2019-01-31

الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية

د. مصطفى حجازي

عرض وتعليق سعيد مضيه

هذا الكتاب صك تجريم للأنظمة الأبوية العربية، تمارس استبدادها قهرا للجماهير الشعبية، وقد يصل الاضطهاد مستوى هدر إنسانية البشر، هدر التفكير والإرادة والطاقة الحيوية للنماء والتطور، وتترك الأفراد والجماعات هائمة مستلبة تمارس الحياة ردود أفعال وعفوية بلا تبصر او تدبير. وأخطر جرائم الاستبداد هدر الطاقة الحيوية لدى الجموع، بحيث يتقبل الضحية طوعا ما يلاقيه من اضطهاد. الهدر الخارجي لا يقيض له النجاح التام إلا بمقدار ما يتحول إلى قوى هدر داخلية ذاتية.

انطلاقة المقاومة الشعبية وتصعيدها لم تزل تحبو. قد يعزى استنكاف الجماهير عن المشاركة في فعاليات المنطقة لعوامل غير الرفض أو عدم التعاطف، إنما قد يكون انعدام الثقة بالذات، وحتى الجمهور الغفير قد يفقد الثقة بالقدرة على التأثير في مسار الأحداث. إنه تبخيس الذات، وهو ما نسمعه يتردد مرارا على الألسنة، تحقيرا للجماعة أو للعنصر العربي أو الإسلامي. وقد أطلق الرفيق الراحل إميل توما على الظاهرة لطم الخدود وشق الجيوب؛ وأطلق عليها الدكتور مصطفى حجازي "الهدر"، هدر إنسانية الفرد أو الجماعة أو الشعب بأكمله. ويطلق عليها أيضا مفهوم "الاستلاب". وعندما يتقبل المجتمع واقع الهدر قدراً، فذلك مؤشر على تغلب نزوة الموت على نزوة الحياة؛ ويغدو ترميم المجتمع حاجة ملحة. وأخطر جرائم الاستبداد هدر الطاقة الحيوية لدى الجموع،بحيث يتقبل الضحية طوعا ما يلاقيه من اضطهاد. الهدر الخارجي لا يقيض له النجاح التام إلا بمقدار ما يتحول إلى قوى هدر داخلية ذاتية.

تمت مقاربة الثمار المرة للاستبداد السياسي من قبل ثلاثة باحثين عرب استشرفوا كشف العوائق المعطلة لحيوية المجتمعات العربية، والحافظة لقيم التخلف المادية والروحية .

في الدراسة الاجتماعية " البنية الأبوية إشكالية التخلف في المجتمع العربي"[ مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت 1992] يقارب الباحث الراحل، الدكتور هشام شرابي، ظاهرة الاستلاب والهدر من زاوية اجتماعية اخرى، لكنه يتوصل لنفس النتيجة. هدف شرابي من دراساته إلى الكشف عن أسباب التخلف العربي وكيفية تجاوز هذا التخلف والتغلب عليه.

"التخلف هنا ليس تخلفاً اقتصادياً أو إدارياً أو إنمائياً، بل إنه كامن في أعماق المجتمع العربي لا يغيب لحظة واحدة، بل إنه يقبله ويتعايش معه، ويتخذ هذا التخلف صفتين متلازمتين هما: اللاعقلانية والعجز، الأولى تتجلى في عدم القدرة على التدبير أو الممارسة، والثانية في عجزه عن التوصل إلى الأهداف التي يرنو إليها. وإلى ذلك يعزو الانكسارات والهزائم وفشل مشاريع التنمية. ومن ثم فمصير المجتمع العربي متوقف على  مقدرته في التغلب على نظامه الأبوي واستبداله بمجتمع حديث".

فما الذي عناه شرابي بالنظام الأبوي في المجتمع العربي؟ في الفصل الثاني من كتابه يوضح السمات الأساس للمجتمع الأبوي: علاقات اجتماعية مركزية للتشكل الاجتماعي السابق للراسمالية. السلطة الأبوية، كما لاحظها الباحث في مؤلف سابق، "مقدمات لدراسة المجتمع العربي"عام 1973، ليست سوى "افراز مجتمع بطريركي يقوم على علاقات القوة، حيث على العنصر الأضعف، أي الاولاد والنساء والمهمشين أن يتقيدوا بالقوانين القائمة التي لا تقبل بتميز الأفراد واستقلالية إرادتهم. فالجماعي يغلب على الفردي، الذي يطلب منه ان يختفي، بهدف تمتين الرابطة الاجتماعية"....

قيم شرابي بعداً ضمن هذا النظام هو التحديث الذي نجم عن احتكاك العرب بالحداثة الأوروبية. "لم تتحول المجتمعات العربية إلى رأسمالية  مكتملة، ولم تبق على تراكيب كانت متماسكة وتحافظ علي انسجام الحياة؛ غدت المجتمعات العربية هجينة تخلت عن التقليدي وقعدت عن إيجاد البدائل. لذلك لا يمكن قراءة المجتمع الأبوي العربي إلا وفق رؤية التبعية والأبوية. ادى تغلغل الرأسمالية في الاقتصاد العربي الى نشوء رأسمالية تبعية ومزيفة. لم تظهر طبقة برجوازية ناضجة، ولا طبقة عاملة أصيلة".

وشاطر الباحث في الدراسات الإسلامية، نصر حامد ابوزيد، في رصد نفس الظواهر في مؤلفاته، نورد منها تصنيفه لمبدأ الحاكمية في الفقه الأشعري، في مؤلفه "النّص السّلطة، الحقيقة الفكر الدينيّ بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة" [المركز الثقافيّ العربيّ، ط2 - 1997، ص143، 144] ، فيورد نفس الخصائص لمجتمع الهدر:

 "لمبدأ الحاكميّة، النّاتج عن قراءة تأويلية مغرضة للنصوص، امتداداته الضّارة جدا في بنية الوعي على جميع المستويات الاجتماعية والسياسيّة والفكريّة على حدّ سواء. إنّه باختصار يساهم – إلى جانب أجهزة القمع من الشرطة والجيش والتعليم والإعلام – في ترسيخ بنية وعي المواطن المذعن الخاضع المطيع، ويساهم من ثمّ في تثبيت الواقع المحقّق لمصالح طبقية حادّة".

ويضيف بعد بضعة سطور، "خطر الحاكميّة لا ينحصر على مستوى الدّلالة السياسيّة، بل يمتدّ عميقا في بنية الوعي الاجتماعي، فيصبح مبدأ حاكما لكلّ المؤسسات الاجتماعيّة بدءًا من الأسرة، فتتركّز الحاكميّة في يد الذّكر في علاقته بالأنثى، وفي يد الأب في علاقته بالأبناء، والأكبر في علاقته بالأصغر، والرّئيس بالمرؤوس. ويتحوّل الأمر إلى كارثة حين نرى للمبدأ حضورا في المؤسسات الفكريّة والعلميّة، فتتحوّل المؤسسة الدينيّة – الأزهر- إلى حَكَم في شئون الفكر والإبداع الفنيّ والأدبيّ. إنّ وجود جهاز للرقابة على الكتاب والمصنّفات الفنية والأدبية كارثة في حد ذاته، فما بالنا حين يسيطر على هذا الجهاز المؤسسة الدينية، فتصادر الكتب وتتدخل بالحكم على بعض الإنتاج الفني".

أما مصطفى حجازي فيرصد في كتابه "الإنسان المهدور" [الطبعة الثانية -بيروت 2006  المركز الثقافي العربي]  ظاهرة الهدر الاجتماعي عبر تتالي القرون "عطلت سياسات الاستبداد الطاقة الذهنية وكل الطاقات الحيوية في الفرد والجماعة عن الفعل، واحلّت البلادة والخضوع. هدرت التفكير والإرادة لدى الأغلبية الساحقة من الجماهير الشعبية. قوضت نظم الاستبداد الأبوية إنسانية البشر وهدرت طاقتهم الحيوية الإبداعية".

كل منا نال نصيبه من الهدر، وإن اختلفت مرجعياته ودرجاته وألوانه والإحساس بآثاره. ومن لا يتذكر الهدر في حياته كأن يشب في بيت ثراء أو وجاهة، فلا بد ان التربية البيتية شابها  الهدر وتركت ندبا نفسية لا يحس بها المرء،عقد نفسية لا يعيها المرء او يعيها معتبرا إياها حالة طبيعية، لكنها من اخطر إفرازات الهدر في الحياة الاجتماعية العربية.

دراسة الدكتور مصطفى حجازي، "الإنسان المهدور" طورت دراسة سبقت بعنوان "التخلف الاجتماعي  سيكولوجية الإنسان المقهور". قادته مطالعاته إلى ان الإنسان العربي كابد ما هو أشد وطأة من القهر, فالمقهور يحتفظ بمداركه، يعي قهره، حرمانا من ممارسة بعض الحقوق؛ اما المهدور فلا يعي مأساته ويستنزف طاقاته الحيوية في مداراتها دون التخلص منها. الكتاب يحتفظ بأهمية استثنائية لكل مشتغل بالسياسة؛ فهو دليل المناضل السياسي في التعرف على الحالة النفسية للجمهور كما اوصى لينين مرارا وطبق في أبحاثه السياسية والنظرية. مجال علم النفس الاجتماعي يدخل في النضال التحرري وتحكم الإنسان بمصيره، وفي قضايا التنمية الاجتماعية؛  إذ لا تنمية اجتماعية إلا بمقدار ما تتسع خيارات الإنسان في امتلاك زمام مصيره تسييرا او توجيها او صناعة مصيره، من خلال بناء قدراته الذاتية  وتمكينه الكياني، بحيث يرتقي الى نوعية تحقق كامل إنسانيته، أ ويمارس ديمقراطية حقة.

ومن اولى شروط التمكين والاقتدار على مستوى الكفاءات والخيارات معرفة هذا الإنسان ذاته في خصوصية ظروفه التاريخية والثقافية والسياسية والاجتماعية.

 تندرج كلتا الدراستين ضمن مشروع توظيف علم النفس في خدمة قضايا التنمية البشرية، الشرط الأساس للتنمية الاجتماعية، بدءًا بمعرفة خصائص وديناميات الإنسان العربي.

يهيب الدكتور مصطفى حجازي بعلماء النفس والباحثين إلى رفع اهتماماتهم وتوسيعها من معالجة مرض فرد واحد الى معالجة مجتمع بأسره. في كتابه الثاني يشهّر بنظام مربوط بالعصور القديمة، ينزع عن الجموع الشعبية إنسانيتها، ويتعامل معها كأشياء بدون حقوق إنسانية. يمارس الاستبدادَ على صعيد المجتمع بأسره في العصر الحديث أنظمةُ الحكم والعصبيات (قبلية، عشائرية طائفية، إقليمية او دينية) وكذلك الأصوليات.

السيطرة الكولنيالية طورت النظم الأبوية وشحنتها بحداثة مزيفة فغدت أنظمة محدّثة استعصت على التقدم وساست الأمور باللاعقلانية والعجز. عطلت الكولنيالية عملية القطع مع نظم العصر الوسيط وعلاقاتها الاجتماعية ونماذج اقتصادها وقيمها وثقافتها، وقدمت الدعم غير المحدود لأنظمة التخلف، الأنظمة الأبوية. علاوة على جرائم الإبادة وقمع الإرادات الوطنية خلقت السيطرة الكولنيالية الظروف لتواصل ثقافة الاستبداد للعصور الوسطى بمكوناتها الكاملة، في الحياة الاجتماعية المعاصرة ومكنتها من الهيمنة على الثقافة القومية المعاصرة.

وضمن الإطار نفسه احتفظ بمشروعيته تأويل فقهاء الاستبداد في العصر الوسيط لتعاليم الدين ومبادئه. إن الأثر الذي يتركه الاستبداد ونظام الهدر الإنساني لا يزول بزوال الاستبداد؛ بل تبقى رسوبات تفعل بصورة سلبية في نفوس البشر. الإنسان يبتلع علاقات الاستبداد وعلاقات الهدر وحين تترسخ في بنية الشخصية تستعصي على التجاوز التلقائي وتعيد توليد ذاتها . حينئذ يلجأ الفرد او المجموع الى ديناميات دفاعية تحفظ التوازن مستمدة من نظام القهر والهدر ذاته؛ فتتعقد، من ثم المظاهر المرضية في المجتمع، كما يقول الكاتب.

