2019-02-09

من يحترف التحريض على الكراهية العنصرية؟

(1)

سعيد مضية

يزعق المسئولون الإسرائيليون في اوقات يختارونها مهولين من "إرهاب فلسطيني"، يتزامن زعيقهم مع جريمة إرهابية يقترفونها أو أعدوا عدتها، متسترين على الجريمة، بادعاء الضحية.

والهجوم وسيلة دفاع. تكررت العمليات العدوانية الإسرائيلية، برسم استباق إبادة الدولة، وبعد كل عملية يجري الاستيلاء على أرض فلسطينية وتوسيع  الاستيطان الكولنيالي. شرع التناقض بين القول والفعل بن غورويون، مباشرة بعد صدور قرار التقسيم، إذ رتب  سرا في اجتماع محدود لحلقة ضيقة من أنصاره لموجة مجازر ضد القرى والمدن العربية، بقصد إرهاب الجامعيرر العربية وحملها على النزوح، ثم شرع يزعق عن محرقة جديدة لليهود في فلسطين.

 ثم أرفقت إسرائيل عدوان حزيران 1967 بحملة دعاية زعمت أنها قامت بحرب وقائية، حيث واجهت خطر الإبادة. هدأ غبار الحرب واقر القائمون على العدوان أن خطر إبادة إسرائيل جرت فبركته لتبرير العدوان.

ولدى تسلم الليكود الحكم عهِد ميناحيم بيغن، رئيس الحكومة، عام 1978 الى الوزير شارون إعداد مخطط توسع استيطاني يجعل تنفيذه من المستحيل إقامة دولة فلسطينية. علم الرئيس الأميركي جيمي كارتر بالمخطط، وكان قد قدم لإسرائيل خدمة إخراج مصر من الجبهة المعادية، وعارض البرنامج الاستيطاني وارتفعت عقيرة بيغن تتحدى؛ إستعاد "خيانة ميونيخ"، وذكّر ب "جمهوريات الموز" تسخرها اميركا لأهدافها الاستراتيجية. "إسرائيل ليست دولة موز".

ارتفع زعيق بيغن واشتط في توجيه الاتهامات لدرجة أن خشي البعض من أن حملته ستدمر التحالف الأميركي – الإسرائيلي. طمانت صحيفة جيروساليم بوست القلقين بدراسة مطولة ضُمِنت ملحق عدد الجمعة، تناول بالتفصيل العلاقات الأميركية- الإسرائيلية، وأثبت رسوخها؛ فما تقدمه إسرائيل للامبريالية يفوق كثيرا ما تقدمه الأخيرة لإسرائيل. 

جزارو دير ياسين والطنطورة والدوايمة وصبرا وشاتيلا والحرم الإبراهيمي بالخليل وعشرات الجرائم الأخرى يجدون الجرأة لاتهام الفلسطينيين بالإرهاب!! حيث يجدون من يتقبل الكذب لتبرير سياسات العدوان.

صدر عام 2004 كتاب "احلام وطن عن السينما الفلسطينية"، حرره حميد دباشي، بروفيسور ورئيس قسم بجامعة كولمبيا بنيويورك، عبر عما لفت انتباهه في الأفلام الفلسطينية " تجد فيها خوفا معينا من الضياع ونظرة مثيرة للقلق على الأقل والحفاظ على سجل مستدام من الذاكرة المهددة بالانقراض. وهذا ما يمثل أبلغ ما نراه في الأفلام الوثائقية الفلسطينية. ولعل نفس القلق يسري في أعمال الكتاب والباحثين الاجتماعيين والفنانين الفلسطينيين". وهذا التشهير بالجريمة الإسرائيلية تجاه شعب ووطن هو ما يتوجب ان يسري في عروق الردود الفلسطينية الرسمية على الاتهامات الفجة والمبتذلة من جانب إسرائيل.

