2019-01-20

اضراب الضمان والثقة والعشائر

جهاد حرب

أحدَثَ اضرابُ الضمان يوم الثلاثاء الفارط، كأول اضراب اجتماعي في عهد السلطة الفلسطينية وفي الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، تحولا نوعيا في العلاقة بين السلطة الحاكمة والمحكومين على أسس اجتماعية -اقتصادية. قد لا يدرك البعض هذا التحول في ترجمة المطالب النقابية من إضرابات قطاعية إلى إضرابات عبر قطاعية بشمول عدد واسع من المواطنين.

الموقف هنا بقدر التأييد للضمان الاجتماعي، كفكرة ضامنه للمستقبل، بقدر الاستماع إلى القوى الفاعلة على الأرض وعدم الاستهانة بقوتها وفاعليتها بعد فقدان الأطر النقابية والسياسية فاعليتها ومكانتها، والنظر للمآلات المستقبلية لهذا الحراك والحراكات الاجتماعية؛ أي احترام متلازمة التوازن. إن الانغماس في الحلول التقنية، على أهميتها، بتعديل القانون لن تجدي نفعا ما لم يحظَ قانون الضمان الاجتماعي بقبول شعبي. فتجربة العام 2016 ما زالت حاضرة "الحلول التقنية" لكن عندما يجد الجد "البدء في التطبيق" تعود الازمة من جديد أو للانفجار.

تشير نتائج استطلاع الرأي العام الذي اجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في شهر ديسمبر الماضي إلى أن الجمهور ينقسم في مسألة الضمان الاجتماعي إلى ثلاثة فئات: (1) تعارض الأغلبية 51% تطبيق القانون الآن وفي المستقبل، (2) تؤيد تطبيق القانون كما هو نسبة من 13% فقط، (3) ونسبة من 9% تؤيد تطبيق القانون ولكن بعد اجراء تعديلات عليه. ترتفع نسبة معارضة تطبيق القانون في الضفة الغربية إلى 65%، وترتفع نسبة معارضة تطبيق القانون الآن أو في المستقبل بين الذين يقولون أنه ينطبق عليهم أو سيتأثرون به في الضفة الغربية إلى 84%. (يذكر أن 44% من الجمهور الفلسطيني قال إنه ينطبق عليهم قانون الضمان الاجتماعي أو سيتأثرون به)

كما تظهر نتائج الاستطلاع أن نسبة من 49% من الجمهور تقول إن القانون غير عادل، وتقول نسبة من 32% أنها لا تثق بالحكومة، فيما تقول نسبة من 14% أن الدخل الحالي ضئيل ولا يحتمل المزيد من الخصومات. لكن ثقة الجمهور في أن صندوق الضمان والحكومة سيدفعان رواتب التقاعد لا تتجاوز 31% فيما تقول نسبة من 56% أنهما لن يدفعا رواتب التقاعد

تحتاج العوامل الدافعة للمشاركة في الحراك والوقفات والاحتجاجات والاضراب إلى الملاحظة والعناية والتدبر؛ فهي، في ظني، عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية أكثر عمقا من النصوص القانونية القاضية بأفضل المضامين "فكرة الضمان نفسها" أو قوة الصياغة للنص التشريعي. ناهيك عن مسألة الفجوة أو الهوة "فقدان الثقة" بين النظام السياسي وأركان الحكم في البلاد وبين الجمهور الفلسطيني.

تتناقض فكرة الضمان الاجتماعي بالمطلق مع فكرة سلطة العشيرة؛ فالضمان الاجتماعي أحد أوجه الدولة المدنية الحديثة أو العصرية لتوفير العناية والاطمئنان في المستقبل للأفراد عبر آلية التكافل الوطني الفوق عشائرية أي خارج رابطة الدم التي تقوم عليها العشيرة.

إن تطبيق قانون الضمان الاجتماعي يدعو إلى أو يتطلب تبني استراتيجية شاملة قائمة على وصف دقيق وأمين وشامل للازمة مقرونة بحلول حصيفة تأخذ بعين الاعتبار العوامل سالفة الذكر لمعالجة أوسع، وبأدوات أكثر قدرة على التعاطي مع متطلبات الحالة وفقا للقدرات المتوفرة للحيلولة دون تفاقم الازمة، أو تحول المطالب الاجتماعية إلى مطالب سياسية أعمق تدخل البلاد أتون المجهول وهوة الانفجار.