الكتاب يتألف من تسعة فصول، الفصل الثامن مرآة نشاهد فيها حقيقتنا بدون رتوش.  الديناميات الدفاعية للإنسان المهدور،تعرض الفرد والمجموع في مأزقهم، يسعون للتعايش مع الاستبداد السياسي وما يتركه من هدر اجتماعي بالاتكاء على عناصر الهدر في الحياة الاجتماعية، فيفاقمون ضررها ويعززون وجودها . يتم اللجوء الى "آليات دفاعية تحفظ التوازن النفسي وتجعل الحياة قابلة لأن تحتمل وتخفي الخسارة التي تلحق بكيان الإنسان المهدور وفكره ووعيه وطاقاته الحية" (279).تقوم السلطة من خلال إعلامها بتزييف الوعي، إذ تلفق مظاهر اعتزاز وطني زائفة تقلب القيم وتزيف اللغة وتروج أوهام العيش في رغد موهوم في عهد المستبد، حيث لا يمت شيء للواقع المعاش. تشاع ثقافة القطيع تبث الأوهام، وتتحول المعاهد التعليمية الى دور حضانة او معسكر اعتقال.

بيئة الهدر احتقان نفسي يمور بالغضب والثورة والتمرد المصاحبة للجرح النرجسي وفقدان ا لاعتبار والقيمة. تضمحل نزوة الحياة وتتنامى نزوة الموت (285. الهدر حقل ألغام قابلة للتفجير عند الاحتكاك يحمل دلالة الخسارة الكيانية(286). يرصد الباحث تركم عوامل السخط التي قد تتمرد على الحكمة السياسة وتنحاز للمغامرين دعاة التطرف الدمويين. نشر الكتاب عام 2006 ، قبل تشكل ظاهرة الإرهاب التكفيري.

الهدر وفخ الاكتئاب الوجودي

يقترن الهدر بمشاعر الغضب والعنف  والانشطار النفسي، يسفر عن تغيرات نفسية وسلوكية ومعرفية وانفعالية وجسدية، تشمل نظام التفكير  والأفكار الانتحارية ، ولوم الذات وصعوبة التركيز. العطالة النفسية تتمثل في صعوبة المبادرة والقيام بالأنشطة الحياتية  المختلفة حيث تبدو أبسط المهام أعباء كبيرة وثقيلة  (287). الاكتئاب الوجودي احساس بالمسئولية الذاتية عن فشل تحقيق مشروع الوجود وتبخيس الذات وانعدام القيمة والجدارة (288). تعطل الطاقات والامكانات وتوظيفها . ينشأ الاكتئاب عن صدمة نفسية او  رد فعل لحدث مفجع.

الهدر والغضب والعنف  والاكتئاب وجه آخر للغضب الشديد المكتوم المرتد على الذات مصحوبا بأمراض جسدية – نفسية مثل ضغط الدم وقرحة المعدة والسكري  نتيجة التوترات (292). أحيانا يغري بالرضوخ والاستسلام أو التبلد وإلغاء الأحاسيس المؤلمة، وأحيانا أخرى يتخذ طابع الكمون التكتيكي لحين زوال الخطر (293). ليست سلوكات الرضوخ والغضب والتبلد والهروب والاكتئاب سوى إعادة إنتاج الهدر وتكريسه بفعل الاستجابات الذاتية، ليغدو هدرا مضاعفا يحول الإنسان المهدور الى اداة هدره الذاتي وإلى حليف لقوى الهدر الخارجية ضد كيانه (294). يتجلى هذا في شتم الذات القومية والحط من الانتماء العرقي أو الطائفي العصبي. لا يجوز الانخداع بالسكون الظاهري لدي الشعوب المقهورة؛ فالرضوخ ليس سوى قناع دفاعي وليس حالة أصيلة . انفجار طاقة الحياة المتحولة الى غضب يغلي يتخذ طابع العنف الكاسح المباغت.

قد يتسرب العنف الى مسارب جانبية  من خلال اواليات الإزاحة والإبدال المعروفة في التحليل النفسي، فتحدث التوتر وسرعة الاستثارة والانفعالية؛ تفتعل الأزمات والصراعات والنزاعات وتضخمها، او تنفس الإحباط الذاتي عدوانا على الأضعف ، تفشي سلوكيات التخريب  والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة ظواهر التطرف والفاشية التقليدية تطلق نزوة الموت.

الهدر يعطل الحوار، ومعه يتهاوى النظام الرمزي المصاحب لإفلاس اللغة بما هي اداة التعبير عن الذات او الجماعة وعن حقها في الاعتراف بالقيمة والوجود(295). تنهار اللغة ويتفجر العنف .الهدر ينتج العنف بالضرورة.

الهدر والانشطار الذاتي-الانفصام

ينجم  عن الهدر انفصام بين صورة للذات مقبولة اجتماعيا واخرى مخفية تخص العالم الذاتي الداخلي وما فيه من رغبات  وأزمات وصراعات  وقلق  واحتقانات يتعذر الإعلان عنها لا والتصريح بها لأنها تورط المكانة الاجتماعية وتهددها (296). احيانا توظف عاطفيا ما بين الحب والحقد، لتفكك وحدة الفكر والعاطفة والسلوك. ومن هذا التفكك اتخذ المرض العقلي تسميته بالأصل. بالنتيجة تتشكل نماذج اربعة للذات: علنية مقبولة اجتماعيا، وسرية مكتومة عن الجميع ومخفية، يتكتم عليها الشخص حفاظا على لياقة مظهره، وجانب أعمى من الذات لا ينتبه اليه الشخص لكنه ظاهر للآخرين، وعادة ما يلفت الأصدقاء نظر الشخص إليه حفاظا على مكانته الاجتماعية. والنموذج الرابع للذات مجهول للذات وللآخرين ، عبارة عن اللاوعي يتجلى في الاختبارات الإسقاطية او الأحلام وسواها من منتجات اللاوعي(298). هدر الطاقات الحيوية يخلق الثقوب في الكيان . الحاضر مأزوم بالانفعالات المفضية الى الانهيار او الانفجار، والعيش خارج الوجود الذي يعجز عن مجابهته والتعايش معه .خواء وجودي وفراغ القيمة الاعتبارية.

آليات الدفاع ضد الهدر

لتوفير حد مقبول من التوازن والاستمرار الوجودي تبذل محاولة لترميم الواقع الذاتي واستعارة قيمة بديلة توفر التوازن المطلوب(300). تتمثل المحاولات في حلول تسكينية تعويضية:

آليات تحمي من القلق العصابي عادة إلا أنها تبقي على القوى المكبوتة (النوازع ، والنزاعات والصراعات) المولدة للاضطرابات. هي نمط من الدفاعات السلبية تجنب الأذى وتحمي لكنها لا تعالج(301)، تستنزف الطاقات الحيوية في الدفاع بدل البناء والنماء الكياني، وقد تسقط الهدر على الآخرين الأشد بؤسا أو تنخرط في تدمير الممتلكات وشغب الملاعب. يتخذ التبلد الإدراكي الناجم عن معاناة العصاب خمس طبقات مرَضية:

*احاديث خالية من المعنى عبارة عن مجاملات ومشاركات في كلام يدور عن الأوضاع العامة، 

*أدوار وألعاب اجتماعية مهينة تستبعد التواصل مع الذات الحميمة او التواصل المليء مع الآخرين،

*طبقة المازق دفاعات عصابية معروفة وصراع وقلق واضطرابات تهدر الطاقة النفسية،

* موت وجودي أو انهيار داخلي، ذعر من العالم الداخلي، تبلد وموت وجودي،

* الطبقة الأعمق عبارة عن طاقات حية وثابة طامحة للنماء والتوسع ، تمثل الجانب الأصيل في الذات والتحرر من كل الأقنعة وسقوطها . تتحرر الطاقات الحيوية وتدخل في وفاق ووئام كيانيين.

آليات دفاع جماعية

الهدر يبحث عن تعويض في البيئة المحيطة يمضي في مسارات عدة:

1- الاحتماء بالماضي هربا من الواقع المعاش، ومن العجز الوجودي  بانتظار الخلاص وتعطيل الفعل. تهب المسلسلات التلفزيونية يتفنن الكتاب والمخرجون فيها في إيراد الماضي المجيد وإبرازه (303). توفر للجماهير الغذاء الروحي المعوض،

2- الاحتماء بالقدرية والاستسلام للمصير العاجز عن الفعل،

3- كلام برسم التمويه وملء الخواء الكياني، ثرثرة تمنح وهم القيمة والمكانة والقدرة تستر بؤس الذات، كلام فاضي من الدلالات الوجدانية او الوجودية.

4- كلام مبهم يزيد اللغة عقما وينحسر نطاق الدلالة، تغدو اللغة أداة تزوير الواقع الوجودي .

5- القلب الى الضد، التشاطر، ادعاءات مبالغ فيها،  إيهام بالقدرة الخارقة والاعتداد بالقدرات والامكانات،  صخب الحوار، هنا ينفي الواحد قصوره وعجزه وهدره، مقنّعا بقناع  زائف  من القدرة والدراية والمهارة. آلية القلب الى الضد هذه تعود فتنتج الهدر لأنها مجرد استعراض  وسائل القوة والمقدرة على المواجهة والفعل بدون امتلاك مقوماتها (306).

6- التقرب من الوجهاء وعلية القوم ذوي السلطة والنفوذ، ليس بقصد التكسب بل لمجرد التباهي.مخالطة اجواء النخب والإحاطة بمظاهرها املا في كسب مكانة ذاتية وقيمة واعتبار مقتبسين ومصطنعين غير أصيلين (307).

7- الإدمان على الكحول والمخدرات يقلب الخواء امتلاءًا، والبؤس نعيما . علاج الإدمان ردم هوة الخواء الوجودي التي تستبد بالمريض وتزلزل توازنه، وتصيبه بالقلق الذي يصل حد الذعر الذي لا يدري كيف يتعامل معه" (307 ).

8- الاحتماء بالمقدس، عند الفئات الشعبية حيث التصوف والتمسح بأهل الكرامات . الموال الصوفي في احتفالات الموالد وما يرافقه من موسيقى وحركة وإيقاع يتخذ طابع الندب المعبر عن الألم والمعاناة الوجودية.غير أن الحركة المعبرة عن هدر الكيان الكبير ينفتح على عالم بديل متعال  عن الشقاء الأرضي من خلال استدعاء التوق الى حالة الوصل الذوبانية في الحبيب (محمد) والرجاء بالحظوة في زيارته والتقرب منه (308) . تشير حسابات العقل والمنطق في هذه الحالات الى خسارة وجودية محضة  لا تحتمل، نظرا لما تنطوي عليه من اختلال للتوازن. 

9- ظواهر فاشية وتطرف يميني او أصولي، والدينامية النفسية القابعة خلفهما واحدة. الهدر يدفع الجماعات للانقياد المنظم لشخص تجتمع فيه سمات المنقذ؛ إماما او صاحب كاريزما قائدا او زعيما يسلمه الجمهور زمام قيادته وتسبغ عليه خصائص القوة القادرة على الخلاص.  يحدث التماهي بالقائد ويجري تفريغ احتقان العدوانية والغضب ضد الجور والظلم، وتشحن نزوات العنف والعدوان.

الفاشية،  كما الأصولية المتطرفة، هما في الأساس حالة حرب تهدف تدمير واقع غير مقبول وإلغائه، والعيش في حالة حلم بدون مشروع بناء مستقبلي فعلي. لهذا فإنهما ينتهيان عادة الى مأزق بديل عن المازق الأصلي الذي اعلنا الحرب عليه، ما يكرر حلقة الهدر.

ان ارتباط امل الفردوس الموعود واستتباب حالة النعيم وما يوفره من قيمة كلية يجعل العدوانية في أقصى حالات تطرفها مشرعنة. يوضح هذا ان مازق الهدر بكامل كارثيته، ذلك ان الفاشية،  كما الأصولية المتطرفة، هما في الأساس حالة حرب تهدف تدمير واقع غير مقبول وإلغائه، والعيش في حالة حلم بدون مشروع بناء مستقبلي فعلي. لهذا فإنهما ينتهيان عادة الى مأزق بديل عن المازق الأصلي الذي اعلنا الحرب عليه، ما يكرر حلقة الهدر.

آليات الدفاع عن الهدر يحتاج كل منها الى بحث قائم بذاته. الملف الإنساني مفتوح النهاية بطبيعته ذاتها؛ فالهدف رسم ملامح حدود عامة، وطرح قضايا اكثر منه الزعم بالإحاطة التي لا يمكن ان تكون شاملة بحال من الأحوال (311).