دوما ينقص الجانب الفلسطيني اليقظة والدهاء فتنطلي عليهم زيوف الصهاينة وتلفيقاتهم، وينشغلون في تقديم بينات براءتهم؛ بينما يقتضي نهج التحايل الصهيوني، المتواتر عبر العقود، تمزيق الأقنعة وفضح ما يختفي خلف الاتهامات الصهيونية والتشهير بجرائمها العنصرية المعدة في السر. يتكرر الاتهام الإسرائيلي بالتحريض على الكراهية في منهاج التعليم الفلسطيني؛ بينما لا توقف هيئات التعليم في إسرائيل حشو مناهج التعليم بشواحن الكراهية العنصرية. وانزاحت موجة جديدة من التهم المعتادة متزامنة مع تزويد منهاج التعليم العربي بكتاب مدنيات ينغل بالعنصرية وتزييف التاريخ. كان على الدكتور صيدم، وزير التربية الفلسطيني ان يعي هذه الحقيقية ويبحث عما وراء الأكمة بدل ان يعنّي النفس ويقدم التأكيدات على براءة المنهاج التعليمي الفلسطيني من التحريض العنصري. الصهاينة لا ينزعجون من الدعاية العنصرية من جانبهم او ضدهم؛ إذ يرضيهم تحويل الصراع الدائر مع العرب الى عنصري او طائفي، وهم يوجهون اتهاماتهم ليس بقصد التقصي عن الحقيقة؛ إنما بهدف التغطية على جريمة عنصرية يقدمون عليها.

يتزامن ادعاؤهم  مع إنجاز ترجمة  كتاب "نظام الحكم والسياسة في إسرائيل"، للبروفيسور أبراهام ديسكين، من إصدار منتدى يهودي يميني يدعى "فوروم كهيلت"، مول إصداره وترجمته الى العربية هيئات صهيونية. الكتاب حافل بالتزوير والكذب، ضمن نهج الأسرلة والتهويد. ألزمت وزارة المعارف الإسرائيلية ووزيرها العنصري، نفتالي بينيت، المنتدى المشرف على الترجمة بتغيير اسم فلسطين في ترجماته إلى "بلستينه"، واسم القدس إلى "أورشاليم"، ومصطلح "البلاد" إلى "أرض إسرائيل". وجرى تضمين الكتاب أكذوبة  "كانت الأرض خالية من السكان" قبل عام 1948 وذلك انسجاما مع الرواية الصهيونية التاريخية التي دأب الصهاينة على تثبيتها في الوعي الاجتماعي، وتروجها بصورة منهجية وزارة الشئون الاستراتيجية. فالمزاعم تضطرد ان العرب تقاطروا على فلسطين للعمل في المشاريع اليهودية، بعد وصول اليهود الى فلسطين.

لكن تاريخ فلسطين القريب حفظ خطة إقصاء العرب التام عبر برنامج "الصهيونية العملية" طرحه بن غوريون، ضفر فيه  الملكية العبرية والعمل العبري والجيش العبري، كي تشكل مع الزمن بنية الدولة العنصرية التي تستثني العرب من رعاية الدولة. الوقائع الصلدة للماضي القريب تؤكد ان بن غوريون وأركان حربه حظروا تشغيل العرب في المشاريع اليهودية ومنعوا إنشاء نقابات عمالية مشتركة مع العرب، بينما الدعاية تزعم العكس .

 قلب الوقائع لم ينطل على مثقف مطلع على جوهر الصراع على فلسطين ، مثل حميد دباشي، الذي كتب في تقديمه لكتاب "احلام وطن  عن السينما الفلسطينية" يعري الزيوف: "الى أي مدى يمكن لهؤلاء الناس ان يكونوا مبتذلين وأشبه بالرعاع في استيلائهم الإجرامي على وطن يعود لشعب آخر، ويتابعون استيلاءهم اليومي هذا بلا هوادة، وذلك كله باسم اناس كانوا هم ضحايا لأبشع أنواع الظلم في التاريخ؟ كم هو عميق الفساد البشري الذي يحول الإنسان الى مستعمِر إجرامي لأمة اخرى – يسرق أراضيها ، ويدمر ديارها ، ويستولي على ثرواتها، ويقتل رجالها، ويغتصب نساءها، ويذبح اطفالها – وليس هذا في بطن التاريخ البعيد، بل في وضح النهار امام عيني التاريخ المفتوحتين، يجري ذلك كله في اللحظة نفسها التي كان فيها العرض الفاحش جاريا على قدم وساق[ يقصد مسيرة "تحية لإسرائيل" الضخمة بنيويورك، نظمها انصار إسرائيل بالمدينة وخارجها في 23ايار 2004].

