2019-02-08

تغيّر الشكل وبقي الجوهر...

  على طريق الكفاح الوطني والاجتماعي في فلسطين... مائة عام من العطاء والتضحيات للشيوعيين الفلسطينيين و (37) عاماَ على إعادة تأسيس حزب الشعب الفلسطيني

في هذا العام، يكون قد انقضى 100 عاماَ على إنطلاق النضال الثوري للنواة الأولى للشيوعيين في فلسطين، والذكرى الـ37 لإعادة تأسيس حزبهم (حزب الشعب الفلسطيني) في العاشر من شباط 1982. مواقف مبدئية وعطاء وتضحيات جسام قدموها خلال نضالاتهم عبر مراحل وظروف مختلفة، أملتها عليهم المتغيرات السياسية العاصفة في فلسطين والمنطقة، ونتائج وتداعيات النكبات التي تعرض لها شعبهم. لكن رغم المتغيرات المختلفة، إلا أن الفكرة ذاتها وجوهر الشيوعيين الفلسطينيين لم يتغيّر، لأنهم لم يتخلوا، على الرغم من التبدلات القسرية لأوضاعهم وظروفهم، وبعض الهنات والهفوات هنا وهناك، عن القيم النبيلة التي حملوها، قيم التحرر الوطني من أجل الحرية والعودة والاستقلال لشعبنا، ومن أجل العدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والاشتراكية المنشودة. وفي هذه المناسبة المجيدة، ننشر إبتداء من اليوم - الثامن من شباط/ فبراير الجاري - سلسلة مقالات مختلفة تتناول بعض من محطات تلك المسيرة للشيوعيين الفلسطينيين وحزبهم.

لمن يجهل تاريخ الشيوعيين الفلسطينيين الاقدم وجودا ونضالا على هذه الأرض

يمكن القول بكل فخر واعتزاز بأننا نحن الشيوعيين الفلسطينيين، قد سطرنا تاريخا نضاليا خالدا على مدار مراحل تاريخ وتطور القضية الفلسطينية، وبرغم ما زكته الحياة من صوابية مواقفنا، إلا أننا لا نزعم بأننا ملائكة معصومة عن الخطأ، فنحن بشر، نخطيء ونصيب. لكن من حقنا أن نكون مرتاحي الضمير لأننا، في المفاصل المصيرية من تاريخ القضية الفلسطينية، كانت لنا مواقف متميّزة حفرناها  في سجل النضال الفلسطيني، ورسخناها بمعاناة رفاقنا الذين قدموا تضحيات جسام ثمنا لمواقفهم الخالدة .

وكإضاءات سريعة على العديد من محطات هذا التاريخ الخالد، نشير الاتي:-

* تصدينا لمحاولات اقتلاع أبناء شعبنا من أرضه، وقاومنا عصابات الإرهاب الصهيونية في عشرينات وثلاثينات القرن المنصرم، التي كانت تستهدف الأرض والفلاحين الفلسطينيين في حينه، هذه العصابات التي كانت تتخذ من اليهودية ستارا لتنفيذ مآربها الاستعمارية والاستيطانية على ارض فلسطين . 

* في سياق التفاعلات التاريخية طالب الشيوعيين عام 1946م لإقامة دولة فلسطينية فدرالية واحدة على كل ارض فلسطين التاريخية لتضم العرب واليهود باعتبارهم مهاجرين إلى فلسطين.. مع قناعتهم حينها بان مشكلتهم لا تحل إلا بالعودة إلى بلادهم الأصلية التي هربوا منها أثناء الحرب العالمية الثانية، وانخراطهم في النضال السياسي والاجتماعي للدفاع عن حقوقهم كمواطنين فيها، وبان من سعى لذلك هي الحركة الصهيونية ذاتها لدفعهم للهجرة إلى فلسطين تحت شعار الترهيب والترغيب، وادعائهم الزائف "ارض الميعاد".