يتضح من دراسة الديناميات تقييم الأذى الذي يلحقه بالإنسان في حالات الهدر الشديد والمزمن . كما يوضح مقدار التعطيل الذي يصيب الطاقات الحية ونوازع النماء والبناء. الهدر تفاقم آثاره السلبية التي تنال من صحة الفرد والجماعة والمجتمع وعافيتهم، وبالتالي خصائصهم. نكون اذن إزاء حالة نماء مضاد لا سبيل معها للحديث عن تنمية وعمران وتقدم . وقد يكون ذلك أبرز الدروس التي يجب التنبه لها والقيام الى مجابهتها (312)

 نعود نتدرج مع الباحث من الفصل الأول من كتابه، لنتامل مسببات الهدر في المجتمعات العربية، ومنها بالطبع المجتمع الفلسطيني. النظام المستبد يحتكر لنفسه الثروة الوطنية وإدارة الحكم وينفرد بتقرير مصير المجتمع وتعليمه وإعلامه، ويستأثر لنفسه بحق تقرير حيوات أفراده. وحيث يحرم الإنسان من حقوقه الإنسانية فإنه يجرد من استقلاليته ومن الإدراك والوعي وتتشوه أذواقه وعواطفه. في ظل النظام المستبد نكون "بصدد هدر إنسانية الإنسان متعددة الأبعاد والمستويات والألوان بدءا بهدر الدم وادعاء الحق في التصرف بالكيان، وانتهاء بهدر الوعي والحجر على العقول، ومرورا بهدر الطاقات الحية من خلال الحرب عليها والتفنن بأساليب قمقمتها (27). يهدر العقل ذاته باعتبار أن الوعي هو المدخل إلى التفكير والعطاء الفكري. كما قد يصيب الهدر العام المواطنة والانتماء، "وكلها تولد مآزق وجودية كبرى للأفراد والمجتمع بشكل عام.

نتقل عدوى الهدر الخارجي، إذ تتغلغل في نسيج الحياة الاجتماعية، إلى هدر ذاتي اعتباطي غير واع. يفترض المرء، وهو يتعثر في حياته، أنه "منحوس" أو "متعوس بالجبر، نتيجة مقدرات خفية". هناك تحالف وطيد بين قوى الهدر الخارجية وقوى هدر الذات الداخلية (37). والواقع أن الهدر الخارجي لا يقيض له النجاح التام إلا بمقدار ما يتحول إلى قوى هدر داخلية ذاتية. وإلا فإن الاستبداد يبقى مسألة برانية قابلة للثورة ضدها حين تسنح الفرص.

يتلازم مع هدر الإنسان هدر الموارد والثروات، وفي عالمنا العربي لا يكاد هدر الثروات تثير فضيحة، بينما الهدر في البلدان المتقدمة يحيل ممارسات الفساد المالي إلى فضائح تطيح بالرؤوس."ويكمل السلسلة هدر المؤسسات التي تجير لخدمة مكاسب ونفوذ السلطات والعصبيات (أو بالأحرى السلطات العصبية) على اختلافها... وتكون النتيجة إحكام الحصار على الإنسان وهدره. ذلك أنه حين يتم هدر المؤسسات والثروات يتم الاستفراد بالإنسان وكيانه من خلال تجريده من كل مرجعيات القوة والمنعة والحقوق... ولا مكان عند هذا الحد للتنمية والإنماء.

الناس أداة المستبد ، خاصة المثقفون يزج بهم في الحروب أو يستخدمون للترويج لعظمته وعلو شانه. المستبد يوظف الأقلام والإعلاميين في تمجيده وخوض المعارك ضد خصومه. والناس هم أداة العصبيات لتعزيز شوكتها والحماس لها؛ العصبيات تلتهم أبناءها كي تتغذى وتقوى. وبدون الالتهام فإنها تضعف وتموت. ألناس أدوات العصبيات والأصوليات من خلال استقطاب الأتباع وقولبتهم فكريا وإيديولوجيا، وتحويلهم إلى مبشرين بشعاراتها ... العصبية كما الأصولية ، تبنيان قوتهما ومنعتهما على التبعية والولاء المطلقين28).

"لا يكتفي المستبد بحجب الديمقراطية أو الحرمان من الحقوق؛ بل هو علاقة مختلفة تقوم على "اختزال الكيان الإنساني للآخرين إلى مستوى "الرعية"، التي تعني لغويا القطيع من الأكباش والأغنام. (29). وبهذا تغدو الديمقراطية في واقع الأمر لغوا فاقد المضمون ووسيلة تحايل . "ولا عبور إلى الديمقراطية بدون استرداد الإنسان لحقه في إنسانيته ومكانته، ولا ديمقراطية ممكنة إذاً بدون هذا الشرط المسبق المتمثل في القضاء على الهدر الوجودي ، واستعادة قيمة الكيان الإنساني وحرمته وأحقيته (30).

في الفصل الثاني يتناول الكتاب موضوع العصبيات وعلاقتها بالاستبداد. يقول الباحث: يبدو أننا بحاجة لدى دراسة واقعنا إلى توسل المنهج الخلدوني في دراسة العصبيات، أكثر من توسل مناهج البحث المعمول بها في الغرب الصناعي... ذلك أن العصبية تعرقل التنمية ، وهي تتضمن العديد جدا من القوى المقيدة لإطلاق الطاقات وصحة المؤسسات، بما فيها هدر الإنسان والمؤسسات والأوطان ذاتها. ناهيك عما تحمله من فيروس العنف والاقتتال. العصبية تقوم على الأحادية ولا تقبل التنوع، كما لا تعترف بالاختلاف. ولم يجانب أركون[أكاديمي من المغرب، باحث اجتماعي عاش في فرنسا، رحل قبل سنوات ] الصواب حين قال أن العصبيات تقيم دولا لكنها لا تستطيع بناء أوطان (44).

الانغلاق يوهن الانتماء الوطني، وهناك تبادل ادوار بين العصبية والأصولية. "العصبية، من حيث بنيتها، ذات مضامين عدوانية وتحمل شحنة العدوان قابلة لأن تتحول إلى صراعات دامية وتصفيات مع الخارج. ... يؤدي الانشطار الانفعالي داخل العصبية بين الشر والخير في حالات الشطط إلى تركيز الإنسانية وكل قيمها السامية داخل العصبية ذاتها، مما لا يترك مجالا للاعتراف بإنسانية الآخر (68). وهذا بارز في تصرفات الصهاينة تجاه العرب والفلسطينيين. من خلال العصبية أو الأصولية تنهار العلاقات الإنسانية. ... "الأسطورة المتبادلة تجعل أسطورة الحق والطيبة والهداية أو النقاء تقضي على أسطورة الفساد والضلال. هنا يصبح فعل القتل ليس مبررا فقط، بل هو يرقى إلى مستوى الواجب والرسالة النبيلة" (69). تغرق العقلانية في مستنقع التعصب الحاقد.

ويذهب ابن خلدون إلى أن العصبية تمنح الدعوة الدينية قوة وفاعلية ماديتين. فما بين العصبية والأصولية رابطة وشيجة. هنا يتم هدر كيان الأعضاء على مستوى البنية الداخلية، وهدر الآخر/ الغريب الذي تتكون بنية العصبية من خلال التنكر له والصراع معه. ومع هذا الهدر المزدوج يأتي هدر المؤسسات وهدر الوطن، حيث لا تعترف العصبية بشيء فوق كيانها، ولا حتى خارج كيانها ذاته. العصبية نظام مغلق مدفوع بدينامية الجمود والعادة والتقليد والحفاظ عليها؛ وبذا فهي تعيد إنتاج ذاتها.... إنها هوية ولاء وانتماء بدلا من أن تكون هوية بناء وإنجاز. يتصف نظام السلطة فيها بالمرتبية حيث يحتل الزعيم ذروتها وتمارس مرتبية دوائر السلطة فعليا من خلال العلاقة البطركية التي تتصف بالفوقية / التبعية. الكلام ليس حوارا بل هو إملاء فوقي. إنه يفرض السمع والطاعة فقط ، ولا يقبل ردا ولا حوارا، وتمارس العلاقة عبر جميع مراتب السلطة ثم تمارس على الطفل والمرأة . ولا تنتج معرفة جديدة بل يجري التمسك بالتقاليد (47).

العصبيات تقدم الولاء على الإنجاز، فتهدر عملية التنمية، ولا تعود العصبية بحاجة إلى المعارف أو الأبحاث؛ ذلك أن التنمية ليست في الوارد. "على عضو العصبية أن يقدم دوما البرهان على ولائه المتجدد وباستمرار، وإلا حلت عليه النقم محل النعم... فلا مكان للحوار المتكافئ والتساؤل والنقد، ناهيك عن المطالب الجريئة والطروحات المغايرة. كل ذلك يعتبر تطاولا أو على الأقل توصد الأبواب أمامه لأنه يبلبل النفوس ويهيج الخواطر ويزعزع الاستقرار"(48). ألا يتصرف الصهاينة تجاه اليهود الداعين للعدالة مع العرب لمثل هذا الاتحيز والحرمان؟ اليهودي الكاره نفسه وكذلك الحملات الساخطة على الأكاديميين اليهود وغير اليهود في الولايات المتحدة مثال للتعصب الذميم. هكذا "ما يُهدَر هنا مباشرة هو الوعي والعقل، ومعهما كل معرفة فاعلة أو ذات قدرة تغييرية؛ من هنا تأتي بذرة الاستبداد، وفي هذه التربة والمناخ نجد الظروف المواتية لتفتحها وترعرعها... وتستكمل العصبية بنيتها النفسية الاجتماعية بالتعصب (48).

تكتسب العصبية في نظر أعضائها دلالة المثل الأعلى والخير المطلق، بينما تسقط على الخارج دلالات سلبية ومشاعر الحذر والخشية والعداء. يتحول الخارج إلى أسطورة الشر والسوء التي يجب محاربتها واجتثاثها. وبذا تؤسس لهدر الداخل والخارج معا(49). يقصد بالقبول غير المشروط الاعتراف بإنسانية الإنسان ككائن قائم بذاته وكمشروع وجود، ولا يعني ذلك مطلقا القبول بسلوكاته الخاطئة أو مواقفه المؤذية له أو للآخرين. في علم الصحة النفسية يشكل قبول إنسانية الإنسان المدخل لعلاج سلوكاته واضطراباته... أما القبول المشروط فهو المدخل لكل سلوكات الكذب والخداع والمراوغة والتمويه، ما دام الإنسان ممنوعا عليه أن يكون بذاته ولذاته وأن يكون مشروعا قائما بذاته(54). ولذلك فإن "العلاقة بين العصبيات ومؤسسات المجتمع المدني هي علاقة صراع على النفوذ والمغانم، وليس علاقة تقوية وتعزيز تؤطر القوى الحيوية لأي مجتمع، وتشكل مرتكز متانة النسيج الاجتماعي وحصانته وفاعليته ونماءه(52). و أي حديث عن الديمقراطية يمكن أن تكون له مصداقية او فاعلية في حالة القبول المشروط هذه؟ (55). حقا فمن المستحيل للتنظيمات القائمة على العصبية الدينية او العرقية ان تحترم الديمقراطية وتلتزم بمبادئها.

ومع العصبية تختل نظم الإدارة والتنظيم. ونظراً لأن لكل خطة سياسية خطتها التنظيمية فإن الخطة التنظيمية القائمة على الولاء وتعطيل الفكر يستحيل أن تخدم خطة التحرير والتقدم؛ وتعطل عملية تطوير العلم واكتسابه وإدخاله في الإنتاج الاجتماعي ومعاملات الحياة اليومية.

"يحدث التقدم من خلال تجاوز الأبناء للآباء، ومن خلال تجاوز المجتمع لحالته الراهنة إلى حالات أكثر حيوية وفاعلية وجدة وتعقيدا. ويحدث التقدم العلمي من خلال التجاوز والقطيعة المعرفية تحديدا؛ ذلك أن خاصية العلم هي النقد والنقض وقابلية التجاوز... أما المعرفة اليقينية التي تقوم على الجواب الواحد الصحيح، والتي تستمد قوتها من إسباغ اليقين عليها وبدون وجه حق من خلال التمسك بالأصول وأصالتها الماضوية وبالثوابت ، فإنها تؤدي حتما إلى خصاء الفكر، ومعه يوصد باب المعرفة والعلم المتجدد الحي... حين يخصى فكر الأبناء وتشل حيويته وانطلاقاته ، فإن المجتمع ذاته هو الذي يفشل، يقتل إذ يتحول إلى جثة جامدة ثباتية (58).

القوانين الإدارية للنظم العصبية متخلفة ولا ترقى إلى مستوى القوانين الحداثية ." في العصبيات يتحكم قانون الغلبة؛ العصبة ذات الشوكة الأقوى هي التي تغلب وتسود وتبسط نفوذها من خلال إلغاء الأطراف الأخرى. وإذا لم تتم الغلبة فإن سجل الصراع يفتح كحالة دائمة تستنزف البشر والموارد في حالة من العداء الدائم....تجد العصبية في لحمة التعصب والانشطار الانفعالي داخل/ خارج مبررا لخروجها وصراعاتها المشروعة (46). تسارع العصبية المكتوب لها الغلبة لتطلق العنان لذوي الولاء المضمون من أعضائها كي يجنوا من ثمار كروم الثروة الوطنية؛ ليغدو نهب ثرواتها انطلاقا من هذه الثقافة العصبية ظاهرة عامة الانتشار والتكرار.

 الأصل في مؤسسات المجتمع المدني ان تقوي اللحمة الوطنية وتعزز شبكة النسيج الاجتماعي من خلال تأطير علاقات المواطنين؛ إلا أنها في مجتمع العصبيات المتصارعة تتحول إلى مراكز نفوذ لهذه العصبيات(64). كل من يعتمد على كفاءته بدون عصبية يهمّش ويبقى خارج اللعبة، وبالتالي يتعرض للعديد من ألوان الهدر لمكانته وكفاءته ومعنوياته، وعلى نطاق واسع (66). لا يجد الواحد من هؤلاء ذاته في العمل، ولذلك فهو يجتر المعاناة والمرارة وخيبات الأمل، ويعيش غريبا في مؤسسته. وبذلك يتدنى الانتماء إلى الوظيفة وتتراجع جذوة الحماس للأداء المميز، وتتفشى مشاعر اللاجدوى ، ومعها الاستسلام و النكوص إلى مستوى الحاجات الأولية والرضى بتحقيقها. يعيش مهدورًا وطاقة مهدورة وكفاءة مهدورة وعطاء مهدور. وتصاب الهوية المهنية بالوهن، ومعها تصاب الروح المهنية ويتحول الهدر الإنساني إلى هدر وظيفي : لماذا نكترث ما دمنا ضائعين ومحكومين بالتجاهل وغياب التقدير(67).

الإدارة العربية ترفض بعناد قوانين الإدارة العلمية؛ فتتولاها "حالة من الازدواجية الفعلية ما بين الظاهر الرسمي والخفي الفعلي... وليست الإدارة وحدها تسير بشكل خفي بهذه النظم، بل كل مؤسسات المجتمع، يتساوى في ذلك الأحزاب والجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية. كلها تسير بشكل خفي على أسس من العصبية الطائفية أو العشائرية أو الإقليمية... ولقد أخذ الأمر يمتد إلى المواقع الوظيفية ذاتها التي تتعامل فيما بينها بذهنية العصبيات. ولا يندر بالتالي أن ترى مختلف إدارات وزارة ما أو مؤسسة ما تتصارع فيما بينها انطلاقا من الذهنية العصبية، وليس على أسس وظيفية. .. ولقد وصلت العدوى إلى الجامعات، التي تتصارع كلياتها وأقسامها ووحداتها بالذهنية العصبية نفسها. في كل هذه الحالات يتحول المعيار عن الأداء إلى الولاء"(43). لا بل إن" العصبيات غزت المدينة وفرضت بنيتها على نسيجها وحركيتها" (45).

في هذه الحالة يلحق الضرر بالكيان الوطني ذاته، "بما هو إطار جامع يوحد التنوع والاختلاف، ضمن هوية وطنية ومشروع كيان يجد الجميع مكانتهم فيه... وحين لا يتشكل مفهوم الوطن، فإن كيانه ذاته هو الذي سيهدد، وإذا هدر كيان الوطن من قبل العصبيات الداخلية، فإنه سيسهل على القوى الخارجية السطو عليه وسرقته، سواء بالاحتلال أو بالاستغلال او بهما معا (51). ثقافة الولاء هي البنية الفوقية التي تسند بنية العصبية. وهي تذهب مباشرة إلى النقيض من ثقافة الإنجاز... نظام السلطة الحقيقي هو نظام وجاهة ومكانة، بدلا من اتخاذ السلطة موقعا للخدمة يحولها إلى وسيلة لتعزيز النفوذ الذاتي ونفوذ العصبية التي ينتمي إليها، والتي كان لها الفضل أساسا بوضعه في هذا المنصب. وتتحول علاقات السلطة داخل المؤسسة، بالتالي إلى علاقات نفوذ بدلا من أن تكون علاقة أداء وظيفي ... هكذا تحل علاقات الولاء محل علاقات الأداء... يغدو المنصب وكأنه ملكية خاصة (65).

اما الجماهير المهمشة فتظل احتياطيا للتضحية بها في ما تعتبره العشيرة مجدا؛ . إنهم رصيدها الاستراتيجي من وقود العنف، تزج بهم في الحرب الحامية بعد أن تزينها لهم على أنها تضحية من أجل قضاياها السامية. و"الميت في الحياة" يزين له وهم الحياة الخارقة من خلال زجه في معارك حروب العصبيات وبطولاتها البائسة. نجد العصبيات تلجأ للخارج تستقوي به في صراعها. ... بينما العصبيات التي تشكل أنظمة مغلقة يتعذر عليها التبادل والتداول والمشاركة أخذا وعطاءاً ، ومع هذه الحالة يصبح الكيان الوطني مجرد كيان شكلي مهدد بالانفجار في أي لحظة يتغير فيها نظام القوى . إنه كيان مفتت لا يستطيع النماء لأنه لا يتمتع بالمناعة والحيوية والدينامية . وإذا هدر الوطن فإن مؤسساته ستهدر بدورها، وكذلك طاقات أبنائه وفرصهم، ما عدا القلة المحظية منهم (63).

في ثقافة الإنجاز التي تشكل قاعدة كل نماء أو بناء لا يرى المرء من مفهوم لذاته أو تصور إلا باعتباره كائنا منجزا يحسن تنمية طاقاته وتوظيفها. كما أن صناعة المستقبل قائمة على الجهد الذاتي والجماعي بما فيه من تجديد وإبداع . في ثقافة الإنجاز تتحدد المكانة انطلاقا من الجدارة وحدها. الجدارة هي المرجعية في الحكم والتقويم والامتيازات. هنا يكمن مأزق العصبيات على اختلاف أنواعها وأشكالها. ذلك أنه لا إنسانية ممكنة لأي فرد إلا من خلال الشرط المؤسس لها، والذي يتمثل في الاعتراف بإنسانية الآخر. وبالتبادل يفتح باب اللقاء الإنساني والشراكة الإنسانية في الوجود والمصير (70).

في الفصل الثالث الذي يتناول الاستبداد والطغيان وهدر الإنسان يستعرض الباحث عملية إدارة الإدراك لدى المجتمع وتكييفه لحكم الطاغية. والمجتمعات العربية مبرمجة منذ العصر الوسيط. قرون الاستبداد السابقة تركت آثارها المخربة للوعي، ما يؤكد استنتاج فرويد من أن "اللاوعي الثقافي هو ذلك المخزون الثقافي المتوارث الذي يوجه الميول والرؤى ويحدد السلوكات بشكل عفوي. ليس عجبا انتظار الجماهير الفرج على يد بطل يملك السلطة والقوة، بطل منفرد ومتعال يرد لها حقوقها السليبة (111). ومن ثم فانتظار المخلص ضابطا عسكريا او فدائيا انتحاريا مظهر لخاصية لاواعية في المجتمعات المرتبطة بالعصور القديمة. وقد نقل الموروث الديني منذ العصر الأموي عن حكم الأكاسرة الفرس نظام المستبد العادل؛ لكن الأمويين ومن تلاهم من السلاطين نقلوا هذه القيمة الكسروية مشوهة إلى ديار الإسلام وتشريعاته، ونشرت على الناس محرفة من المقاصد. وذهب الفقهاء المدافعون عن الخليفة العباسي إلى توأمة الدين والملك في الآداب السلطانية (112).

وانتقل هذا الموروث في خلايا أنظمة الحكم العربية. فبينما يتهيب الحاكم في البلاد المتقدمة الشعب والمجتمع، ويعبئ طاقاته كي يرتفع إلى مستوى ما يطرحونه عليه من مسئوليات....نجد النقيض تماما هو الذي يحصل في بلاد الهدر. ورغم ذلك استمرت صورة المستبد العادل تلهم الخيال الشعبي، "وكل إنسان شعبي حين تتاح له فرصة ممارسة السلطة على الآخرين لا يجد مرجعية أخرى لهذه الممارسة سوى الاستبداد"(112). يتجلى هذا في سلوكات الفصائل تجاه الناس، رغم أنهم ينتمون لنفس الشريحة التي يمارسون ضدها القهر والهدر. 

لا يكتفي المستبد بأدوات القهر والهدر ، بل يفرض ممارسة طقوس من شانها تطويع الجمهور. إنها آليات تسخر بهدف فرض الطاعة وترويض الجماهير." يمدنا علم نفس التحكم بالسلوك بالعديد من المبادئ التي تلقي الضوء على ذلك كله. بدءا من ضبط السلوك الخارجي ووصولا إلى ضبط الذات والأفكار وحتى النوايا من الداخل (87)... همّ الطغيان الأول ليس ردع خصومه؛ بل تدميرهم وإفناؤهم. لا يكتفي بالسيطرة على الناس من الخارج، بل ومن الداخل أيضا، من داخل ذواتهم على مستوى السلوك والفكر والإرادة وحتى الوعي والكيان(79). لدى الإنسان لا تعرف غريزة السيطرة حدودا. والواقع أن الحاجة إلى السيطرة (عن طريق المعرفة) هي نزعة فطرية للفعل ولتعلم كيفية الفعل. وهي تتضمن لذة تنفيذ وظيفة ما بنجاح. والإنسان هو الكائن الوحيد الذي تتجاوز نزوة السيطرة لديه الحاجة إلى التحكم وتتحول إلى نزوة سطوة، تهدف إلى الاستحواذ على الموضوع والسيطرة عليه بالقوة(83).

في العصر الوسيط بّرر فقهاء الاستبداد حكم الشوكة بضرورات المحافظة على الثغور وتوطيد الأمن . وظل الفقهاء يبررون للحكام استبداد الحكم "درءأ للمفاسد"، وتجسيدها الفتن. لدرء الفتن يستوجب على " العوام" احتمال بطش السلطان والتنازل عن الحق في الحكم الرشيد. وآخر ما تطور إلية فقه الاستبداد في العصر الوسيط لدى ابن تيمية، مرجعية الفكر السلفي المعاصر، بلغ الأمر بعدد من "الفقهاء" السابقين لابن تيمية أن أفتوا بأنه " إذا ما خلا الوقت من إمام عادل مستحق للإمامة فتصدى لها من هو ليس من أهلها، وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف، انعقدت بيعته ولزمت طاعته لينتظم شمل المسلمين وتجمع كلمتهم . ولا يقدح في ذلك كونه جاهلا أو فاسقا في الأصح ". يبقى مسلما رغم فسوقه وجهله بمنطق الشوكة والغصب.

في ذلك العصر صاغ الفقه مقولة " من يحكم يطاع". الطاغية يقبل الممالأة والانقطاع له في السعي والإرضاء. ومع الزمن يبادر الأتباع لرصد رغباته بدون إشارات ويسرعون في تنفيذها . فلا قيمة لكفاءة بل للولاء؛ وحالما يغدو الولاء موضع شك يفقد التابع حتى إنسانيته. يترك الطاغية للأتباع مقدارا كبيرا من المبادرة كي يحملوا الوزر، وكي يبدو الأمر وكأنه لا دخل له فيه. يتركون أذواقهم لذوقه ويستلبون ذواتهم ويعلمونه أنه القادر (85). يسكرونه بنشوة العظمة والتفرد... لا أمان لأحد ولا غفران لخطأ....أما السند الخارجي فيتمثل بتوسل عقيدة أو مبدأ أو قضية كبرى سامية ذات طابع تاريخي او كياني وحمل لوائها... إننا بصدد نوع من التماهي او الحلول: الأمة أو القضية ممثلة بشخصه، وهو رمزها وبطلها وضمانتها (86). 