تزييف الوقائع وقلب الحقائق والقيم  نهج صهيوني – امبريالي، دأبت عليه قبل  قيام الدولة وخلال عقود حياتها.  فبعد ان ساعد الانتداب البريطاني في صناعة مجتمع استيطاني له حكومته وجيشه واقتصاده، ردت الصهيونية المنظمة الجميل بعمليات إرهاب شرعت بها مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتصاعدت  خلال العام 1946 وحولت جيش الانتداب وشرطته الى حامية محاصرة في العام 1947. 

في تلك الأثناء ردد الإعلام الصهيوني بالولايات المتحدة اختلاقات اضطهاد اليهود في وطنهم "أرض الآباء". مارست العصابات الصهيونية –هاغانا وإرغون وليهي – الإرهاب بالتصفية الجسدية لكل من طالتهم من عرب مدنيين وبريطانيين جنودا شرطة وموظفين ويهودا ممن عارضوا الإرهاب وتأجيج الكراهية العنصرية او تخلفوا عن الدعم المالي. ندد بتلك الممارسات رئيس الجامعة العبرية، ييهودا ماغنس، واطلق عليها "النزعة الشمولية المتنامية لدى اليهود"، وانتقد بشدة "الضغوط المتصاعدة في امريكا للخضوع للشمولية الصهيونية التي تسعى الى إخضاع الشعب اليهودي كله الى مذهبها". استشاطت الوكالة اليهودية غضبا، كما نقل توماس سواريز في كتابه "دولة الإرهاب كيف قامت دولة إسرائيل على الإرهاب"؛ وبدون احترام لمكانته العلمية لطخت الوكالة سمعة ماغنس بتلميح ارتباطه بالنازية.  وأورد الكتاب (ص131) أن المندوب السامي البريطاني في فلسطين، الفايكاونت غورت، لجأ مع تعاظم النشاط الإرهابي الصهيوني بفلسطين الانتدابية الى شخص يدعى نيوتن، يتكلم العبرية، وكان سابقا من سكان المستعمرات، وطلب رأيه في المستنقع الفلسطيني، فقال نيوتن: "ان مصدر العنف  والولاء القومي المتصلب هو النظام التربوي لليهود، وما يضخ في آذان الشباب اليهود في فلسطين  من تحريض وهيستيريا. وقد انتج هذا النظام التربوي والدعاية السياسية شبانا وشابات مستعدين للقتل لتحقيق مآربهم السياسية". وما زال النظام التربوي في إسرائيل يضخ دعاية الكراهية العرقية.

جرى تصميم الدولة الصهيونية بواجهة ليبرالية تخفي طابعها الفاشي. والفاشية عبارة عن الكراهية البهيمية تجاه الشعوب والأقوام الأخرى. وجد الصهاينة سبيلهم لتلك الواجهة في طرد اكبر عدد من الفلسطينيين خارج ديارهم ثم التربية الصارمة على الكراهية العنصرية. نقل كتاب سواريز عن استخبارات الغرب  تقرن تنظيم الميليشات اليهودية على غرار انضباط الميليشيات النازية؛ ونقل أيضا اطلاع الاستخبارات على نوايا الميليشيات الصهيونية سوف لن تقف عند حدود قرار تقسيم فلسطين، بل ستمضي الى المدى الذي تستطيعه. حقا تعلمت الصهيونية من النازية ما هو أوسع من الانضباط الحديدي؛ وتفوقت على غوبلز وزير دعاية هتلر "أكذب واكذب فلا بد من ان تجدم من يصدقك". وقلدت ما هو أبعد مدى...!

في كتابه بالعنوان ذي الدلالة، "لنتحرر من هتلر"، كتب أبراهام بورغ، الذي انشق عن الصهيونية بعد ان شغل منصب رئيس الكنيست ومنصب رئيس الوكالة اليهودية " حوّل جهاز التعليم الإسرائيلي المحرقة إلى تجربة الحياة المبلورة المركزية في جهاز تعليم أولادنا "(46) .

