2019-02-07

إسقاط ... تفكيك ... تصفية... فترة انتقالية

* محمد مختار الخطيب

منعرج تاريخى في العمل السياسي وملحمة نوعاً ووسعاً. اختزنت الدروس والعبر نجاحاً وإخفاقاً على مسار الثورة الديمقراطية في السودان من كفاحات التحرر الوطني من الاستعمار والاستقلال وثورة أكتوبر المجيدة وانتفاضة أبريل "1985"، ومقاومة النظام الشمولي الفاشي الذي جثم علي صدر الشعب والوطن منذ يونيو "1989".

عمت المواكب والمظاهرات أرجاء الوطن غرباً وشرقًا وجنوباً وشمالاً، وفي الوسط حضراً وريفاً، ولم يغب السودانيون في الخارج، في وحدة وطنية رائعة تتحدي وتنبذ صلف وعنف النظام المفرط خوفاً ورعباً. يُقابل الثوار الرصاص الحي بصدور عارية تنادي دون تراجع بسلمية الكفاح لحين وصول الغايات واسترداد الوطن المخطوف من الجميع رافعين شعاراً موحداً ممجدين الوطن رافضين بملء الفم أي مسوغ عنصري برفعه النظام (والبلد كلو دارفور).

يقدم الشهداء أرواحهم قرباناً لأنبل القضايا، الديمقراطية وكرامة الشعب ولوقف الحرب التي حصدت أرواح مئات الآلاف في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، وعودة ملايين النازحين واللاجئين لأرضهم المسلوبة قسراً وطمعاً والرجوع لقراهم الأصلية مطمئنين لممارسة حياتهم الطبيعية، ورفضاً لإغراق بلاد النوبة العريقة في الشمال بإقامة سدود لا طائل ولا جدوى لها غير الخسار بسبي الأراضي وتهجير أهلها خارج بلادهم التي ألفوها وتشتيتهم وإغراق معالم حضارة كاملة وطمس ثقافة، وفناء لغة أصلية، وضد خصخصة مشروع الجزيرة ورفيقاته من المشاريع المروية القومية عماد اقتصاد السودان وانتزاع الاراضي وطرد المزارعين والرعاة من فوق الأرض وتحويلها لاستثمارات وتحويل ملكيتها لأجانب بيعاً أو دفع الأرض سداداً لديون خارجية، ولكف يد فئات الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة من سرقة موارد الوطن تحت الأرض وتهريبها للخارج.

فالمجد والخلود لشهداء الوطن ... وقد قرب يوم الخلاص والقصاص، والانتفاضة تزيد عنفواناً يوماً بعد يوم وقرب يوم إعلان الإضراب السياسي والعصيان المدني لشل دولة الطفيلية على طريق إسقاط النظام وتفكيكه وتصفيته ومن ثم توجه الإنتفاضة نحو تغييرات جذرية تفارق أسباب ونوازع السير على ذات المنهج والسياسات التي قادات لمراكمة الازمة العامة التي أقعدت الوطن وأفقرت الشعب.

بئس الرأي الداعي لاستيعاب تيارات الإسلام السياسي التي تشظت من الحركة الاسلامية ونفضت يدها عن النظام مزكيا لهم بتطهرهم من كبائر جرائم النظام وتراجعهم عن استغلال الدين في خدمة مآربهم الدنيوية الدنيئة في نهب الوطن والمواطن سواء، وكفهم عن استخدام الدين أداة إرهاب لتكفير المعارضين لسياساتهم ونهجهم في الحكم ورداً باستئثارهم بالسلطة والثروة للثراء الحرام. بشر الداعي بتخليهم عن مشروعهم الدولة الدينية قبولاً لمشروع الدولة المدنية الديمقراطية دون أن يفيدنا الداعي في أي مؤتمر أو وثيقة سياسية أعلنوا موقفهم الجديد! الدعوة تستبطن سياسة عفا الله عما سلف" وإبطال تحقيق العدالة فيمن أسهموا وأضروا وأجرموا في حق الوطن والشعب. لم يوضح الداعي كيف نفرز بين المجرم والبرئ دون محكمة عادلة تنصب في الفترة الإنتقالية والسماح لهم دون تصنيف دورهم طوال ثلاثون عاماً للمشاركة في حكومة الفترة الإنتقالية ولعب دور الحكم والخصم، والسماح لهم أن يعملوا من داخل حكومة الإنتفاضة وهم مشاركون في الحكم الانتقالي على عرقلة تفكيك وتصفية النظام واسترجاع الحقوق المنهوبة وإحداث التغيير الجذري الذي دعا له الشعب. أحسب أن الدعوة ترمي لتحالفات جديدة على طريق مشروع الهبوط الناعم بسيناريو جديد يتواءم والمشهد السياسي الجديد علماً بأنه لم تدع أي قوة سياسية أو اجتماعية إلي حظر نشاط أي تنظيم سياسي عن العمل في الساحة السياسية أثناء الفترة الإنتقالية، وممارسة الحق في التنظيم والدعوة والاستقطاب لتأييد برنامجه.