ترويض الإنسان يتجاوز السلوك الظاهري الحركي وصولا إلى تشكيل الإدراك والأفكار والقناعات والعواطف، بحيث يمثل امتلاك الإنسان من الداخل، وعلى مستوى الوعي الذاتي والخبرة المعيشة أعلى مراحل التحكم ... ومن الأساليب المستخدمة في هذا الصدد "التعلم بالاقتران الشرطي" تبعا لأعمال بافلوف الشهيرة (88). المثيرات التنفيرية في التجارب المختبرية، بما تولده من آلام تصيب موضوع التجربة تولد الخوف الشديد عند الحيوانات او القلق عند الإنسان.. إن تعلم الخوف أسرع وأكثر ثباتا بما لا يقاس من تعلم أي أمر آخر...هكذا يتم الترويض وتتم قمقمة السلوكات وإيقاف النوايا والأفكار من خلال سلوك هروبي داخلي محض يقوم فيه الشخص باستبعاد النية في التفكير أو السؤال او النقد(92). يغدو مجرد التفكير بالسؤال والاستفسار تطاول وخيانة. ولفرط التعميم يصبح الإنسان رقيبا على نواياه، وعندها يكون الترويض قد بلغ منتهاه من النجاح (90).

استمرار التحكم يمر دوما بمبدأ أن لا ضمانة لأحد من الأتباع، ولا دوام للحال، وهو ما يضعهم دوما في حالة امتحان الولاء، وإثبات جدارة التبعية للمستبد وجدواها في خدمة سطوته.... وهناك التعزيز السلبي، الذي يلعب على الحاجة لتجنب المنغصات والمنفرات ... بذلك يشل التفكير وصولا إلى شل النية في النقد أو التساؤل؛ ويتعمم الأمر حتى يصل إلى إبطال الوعي ذاته بما هو استيعاب فكري ناقد ومتسائل. وهنا يتحول المرء على ذاته رقيبا، ويتم تمثل المخابرات ذاتيا إيثارا للسلامة(91). يطلق بعض العلماء مفهوم " استراتيجية الصيد السلوكي" على تصيد تلك السلوكات التي تخدم تعزيز هيمنة سلطة المستبد والشغل عليها بشكل انتقائي.... على أن بعض حالات الطغيان تتجاوز كل ما سبق من ضبط وتجنب وتعلم اجتماعي وتعميم في ترويض الناس وصولا إلى غرس حالة استسلام متبلد للقدر فيما يعرف باستجابة العجز المتعلم؛ وهي تشكل السلوك الأساسي المستهدف في عمليات التعذيب السياسي (93). 

يحل المستبد، بعد ان يتحول إلى زعيم مطلق القدرة والسمو في نفوس تابعيه المفتونين بعظمته والسعداء بتمثلهم له, محل كيانهم الشخصي، بل يصبح هذا الكيان الذاتي قبس من كيانه هو(100). أقصى مستويات السيطرة وأكثرها فاعلية تتمثل في أن تكون مرهوبا ومحبوبا في الآن عينه، فبذلك تتحصن المكانة المتعالية التي ترنو إلى احتلال دلالة الرمز. آليات التفخيم والتبجيل... انطلاقا من المبادئ النفسية ـ الاجتماعية تتم عملية مبرمجة جيدا ومشغولة بمهارة، من الاقتران الشرطي بين شخص المستبد والأعياد والمناسبات الوطنية وحتى مباريات كرة القدم، لحمة الانتماء والتعلق والاعتزاز... يصبح المستبد هو الوطن، والوطن هو المستبد (101).
إضافة إلى مصادرة الهوية والذاكرة والتماهي بهما هناك السيطرة على المجال الإدراكي للناس... حضور مكثف يشكل حالة غمر إدراكي ـ إغراق الإنسان بالمثيرات البصرية والسمعية، والهدف تشكيل قناعات الناس والتلاعب بالعقول ، وصولا إلى دفعها إلى عواطف معينة وسلوكات محددة. ... يندرج ذلك ضمن ما بات يدعى إدارة الإدراك ـ التحكم بأفكار ومواقف وميول الآخرين ، أو بالأحرى تشكيل ميولهم وقناعاتهم بما يخدم الأهداف المرسومة.

وتكون الخطوة التالية هي التحكم بالسلوكات والمواقف. الغمر من خلال التكرار والبلورة والتركيز على الموضوع وإبرازه بشكل لافت هي بعض آليات فرض الموافقة(103).
ثم هناك الاستناد إلى الرصيد الديني والموروث الثقافي. أيام الخلافة العباسية ساد القول " من تمنطق فقد تزندق" ، مما يعني إيقاف التفكير والامتثال للواقع والاقتناع به على أنه الحقيقة والفضيلة. وهذا ما فتح الباب أمام كل استبداد وجعله ممكنا، ذلك أن الاستبداد يقوم على الدوغماتية التي تغلق باب التساؤل والوعي والفكر، وتخلو من أي ريبية تجعل الأمور نسبية، وتسمح بمراجعة الذات والآخرين. يوجد تطابق يصل حد التناهي بين الانطلاق الفكري والتقدم الحضاري (108). 

ليس من منافس لملوك الدنيا سوى ملوك الآخرة في السيطرة على الناس. ويقع الناس في القيد المزدوج أو الخطر المزدوج على العقول والنفوس من خلال ثنائية التجريم السلطوي والتحريم الديني (115). التحكم بالرغبات واللذات الجسدية من خلال التحريم يلجم الطاقات الحية وحركيتها . من خلال التحكم باللذات عن طريق التحريم والتحكم بالأفئدة والإيمان من خلال سيف التكفير تقيد الطاقات الحية وتقيد النفوس ويصادر الوعي (116).

تعرف السلطة أن السيطرة على الأفراد تمر من خلال عملية الإفراط في التأثيم. وهم يبدون الرضى عما يرد من الخطباء من تأثيم الجماهير "بسبب انحرافهم عن الدين" ويبتلع الجمهور المتدين بفطرته والمحافظ على أداء الفروض والسنن والممتثل في السر والعلن لأحكام الدين، يبتلع التأثيم وتتولاه حالة تبخيس الذات وينزف جرحه النرجسي. كما أن الجرح النرجسي الدفين الناتج عن العجز عن المجابهة أو الذي يطلق الغضب المرتد على الذات يصعد بدوره من حدة تشدد الأنا الأعلى وشططه. (118). و القلق الرضوخي يتجاوز الخضوع والتبعية المحضة وتحرك آلية التماهي بالمستبد. كل واحد يتخلص من بؤس كيانه ونقائصه ويداوي جرحه النرجسي بأن يأخذ قبسا من عظمة المستبد أو الطاغية. ، يتبدل بها بؤسه... تتغذى عملية التماهي هذه من كل رموز قوة المستبد أو الطاغية وسطوته من خلال آلية الرضوخ إلى القوة والافتتان بها(119).

على أن هذه الآلية في مختلف دينامياتها وعناصرها تظل معرضة للتحولات المفاجئة، ذلك أن العدوانية والغضب ومشاعر الخسارة والجرح النرجسي كلها تظل كامنة في اللاوعي ما دام هناك هدر للكيان الإنساني مصاحب بالضرورة لكل استبداد وطغيان . نزعة الثيموس التي قال بها الإغريق، والتي تمثل الأنفة والإباء ووقفة العز والشعور بالامتلاء الذاتي وليس تعويضا دفاعيا، تظل كامنة ثاوية في اللاوعي تترقب لحظة ضعف في القمقم الوجودي الذي يسجن الطغيان الناس فيه (120). ولدرء هذا المصير/ الكابوس يشغل الطاغية الجمهور بأخطار خارجية يصنعها أو يستغلها ويضخمها. وما من طاغية إلا واصطنع له آلية فاشية لتفريغ العدوانية والغضب المكبوتين وإطلاق العنان له بعد تحويله إلى أعداء القضية المقدسة التي يقود هو الحرب ضدهم حفاظا عليها.(121).

وراء مظاهر الحرية والليبرالية لا زالت آلية الضبط والقمع البوليسية السياسية في فاعليتها. تعمل بصمت وتكتم فاعل مع القلة القليلة التي تشكل عقبة أمام سطوة الاستبداد ... علوم الأمن والمخابرات وتجهيزاتها هي الأكثر تقدما في عالم القهر...أما علم الغيب، ونقصد به استغلال الدين وسيطرة رجاله على التحكم بالغيب ، تفسيرا وتأويلا واحتكارهم لهذه السلطة المعرفية من اجل ترويض الناس من خلال كل آليات التحريم والتحليل المعروفة. ولقد بلغ الأمر بهم إلى تكفير كل فكر... أننا أمام حالة خصاء فكري فِعْلي هو وحده الذي يطوب السلطة لرجال الدين، وهم بذلك أكثر حلفاء الاستبداد السياسي، حتى وهم يدخلون في صراع معه، ذلك أنهم ينتجون نماذج من البشر مسلوبة المرجعية الذاتية وبالتالي جاهزة للانقياد للاستبداد السياسي والديني معا.التحريم والتجريم لا يبقيان للفكر من معرفة ممكنة إلا علم تدبير الحال، إما بالتحايل والإخفاء والتمويه والمداهنة ( مما أطلق عليه أحدهم اسم الدفاع بالحيلة) للسلطات تجنبا لغضبها ونقمتها، او بالتوقف والتودد والمزايدة طلبا لرضاها (121).

يسارع البعض إلى لعب لعبة الانصياع متوهمين أنهم يخدعون السلطة من أجل اقتناص فرصة غُنم يفرج كربة هدرهم الكياني. وفي الحقيقة يخدعون أنفسهم لأنهم يتناولون الطعم الموضوع في الشرك المنصوب. فالفرصة التي تشاطروا في اقتناصها ما هي إلا الفتات المنثور في شراك الاستيعاب والتطويع. ومن طعم لآخر يطوعون ذواتهم غير مدركين أن هذا التطويع هو الأكثر فاعلية والأقل كلفة (122).

التطويع الذاتي الذي يمر من خلال وهم خداع السلطة لالتقاط فرصة مغنم تشبه تماما ما يحدث للمعتقلين السياسيين الذين يطلب إليهم كتابة بعض الأشياء أو الإدلاء ببعض الأقوال لقاء وعد بغنم/فتات يتمثل في تسهيلات من نوع ما ضمن الاعتقال. يتوهم هؤلاء أنهم يخدعون المحققين والجلادين من خلال التجاوب مع الطعم. ومن خدعة إلى أخرى إذا بهم يقعون في الشرك الذي نصب لهم حيث يغسل دماغهم وتغير قناعاتهم بدون أن يدروا. وقد يصبحون متعاونين مع الجلادين (123). 

يقارب الفصل الرابع أساليب العنف المادي من خلال الاعتقال والتحقيق والتعذيب والسجن. وكلها هدر لإنسانية الضحية. "التعذيب ينطوي على إنكار إنسانية الإنسان المعتقل. حالة خارجة عن كل اعتبار إنساني، نحن هنا عند مستوى إلغاء إنسانية الإنسان"(128).... والجديد فعلا هو انتشار أساليب تعذيب خفي تتوسل تقنيات تنال من التوازن النفسي، وصولا إلى ضعضعته، أو حتى تدميره. وبدأت تشيع برامج التعذيب وغسل الدماغ التي تقوم على مبادئ التحكم في السلوك وتغييره. ، كما تقوم على معطيات الطب النفسي. ، وتأثير العقاقير النفسية، وأصبح هناك خبراء تعذيب وتدمير نفسي يعملون جنبا إلى جنب مع الجلادين الجسديين (129).

والحالة المثلى للتعذيب هي حين ينتهي إلى تطويع الضحية وتحويلها إلى متعاون أو مخبر. وبالطبع فإن غسل الدماغ يذهب أبعد من ذلك، حيث يستهدف تغيير القناعات نهائيا وبشكل قسري (130). أما الدلالة الثقافية للتعذيب فتهدف إلى تحقير الضحية وإذلالها وتجريدها من دلالتها الإنسانية (131). 

