية والعنصرية تخلق اضطرابات، لكنها ضرورية من أجل دعوى الحفاظ على الوحدة الوطنية.

أرادوا أن تكون شعوبهم وراءهم، تؤمن بايديولوجيتهم، وتصلي في هياكل القومية وكره المهاجرين. تأطير جماهيري لفقراء يتضامنون معهم قومياً، وعنصرياً، وفاشياً، ونازياً. ليس غريباً أن تصدر في بلدان المركز كتب عديدة حول هذه الاتجاهات الفاشية، وحول المؤامرة على الديمقراطية. تراجع دور العقل. تصاعد الانتفاخ الذاتي لدى البورجوازيات الكبرى. ازدادت رواتب المدرين (البورجوازيين) بعد أزمة 2008 ودعم الحكومات للشركات الكبرى. لا يتعلمون من أزماتهم. لا يأخذون العبر من التاريخ. يضحكون على تعبير “العبر” في عنوان كتاب ابن خلدون. هو ومن قالوا بسقوط الدول القوية أصبحوا موضوعاً للهزل. التاريخ توقف. الحروب موضعية لدى شعوب متأخرة. هم في مأمن (الى أن حصلت اضطرابات فرنسا، بالتزامن مع بريكست، وزعزعة فكرة أوروبا).

جاءت الليبرالية الجديدة لا كشكل من أشكال الليبرالية القديمة، بل جاءت لإلغاء ما تحقق في ظل حكمها، ولم يكن كثيراً. الليبرالية اعتراف بحق العمال في المطالبة والإضرابات في سبيل تحقيق مطالبهم. وقدمت لهم بعض هذه المطالب. كانت تعترف بالظروف الموضوعية، وبأن الاتحاد السوفياتي يواجهها في الخارج والطبقات العاملة في الداخل. اعترفت بالواقع، كانت موضوعية. قدمت بعض التنازلات بما يحافظ على ركائز النظام الرأسمالي ويقدم للطبقات الدنيا شيئاً. الأنظمة الليبرالية لم تكن مثالية، بل تابعت نهج التلاعب بالأمم الأخرى والتواطؤ والتآمر واسقاط الأنظمة التي لا توافق بورجوازية المركز. لكنها كانت تعترف أنها تواجه عدواً في الخارج وآخر في الداخل.

جاءت الليبرالية الجديدة في السنوات الأربعين الأخيرة. أول ما فعلته كان تدمير الطبقة العاملة ثم تدمير العدو الخارجي. وشاهدنا سياسة Trickle Down Economics القائمة على سيادة رأس المال المالي الذي ينزل نزولاً الى الطبقات الشعبية. ما على النظام الحاكم إلا خنق الضرائب كي تحقق الطبقات العليا مزيداً من الادخار، وهذا تتسرب خيراته الى تحت بفعل طبيعة الأمور. الأسم الذي أطلق على هذا الاقتصاد هو Supply Side Economics، وهو يعني أن الرأسمال ما دام بيد المستثمرين فهولاء سوف يسثمرون. سلسلة أكاذيب أدت الى تجميد الأجور في بلدان المركز وبقائها متدنية دون ضرورات العيش البشري في بلدان الأطراف التي صدّرت إليها الصناعات، وتفكيك الدول التي لا تنصاع لوصفة واشنطن، التي أصبح الـWB، والـIMF في صدارة الداعين لها.

في الاعوام الثلاثين الأولى بعد الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة تقدم مشروع مارشال لاعمار أوروبا، وتعيد هيكلة اقتصاد اليابان. وكانت بحاجة الى استمالة الجماهير الشعبية عن طريق التقديمات الاجتماعية، الخ… كانت الظروف الموضوعية تفرض نفسها وتضطر البورجوازية العالمية الى التنازل والاعتراف بالقوى المضادة في الداخل. وكانت تهتم بالدرجة الأولى بترويض هذه القوى المضادة، خاصة النقابات والمثقفين. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي لم تعد بحاجة الى ذلك. عممت نموذجها النيوليبرالي في بلادها وفي بلدان الاتحاد السوفياتي سابقاً.

