2019-01-13

تبقى الماركسية أساساً لفهم النظام العالمي (3) والأخيرة

الفضل شلق

مع تزايد الفجوة الاجتماعية، يزداد الصراع؛ هو صراع طبقي وان شارك فيه اليمين واليسار؛ اليمين بأعداد أكبر من اليسار. على كل حال ليس النضال الطبقي حكراً على اليسار. عندما كان الأمر كذلك، كان الاتحاد السوفياتي واليسار في مقدمة النضال.

لم يعد هناك اتحاد سوفياتي، واليسار أصبح مشرذماً، والأخطر أنه فاقد الوعي. إن مطالب الناس الفقراء مقابل فحش البورجوازية الكبرى لا يحتمل تردداً. ليست المشكلة في شخص المناضل والى أي فريق ينتمي، بل في القضية التي يحملها والشعارات التي يرفعها*

ليس للعمل البشري قيمة. هو القيمة التي تقرر القيم الأخرى. قيمة الشيء أو الفكر تُقرر حسب العمل (اليدوي أو الذهني، أو الذهني واليدوي) المتضمن في إنتاج هذا الشيء. يمكننا الكلام عن قيمة العقار وقيمة العمل. الاختلاف في الأمر هو ما يقرر قيمة العقار شيء مختلف عن العقار، كالذهب أو الفضة، أو أي شيء آخر، أو أي عقار آخر. وما يقرر قيمة العمل هو الوقت المتضمن في العمل. هو لوازم البقاء على قيد الحياة من خبز، وشراب، ومأوى، الخ

تقرر قيمة كل هذه الأشياء بأشياء مختلفة عنها. نعود الى قصة مبادلة التفاح بالليمون، وكيف تعرف أن هذه الكمية من التفاح مساوية لهذه الكمية من الليمون. هنا يمكننا أن نقول ان المقايضة مبررة، أو أن المقايضة متضمنة ما يقرر قيمة التفاح وقيمة الليمون، وهو العمل البشري الداخل في إنتاح كل منهما.

المعضلة هي في مسألة المال. مبادلة المال بالمال لا تستأهل الحجج. مبادلة المال بكمية أكبر أو أصغر من المال هي ما يستعصي على الفهم. لذلك قامت شرائع الدين على القول ان هذه المبادلة بين الشيء وبين نفس الشيء بكمية مختلفة ضرورة لاستقرار النظام. برّر الدين ذلك على الرغم من إجماع الفقهاء على أن مبادلة شيء بنفس الشيء، ومن نفس النوعية، بأوزان مختلفة هو أمر مخالف للشريعة. لكن مخالفة الشريعة تقتضي هذه المبادلة.

في نظام المقايضة، ان كان هناك نظام لها في التاريخ، المبادلة تجري بين حاجات فريق مقابل حاجات فريق آخر (لا نعرف موازين الذهب والملح في المقايضة في أفريقيا قبل القرن السادس عشر، ولا نعرف ميزان المقايضة بين عضو مبتور وديّة هذا العضو، ناهيك عن ديّة القتيل، ولا نعرف أين العدالة في إعدام القاتل رغم ثبوت التهمة). فقدان الحياة البشرية لا يقابله ولا يعادله شيء آخر. ومهما كانت التعويضات بالمال أو بالحبس للتهدئة السياسية. وهي لا يمكن أن تكون مبادلة قيمة بقيمة.

ليس في الأمر عدالة. هناك السياسة وحسب. والسياسة تقتضي قبل كل شيء أن لا تقتل، وأن تحاور، وأن يكون الحوار آخر المسار. مجتمعات القتل والإبادة والإفناء هي مجتمعات المصادرة والسلب والنهب. ليس فيها مقايضة: مجتمع الاستبداد ليس فيه مقايضة. حرية المرء لا يعادلها شيء. ليس فيها قيمة تعادل قيمة. ليس في مجتمع الاستبداد قيم. القيمة إما أن تصدر عن العمل البشري أو تكون مقياساً يرسمه الضمير. الإثنان غائبان في مجتمع الاستبداد. ليس الاستبداد جديداً على البشر.

هناك استبداد يعتبر أن المجتمع يلزمه (مرايا الأمراء). واستبدادنا في المجتمع العربي يعتبر أن المجتمع لا يلزم ولا يُلزِمْ. صارت الإبادة الجماعية مبدأ عند أنظمة الاستبداد العربية. إما أنا المستبد أو الحرب “زنقة زنقة”؛ إما أنا “المستبد” أو القدرة التي لا مكان لها لأن ليس لديها برنامج أو ايديولوجيا. وكأن المستبد ترك مجالاً للايديولوجيا وللبرنامج وللمثقف الحر أو غير الحر.