يحاول الجلاد أن يكون مهنيا ناجحا، وهو أمام التحدي العنيد الذي يقاوم بصلابة ولا يحب الضعفاء الذين ينهارون منذ اللحظة الأولى، بل هو يزدريهم ويعتبرهم غير جديرين بممارسة سطوته عليهم.... وأكثر ما يثير جنون الجلاد فشله في كسر مقاومة السجين. هو يتفنن في التعذيب كي يحس بالظفر والقوة والسطوة التي لا تقاوم(154) . هنا تتجسد سادية الجلاد. تحقيق الذات يتحقق من خلال إنزال الألم بالضحية؛ تكريس للأنوية وهيمنتها المطلقة... يسعى للاطمئنان على سطوته المطلقة مع الإحساس الدفين بالتهديد والخواء الداخلي والعجز واللاقيمة حيال الضحية (155). الجلاد المتخصص بالتعذيب نكرة أمام رؤسائه وزعيمه ، إنه مجرد أداة بالنسبة إليهم، تفقد قيمتها عندما تصبح غير فعالة.... أما خبراء غسل الدماغ من أطباء وأطباء عقليين، ومحققين، فهم بدورهم مجرد أدوات تنخرط في اختبار الكفاءة والفاعلية كي تشعر بذاتها وتحققها، تحت تغطية العمل من اجل القضية السامية أو خدمة الزعيم. إننا هنا، أيضا بصدد حالات مَرَضية من تحقيق الذات وإثبات الجدارة، حيث يتعطل الحس الخلقي والرباط الإنساني. يدرب هؤلاء عموما على إماتة كل إحساس إنساني لديهم ، ويغسل دماغهم من مفهوم العدالة والرحمة (156). 

على أن مقاومة الجلادين وتكوين الحصانة ضد التعذيب تقوم على أربعة أركان: توفر عقيدة تتسامى على الوجود المادي؛...مرجعية قيادية يتماهى بها السجين وينتمي إليها؛ الجماعة المرجعية المتمثلة في أخوة القضية أو العقيدة ، والتي توفر " نحن مرجعية". هنا تكتسب الذات قوة ال"نحن" ومناعتها وتستمد منها الحصانة من خلال الانتماء. الضحية لا تظل كيانا فرديا معزولا قابلا للتحكم فيه والنيل منه. ثم تأتي الأسرة، وخصوصا الأم. ذلك أن لكل بطل أما مرجعية ، والبطولة لا تنفصم عن الأمومة الراعية(137).

يتناول الفصل الخامس الهدر في مجال الفكر أهم ركن في ثلاثية الهدر الأخطر، أي هدر الفكر والوعي والطاقات. هدر الفكر يصيب حيوية المجتمع ونمائه في الصميم. إذ يتركه في حالة انكشاف وفقدان المناعة تجاه الضغوط الخارجية المتنامية. ... قوة المعرفة هي أساس اقتدار المجتمعات راهنا، ودرجة الوعي ويقظته هي الضامن لنفاذ الرؤى وفاعليتها واتساع أفقها. لا يمكن لاستبداد أن يحكم سيطرته، ولا يمكن لعصبيات أن تستفحل وتستنزف قوى المجتمع وموارده ومؤسساته إلا من خلال هدر الفكر والوعي والطاقات (163). تكمن خطورة الطروحات السياسية الراهنة ـ في نظر الباحث ـ في إبقائها هدر الفكر الطاقات والوعي خارج التركيز، حيث تسلط الضوء على الأبعاد السياسية من حرية وديمقراطية، وعلى الفساد الاقتصادي (من نهب واستغلال ورشاوى)؛ في حين يتعين تسليط الضوء على الهدر الثلاثي (164).

فقط المعرفة وبناء الاقتدار المعرفي هما الضمانة للحفاظ على المكانة ولعب الدور راهنا ومستقبلا ... لم يعد هناك إعداد معرفي مكتمل وناجز، بل جولات متتالية ومتصاعدة من التطوير والتحول يكادان يجعلان السباق عسيرا (165). .. فقد ولى عهد المرجعيات التي كانت تشكلها الأجيال السابقة إلى غير رجعة، وبالتالي عهد النقل والتلقين الذي كان يسبغ عليه طابع اليقين الإيماني. .. ولى عهد الجواب الواحد والاستنساخ المعرفي للقديم في طبعات متكررة. وكل تقصير عن اللحاق بقطار الاقتدار المعرفي وتحولاته وطوفان أسئلته الناسفة للثوابت والعاصفة بالحدود لا يعدو كونه بطاقة ترشيح لعضوية المستغنى عنهم. (166).

الفكر بما هو نتاج التفكير، يخدم غاية كبرى في سيطرة العقل على العالم وظواهره، وبالتالي سيطرة الإنسان على ذاته وواقعه، وصولا إلى صناعة مصيره. وعليه يقود هدر الفكر إلى فقدان السيطرة ، وإفلات زمام تسيير الحاضر واستشراف المستقبل وصناعته. وبالتالي هدر الكيان الإنساني ذاته من خلال رده إلى مستوى النشاط العصبي الموجه لإشباع حاجات البقاء البيولوجي ... يعطل استخدام الدماغ، ولا يبقى سوى الجزء المسمى " الهيبوثولاموس"، وهو كتلة في وسط الدماغ لا يزيد وزنها عن خمسة غرامات، أي ما يشكل خمسة وثلاثين بالمائة من الواحد بالمائة من وزن الدماغ البشري الراشد. وهذه تضبط وظائف الأكل والنوم والجنس والانفعال (167). و يتناسب التخلف طرديا مع هدر الفكر ... ثبت أن تشجيع الفكر من خلال الحوار والنقاش وتعزيزهما، يطلق مادتي الأندورفين والدويامين في الدماغ، وهما تولدان حالة من النشوة والحيوية والاستمتاع والدينامية. كذلك فإن التحديات الفكرية وطرح المشكلات التي تحتاج إلى حل، وتنشيط التفكير التحليلي النقدي يساعد على زيادة تكوين الشبكات العصبية في الدماغ، من خلال نمو النشاط المعرفي نمت هذه الشجيرات، وتوفر للدماغ شبكات عصبية جديدة تزيد كفاءته. وعلى العكس من ذلك فإن التزمت والحجر على التفكير بالتحريم والتجريم، وكذلك التلقين وفرض الجواب الواحد الصحيح، تؤدي إلى تصلب الدماغ وتردي كفاءته من خلال تقلص تشبيكاته العصبية الناتج عن قصور نمو الشجيرات العصبية وتدهورها (168).

كما أثبتت الأبحاث الحديثة على الدماغ البشري أن البيئة الرتيبة الخالية من المثيرات والإثارات ، كما هو الحال في أنظمة القمع والمنع والتحريم، تعمل على ترقيق القشرة الدماغية ، وبالتالي إلى تدهور الكفاءة الذهنية. ويتجلى ذلك في قصور التخطيط والانتباه وصناعة القرار وحل المشكلات وتشكيل الخيارات وتنفيذها. ترقيق القشرة الدماغية تحد من الضبط العقلي مما يفتح السبل أمام غلبة السلوك الانفعالي الاندفاعي (169).

في مثل هذه الحال ليس مستغربا أن تسمع مقالات عن احترام الصروح العلمية وتقاليدها ، بينما الواحد من هؤلاء حين يتولى منصبا أكاديميا يتعامل معه وكأنه ملكية خاصة، وانه سيده الآمر الناهي(172). وليس بمستغرب أن يطبل صباح مساء للتفكير النقدي والتسامح مع المخالف والمغاير، بينما يدير هؤلاء مناصبهم بمنتهى الاستبداد، حيث لا رأي إلا رأيهم ولا إرادة سوى إرادتهم... هناك إذن مأزق بنيوي حقيقي قي عالم الهدر الفكري يجعل التجريم والتحريم والحجر والتطفيل قوى تتوالد وتعيد إنتاج ذاتها في الممارسة العملية ... يلخص تقرير التنمية الإنسانية الثاني للعام 2003 حول موضوع "نحو إقامة مجتمع المعرفة" قولة بالغة الدلالة: "المعرفة هي الفريضة الغائبة في أمة العرب" (172). يدفع الباحثون إلى التلهي بقضايا جانبية ثانوية لا تمس المسكوت عنه (173) ... وإذا حدث أن تمكن إبداع من الإفلات من هذه البنية المتحكمة بالعقل والآسرة للفكر، فإن الرقابة له بالمرصاد على مستوى النشر والتوزيع ... يهدر الفكر الثقيل الفعال الخصب ويكتفى بالوجبات الفكرية السريعة عديمة القيمة الغذائية ... تهدم كل الأفكار التي تصنع العالم، فكل ما يسهم في بناء كيان لم يعد يقام له وزن أو اعتبار مع حقوق لملكية والأرصدة والأسهم ووجاهتها ، محل الاحترام (174).

يقول تقرير التنمية الثاني (2003) إن المشكلة عربيا ليست في القوانين المقيدة للفكر فقط ، بل خصوصا في تجاوزها من خلال تفشي القمع وعشوائية إجراءاته، وهيمنة الرقابة المحتكرة من قبل النظام السياسي (وما دخل عليها من رقابة باسم الدين من قبل من نصبوا أنفسهم أوصياء عليه) بحيث يمارس التضييق على الحريات التي يتم الاعتراف بها شكليا (174). هكذا يضحى بالإبداع ويهدر الفكر من اجل الحفاظ على هذه السلطة السياسية او الأصولية... دور المخابرات الثقافية أو ما يسمى البوليس الثقافي، هو احد الأدوار المطلوبة بشكل غير مباشر من المثقفين والمفكرين إذا أرادوا التقرب من السلطة والحصول على اعترافها بهم... إنه واحد من الأدوار الثلاثة المفروضة على المفكرين والمثقفين لحيازة الرضى والقبول. أما الدوران الآخران فهما التحول إلى اختصاصي تجميل أو اختصاصي ترويج وتسويق لخدمة سلطة الاستبداد(175).

وإذا تسامحت السلطة مع الفكر فإنها تضع الحدود دوما كي لا ينطلق مارد الفكر من قمقمه ،، تحاول جاهدة تعقيم الفكر من قدرته التخصيبية التغييرية، وتفرز له حيزا يظل سجينا ضمنه (176).

الواقع أن البحث العلمي ذاته يظل عربيا ضمن أدنى المستويات العالمية بما فيها الدول الأكثر فقرا وتخلفا، من حيث الإنفاق عليه ، كما من حيث إنتاجيته... فليس من عجب أن يقع الإنتاج البحثي العلمي دون خط الفقر المعرفي تبعا للمعايير الدولية. ذلك جانب آخر من هدر الفكر والطاقات العلمية ... ويفاقم من هدر البحث العلمي وما يسببه من خسائر فقدان فرص حقيقية لتكوين الفكر العلمي. أكد احد العلماء الباحثين أكثر من مرة أن الهدف من البحث العلمي ليس فقط تحقيق اكتشافات علمية بل يأتي قبلا تكوين الفكر العلمي، او إعداد العقل البحثي الذي يشكل الثروة الأثمن على الساحة الدولية راهنا(177).

يهدر تكوين الفكر العلمي التحليلي النقدي التساؤلي ، المتجرئ على تقديم طروحات جديدة ... وبدون استيعاب الفلسفات والأسس العلمية يتعذر محاكمة المعارف المقدمة في معاهد العلم وتقويمها. نتعلم كيف نطبق منطق العلم وطروحاته ومنهجياته بدون امتلاك الفلسفة والنموذج الموجهين لا. ولهذا نظل قاصرين عن امتلاكها وتطويرها ونقدها ونقضها وتوطينها. وتكون النتيجة أننا نطبق قوالب جاهزة مفضلة للمجتمعات الصناعية التي أنتجتها لاحتياجاتها هي على واقعنا ذي الخصائص والاحتياجات المغايرة تماما في بعض الأحيان. ... وقد يكون الأشد هدرا للعقل والمعرفة إسباغ طابع اليقين الإيماني على ما نستورده من معارف(178).