صارت الخصخصة سياسة متبعة حتى في هذه البلدان. وظهرت طبقة من أصحاب الملايين الجدد، وجرى نهب للثروات الطبيعية وغير الطبيعية لهذه البلدان.

بدأت هذه المرحلة بأزمة بعدما ظنت أنها على رأس العالم وانتهى التاريخ. لم تعد هناك سوى حروب محلية تنتج عن صراع الحضارات. مع سقوط الاتحاد السوفياتي جرى تصعيد الروح الاستعلائية عند البورجوازية العالمية. ظنت أنها تحكم العالم. ايديولوجيا النيوليبرالية صارت الدين الجديد للعالم مدعوماً بالدين الأصولي والمشاعر الكامنة لدى شعوب المركز ضد الغرباء والهجرة والإرهاب. اعتبرت بأنها مبررة في زيادة الانفاق العسكري لمواجهة كل ذلك. أوجدت عدواً جديداً.

تبريرات انتاج السلاح مبررة. الحروب المحلية ضرورية. تراكم المال لدى البورجوازية بحاجة الى حماية. الساذجون منا كانوا يتعجبون من حاجة القطب الواحد الى مزيد من السلاح مع سقوط العدو. ربما كانوا يحسبون حساب الحروب الخارجية المتفرقة، ويحسبون بدرجة أكبر تصاعد النقمة في الداخل وتوسع حركات المعارضة. فقد ازدادت الهوة الاجتماعية.

هوة في المداخيل. هوة في الثروة. هوة في إمكانيات التعلم بين الطبقة البورجوازية والطبقات الفقيرة. هوة المداخيل كانت بضعة أضعاف في السنوات الثلاثين الأولى. صارت مئات الأضعاف. هوة الثروة وصلت الى درجة أن نصف البشرية لا يملكون شيئاً، و10% من الناس يملكون 99% من الثروات. والتعليم لأبناء الطبقة الوسطى لن يحصل إلا بالاستدانة. المصارف في أحسن حالاتها. حدثت أزمة 2008 وكانت داخلية. لم تتعلّم البورجوازية العالمية من غيرها شيئاً. ساعدتها الدولة بعد أن كانت على طريق الانهيار. لكنها استعادت عافيتها بفضل أموال الدولة (ضرائب مستوفاة من عموم الناس).

على الرغم من الأزمة الممتدة من السبعينات، ازدادت مداخيل وثروات البورجوازية العليا، ولم تفقد استعلاءها. انتصارات النيوليبرالية في أواخر الثمانينات، وتدجين الدين السياسي حول العالم، وتدمير النقابات، كل ذلك جعل البورجوازية الكبرى تفقد تواضعها الذي كان مفروضاً عليها في السنوات الثلاثين الأولى بعد الحرب العالمية الأولى، خاصة وأن لديها أدوات جديدة هي الأصولية الدينية وحرب الإرهاب التي تضمن لها توجيه الأوامر (العقوبات) لكل شعوب العالم. من يُتهم بالإرهاب يظل من دون محاكمة. لم تعد هذه البورجوازية بحاجة الى رقابة عليها. قيود الدولة على المصارف أزيلت بقوانين برلمانية. والحرب على الإرهاب تفسح لها المجال لشن الحروب من دون رقابة البرلمانات. وصل الأمر بأمراء حربها (أريك برنس من بلاك واتر) اقتراح خصخصة الحرب. اقترح في نيويورك تايمز إعطاءه الفرصة وتكليفه بإنهاء حرب أفغانستان الممتدة منذ 18 عاماً.

فقدت البورجوازية الكبرى حول العالم تواضعها. مرت عبر أزمة 2008 من دون أضرار. الأضرار لحقت بالطبقات الدنيا. هي التي دفعت ثمن الأزمة من أموال الحكومة التي تأتي من الضرائب على الفقراء.

الآن تنتهي هذه المرحلة. الغضب الذي استخدمته يرتد عليها. بريطانيا تنفصل عن أوروبا. مظاهرات الفقراء تتوسع انطلاقاً من فرنسا لتعم أوروبا. العنصرية تتصاعد في الولايات المتحدة. نتائج ثورة العرب في 2011 ابتلعتها الثورة المضادة.