 * رفضنا في 1947/11/29 قرار التقسيم ساعة صدوره من قبل الأمم المتحدة، باعتباره ظالما وغير عادل للفلسطينيين، لكننا اضطررنا للموافقة عليه في شباط 1948 باعتباره أفضل الحلول السيئة، حين بدا واضحا لكل ذي بصيرة أن الخيار لم يعد بين كل فلسطين أو التقسيم، وإنما بين التقسيم أو التشريد. ويشهدوا من عايشوا تلك المرحلة، وأثناء هجرة أبناء شعبنا عن ديارهم خوفا من بطش العصابات الصهيونية، كان الشيوعيين يسعون بكل إمكانياتهم لمنع نزوح أبناء شعبنا عن قراهم ومدنهم، فكانوا يحملونهم في شاحنات ويعيدوهم إليها .

 * وبعدئذ، كنا القوة السياسية الفلسطينية الوحيدة التي قاومت ضم الضفة الغربية للأردن الذي كان تحت الهيمنة البريطانية. وفي الحادي والثلاثين من آذار1950حشدنا وحدنا مظاهرة جماهيرية في نابلس ضد الانتخابات التي انعقدت بعد ذلك بأسبوع، لإضفاء الشرعية على عملية الضم هذه. وحينها، تمّ قمع المظاهرة بمنتهى الوحشية واقتيد قادتها من الشيوعيين، مكبلين وراء سنابك الخيل مشيا على الأقدام من نابلس إلى عمان؛ وعلى الطريق في البادان استشهد من بينهم  رفيقنا روحي زيد الكيلاني.

* وعقب مظاهرات أول أيار 1951، التي نظمها الشيوعيون في عدد من المدن، ضد الهيمنة البريطانية على الأردن وضد مشاريع إسكان اللاجئين التي ظهرت منذ وقت مبكر، وفي سبيل الحريات الديموقرطية، جرى تدشين معتقل الجفر الصحراوي الرهيب خصيصا للشيوعيين، وفي الوقت ذاته صدر قانون مكافحة الشيوعية سيء الصيت، والذي يحكم حتى خمسة عشر عاما على الانتماء للحزب الشيوعي.

 * وحين حضر الرئيس التركي جلال بيار، خريف 1955، لاستكمال ضم الأردن إلى حلف بغداد، كان الشيوعيون على رأس المظاهرات الحاشدة التي أسقطت هذه المؤامرة ؛ وفي حي الشيخ جراح - القدس - سقطت رفيقتنا الطالبة رجاء أبو عماشة شهيدة وهي تحاول إنزال العلم   التركي عن ناصية القنصلية التركية.

 * وحين جرى الانقلاب الرجعي، في نيسان 1957، كان نصيب الشيوعيين المعتقلين ونزلاء الجفر أكثر من معتقلي التنظيمات السياسية الأخرى مجتمعة، مع أحكام لا تقل عن خمسة عشر عاما لكل منهم. ولم تخلو سجون الأردن من الشيوعيين يوما واحدا إلاّ خلال الشهور الأربعة لحكومة النابلسي الوطنية.

* على الجانب الآخر، لم يكن حال الشيوعيين في قطاع غزة، الذي كان تحت الإدارة المصرية أحسن حالا. ففي العام 1955 كانوا طليعة الانتفاضة ضد محاولة إسكان وتوطين اللاجئين في صحراء سيناء، ودفعوا الثمن غاليا. حيث كانوا أول من فضح هذه المؤامرة ببيانهم التاريخي المعروف. وقادوا المظاهرات ضد هذه المؤامرة تحت شعار "لا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان" فكان أول الشهداء في هذه المظاهرات التي قادها الشيوعيين رفيقنا القائد حسني بلال, الذي فدى رفيقه القائد معين بسيسو من رصاص البوليس المصري وهو يهتف محمولا على الأكتاف،  واثر ذلك اعتقل البوليس المصري العشرات من الشيوعيين وزجهم في سجني الواحات والحربي وغيرهما .