الفترة الانتقالية:-

- يحتم أن تؤسس الفترة الإنتقالية لوضع جديد يبارح ويقفل الطريق أمام ظاهرة الدائرة الشريرة التى سادت في الحياة السياسية السودانية منذ الإستقلال وأقعدت بالوطن مما يعنى الاستفادة من تجاربنا بدءاً بما صاحبها من سياسات اقتصادية واجتماعية وتنموية بعد الإستقلال أسست لمواصلة سؤدد المرض والجهل والتنمية غير المتوازنة والحروب وغرق في الديون فرض على شعبنا التبعية والسير في ذيل الأمم.

- ثورة اكتوبر1964 وانتفاضة ابريل 1985 معلمين هامين على طريق الثورة الديمقراطية في السودان – إقتلعتا نظامين عسكريين شموليين من السلطة واخفقتا لميل توازن القوى لصالح القوى المحافظة في أن يخط الشعب طريقاً ومنهجاً يستديم الديمقراطية والسلام وترسيخ التداول السلمى الديمقراطى للسلطة وفتح الطريق لنهوض وطني واستقرار سياسي ورفاه الشعب فواصلت الازمة العامة التراكم مهددة الاستقلال والسيادة ووحدة الوطن.

- الأزمة العامة لن تحل إلا بمخاطبة حلقاتها جميعاً المتميزة بعلاقة تبادلية جدلية تجعل حلها مستحيلا بفض إحدى الحلقات دون الأخرى، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، التنمية المتوازنة، السلام، ووحدة الوطن والتوجه نحو حل شامل يشارك فيه الجميع يحقق ديمقراطية راسخة وسلم وطيد جسدته تماماً شعارات انتفاضة ديسمبر/يناير2019 "حرية سلام وعدالة، الثورة خيار الشعب" نعم تغيير جذرى مفارق لما ساد من قبل منذ الاستقلال في 1956.

- السؤال الذى يطرق ويطرح نفسه بشدة: ماهية البرنامج والخطوات وبنية حكومة الفترة الانتقالية وفترتها لوضع السودان على طريق الحل الجذرى للأزمة العامة التى سادت وتراكمت لست عقود منذ الاستقلال؟!

- حكومة وسلطة إنتقالية تعمل على تنفيذ برنامج سياسي إصلاحي متفق عليه، وقد سبق أن اتفقت القوى السياسية ممثلة في تحالف قوى الاجماع الوطنى وقوى نداء السودان والحركات المسلحة ومبادرة المجتمع المدنى على برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي توافقي يُنفذ في الفترة الإنتقالية المحددة بأربع سنوات. تنتهى الفترة الانتقالية بعقد مؤتمر دستوري قومي وتهيئ المناخ والظرف المناسب لمشاركة كافة مكونات السودان السياسية والمجتمعية والتفاعل الطوعي لحل شامل للأزمة العامة. يكمن أساسه في مشاركة شعبية تضع قواعد كيف يحكم السودان وتخطط طريق تطوره.

- الأزمة بعمقها واتساعها لن يحلها حزب واحد منفرداً او مؤتلفاً مع أحزاب أخرى . فهى مهمة شعب بأسره وفى ظل الحرية والديمقراطية دون وصاية او قهر داخلى او خارجى.

- الحل الناجع مفارقة النهج الذي ساد وراكم الأزمة العامة والتوافق على إعادة صياغة السودان وابتعاث الهوية الحضارية السودانية من زخم التعدد والتنوع والتباين الذى أمدها بمصادر ثراء وخصب ونماء دفع نحو التواصل النفسي والوجداني الذي تحقق عبر ضرورات التبادل وتداخل سبل كسب العيش والتصدي سوياً لمطامع المستعمرين عبر قرون من التاريخ مشكلا سمات مشتركة لاهل السودان، ومن ثم نبذ اسباب "خطأ انتقاء مكون واحد من مكونات الهوية الحضارية السودانية ورفعه إلى مستوى المطلق ونفى ما سواه"، ومن ثم تحقيق وتثبيت عوامل الوحدة والنماء وتجاوز دوافع التمزق والفرقة وسيادة مبدأ التعدد والتنوع، وتجاوز ما هو مختزن من أزمات وعاهات مزمنة دفعت إلى فصل الجنوب الذي قد يعطى قوة دفع سالبة وأصبح سابقة في حل الخلافات إذا ما تطاولت دون حل والسير على ذات المسار السياسي والاقتصادي والثقافي الذي ساد في الفترة الماضية منذ الاستقلال والذى كرسها وعمقها نظام الانقاذ مما يشكل خطر التمزق في حالة عدم الحل الجذرى