والأنظمة العربية تزداد قمعاً واستبداداً ومصادرة لأموال الفقراء.

جوهر المرحلة التي تنتهي سيطرة المال على القطاعات الإنتاجية. من يملك المال يملك السلطة على العالم. الدولار عملة احتياطية تستطيع الولايات المتحدة طبع أيّ كمية من المال من دون رقيب أو حسيب. اقتصاد الأمر بالجيوش بفرض ذلك على شعوب الأرض.

سقطت ليبرالية السنوات الثلاثين الأولى التي ازدهرت بعد الحرب العالمية الأولى. ازدهرت النيوليبرالية في السنوات الأربعين التالية. استطاعت البورجوازية الكبرى مصادرة (اقتطاع) معظم ثروات البشرية. ازداد غضب الناس. الغضب تحوّل الى نار محرقة. لا تستطيع البورجوازية الكبرى حماية نفسها إلا بحرب جمركية وإثارة جمهورها لاعتناق فاشية جديدة ضد الغرباء المهاجرين وغيرهم. فليقاتل فقراء العالم بعضهم بعضاً كما في البلدان العربية التي صارت مثلاً يحتذى في الثورة وفي قمع الثورة.

المال ليس الاقتصاد. المال المتراكم في أماكن قليلة يسيطر على الاقتصاد العالمي وعلى المجتمعات حول العالم. ليس أن المال ضروري لكل مبادلة للسلع، كبرت أو صغرت، المال أداة إجبار وإكراه وفرض إرادة القوى العظمى بالأوامر. ليس صدفة أن العقوبات التي ينزلها الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، على الشعوب الأخرى هي عقوبات مالية في جوهرها، وان سمّيت اقتصادية. الاستثمار أو عدم الاستثمار في بلد ما هو الفرق بين الجنة والنار على هذه الأرض.

حتى الطبيعة لا تستطيع الوقوف بوجه المال. تراكم المال يقتضي عدم الاهتمام بالبيئة، وإنكار الاحتباس الحراري، ورفض التغير المناخي. الرأسمال المالي العالمي في حالة إنكار. المعركة بينه وبين العلم. هو يواجه بالرفض النتائج العلمية التي يتوصل إليها الباحثون؛ نتائج علمية تنبيء بكارثة على الأرض لا يأبه لها أرباب المال. فقدوا تواضعهم أمام جماهير الفقراء في العالم. فقدوا تواضعهم حيال المجتمع. وفقدوا تواضعهم في مواجهة الطبيعة.

قدم الباحثون المال على أنه وسيط محايد بين قيم مختلفة لا تتفق فيما بينها. وحين جاء ماركس كانت نظريته العظيمة والكبيرة والمفصلة هي أن المال هو حصيلة التراكم الرأسمالي (هو حصيلة التبادل وفي أساس التبادل، وهو يحمل قيمة في ذاته، وهو وسيلة للاكتناز). انطلق كارل ماركس من نظرية أن القيمة الأساسية على الكرة الأرضية هي القيمة الإنسانية، وهي سواء كانت عادية أو غير عادية، قوة العمل. ليس هناك ما يعلي الأشياء، بالأحرى المنتجات قيمة، سوى العمل المتضمن فيها.

المال ليس قيمة وليس تعبيراً عن قيمة، هو مسألة حسابية. هكذا تفترض الأمور عندما يكون التعامل مع قيمة السلع والعقارات والعمل البشري. تبدأ الصعوبة بالحديث عم قيمة العقارات (غير المبنية؛ والمبنية لها حديث آخر) وهي مهما قيل في العمل البشري على تنظيم والتربح، الخ…

وعندما تسأل محامياً عن قيمة العقار يجيب بأنها تقاس بقيمة أقرب عقار له. معنى ذلك أن القيمة ليست في العقار بل في ما ليس هو، فيما يجاوره ويتجاوزه.

يتبع... (الحلقة الثالثة والأخيرة)