* وفي العام 1964م رحب الشيوعيين بقيام منظمة التحرير الفلسطينية، ولكنهم اعترضوا في حينه على ميثاقها، ودعوها إلى الاعتراف بقرار التقسيم 181، وعودة اللاجئين وفقا للقرار 194،  ولم ينظموا إليها رسميا إلا عام 1987م، حيث اعترف بهم فصيلا رئيسيا من فصائلها الأساسية .   

 * ولدى وقوع الاحتلال الإسرائيلي في حزيران 1967 للضفة الغربية ، كانت الحلقة المركزية والفورية في إستراتيجية الشيوعيين لمواجهة الاحتلال، هي تثبيت السكان والحيلولة دون تكرار الهجرة الجماعية لعام 1948؛ ولو تكرر ذلك لحسمت المعركة لصالح المشروع الصهيوني التوسعي من حينها . وقد حقق الشيوعيون نجاحات مرموقة في هذه المهمة المصيرية، بل وساهموا في عودة بعض من كانوا قد اجتازوا نهر الأردن، كسكان بلدة حلحول وغيرهم. كانت هذه الإستراتيجية تركّز على العمل على وضع حد لنزيف النزوح، والتدرج بالنضال الجماهيري إلى حدّ الانتفاضة ضد الاحتلال، مع احتمال أن تكون انتفاضة مسلحة إذا توفرت الظروف الملائمة. وفي السابع من آب 1967، أي بعد شهرين من وقوع الاحتلال ، نظم الشيوعيون لوحدهم أول إضراب سياسي ضد الاحتلال وفي مدينة القدس التي أعلن الاحتلال ضمها لدولته؛ وعقب هذا الإضراب وبتأثيره، أمكن التغلب على تردد بعض الزعامات التقليدية والتي كان صوتها مفيدا، آنذاك، لوضع حد نهائي لعملية النزوح، وتشكلت لجنة توجيه وطني ضمت هذه الشخصيات الاعتبارية والشيوعيين فقط برئاسة الشيخ عبد الحميد السائح؛ وقد لعبت هذه اللجنة دورا هاما في رفع معنويات السكان الذين كانوا ما زالوا يعيشون صدمة هزيمة الجيوش العربية في فترة زمنية قياسية في قصرها، وقامت بقيادة سلسلة نشاطات وإضرابات، منها الإضراب في ذكرى وعد بلفور، في الثاني من تشرين ثاني 1968 ،والذي امتد ثلاثة أيام في مدن الضفة المحتلة.   

وقد أفلح الاحتلال في تصفية هذه اللجنة وإبعاد الشيخ السائح إلى الأردن. وبالمناسبة، فإن أول دفعة من المبعدين ضمّت عضوي المكتب السياسي للحزب وهما، فايق وراد ورشدي شاهين، وبعد ذلك تتابعت عمليات سجن وإبعاد أعضاء اللجنة المركزية، حتى لم يبقى منهم أحد تقريبا، ومن بعدهم قسم أساسي من كادر الصف الثاني في الحزب.

* وفي ذات السياق وعلى خلفية الاحتلال الإسرائيلي لباقي الأراضي الفلسطينية عام 1967م، بادر الشيوعيون بقطاع غزة في الاتصال بالقـوى الـوطنية وتـوحيد الـصـف الـوطـني لمواجهة العدوان، فتشكلت الجبهة الوطنية المتحدة في آب 1967، في البداية من الحزب الشيوعي وحركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي وجبهة تحرير فلسطين وقوات التحرير الشعبية التابعة لجيش التحرير الفلسطيني، وبعض الشخصيات الوطنية والديمقراطية البارزة، وأصدرت ميثاقها في العشرين من أيلول 67، وأكد الميثاق أن الاحتلال مؤقت وسوف يزول، وأن التصدي للاحتلال هو المهمة الأساسية الـملقاة على عاتق الأنظمة الوطنية العربية والجبهة المعادية للاستعمار. ثم أصدرت الجبهة الـوطنـية المـتحدة جـريدة (الـمقاومة) الأسبوعَّية السِّرية في منتصف آب 67، وكان الحزب مشرفاً على طباعتها وكتابة معظم مواضيعها، وتسليم أعدادها لقوى الجبهة لتوزيعها، وقد لعبت هذه الجريدة دور المنظِّم للــجان الوطنية والمحّرض والمعبّئ للجماهير الشعبية ضد إجراءات الاحتلال ومخططاته.