من أوجه القصور لهدر الفكر غلبة العقل البياني / العرفاني على حساب العقل البرهاني. العقل البياني يهدف إلى الإقناع من خلال الإبهار وتخدير الفكر، وصولا إلى التسليم للمتسلط بسلطته. وأما العقل العرفاني فهو تعطيل الفكر الفاعل لصالح الإيمان بسلطة رجال الدين المحتكرين تأويل النصوص. ...وبينما خاض العرب معركة استمرت قرونا لصالح البرهان واستتباب سيادة العقل وسيطرته قادت ثلاثية الهدر معركة لا تقل عنها ضراوة إنما في الاتجاه النقيض، أي للقضاء على العقل وهدره. وبدلا من تعزيز مركز الضبط الداخلي الذي قاده الغرب في سيطرة الإنسان على ذاته ومقدراته، من خلال العقل، تم تعميم مركز الضبط الخارجي الذي يسلب الإنسان سيطرته على ذاته ومصيره لصالح ثلاثية الهدر... وحين يخصى العقل يتصلب الفكر ويسود الانفعال بالضرورة، ويفتقد الإنسان القدرة على التعامل المرن والاستيعابي مع الوقائع لخدمة نمائه، وكذلك الدينامية والحيوية الذهنية وما فيهما من قدرة على التجديد والتنويع. إن إلغاء التاريخ، بما هو بناء الكيان، يجعل العقل العربي لا إستراتيجي، لا تخطيط بعيد المدى ولا استيعاب للواقع في رؤية شمولية دينامية جدلية. كيف يكون هناك التخطيط الاستراتيجي مع استفحال ذكاء تدبير الحال، ومداراة الحاضر بالحاضر والتعامل مع التحديات والوقائع بردود أفعال (182). فهل من عجب غياب المؤسسات المدنية التي هي مركز الحيوية الدينامية، وتشكل الحصانة الوطنية؟ هل من عجب أن تسود في أنظمة الهدر الفكر الانطباعي الضبابي محل الفكر الميكروي التجريبي، الذي يتعامل مع التفاصيل ويستوعب دقائقها التي تمكن من النفاذ إلى آليات عملها، وكذلك محل الفكر الماكروي التحليلي النقدي الاستراتيجي، الذي يبني التصورات العقلية الكبرى التي تستوعب الواقع وتسيره؟ وكيف لنا أن نملك زمام كياننا وصناعة مصيرنا مع هذا الهدر؟... تورط العالم العربي وأنظمة الهدر التي تتحكم فيه في الاعتقاد الخاطئ بإمكانية التصنيع من خلال استيراد التكنولوجيا وحدها، وبدون الاستثمار في بناء المعرفة العلمية، واستيعاب فلسفة العلم، وصولا إلى المشاركة في إنتاجها (183).

تقدم العلم يجعل من المستحيل  صب المجتمع في إطار شمولي من أي نوع كان؛ لآن ذلك مجاف لمنطق العلم وروحه ... العلم ليس تراكميا إنما هو استيعابي انقلاب : نقد ونقض، ثم نقد النقض ونقضه، في بحث دائب عن الاختبارات والتقنيات التي تميز العلم وذلك على عكس الإلهيات غير القابلة للتكذيب لا أصلا ولا فرعا. ولا هو مطلوب منها ذلك لأنها ليست علما تجريبيا. وهكذا تكون فلسفة العلم في جوهرها هي فلسفة التقدم المتمثل في سلسلة من متلاحقة من الثورات، حيث كل تقدم يقوم بتكذيب ما سبقه وبالتالي الثورة عليه. وهو يلتقي في ذلك مع باشلار الذي يقول بأن كل معرفة لا بد وأن تحارب حين تتحول إلى عقبة عندما تترسخ. ولا يتحقق التقدم العلمي إلا بنوع من التطهير الشاق للأخطاء ، أي القطيعة المعرفية التي تشكل الفكرة الأساس فلسفته العلمية (194).

كما أن التقنية ليست مجرد آلات وأدوات وأنظمة تستورد وتظل على مستوى الاستهلاك المحض. التقنية تحتاج كي تنمو إلى استيعاب روحها وفلسفتها الموجهة، ومناخاتها الفكرية الطليقة، وإلا فلا يمكن تجاوز مرحلة الاستهلاك المتفاوت بدوره في كفاءته وفاعليته.  يتضح من ذلك بالتالي مدى خطورة بل وكارثية هدر الفكر، تحريما وتجريما وحجرا على العقول، مما بيناه. هدر الفكر هو هدر فعلي لفرص التنمية التقنية والإنسانية سواء بسواء، وليس مجرد امر يمكن التساهل بشأنه بمختلف المبررات كما هو حاصل في بلاد هدر الإنسان وفكره (197).

هناك جهد يتعين بذله للدخول في الفكر العلمي وامتلاك ناصيته، ليس فقط على مستوى الإعداد والتكوين اللذين يظلان ممكنين، إنما قبلا على مستوى توفير الشروط المسبقة المتمثلة في توفير المناخات السياسية والاجتماعية والثقافية التي توفر التربة الملائمة لاستزراع الفكر والتكوين العقليين والعلميين واستنباتهما وازدهارهما. كل من الثورات الثلاث التي مرت ثورات العلم تصادف معوقات جدية في عالم هدر الإنسان والموارد والكيان، من خلال التحريم والتجريم والحجر على الأذهان والأفئدة وقمقمة الطاقات الحية التي يتمسك بها ثلاثي الهدر، ويفرضها قسرا. (198).

التفكير او الموت. حيث لا حياة للأفراد، كما الجماعات والمجتمعات إلا بالتفكير وإطلاق العنان له. التفكير هو الحياة المليئة المتجددة المستوعبة والظافرة والصانعة لمكانتها ومصيرها. وموت التفكير هو النكوص والتقهقر إلى مستوى الحياة النباتي، والدخول في فئة الشعوب المستغنى عنها.

يحذر الباحث من التعتيم على هدر الفكر والوعي والتركيز على مطلب الديمقراطية او ظواهر الفساد. يتعين تسليط الضوء على الهدر الثلاثي. ذلك أن تعطيل التفكير يسفر عن الاغتراب وعدم التحكم في المصير الوطني. إن تعطيل التفكير وكذلك تهميش الأفراد من شأنهما إضعاف نشاط الجزء المختص بالتفكير من الدماغ والحد من الضبط العقلي وفتح السبل للانفعالات والنزق. السلطة المستبدة تحظر بكل الوسائل الفكر المغير للواقع وهو ما يطلق عليه الباحث "تعقيم الفكر من قدرته التخصيبية التغييرية". وعلى وجه العموم فالاستبداد يعطل شروط نشوء الثورات العلمية داخل المجتمع ويدفعه نحو الموت.

في الفصل السادس هدر الشباب يقارب الباحث قضية تتعلق بمستقبل الأمة ،وقضايا الشباب ميدان غير مطروق في أبحاث علم النفس. يهتم علم النفس بالطفولة والمراهقة لكنه لا يهتم بعنصر الشباب مع انم يعانون أزمات مجتمع الهدر من تعليم رديء وبطالة وتعطيل امكانات الزواج وتدبير شؤون الأسرة الجديدة. لهذا يتوجب تطوير "علم الشباب" لوضع سياسات شبابية على صعيد المجتمع في التربية والعمل والمشاركة الاجتماعية والانمائية كما في الترويح .

"هدر الشباب هو هدر لفرص المجتمع المستقبلية، الذي تمارسه  انظمة الهدر من خلال إجراءاتها التخديرية التسكينية او التأجيلية لأزمات الشباب، ناهيك عن تهميشهم ناحية الإفراط في ردود الفعل البوليسية على تحركانهم(204). قضايا الشباب ترتبط بالقضايا الوطنية الكبرى مثل المشاركة في صناعة المصير الوطني، خاصة في مرحلة عولمة الليبرالية الجديدة، التي احدثت تحولات هامة أخذت تعيد تشكيل واقع الشباب وتصعد من دور الإعلام والانفتاح على العالم بتأثير ثورة المعلومات، وإغراءات الاستهلاكية مع إعلانات الإعلام الفضائي وتراخي السلطات التقليدية (الأسرة، المدرسة، المجتمع) لمرجعيتها. بات "الجيل الصاعد يعتمد على تقنيات المعلومات بينما الكبار يمسكون مصير جيل الشباب على مستوى الواقع الوجودي. حدث التراخي في المعايير الاجتماعية (207).

وهناك أيضا الإعداد لسوق العمل في حمى التنافس على الأيدي العاملة الماهرة والرخيصة على الصعيد الدولي، و"لجوء الاحتكارات الى العمالة الخارجية رخيصة الثمن بفضل الإدارة الإليكترونية للأعمال" (207). وفي بلدان الهدر تتضاءل فرص العمل نظرا لضعف التنمية الإنتاجية، " حيث يتضاعف هدر الشباب على أكثر من صعيد: الاستهلاك، بناء المكانة ،الهوية، الابعاد عن المشاركة والاعتزاز بالعطاء وصناعة المصير" (208).

ينجم عن هذا تطرف أصوليات وعنف او تبلد  واستسلام واجترار الكآبة. وإذا علمنا ان الكتاب نشر العام 2006 ، فغن ما اورده من عواقب الهدر حملت نبوءات انتشار الحركات التكفيرية ومخاطرها التي تجسدت في الواقع العربي بعد اقل من عقد من الزمن.

الشباب يتوزع بين عدة فئات لكل فئة مشاكلها وازماتها: فئة محظوظة من أبناء الموسرين ، مترفة ولديها الفرص الاجتماعية والدراسية والمهنية، وفئة طموحة لديها الإمكانات والقدرات لتجاوز ظروفها المحدودة ، وفئة شباب طموح بإمكانات شحيحة، وفئة رابعة مهمشة عاجزة عن اختراق السدود والموانع الحائلة دون حصولها على فرص الدراسة والعمل والحياة اللائقة.

الفئة المحظوظة تعوض عن قصور الرعاية النفسية برشوة تتيح لها الاستعراض الاسستهلاكي المفرط ويغيب الجهد المبذول مع نرجسية وافتتان بالذات وإفراط في التطفيل (الاعتماد على الأبوين) قد يجنح الى الانغماس في المخدرات.

والفئة الثانية الطموحة تحظى برعاية أسرية عالية وإعداد للمستقبل دراسة في افضل المعاهد ، وتتوفر لديها فرص بناء "هوية نجاح " متميزة بالقدرة على بناء مكانة اجتماعية لائقة من خلال التعليم في مدارس خاصة

اما الفئة الثالثة فلديها الطموح ولكنها تبذل الجهد المضني في الدراسة "الدراسة لديها وسيلة كفاح" (209). قد تواجه "صدمات وإحباطات وأزمات وجودية تزداد حدتها بمقدار الشعور بالتهميش والحرمان من المشاركة في الحياة المنتجة النشطة"(210). تتاح لها فرص تعليم متواضعة هي التعليم الحكومي.

والفئة الرابعة هي الأكبر عددا في بلاد الهدر هم "شباب الظل"، شريحة مهمشة فائضة عن الحاجة (210). هذه الفئة محدودة الإمكانات الذهنية "لم تنل حقها من الرعاية الأسرية عاطفيا واجتماعيا  وتحصيليا" (211). تنشا وتدخل الحياة محرومة ثقافيا حيث تشيع الأمية في الوسط الأسري وتتسرب من المدرسة وهي لم تزل امية ، تعاني التهميش وتتولاها ردود فعل مريرة تكون مدمرة حين تتاح فرص الانفجار. هذه الفئة تشكل احتياطيا للفاشية والأصولية  ودعوات الإرهاب

هدر الطاقات والكفاءات

ان التخلف من حيث القدرات الإنتاجية من شانه أن يهدر الطاقات الشبابية ويحرمها من المشاركة في البناء الاجتماعي، ما يؤثر سلبا عل عافية الشباب وصحته النفسية، وعلى الأمن الاجتماعي. المجتمع الاستبدادي يفضل الولاء على الكفاءة فيستبعد الكفاءات ويضطرها للهجرة مع إغداق الاعطيات على الموالين. ومجتمع الاستبداد يحتضن العصبيات، التي "لا تبني أوطانا ولا عمرانا، تعزز شوكتها كي تبسط نفوذها على المزيد من الثروات الوطنية" (213). يبدأ الهدر في ميدان التعليم. وكالات الاستيراد تعيق نمو الإنتاج وتعطل فرص العمل، خاصة مع فرض سياسات "التصحيح الهيكلي" من قبل صندوق النقد الدولي على اقتصادات البلدان النامية، يصحبها تقليص الرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل والخدمات الاجتماعية الأخرى (214). بالنتيجة تغلق امام الناشئة إمكانات الزواج والإشباع العاطفي والجنسي، وينفتح باب السلوكات العدوانية واحتمالات تفجر العنف.