سلطة المال هي ما يقرر حدود المجتمع. افترض هيجل أن للانسان إرادة، وأن الحق بالملكية هو سلطة الإرادة على ما هو موضوع الملكية، وأن المجتمع المدني هو في النهاية مجتمع أناس لهم حقوق، حتى في نظام استبدادي. في مجتمعاتنا العربية (الحالية) ليس للناس حقوق. عليهم واجبات وحسب. الواجبات ديْن. والدين ديْن.

والدين أصولية. لذلك لم يكن غريباً أن يتزامن صعود الرأسمال المالي في المنطقة العربية مع صعود الدين والديْن. اعتبرنا بترول العرب للعرب، فإذا البترول ديْن على العرب.

البترول مال، كما ان الذهب مال. يُسمى الذهب الأسود. انسلخ البترول عن القيمة (العمل البشري مصدر القيمة) منذ أول بئر. انفصل البترول عن القيمة. بل صارت القيمة (هيدروكاربونية) في أوروبا وبورصة وال ستريت في نيويورك. اعتمدت شعوبنا على البترول. صارت مسلوبة القيمة والقيم لأن هذه في مكان آخر. لكنها تركت مكانها تعويضاً هاماً وسيئاً وتراجيدياً: أقصد هنا الذات الفارغة من القيمة.

ذات أصولية دينية لا يعنيها المجتمع. هل ان للدين معنى إذا لم يكن في مجتمع يجتمع ويؤتلف حوله؟ من قال أن الدين بشع كله؟ تحول من قربانات الضحايا البشرية عند أجدادنا الفينيقيين الى قربانات الأضاحي الحيوانية. مع تكاثر الحجاج تحوّل الى ما بعد الحداثة وربما تقديم القرابين رمزياً.

لم يعد مقدمو القرابين بحاجة الى تقديم قرابين بشرية. قرابين الأغنام توزّع على الفقراء إحساناً. الإحسان قاعدة أساسية في نظام النهب الرأسمالي. تنهب الفقراء وتقدم لهم حسنات كي لا يقضوا الليل جائعين. قدّم القيّمون على شعائر الحج المجتمع قرباناً. هذه المرة ليس الله هو من يتقبل القربان. هي الرأسمالية. كيف؟ القربان منذ فجر التاريخ يشترط على الآلهة غفراناً من نوع ما. قربان سدنة الحج لا يشترط شيئاً على آلهة النظام العالمي، فقط البقاء في السلطة. ثمن كبير. لديهم المال وبالتالي يستطيعون اختيار الإله والقربان المقدم إليه. ليس عاصياً على هذا الإله أن تكون فلسطين هي الذبيحة، وقد حصل هذا فعلاً.

نعود الى سلطة المال. المال يصنع المال، وصناعة المال تتم من دون وبمعزل عن دورة الإنتاج. ليس لتراكم المال علاقة بما هو موضوعي. لم يعد ضرورياً أن تتواضع الذات أمام الموضوع. الذات التي تمتلك المال تمتلك كل القيم. قيمة المال تحل مكان كل قيمة. ليس المال قيمة. لكن المال يحل مكان كل قيمة. القيمة ليست في مكان أو شيء أو زمان. ليست في العالم ولا في الطبيعة. هي في الذهن. هي هذا المتخيّل الأكبر الذي قيل له اركع فلم يركع. يبدو أنه يقول للبشرية اركعي وهي تركع.
اكتشف كارل ماركس قانون القيمة وفائض القيمة كأساس للنظام الرأسمالي. واكتشف أن القيمة حصيلة عمل الناس، وأن الربح الذي يسمى فائض القيمة المقتطع منهم هو فائض القيمة، أي ما يفيض عن حاجاتهم الدنيا للعيش. واكتشف أيضاً أن المال يتحوّل من وسيلة الى غاية، من وسيلة تعامل الى غاية كل استثمار رأسمالي. من هذا التحوّل يصير الرأسمال المالي هو السيّد الذي تخضع له كل أطراف الرأسمالية الأخرى. وتحوّلت العملة المعدنية الى ورق، وازدادت الأوراق المالية الى ما لا نهاية.

وارتبطت ثروة العاملين المأجورين بالرواتب والأجور التي لا يبقى منها شيء بعد استخدامها لتأمين وسائل العيش. أما المال فهو يزداد بيد البورجوازية، خاصة الكبرى، حتى ولو لم تستثمر شيئاً. وضع المال في المصرف كفيل بزيادة المال لدى البورجوازي. هو السيّد الذي لا يعمل. كل ما يميزه هو أنه يملك الملكية. فهي بحد ذاتها مصدر للمال والثروة. تتشكّل كل ثروة في الأصل من قيمة مقتطعة ثم تنقطع صلتها بهذه القيمة وتصير للرأسمال حركته الخاصة، وهذا ما يحدث في البورصات، أي في مراكز تبادل الأسهم والرموز المالية. المال يجر المال. المضاربات تزيد كمية الأوراق.