بهذه التعبئة المكثفة والمتواترة للفتيان في سنتي الدراسة الثانوية الأخيرتين، قبيل الالتحاق بالخدمة العسكرية، بات "الماضي المحرقي، وهذا الماضي على عكس جميع الأزمان الماضية الأخرى ليس ماضيا يبتعد فحسب، وإنما هو ماض يقترب منا طوال الوقت، حاضر أكثر، موضب أكثر، مضبوط أكثر مسموع وله تمثيل اكبر بكثير. إنه ماض أصبح جزءا لا يتجزأ من الحاضر الإشكالي لدينا جميعا"(48). أريد للمأساة اليهودية أن تعلو على مآسي الآخرين مهما أنزلت بهم من كوارث وجرائم، حتى لو اقترفتها إسرائيل." وليست لنا أي فكرة وأية رغبة سوى إعطاء القوة فرصة للتحدث و’دعوا الجيش ينتصر'. وفي نهاية المطاف حدث لنا ما يحدث مع كل عنيفي العالم وزعرانه: حولنا الكآبة إلى نظرية ومفهوم ، ونحن لا نفهم بأنفسنا أي شيء غير لغة القوة"(56) .

في صيف 2010 نُشِر كتابٌ من 230 صفحة حمل العنوان "توراة الملك" من إصدار الحاخامين يوسف أليتزور ويتسحق شابيرا المديرين لمعهد ديني واسع النفوذ في مستوطنة يتزهار بالضفة الغربية. يتضمن الكتاب إرشادات بصدد التعامل مع غير اليهود. وخلص المؤلفان إلى القول بأن اليهود مضطرون لقتل كل من يشكل خطرا على اليهود بصورة مباشرة أو في طيات المحتمل. والفلسطيني يدخل في طيات الخطر المحتمل؛ وبناء عليه برر الكاتبان باسم الدين قتل المدنيين الفلسطينيين، حتى الأطفال منهم. وقوبل الكتاب بترحاب عدد كبير من رجال الدين اليهود. وفي شهر نوفمبر أيد الحاخام شابيرا استخدام الفلسطينيين دروعا بشرية أثناء القتال، وهو ما يعتبر جريمة حرب بموجب اتفاقيات جنيف .

الحاخام يتسحق شابيرا، صاحب فتوى قتل الأطفال العرب، يدير مدرسة "يوسف حي" الدينية في مستوطنة يتزهار القريبة من نابلس. وتسفر فتاوى شابيرا عن حرق مسجد أو بساتين الزيتون والتحرش المستمر بسكان القرى العربية المحيطة. وكشف النقاب أنه في عامي 2006 و2007 قامت شعبة المؤسسات التوراتية في وزارة التعليم بتحويل أكثر من مليون شيكل لهذه المدرسة تحديدا؛ في حين قامت وزارة الشؤون الاجتماعية بتحويل مبلغ 150 ألف شيكل أخرى. والتقرير الذي قدمته المدرسة لمسجل الجمعيات يدلل على أن الجمهور الأمريكي يشارك في تطوير تأثير هذه المدرسة. ويدلل التقرير على أنه خلال عامي 2007 و2008 قدم صندوق أمريكي مسجل في منهاتان بنيويورك حوالي 103 ألاف شيكل لهذه المدرسة تبرعات معفاة من الضريبة. وقد قام هذه الصندوق خلال عام 2006 فقط بتحويل مبلغ 8 مليون دولار لمؤسسات ومنظمات دينية ولإقامة كنس ومدارس دينية ولمتطلبات أمنية عاجلة في إسرائيل.

إزاء الدعوات العنصرية يحجم النواب العامون في إسرائيل عن التحقيق في الانتهاكات ويغمضون أعينهم عندما يرفض المعنيون التقدم إلى التحقيق، مدعين أن "توراتنا المقدسة ليست موضع تحقيق أو محاكمة". والمناخ مؤات لترويج دعاية الدولة اليهودية التي تدار بموجب "القانون الإلهي"، كما يؤكد زفي بارئيل، المعلق بصحيفة هآرتس. فقد كتب بصدد الحاخامات العنصريين، يقول "إنهم وأنصارهم يجعلون الأصولية وتوراة الملك المخجلة تيارا رئيسا للديانة اليهودية." 

يمارس الحاخامون سلطتهم على الأطفال، حيث يسهل تكييفهم. ولدى افتتاح المدارس في أيلول (2010) التحق 52 % من الأطفال بالصفوف الأولى للمدارس الدينية؛ وتلاميذ معظم المدارس الدينية يتلقون تعليما بأن اليهود هم فوق الطبيعة التي تتشكل من نماذج أربعة: الجماد، الخضار، الحيوان، الحيوان الناطق. ومن هم ليسوا يهودا ليسوا أكثر من حيوانات ناطقة.

(يتبع... الحلقة 2)