وفي الأول من كانون أول 67 أقرَّت الشيوعيون البدء بالتحضير لاستخدام أسلوب النضال المسلّح إلى جانب أساليب النضال الأخرى، فشكل الشيوعيين جناحهم المسلح الذي نفذ مئات العمليات العسكرية منفردا او بالتعاون مع قوات التحرير الشعبية، وبسبب ذلك تمّ نسف أول بيت في قطاع غزة، وهو بيت الرفيق عزات كسّاب، واستشهد عدد من الرفاق وجرى إبعاد وتشريد العشرات منهم .

*  شكل الشيوعيين الفلسطينيين مع رفاقهم في الأردن في شباط 1970م قوات الأنصار، الجناح المسلح للشيوعيين، حيث تمركزت قواعده العسكرية في شمال اربد، وفي المخيمات الفلسطينية داخل الأردن، حيث نفذت العديد من العمليات ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي عبر الحدود الاردنية الفلسطينية.

 وقد كان سبب تأخر الشيوعيون بالخارج في الانضمام إلى العمل المسلح، نتيجة تباينات داخل قيادة الحزب، حول جدوى هذا العمل في الخارج. وحين حسمت هذه القضية لصالح المشاركة، برزت مشكلة تسليح فصيل الشيوعيين، فقد كان شرط، التنظيمات العسكرية الأخرى وبخاصة فتح، الانضمام إليها. ولو لم تكن حركة المقاومة متشرذمة وغير موحدة لما نشأت هذه المشكلة ولقام الشيوعيون بالانضمام إلى جسم الحركة الموحّد. وغني عن القول أن شرذمة هذه الحركة هي أهم أسباب ضعفها وفقر منجزاتها. وحين توجه الشيوعيون الى البلدان الاشتراكية، لتجاوز عقبة التسليح، نشأت مشكلة مكان توريد وإدخال السلاح. حينها، رفضت كل من مصر وسورية إدخال أي سلاح من موانئها البحرية أو الجوية لفصيل الشيوعيين.ومع ذلك، تشكّل الفصيل بالتعاون مع ثلاثة أحزاب شيوعية عربية شقيقة، وساهم بدور مشرف في الدفاع عن مواقع المقاومة في معارك أيلول الأسود, وحين خرجت فصائل المقاومة الى جنوب لبنان خرجت عناصر الفصيل معها ؛ وهناك كان الشرط لتزويدهم بالتجهيزات الإنضمام إلى فصيل فتح، وهذا ما كان.

* وعشية حرب تشرين 1973، بادر الحزب في الداخل بالدعوة لتشكيل جبهة وطنية، تأخذ على عاتقها توحيد القوى وتصعيد النضال ضد الاحتلال الاسرائيلي. ولما لم يكن للتنظيمات الأخرى ممثلون ذوي صلاحيات في الداخل للبت في هذه القضية، فقد تمّ الإتفاق معهم في بيروت. وبعد حرب 1973، وفي ضوء النهوض الوطني في الداخل، شكل الشيوعيون منظمة عسكرية ، قامت بعدة عمليات ضد الإحتلال. لكن الإحتلال تمكن من ضربها واعتقال الرفيق سليمان النجاب الذي كان يقودها. وعند النجاب، الذي لم يفلح الجلادون في انتزاع كلمة منه، توقف التحقيق، ولم يسفر عن انهيارات واعتقال العشرات إن لم يكن ما هو أكثر، كما كان يجري مع الآخرين، وإلاّ لوصل منسوب المعتقلين الشيوعيين المستوى المطلوب! وحادثة النجاب مجرد نموذج وليست الوحيدة في موقف الشيوعيين المتميز أمام المحقق.

 وأيضا ما تعرض له الشيوعيين في قطاع غزة من حملة اعتقالات طالت العديد من كوادر وقيادات الحزب، وقد جرى تصفية الرفيق عمر عوض الله داخل السجون الإسرائيلية، والذي تولى في تلك الفترة قيادة المجموعات المسلحة لهذه الجبهة.

* وحين دعا "ديان" إلى إجراء انتخابات بلدية في الضفة والقطاع، مطمئنا أن القوى الوطنية ستقاطعها، وبالتالي، ستخوضها روابط القرى العميلة والعناصر المشبوهة والضعيفة..حينها، كان الشيوعيون هم المبادرين بابتهال الفرصة لقلب الطاولة على ديان .

وقد استجابت فتح للمشاركة، وتشكلت قوائم وطنية معادية للإحتلال اكتسحت تلك الانتخابات. ولكن عقب تشكيل القوائم، قامت سلطات الإحتلال بإبعاد الرفيق الدكتور أحمد حمزة النتشة ، الذي كان رأس القائمة التي نجحت بكاملها في الخليل، بينما اغتالت قوات الإحتلال الرفيق أحمد دحدول، رئيس القائمة في سلفيت بكسر جمجمته خلال نقله في إحدى سيارات قوات الإحتلال.

وتجدر الإشارة بان الشيوعيين في الضفة الغربية هم من بادروا للتصدي لروابط القرى العميلة للاحتلال الإسرائيلي، والتي تشكلت عام 1978م فقد قاموا بفضحها وتعريتها والتصدي لمخططاتها، وقد استشهد الرفيق داوود العطاونة احد قيادات الحزب بمحافظة الخليل في خضم المعارك التي خاضها الحزب ضد هذه الروابط العميلة.

 * وفي مرحلة لاحقة ابتكر الشيوعيون الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة العمل التطوعي، لتعزيز التلاحم الاجتماعي والوحدة الوطنية، والتعويض عن بعض الخدمات التي يفتقر إليها المواطنون. وحين وقعت الانتفاضة الأولى شكل العمل التطوعي البنية التحتية لها.

 كما كان للشيوعيين الدور الريادي والطليعي في إطلاق وتأسيس العمل النقابي، للدفاع عن حقوق العمال وقضاياهم. حيث قام الشيوعيين عام 1944م بالمبادرة لتشكيل مؤتمر العمال العرب في فلسطين، الذي تحول إلى اكبر منظمة نقابية عربية في فلسطين، واستطاع الحصول على اعتراف اتحاد النقابات العالمي به كممثل للحركة النقابية في فلسطين، كما كانوا السباقين في تشكيل النقابات العمالية، وفي تأسيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في الضفة وقطاع غزة.  

* وخلال معارك بيروت عام 1982م، شارك رفاقنا ببسالة إلى جانب مقاتلي الفصائل الأخرى في صد العدوان الإسرائيلي الذي اجتاح لبنان، مسجلين أروع ملاحم البطولة والصمود، وقد استشهد عدد من أولئك الرفاق في معارك جنوبي لبنان. كما اعتقل الاحتلال الإسرائيلي العشرات منهم وزجهم في سجن أنصار اللبناني، حيث شاركوا مع إخوانهم ورفاقهم من الفصائل الأخرى بالتخطيط لعملية هروب المعتقلين من داخله، تلك العملية التي لم يكتب لها النجاح الكامل.