التضخم الحاصل يخفض سعر ما لدى الطبقات الدنيا (لديهم قيمة ينخفض سعرها باستمرار بفعل التضخم). تتحوّل القيمة الى سعر، وتتلاشى القيمة لدى العاملين الذين لا يملكون غيرها إلا لأجل محدود ينتهي في أخر الأسبوع أو الشهر، بينما تتكدّس الأموال لدى كبار البورجوازيين لا نتيجة العمل بل نتيجة الدورة الخاصة برأس المال المالي.

ما لديهم ليس لدى غيرهم. هم قلة نجحت في اكتناز ما يحرّك البشرية. ما يُسمى الاستثمار وأموال الاستثمار هو ما تسعى إليه جميع الدول والشعوب. لا حياة لشعب ليس فيه استثمار، حتى ولو كان غنياً بالموارد البشرية والطبيعية. مع تفاقم حجم المال، صار صنماً يسعى إليه الجميع ويعتبرون القيمة تنبثق عنه. تتوقف القيمة عن أن تكون تجسيدا للعمل البشري، وحصيلة تفاعل الانسان مع الطبيعة، وحصيلة علاقات الانسان بالانسان. تصير القيمة كائناً ميتافيزيقياً، ينبثق عنه الإنسان ويخضع له ويعبده. ويصير القابض على المال بمثابة من يمتلك القوة الأساسية التي توجّه الكون.
مع تزايد الفجوة الاجتماعية، يزداد الصراع؛ هو صراع طبقي وان شارك فيه اليمين واليسار؛ اليمين بأعداد أكبر من اليسار. على كل حال ليس النضال الطبقي حكراً على اليسار. عندما كان الأمر كذلك، كان الاتحاد السوفياتي واليسار في مقدمة النضال. لم يعد هناك اتحاد سوفياتي، واليسار أصبح مشرذماً، والأخطر أنه فاقد الوعي. إن مطالب الناس الفقراء مقابل فحش البورجوازية الكبرى لا يحتمل تردداً.

ليست المشكلة في شخص المناضل والى أي فريق ينتمي، بل في القضية التي يحملها والشعارات التي يرفعها. ان الطبقة العليا لم تعد تتصرف بشكل يستحق الاحترام، وهي منذ البداية لم تكن كذلك. اتهام الشعبوية الذي يصبّ ضد فقراء اليمين الذين يشاركون في انتفاضات ضد النظام ليس منصفاً. اتخذ النضال ضد النظام منحى لم يكن يتوقعه أحد. علينا تقبّله وتحليله وفهمه من أجل تكوين وعي يستوعبه. هذه معركة ليس فيها يسار ضد يمين في القضايا الاجتماعية. هذه معركة تطرح العنصرية والفاشية في جانب، والاتجاه الإنساني في جانب آخر.

تحاول الرأسمالية الكبرى استمالة الفقراء عن طريق الفاشية، والغريب المهاجر، ومحاربة الإرهاب. تلاقي هذه الأمور صدى لدى الفقراء، نشاهده في صعود الفاشية. وهنا المعضلة. الشعبوية ليست عيباً إلا بمقدار ما تقود الى الفاشية، وبمقدار ما تسمح للبورجوازية الكبرى بقيادتها وتوجيهها.

الحرب العالمية التي تدور رحاها في بلادنا العربية تستدعي التفكير. أدواتها السلاح والتكفير والإرهاب والاستبداد. الأقدر على استخدام ذلك هم الأنظمة والنخب السياسية والعسكرية. ضحاياها الشعوب والمجتمعات العربية، وآمالها في العيش الكريم، وفي أن يصيروا أمة في دولة أو دول، وأن يكون الانتظام في دولة أو دول مقروناً بالحرية والتقدم، وأن يُحسب لهم حساب في هذا النظام العالمي. أمة مهزومة هذا صحيح. أمة غير موجودة؟ سؤال يبعث على التفكير. كيف نفكر؟ عبء النفط (الرأسمال المالي) وسيف اسرائيل (الامبريالية) مسلطان على رقابنا.

لو كنا لا شيء لما كانت الحرب العالمية عندنا من دون غيرنا. هل كانت إسرائيل ممكنة الوجود لولا النفط وريوعه المالية وآثاره على الضمير والعقل والوعي، وسيطرة أسافل المجتمع (المال) على أعاليه (الناس)، وتفريغ الدماغ الجمعي من قضاياه ومن ملكة التفكير والتهذيب والإبداع؟ ما علاقة كل ذلك بأول ما يتبادر الى الذهن عند الحديث عن الماركسية؟ أي الصراع الطبقي.

البحث في مسائل الأديان والطبقات واحد. استخدام الرأسمال المالي للدين والقومية لا نعرف خفاياه. لن نعرف إلا انطلاقاً من تحليل ماركسي للانفتاح والطبقات وأساليب الإنتاج ووسائل الإنتاج؛ وسائل تحويل البشر الى أدوات للنظام السياسي المالي.  

انتهى