 في ظروف العولمة تفيد الإحصاءات أن الاقتصاد العالمي يوفر فرص العمل لعشرين بالمائة فقط من الأيدي العاملة والباقون يتحولون الى "فضلات اجتماعية، زائدون عن الحاجة" (215).غدت العولمة الاقتصادية غولا يلتهم الكفاءات الشبابية بنهم، يستنزفها بسرعة كي يدفع بها الى  شريحة الكفاءات الفائضة عن الحاجة. هدر الطاقات والكفاءات يتم لسببين:

- تطور التقاني، ما يجعل الكثير من المهن عرضة للزوال . تتوالد تقنيات مقطوعة عن سابقاتها، فيغدو العمل مثل السفر عبر مترو الأنفاق، تنزل في محطة لتأخذ خط سير باتجاه آخر في مسار جديد.  خلال المسار الوظيفي يضطر المرء لتعلم عدة مهن في  أثنائها  يتعرض لضغوطات شديدة (219).

- والسبب الآخر إنساني ينجم عن مغامرا ت تتسبب في انهيارات اقتصادية وإفلاس شركات كبرى تتخلص من عمالها بالآلاف بدون تعويض وقد تضيع عليهم مدخراتهم.

في السابق كان الشباب يستقطب  في الحركات الوطنية يظهر فيها البطولة والشجاعة ويتجاوز نفسه بتطوير علاقات اجتماعية ترفع مكانته وتعطيه قدرا من الرضى عن النفس. والشباب "بحاجة الى تجاوز ذاته في النشاط الوطني وإبداء الإقدام والشجاعة والبذل والعطاء" (222).

 وفي بلاد الهدر تختزل الكيان الوطني في هم الحفاظ على المتسلطين. ينتشر الفساد ويتدهور الأداء والنهب وتعطل مشاريع التنمية. يتحول لاهتمام سلطات الحكم الى إلهاء الشباب المتطل بثقافة التسلية او ما سمي "رضاعة التسلية".تعطل طاقات الشباب المتفجرةالمتوثبة وترديها في خيبات امل واستسلام، او في ردود أفعال متطرفة من خلال إعلام مخدر (226).

مفهوم "رضاعة التسلية" وضعه زبيغينيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأميركي (227) مستهدفا امتصاص الطاقات الشبابية في ما لا يلحق الضرر بنظام سياسي موال للامبريالية. ثقافة التسلية ثقافة شعبوية لا تضيف شيئا لمعارف الشباب ولا تقدم خبرة مهنية ، إنما فقط تهدر الطاقات الشبابية. يعهد للمنظمات غير الحكومية إعداد برامج تستهدف الشباب وتتبارى الفضائيات في اجتذاب الشباب الى ما يلهيهم عن القضايا الوطنية الكبري وإعمال الفكر في أحوال الوجود.

هدر الوعي

الوعي شرط مسبق ومقدمة لإدارة الذات واتخاذ القرارات  والخيار. يحتل الوعي مكانة هامة في دينامية الصراع النفسي لجهة التجنب الواعي للمزعجات والدوافع المثيرة للقلق والضبط الأكثر تمييزا لمبدا اللذة (228). الوعي هو الوجه الذاتي للعمليات  الإدراكية التي تستوعب ما يصل الذهن من المثيرات الخارجية والداخلية من مدركات حسية. والوعي مراقبة وتوجيه، يراقب الذات والمحيط، يرصد المدركات ويرصد الأفكار والمشاعر والأهداف. اما التوجيه فيسمح بإبداع أفكار وسلوكات توصل الى الهدف، تتمثل في مساءلات وتحليل ونقد. الوعي "هو الخطوة الأولى للتغيير ، بدون الوعي لا تبرز حاجة للتساؤل  او التشكيك في مشروعية الوضع القائم ومدى ملاءمته" (230).

من ثم فثقافة العولمة تستهدف هدر الوعي وتسطيحه .استراتيجية التلاعب بالعقول أو إدارى الإدراك المعروفين في عمليات صناعة الموافقة تفوت الفرص على الوصول الى قواعد المعلومات والرؤى الأرحب للقضايا. هي مهنة التضليل تختزل الأحداث والظواهر في جزئيات جانبية . وهذه صناعة الفضائيات الكبرى في عالم الميديا المعولمة. في الولايات المتحدة تخضع 90% من المعلومات المبثوثة لخمس شركات إعلامية احتكارية.

وهناك أيضا مباريات كرة القدم احدثت دينا جديدا للشباب. تغري بالاندماج في صناعة النجومية السريعة لكن الزائفة بين جيل الشباب (233). يضاف اليها بالتلازم والتبادل برامج الإثارة الحسية الآنية وموجات الموضة المتجددة التي نعرفها (233). كل ذلك يقلص اهتمامات الشباب ويحسرها في مستوى المعايشة الحسية للوجود بعيدا عن التساؤل والتأمل والنقد.

في الفصل السابع "الهدر الوجودي في الحياة اليومية" يتطرق الباحث إلى الدمار النفسي والذهني الناجم عن آليات القهر والهدر، والمتمثل بالعقد والأعراض المَرَضية في السلوك اليومي للأغلبية الساحقة من المواطنين. .

مجتمعات القمع والاستبداد تنتج علاقات الاضطهاد العدواني في تفاعلات الحياة اليومية فيما بين الناس، مع ما يتمخض عنها من حالات الاضطراب الجنسي والجسدي النفسية (242). أبرز مخلفات الهدر في النفس يتمثل في فشل مشروع تحقيق الذات وصناعة كيان في الوجود: هدر الرغبة، هدر نوعية الحياة ، الهدر الزوجي وهدر المكانة والدور، وهدر الغربة في أرض الوطن أو خارجه. يقف تحقيق الذات في قمة هرم الحاجات الإنسانية جميعا وقد يتخذ أشكالا جانحة إن لم تتوقر وسائله وأساليبه المعافاة(243). وإذا فقد الإنسان حصانته الإنسانية يتحول إلى الشيء العبء أو التهديد أو الشيء، أداة الاستغلال. ونغدو بذلك "حيال انهيار قيمي وأخلاقي ينسف خدعة الفقير الشريف، عفيف النفس" (246). ومن استبيحت إنسانيته سوف يستبيح كل شيء حين تحين الفرص. وأحداث الاضطرابات خير شاهد، حيث التلذذ بالقدرة على الهدم والهدر. "نزوة الموت الوجودي التي فتكت بكيان الميليشيات تعود فترتد على أيديهم تدميرا للعمران" (247). 

تحولت الغريزة لدى الحيوان إلى نزوة لدى الإنسان. والنزوة تخضع بدورها نفسيا للتحول فتتخذ طابع الرغبة على مستوى الدلالات النفسية والوجودية... كل إنسان ومنذ بداية حياته محكوم بالرغبة في أن يكون موضع رغبة. أي أن كيانه مشروط باعتراف الآخر به. إذا هدرت الرغبة وحيل بينها وبين إرضائها وتحقيقها من خلال استفحال القانون وعسفه نكون بصدد "اختلال الجدلية الكيانية الكبرى الحاكمة للوجود الإنساني"(258). تتعادل في النفس البشرية نزوتان: الحياة (الإيروس)، والموت (تاتانوس). وهدر الرغبة العاطفية الجنسية يفتح سجل النقص الإنساني ( نقص الكيان ونقص الاعتراف والقيمة) و"عندها تنطلق نزعة العدوان لتدمير هذه العقبة الوجودية التي حالت دون امتلاك الكيان والاعتراف به" (259). كيف يمكن عندها للمجتمع أن ينمو ويزدهر في العمران بعد أن تعطلت فيه نزوات الحياة والعطاء؟ وهل من عجب بعدها أو مبرر للشكوى من موجات برامج التلفزيون من أمثال سوبر ستار وستار؟ "إنها تبيع أحلام الرغبة المهدورة وتكسب منها ذهبا." (261). هدر الرغبة يتلاقى إذن مع هدر الفكر وهدر الطاقات والكفاءات والموارد، فهل من عجب بعدها أن تتعثر مشاريع التنمية ؟ ذلك هو شان الإنسان المقهور، فهو قد يحارب ويموت ، إلا أنه يصعب أن ينتصر (263).

ويتسلل الهدر إلى هدر متبادل في العلاقات الزوجية. ليس هناك علاقة زوجية تخلو من الهدر في مرحلة أو أخرى من مسارها. كل هدر على أي صعيد ومن قبل أي من الزوجين تجاه القرين سيقابل عاجلا أم آجلا وبشكل مباشر ومقابل أو بديل ومناور بهدر مضاد. وهو ما يدخل العلاقة في حالة من التهادر. تحدث المفاجأة المولدة للصراع والانخراط في التهادر المتبادل من انعدام واقعية النظرة إلى الحياة الزوجية في إرضائها وأعبائها، وخصوصا في كلفة السعادة وهنائها التي يتوقع كل طرف أن تأتيه هينة وبدون ثمن.عندها سيحل الشعور بالغبن والإحساس بالهدر أمام كثافة الواقع ومتطلباته... وقد يكون عدم التكيف لجدليات مراحل الحياة الزوجية وتغير أولوياتها أحد أسباب تفجر الصراعات، وبالتالي الانخراط في عملية التهادر.

فكما أن الحياة ذاتها مجموعة مراحل وأطوار، ولكل منها أولوياتها ومهامها ومتطلباتها مما يجب الانخراط في عملياتها والقيام بمستلزماتها كذلك فإن للحياة الزوجية أطوارها المعروفة ، وبالتالي فأولويات كل طور ومستلزماته ومهامه تختلف عما عداه (266). فقد تتجاهل الزوجة ضرورات التلاؤم وتصر على استمرار شهر العسل؛ وينسى الزوج الحياة العاطفية ويضعها خلف ظهره في انطلاقة نحو تحقيق ذاته في مجال المهنة أو العمل والكسب، أو يتجاهل حق زوجته في تحقيق الذات مهنيا بدورها .. حينئذ يعيش كل قرين عقبة بوجه قرينه ويعيش حالة من الهدر الوجودي... وإذا كان لكل امرئ نصيبه من الاضطراب النفسي وبالتالي قسطه من الصراع والتناقض مع الذات، فإن الصراع والتناقضات لابد أن تتراكم حتى في أكثر العلاقات وثوقا. وهي إن لم تجد لها سبيلا إلى الحل بالمواجهة والفهم ، التوافق والتسويات فإنها ستنتهي حتما إلى الهدر المتبادل (267). 

وهناك الهدر المتمثل في عصاب الفشل، الذي يطلق على تكرار حالات الفشل، ويرجعه علم النفس التحليلي إلى ما يطلق عليه عصاب المصير أو القدر. وهو حالة عصابية ترجع الفشل إلى قدر خارجي محتوم. هذه الحالات تجد تفسيرها في اللاوعي، وخصوصا في اضطرار التكرار للمأساة او الشقاء. إذ بالإضافة للهدر ذي الطابع المرضي هناك "حالات من الهدر الذاتي الخفي الذي يبدو عاديا للوهلة الأولى، أو هو يدرج ضمن معايير الصرامة في الالتزام بالواجب أو فضيلة التواضع الجم" (273). ما يهدر هنا (حالة التزمت في الالتزام) هو الحق بالمتعة والفرح والسعادة، وأخذ النصيب من رفاه العيش المتاح ... وتنشأ عادة عن أساليب التعامل والتنشئة الخاطئة من قبل الوالدين من مثل التأثيم المفرط والانتقاد الدائم والتوبيخ الذي يتخذ طايع الحكم على قيمة الطفل، وكذلك من مثل حالة ارتهان الطفل لرغبات الوالدين وتوقعاتهم، من خلال القبول المشروط. أو هي تنتج عن نمط من الرعاية الوالدية يتصف بالبرود والتباعد والنبذ والمنع أو الحط من ثقة الطفل بنفسه وعدم تعزيز قدرته على الإنجاز المستقل أو القمع المفرط لمشاعر الطفل العفوية (274). 

كل من الهدر الاجتماعي والهدر الذاتي يعزز بعضه بعضا ويكمل واحدهما الآخر. ذلك أن هناك تحالفا جهنميا ما بين الاستبداد والقمع الاجتماعي وبين الكبت النفسي. الاثنان وجهان يتبادلان التعزيز لعملية الهدر ولهذا فإن عملية التحرير من هدر الاستبداد لا تكفي وحدها للخلاص ، بل لا بد من عملية تحرر ذاتي تواكبها؛ وإلا فإن ما يحدث سيكون عبارة عن استبدال استبداد بآخر، وقمع بآخر.