 * وأبان اندلاع الانتفاضة الأولى.. بادر الشيوعيون وقبل تشكيل القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة بإصدار بيانان باسم القوى الوطنية، تضمنت توجيها كفاحيا للفعل الانتفاضي الذي اندلع عشوائيا بعد استشهاد إخواننا العمال داخل إسرائيل.. وقد كان لهما تأثيرا ملموسا في سياق التوجيه الأولى لحركة الجماهير وتجاوبها مع النداء المنظم باتجاه الحالة الانتفاضية. وقد شارك الشيوعيين في القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة عند تشكيلها، والتي أصدرت أولى بياناتها في 9/2/1988م. وتولى رفاقنا إلى جانب القوى الفلسطينية الأخرى قيادة فعاليات الانتفاضة، فكان من بينهم ألاف الشهداء والمصابين والمعتقلين ومن فرضت عليهم الإقامة الإجبارية. كما قدم العديد منهم نماذج يُعتز ويُفخر بها من صمود في اقبية التحقيق وداخل الزنازين، ومقاومة المحقيقين الإسرائيليين وأساليبهم الفاشية وإلحاق الهزيمة بهم، فاثروا الصمت وتحمل أصناف التعذيب الفاشي دون أن يعترفوا بشيء حفاظا على رفاقهم وسلامة حزبهم .

وفي حينه انتقد الشيوعيين التعامل الفوقي مع جماهير الانتفاضة، والخطاب السياسي غير الواقعي ومسلكيات بعض الـقوى السياسية التي أدّت إلى التآكل التدريجي لعمق المساهمة الشعبية في الانتفاضة، وانتـقد بلا هوادة مـحاولة بعض القوى شرذمة الحركة الوطنية، وإغراقها في صراعات داخلية، من خـلال ممارساتها اليـومية المعادية للديمـقراطية تحت حجـج أيديولوجية، كان الهدف من ورائها خلق قيادة بديلة لـ م .ت ف، كما حذرَّ في الوقت نفسه من خطورة عسكرة الانتفاضة.

وفي هذا المقام يجدر القول بان الانتفاضة بكل مضامينها وتعبيراتها الجماهيرية والسياسية جاءت لتؤكد صوابية ما دعا وانطلق منه برنامج الشيوعيين الفلسطينيين.. والذين أكدوا طوال الوقت على أن ساحة النضال الأساسية هي الداخل وليس الخارج، كما أكدوا على أن النضال الجماهيري وإشراك فئات الشعب المختلفة في مواجهة  المحتلين هو الأسلوب الأنسب والأكثر جدوى. وانطلقوا في رؤيتهم السياسية بان الحل الممكن التحقيق يتمثل بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل حدود 67 وعاصمتها القدس، وهذا ما رسمته الحدود السياسية والكفاحية للانتفاضة.

* هذا إضافة إلى الدور دور الشيوعيين في تنمية وتعزيز الثقافة الوطنية وترسيخها في وجدان الشعب الفلسطيني، ثقافة الصمود والكفاح، والانتماء إلى القيم الأصيلة لشعبنا، ومقاومة روح الإحباط والانكسار التي كان يسعي إليها الاحتلال الإسرائيلي في إطار سياسته التصفوية لشعبنا وقضيته الوطنية، فكان من بينهم العديد من الشعراء والكتاب والمسرحيين والفنانين بمختلف تنوعاتهم .  

والآن، وبعد هذا المرور الخاطف على بعض المحطات التاريخية لدور الشيوعيين الفلسطينيين في النضال الوطني الفلسطيني، يجوز لنا إجراء بعض المقارنات وطرح بعض التساؤلات. المقارنة الأولى والأهم، أي الإستراتيجيتين خدمت وبتفوق القضية الفلسطينية، تلك التي توجهت للعمل المسلّح من الخارج وأهملت العمل الجدي في الداخل، أم تلك التي ركّزت على تثبيت السكان في أرضهم، وقد غدوا الآن خمسة ملايين، يشكلون العقبة في وجه المشروع الصهيوني التوسعي؟ وأي النشاطات أرّقت الإحتلال العمل المسلح من الخارج أم النشاطات المتنوعة في الداخل بما فيها الهبات والإنتفاضات؟

وإذا تغاضينا عن المعارك الوهمية التي كان يجري الحديث عنها، كمعارك الجبهات الخضراء والحمراء، وكذلك التفجيرات التي كانت أكثر من منظمة تتنافس للزعم بأنها وراءها، حتى ولو كانت مجرد انفجار أنبوب غاز، وذلك لأغراض معروفة، فإن حركة المقاومة المسلحة خاضت معركتين جادتين ومتميزتين، الأولى - معركة الكرامة -  1968 وقد ساعد في درء العدوان العسكري الإسرائيلي مشاركة قطعات الجيش الأردني التي كانت مرابطة هناك، بقيادة الضابط الوطني الأردني، مشهور حديثة، والذي قيل حينها أنه تجاهل التعليمات وشارك بشكل فعال في المعركة؛ والثانية، معركة بيروت 1982 التي كانت ملحمة بطولية؛ لكن المعركتين في آخر تحليل، دفاعيتان لا هجوميتان ونتائجهما معروفة.

ورغم التضحيات الجسام واالمئات والمئات من الشهداء، الذين ينحني المرء احتراما لتضحياتهم، يبقى السؤال: ما هي النتائج الملموسة من وراء كل هذه التضحيات؟ يحلو للبعض أن يطمس فقر النتائج بقوائم الشهداء، لكن هذا يمثل هروبا من المسؤولية عن أرواح هؤلاء الشهداء دون مردود يتناسب مع التضحيات. اللهم إلاّ إذا كان الهدف هو التضحية من أجل التضحية !

أما التحوّل مئة وثمانين درجة، فلعل الأهم من تطبيقه على أفراد، تطبيقه على تنظيمات بكاملها. في البدء كان شعار "كل شيء من فوهة البندقية" و"الكفاح المسلح استراتيجية وليس تكتيكا"، والآن البعض يحرّمه الى حد اعتباره نوعاَ من الإرهاب والبعض يمارسه نظرياَ. وفي البدء، كان شعار التحرير من النهر الى البحر، والآن نلهث وراء دولة فوق 22% من أرض فلسطين التاريخية، وتحقيقها ما يزال بعيد المنال .

هذا إضافة إلى ما سجله التاريخ بكل أسف لما تعرض له الشيوعيين من ظلم أبناء جلدتهم.. فقد تعرض العديد منهم في قطاع غزة إلى جانب أخوة ورفاق آخرين من الفصائل الوطنية الأخرى لاعتداءات وحشية من قبل الإخوان المسلمين "المجمع الإسلامي"  في العام 1983م . ضربا بالجنازير والبلطات، ورشقا بالأحماض الحارقة.. وتحت شعار "دعني ادخل به الجنة" في حين كان هؤلاء يوصفون نضالات م.ت.ف بالعبثية.. وبان شهدائها " بالسكارى الثكلى" .

هذا تاريخ لا يمكن أن ينسى أو يستطيع احد تجاهله او طمسه.. انه تاريخ حفره الشيوعيون بالدم والألم والمعاناة.. بالمواقف الصلبة المبدئية، وبالصمود المنقطع النظير داخل أقبية التعذيب والزنازين.. تاريخ يعيدنا إلى أصل الحكاية.. من كان أمينا على قضايا ومصير الشعب، وناضل بحق من اجل اختصار معاناته وصولا لأهدافه الوطنية العادلة.. وبين من أصابه الشطط والمغامرة ولم يدرك حينها طبيعة الصراع ومتطلبات النضال، لكي يحقق شعبنا الانتصار على الحركة الصهيونية وأهدافها العنصرية .  

طوبى لمن اخلص لشعبنا ومعاناته.. والخزي لمن أدرك الحقيقة لكنه حاد عنها.. او تاجر بآلام شعبنا ومعاناته لصالح مصالح فئوية ضيقة.. أو خدمة لأجندات لا تستقيم مع أجنداتنا الوطنية.

انتهى

* أعدت هذه المادة استنادا إلى إسهامات وكتابات العديد من الرفاق، وهم: نعيم الأشهب، د. ماهر الشريف، عبد الرحمن عوض الله، سعيد مضية، واستنادا إلى المعرفة والتجارب المباشرة للعديد من الرفاق.