- الديمقراطية ومناخ الحريات توفران أفضل الظروف لحل مسألة القوميات ودونهما او الابتسار اكتفاءاً بديمقراطية وحريات شكلية تلتف على حل الأزمة العامة جذرياً يشكل خطراً جسيماً على وحدة الوطن وتهديد الحفاظ على سيادته وإرادته وتملك الشعب موارده وثرواته وتوظيفها بإرادة حرة لخدمة مصالحه والنهوض بالوطن لخدمة الجميع.

- يبدأ الحل باسقاط النظام عبر مواصلة الانتفاضة الشعبية الجسورة التى سادت البلاد في الشارع السياسي وتفكيك الدولة العميقة بكشف خبايا سندها التمكين على أجهزة الدولة القومية وعلى مصادر التمويل واحتكار النشاط التجاري الداخلي والخارجي والعمل على تصفية معاقل النشاط الطفيلي وتجفيف مصادر الفساد - سمات نظام الإنقاذ منذ وصوله إلى السلطة عبر انقلاب عسكرى في "1989" وتدميره، مستنداً على حصانة أجهزته في تدمير مقومات الإنتاج والخدمات والشروع في تصفية قطاع الدولة والقطاع العام عموماً مستناً في العام 1990 قانون التخلص من مرافق ومؤسسات قطاع الدولة وخصخصتها وبيعها لمنسوبيه وحلفائه بالداخل والخارج بأبخس الاثمان أو تعويضاً مقابل ديون خارجية مما أفقد الدولة مصادر هامة للإيرادات وتراجع التنمية وما صاحب ذلك من مشاكل إجتماعية إقتصادية وسياسية يتحمل وزرها النظام وحزبه ومسئوليه النافذين سفاكى دماء شعبنا.

- شعار إسقاط النظام الذي تبنته الجماهير في الإنتفاضة يعنى أنه لا طريق سواه والمضى في تصفية كل مرتكزات النظام الحاكم، تجريده من السلطة وحل جهازه القمعى وتفكيك دولته العميقة وإبطال مفعول والغاء القوانين المستخدمة للقهر ولنهب الموارد والثروات دون مساءلة أو محاكمة توطيداً وتوطيناً للفساد، وتقديم رموز النظام الحاكم والفاسدين وكل من أضر بالوطن والشعب إلى محاكمة عادلة تقتص الحقوق وترجع الثروات والأموال المنهوبة، كما تعنى مفارقة السياسات التي أضرت بالشعب والوطن وفرطت في السيادة الوطنية وزجت بالسودان في محاور عسكرية وسمحت بإقامة قواعد عسكرية على أرض الوطن والانضمام للافريكوم لخدمة مصالح دولة اجنبية لتوسيع نفوذها والهيمنة على ثروات وموارد دول الإقليم، وفرض الحكومات التي تخدم مصالحها المعادية للشعوب.

- لقد نأى السودان بنفسه عن الدخول في محاور أو إقامة قواعد عسكرية على أرضه وتمسك بمبدأ الحياد الإيجابى طوال سنوات ما قبل الإنقاذ رافضاً استخدام أرضه لوقع أذى على الجيران وخدمة مطامع الإستعمار الحديث

- ترنح النظام تحت ضربات وجسارة الثوار أمام العنف المفرط وبوحدة الصف والكلمة، وقوة التنظيم والتمسك بمبدأ السلمية واليقظة حيال اختراق اي عنصر تخريبى للمواكب. شكلت جميعاً عوامل قوة دفعت لما تحقق من انتصارات واستقطاب قوى مترددة وقفت على الرصيف للمشاركة بفعالية في المواكب.

- الدعوات متواصلة وسط العاملين في القطاعات الانتاجية والخدمية المؤثرة، مجالات النقل والمواصلات- قطاع عام وخاص- والمصارف والبنوك وغيرها لتنظيم أنفسهم والإنخراط في ركب الانتفاضة واضافة قيمة نوعية لما هو قادم في الإضراب السياسي والعصيان المدني.

- ندعو فئات الرأسمالية الوطنية العاملة في مجالات الإنتاج والخدمات التي تضررت مصالحها من سياسات وفساد مافيات النظام المحمية بالقانون- للإنضمام لجماهير الشعب والإسهام في الإضراب السياسي والعصيان المدني حين الاعلان عنه.

* السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني