2019-02-14

تغيّر الشكل وبقي الجوهر...

  على طريق الكفاح الوطني والاجتماعي في فلسطين... مائة عام من العطاء والتضحيات للشيوعيين الفلسطينيين و (37) عاماَ على إعادة تأسيس حزب الشعب الفلسطيني

 في هذا العام، يكون قد انقضى 100 عاماَ على إنطلاق النضال الثوري للنواة الأولى للشيوعيين في فلسطين، والذكرى الـ37 لإعادة تأسيس حزبهم (حزب الشعب الفلسطيني) في العاشر من شباط 1982.  وفي هذه المناسبة المجيدة، ننشر إبتداء من - الثامن من شباط/ فبراير الجاري - سلسلة مقالات مختلفة تتناول بعض من محطات تلك المسيرة للشيوعيين الفلسطينيين وحزبهم.  

في دروب النضال الثوري  

سعيد مضية

لم تظلم شخصية قيادية في التاريخ الفلسطيني الحديث مثلما ظلم فؤاد نصار، رحل جميع مجيليه ممن عرفوا قدره، وقلة بقيت تحفظ ذكراه، بينما أغفلته الجهات الرسمية. جرى التعتيم على دوره الكفاحي متعدد الميادين، مناضلا جسورا ربط النشاط الثوري بالفكر الثوري في علاقة جدلية، مدركا منذ بدايات نضاله الدور الحاسم للجماهير في كل مهمة ثورية. افتقدت تجربتَه الحركةُ الثوريةُ في فلسطين،  وضاعف الخسارة انه لم يترك سيرة حياة ولا مذكرات.

من أبرز السمات القيادية للرفيق فؤاد نصار حرصه الشديد على دمج الوعي بالتنظيم، بحيث لا يبقى التنظيم كلمة جوفاء بل نقاش رفاقي يتناول قضايا المرحلة ومهمات الحزب وتثقيف متواصل يربط حزب التغيير الاجتماعي بالواقع المنوي تغييره. وبهذه المسئولية اعتبر اندماج الرفاق في خلايا تكبر او تصغر طبقا للظرف السياسي شرطا أساسيا للعضوية الحزبية بدونها يفرغ الحزب من مضمونه الثوري.  وبمسئولية عالية حرص فؤاد نصار على استقلالية الحزب وهيبته، والحسم دون تردد او مراوغة في لحظات الطوارئ. تعامل بذكاء مبدع وحس إنساني مع إفرازات الغزوة الصهيونية، والنضال الجماهيري النقابي.

تميزت قيادته باليقظة الدائمة لالتقاط مستجدات الواقع الكفاحي، وبالبحث الدؤوب في سبل تطوير النضال الوطني ورفده بالمهام المبتكرة، مراعيا في ذلك اختيار الكوادر والعناية بالرفاق وتقدير إمكاناتهم. ورغم ذلك جرى إغفاله على الصعيد الرسمي وقلة من الشباب المعاصر يعي ويستلهم مثاله قائدا ذا شخصية كاريزمية تجتذب وتلهم.

فؤاد نصار قائد مفطور لعله اكتسب منذ نعومة أظفاره حس المسئولية فترك المدرسة، ولما يكمل الصف الرابع الابتدائي مقدما حاجة أسرته الى معيل بعد وفاة الوالد؛ ثم قدم الواجب الوطني على واجب الأسرة حين عرف درب النضال الوطني ومضى فيه قائدا ثوريا، اخترق درب مسيرته عبر التبدلات المباغتة، جَسورا وحاسما لدى اتخاذ القرارات في اصعب تحولات النضال الى أن أقعده المرض الذي اودى بحياته.

انخرط في النشاط السياسي في سن الخامسة عشرة دخل السجن مشاركا في انتفاضة البراق عام 1929. نفي من مدينته، الناصرة، ثم سجن وأبعد الى مدينة الخليل، حيث انطلق مع ثورة منتصف الثلاثينات وعرفته جبال شمال الخليل قائدا ينفذ عمليات عسكرية ناجحة ضد قوات الاحتلال البريطاني، شجاعة غير هيابة وبنية جسمية وذكاء وقاد صنعت له شخصية آسرة.

ذكر الرفيق عبد الله البندك من الحزب الشيوعي الفلسطيني في شهادة له انه كان يوصل بنفسه المطبوعات الحزبية بانتظام وهو متحصن بجبال فلسطين أثناء الثورة.

وذكر أحد ابناء الشيخ يوسف خميّس، مختار بيت نتيف، وكان ذكيا سريع البديهة، ان فؤاد نصار كان بضيافة والده حين داهمته القوات البريطانية. دعا زوجة ابنه لتنام معه في الفراش وادعى للجنود انه ولده في بيت الزوجية وانطلت الحيلة على الجنود. بقي الثوار يتذكرونه بعد عقود مثالا لرباطة الجأش يجالس زملاءه الثوار مناقشا ومثقِفا، داعيا للرفق بالفلاحين وعدم إرهاقهم؛ فمنهم تستمد الثورة طاقتها الكفاحية، ومن حيويتهم يرفدون الثورة بمعنويات عالية.

نظرا لمهارته القيادية نال لقب "أبو خالد" كوسام. وبعد إصابة عبد القادر الحسيني بجروح في معركة جنوب الخليل ونقله للعلاج في الخارج، عين ابو خالد مكانه قائدا لمنطقة جنوب فلسطين.

هزمت الثورة ورحل أبو خالد عبر الأردن الى العراق، والتقى بالرفيق فهد (يوسف سلمان يوسف)، قائد الشيوعيين العراقيين. عاد من العراق الى فلسطين ملتزما بالماركسية نظرية ثورية مرشدة، استقر في مدينته الناصرة وانشأ مكتبة توفر المطبوعات التقدمية للقراء وملتقى للمثقفين، الى جانب نادي النهضة للمثقفين اليساريين يلتقون ليناقشوا  مختلف القضايا الفكرية.

كان يفد الى المكتبة الشاعر عبد الرحيم محمود صديق فؤاد نصار ومنحاز مثله للشرائح الكادحة. كان عبد الرحيم يشارك في النقاشات، وينشر نتاجه الشعري في صحيفة الاتحاد، الناطقة بلسان مؤتمر العمال العرب ويرأس تحريرها فؤاد نصار. ولما صدرت مجلة الغد لسان المثقفين اليساريين نشر فيها قصيدة تحية وعلى الصفحة المقابلة مقال فؤاد نصار. انضم فؤاد نصار الى عصبة التحرر الوطني وانتخب احد سكرتاريي العصبة الأربعة، كما انتخب سكرتيرا عاما لمؤتمر العمال العرب، وبقيادته صار الاتحاد العمالي أكبر منظمة عمالية للعرب في فلسطين ورديفا كفاحيا لحركة التحرر الوطني.   

انبرت العصبة  بجرأة ومسئولية وطنية عالية بالتصدي لنهج الإرهاب السياسي الفردي والقتل الفسيولوجي في العمل الوطني. وبتكليف من قيادة العصبة أعد فؤاد نصار كراسا صدر عن لجنة العمل الثقافي التابعة للعصبة. ميز فؤاد نصار بين الكفاح التحرري المسلح وبين  الإرهاب الفردي، فتجلى  في فكر عصبة التحرر الوطني الفلسطينية التقدير العالي للديمقراطية المستندة الى الحراك الشعبي، حيث يرتبط الوعي بالتنظيم في النشاط السياسي المؤهل لتغيير الواقع.

ورد في التقرير أن المستعمِر يشجع الإرهاب الفردي والقتل السياسي كي يتمكن "من تفريق صفوف الأمة أثناء خوضها معركة النضال الوطني في سبيل الحرية". ان القتل السياسي "عدا عن أنه يشل النضال الوطني ويقضي على حرية الرأي ويبعد أقساماً كبيرة من الجماهير الشعبية عن الحركة الوطنية، فهو يترك آثاراً بعيدة الغور على حاضر النضال الوطني ومستقبله". وانتقد لجوء بعض أوساط داخل قيادة الحركة الوطنية إلى هذا الأسلوب كوسيلة "لمعالجة بعض القضايا الوطنية مثل بيوع الأراضي والسمسرة عليها، وفي مسألة مقاطعة البضائع اليهودية، وغير ذلك"، معتبراً أن جميع هذه القضايا "لا يمكن معالجتها بمعزل عن قضية البلاد الرئيسية، وهي قضية الحرية والاستقلال"، وذلك لأن "هذه القضايا كلها متفرعة عن وجود الاستعمار في وطننا، وهو أصل الداء والبلاء، وهو الذي قاد البلاد إلى أزمات اقتصادية وسياسية"... لا يمكن لفرد ان "يجيز لنفسه أن يحكم على الناس بالقتل أو بإتلاف أموالهم"، لأن ذلك هو من حق محاكم الشعب فقط، وأسلوب الإرهاب "لا يردع خارجاً عن غيه"، بل "يشيع الفوضى والفساد في الصفوف المتراصة، ويفتح ثغرات يتسرب منها المستعمِر".

في نهاية التقرير جرى تأكيد العقيدة الكفاحية المميزة للماركسيين، "طريق الكفاح الشعبي المنظم ضد الاستعمار وأعوانه في سبيل الحرية هو طريق طويل ولا شك ؛ وليس هناك من طريق أقصر منه وأسلم عاقبة".

تشكلت عام 1945 لجنة عربية عليا من الأحزاب والكتل المتعاونة مع الحاج أمين الحسيني. وفي العام التالي، دشنت الجامعة العربية عمليات تخريب النضال الفلسطيني، إذ حضر الى فلسطين جميل مردم، رئيس وزراء سوريا ليضغط على الأحزاب والزعامات كي تعدل عن التعاون مع عصبة التحرر الوطني والمنظمات الجماهيرية المرتبطة بها. شكل مردم الهيئة العربية العليا. ادان فؤاد نصار تصرف الجامعة وكتب في جريدة الاتحاد يدين مجمل تصرفات الجامعة، "تنتزع زمام المبادرة من أيدي الشعوب العربية وتحد من نضالها ضد الامبريالية، وتتدخل في الأمور الصغيرة والكبيرة، متخذة قرارات 'سرية’وعلنية لا تشفي غليل الشعب العربي الفلسطيني الظامئ للحرية".

أعلنت العصبة مطلب الدولة الديمقراطية لجميع سكان البلاد دون تمييز على قاعدة الصوت الواحد للناخب الواحد. رأت قيادة العصبة ومنها فؤاد نصار أن حل الدولة الديمقراطية تمليه الواقعية السياسية، فهو الأكثر قدرة على منع التقسيم الذي لاحت مخاطره في توصيات لجنة بيل عام 1937، رفضته القيادة الصهيونية لأنها أرادت كامل فلسطين، كما رفضته القيادة القومية الفلسطينية بدعوى رفض قبول التعايش مع اليهود، الأمر الذي حذرت منه العصبة لأنه يغذي فكرة التقسيم، لصالح المشروع الصهيوني. لم يكن المجتمع الفلسطيني قادرا على منع قيام دولة لليهود، الذين باتوا يشكلون، بفضل تشجيع الهجرة في ظل الانتداب، ثلث سكان البلاد، ويديرون حكومة ذاتية لها جيشها المدرب على فنون القتال داخل المدن وفي الجبهات، ولها اقتصادها وسياستها المستقلة.

صدر قرار التقسيم، متحيزا للصهيونية، وحسب تقدير الباحث الحقوقي الأميركي بات بييه، "لو عرض على محكمة العدل الدولية لرفضته. فليس ديمقراطيا منح ثلث السكان ممن يملكون 7 بالمائة فقط من أراضيها نسبة 55 بالمائة من أراضيها يقيمون عليها دولتهم". تفجر الصراع المسلح، وبسرعة كشفت الصهيونية بقيادة بن غوريون عن إطلاق العنان لميلشياتها المتفوقة عددا وعدة وتدريبا على الجيوش العربية المتدخلة مجتمعة.

بدا قرار التقسيم غير ذي أهمية في ضوء المجهود الصهيوني المتراكم خلال الحقبة السابقة، استعدادا للصراع المسلح مع العرب سكان البلاد الأصليين. وبالفعل  شرعت منظمات الإرهاب الصهيونية تمارس إرهابا دمويا موجها ومضطردا، جاء استمرارا لعمليات مسلحة شرعت عام 1937 وسقط فيها المئات من العرب العزل من السلاح، وذلك ردا على الكتاب الأبيض المطالب بالتقسيم. لم تحظر الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وهي تقرر التقسيم، التطهير العرقي، ولم تلزم أطراف النزاع اتباع الوسائل السلمية. وبهذا أتيحت للصهاينة الفرصة لزج قدراتها المتفوقة في صراع مصيري.

والمخفي كان أفدح، فكما أفاد الباحث البريطاني توماس سواريز في كتابه "دولة الإرهاب كيف قامت إسرائيل الحديثة على الإرهاب" فقد "حذرت المخابرات البريطانية والأميركية من أنه ليس ثمة زعيم إسرائيلي واحد  من المستوطنين كافة لديه النية في احترام قرار التقسيم، فالحقيقة هي ان ثمة وثائق يعود تاريخها الى ما قبل انتهاء حكم الانتداب، تثبت أن البريطانيين والأميركيين كانوا واثقين بأن خروج بريطانيا سينتج عنه إنشاء دولة يهودية ليس وفق قرار التقسيم، بل وفق مساحة الأراضي التي ستتمكن الميليشيات الصهيونية من السيطرة عليها بالقوة. بل إنهم كانوا واثقين بأن البقية المتبقية لن تكون هي الدولة الفلسطينية التي نص عليها القرار181، بل ستنضم الى الأردن (ومصر) بانتظار المغامرة التوسعية المقبلة، وفق افتراضهم أيضا. وبالفعل ردد بن غوريون ان ما تم إنجازه مرحلة ستعقبها مراحل.

لم يكن التقسيم بالنسبة للصهاينة سوى "خطوة غير مرغوب فيها ولكنها ضرورية". أورد سواريز هذه الحقائق في مقدمة مؤلفه (ص 21)، وأورد أيضا أن مقترحات فايتسمان "كانت موضوع اجتماع عقد في آذار(مارس) 1919 بحث فيه روتشيلد مع مسئولين بريطانيين مسألة التطهير العرقي للفلسطينيين غير اليهود بوصفه موضوعا لا ينفصل عن خططهم، مع 'خطة للهجرة الجماعية’ (بتعبير روتشيلد) لنقلهم الى مصر وسوريا. لكن قيل ان الكتمان ضروري. تبين الوثيقة ان العقيد البريطاني لورنس، الذي عرف لدى العرب "الصديق" اطلع على مجريات الاجتماع" ووافق عليها (ص 57). لعل هذه المعطيات تسكت اولئك الذين ينبرون في مناسبة او تأبط شرا يلقون المسئولية على عصبة التحرر الوطني الفلسطينية لموافقتها على قرار التقسيم ويتهمونها بالتحول عن موثقها السابق انسياقا مع موقف السوفييت.

 أدرك فؤاد نصار أن الطرف الصهيوني جمح بالوضع متجاوزا خيار التقسيم او الدولة الموحدة؛ تجلى الأمر للبصيرة الحادبة تطهيرا عرقيا شاملا يتوجب توجيه الجهود لمنعه او الحد من أضراره. جدلية التفكير أوصلت العقل الجدلي والثوري المتمرس إلى قناعة طرحها على الكونفرنس الاستثنائي للعصبة في الناصرة بأن خطر سقوط معظم فلسطين تحت شوكة الميليشيات الصهيونية وتشريد سكانها غدا وشيكا وقضية الساعة. وبشهادة الرفيق إميل توما أكد فؤاد نصار للمجتمعين أن الدول العربية لن تدعم الفلسطينيين. وليس غير التمسك بقرار التقسيم، رغم علاته العديدة، مصدا متاحا في ذلك الوقت الحرج والمحفوف بمخاطر التشريد. الإرهاب الصهيوني هو الذي املى في نهاية المطاف مسار الأحداث في أثناء الانتداب وبعد زواله  ولا يزال الإرهاب ذاته يفرض الوقائع حتى الوقت الراهن. كتبت آن أوهير مكورْمك، المراسلة الشهيرة لصحيفة نيويورك تايمز في يناير 1949 ان حل الدولتين مات بسبب العدوان الإسرائيلي.

بقي فؤاد نصار مصرا على إنقاذ مشروع الدولة الفلسطينية على ما تبقى من فلسطين. يبدو أن إصراره حال بينه والعودة الى الناصرة بعد سقوطها بأيدي الميليشيات الصهيونية؛ فتوجه سرا إلى غزه وبصحبته فهمي السلفيتي. كان فائق وراد وعبد العزيز العطي يدرّسان في مدرسة اهلية بغزة، وكان الأمل بأن تعلن الدولة الفلسطينية في غزة، نظرا لتشكل قيادة قومية ضمت مختلف القوى السياسية والأطر النقابية. تشكلت مجموعة ميليشياوية كان للعصبة أغلبية في قوامها؛ وعهد بقيادتها إلى فايز الوحيدي (وهو عضو سري بالعصبة). غير ان الرياح الغلابة عصفت في اتجاه مضاد، وفشلت القوى الفلسطينية، ومنها القيادة القومية في كبح جماحها. قوضت القوات المصرية الآمال حال دخولها. حملت قائمة من المطلوبين المراد اعتقالهم، ضمت فؤاد نصار وفهمي السلفيتي وعبد العزيز العطي وفائق وراد. رحل الرفاق الى الضفة قبل أن تقطع الدروب، وانتقل فؤاد نصار إلى الضفة متخفيا بزي شيخ قبيلة، وتهيب الجنود المصريون على الحاجز من اعتراضه وتركوه يمضي.

نفرٌ قليل بقي كالجذوة الملتهبة بين الرماد مشهرا رفضه الاستسلام للمؤامرة التي نجحت على نطاق واسع. مارس هذا الرعيل وطنيته وفق المنهجية الماركسية فأولى الأهمية للحراك الشعبي وركز الجهود على بعث الجماهير من حالة الذهول اليائس. تجلت ثقة فؤاد نصار ورفاقه بالطاقة الثورية الكامنة في الجماهير المرتبكة الحائرة شبه الخانعة للمصير المجهول حيال الزلزال المدمر. رفض التستر خلف أسم مستعار.

وباسم عصبة التحرر ندد بالجيوش العربية وأنظمتها المتواطئة مع الامبريالية؛ أصدر فؤاد نصار اول بيان سري وجهه إلى الجيوش العربية في فلسطين في 11 تموز 1948. بات فؤاد نصار مطلوبا للجيوش التي قدمت لإنقاذ فلسطين. اعتقلته القوات المصرية، وكان عبد المحسن أبو النور حاكما عسكريا في بيت لحم، وهو الذي أشرف على التحقيق معه؛ ولما أعيد إلى الغرفة في منتصف الليل غافل الحارس تاركا سترته في الغرفة وخرج وانتقل إلى القدس.

في ظروف المطاردة، ورغم شح الموارد وشظف العيش بادر فؤاد نصار في كانون ثاني  1949 إلى إصدار جريدة "المقاومة الشعبية"، وكلف عبد العزيز العطي بتوصيل أعداد منها إلى غزة. كانت إمكانات الطباعة بدائية للغاية؛ لكن ما من عقبة تحد من العزيمة الثورية المستلهمة توعية الجماهير بالحقيقة. والحقيقة قيمة ثورية بوجه الإعلام الزائف والمؤامرة المموهة بالنوايا الزائفة.

حمل العدد الاول على رأس الصفحة الأولى عبارة "لسان حال عصبة التحرر الوطني الفلسطيني"، وحوى ثلاثة مواضيع: "ما هي الطريق لتحرير الشعب العربي الفلسطيني" و"الشعب الصيني في طريق النصر على الاستعمار وأجرائه" ثم "أساليب الحكم العبدلي في فلسطين". تتجلى في الموضوع الأول النظرة الثاقبة تخترق الحجب الكثيفة يلهمها إدراك سليم لاصطفاف القوى المحلية والإقليمية والدولية. حلل الموضوع الأول قرار تشكيل لجنة التوفيق بمشاركة أميركا وبريطانيا ودول تابعة.

جاء في المقال: "وما خرجت به منظمة الأمم المتحدة من قرار حول تشكيل لجنة التوفيق ليس القصد منها التوفيق بين العرب واليهود، كما يظن البعض، بل التوفيق بين مصالح الاستعمارين الأميركي والبريطاني. اما الدول العربية فقد اثبت مندوبوها في المنظمة مرة أخرى سيرهم في ذيل الاستعمار الأنكلو أميركي. واختتم المقال بالدعوة إلى أن "حرية الشعب الفلسطيني تتحقق فقط عن طريق النضال الشعبي الواعي المنظم في جبهة شعبية تضم جميع العناصر الشعبية الكادحة وجميع العناصر الوطنية الشريفة... إن عصبة التحرر الوطني التي صدقت سياستها ولم تنجر وراء مؤامرات الاستعمار وأذنابه تدعو جماهير الشعب العربي الفلسطيني الكادحة وجميع العناصر الوطنية الشريفة إلى تكوين جبهة شعبية...".

وفي المقال الثاني تجلت الرؤية الأممية تقرن مصير القضية الوطنية بمجمل النشاط الثوري العالمي. اما في المقال الثالث فقد فضح نوايا تعميق الكراهية بين الفلسطيني والأردني ، حيث طلائع الحكم الأردني كانت الدرك يرهقون المواطنين بتحويلاتهم مع مطاياهم بتكاليف التموين والإقامة ويهينونهم فوق ذلك.

استفاد فؤاد نصار من تجربة النشاط الثوري في جبال فلسطين، وتنقل بين القرى والبلدات . كبرت النواة وتجمعت حولها عناصر استفاقت على هول الفاجعة واطلعت على الصدق السياسي والبصيرة النافذة لمن حذر من المقامرة بالمصير الوطني.

وقعت اتفاقية رودس بين الأردن وإسرائيل في 3 نيسان 1949؛ وعقد مؤتمر أريحا لضم الضفة إلى المملكة الأردنية في السابع من نيسان. وفي 7نيسان 1950 أجريت اول انتخابات في الضفتين لبرلمان يكرس عملية الضم. عارضت عصبة التحرر الوطني مؤتمر أريحا لضم الضفة إلى الأردن؛ وفي أواخر آذار 1950 جرت مظاهرة في نابلس فرقتها الشرطة بقوة واعتقل 25 من المشاركين فيها، أجبروا على السير مع الدرك راكبي الخيول، حيث فارق الحياة المناضل روحي زيد الكيلاني من الإعياء، وجلبت لهم في وقت لاحق سيارة نقلتهم إلى عمان.

غير أن سرعة الاندماج بين الضفتين وتطور علاقات اقتصادية وسياسية متبادلة وعلا قات مصاهرة جعل من الواقعي تحويل العصبة إلى حزب شيوعي أردني ؛ استمر ت العصبة تطالب بتنفيذ قرار التقسيم وإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة إلى أن اجبرتها الظروف والتطورات على الاقتناع باستحالة ذلك. في أيار 1951 اخذت عصبة التحرر بالاعتبار وجود عدد هائل من الفلسطينيين لاجئين في الأردن، واتخذت قرارا بالتحول إلى حزب شيوعي أردني وقبول العناصر الماركسية في الضفة الشرقية أعضاء في الحزب. وتقرر نقل مطبعة الحزب والكوادر القيادية وفؤاد نصار إلى عمان ومارس نشاطه بصورة سرية.

حمل برنامج الحزب بنود تحرير الأردن من المعاهدات المجحفة مع الامبريالية البريطانية وتعريب قيادة الجيش الوطني، وإقامة دولة فلسطين المستقلة، وإقرار الحريات العامة وحق النشاط الوطني والنقابي ودعم حقوق المرأة. لكن الحزب تعرض لإرهاب شرس من سلطات الدولة الأردنية التي أقرت قانون مكافحة الشيوعية يقضي بالحبس خمسة عشر عاما لكل من ثبتت عليه تهمة الشيوعية ولو برفض استنكار الشيوعية او الدعوة للسلم ومناهضة الأحلاف العسكرية. وأفرطت السلطات في الاتكاء على قوانين الطوارئ لاعتقال الشيوعيين بدون محاكمة حسب المشيئة.

كما حرص فؤاد نصار على رفع الثقافة السياسية والنظرية لأعضاء الحزب بصورة منتظمة ودائبة. طليعية الحزب تتجلى في ثقافة الرفاق يفسرون الوقائع ويرشدون التوجهات ويحذرون من المطبات. استرشد الحزب بالخطة اللينينية بصدد انتظام أعضاء الحزب في خلايا لضمان الوحدة الكفاحية للحزب تنظيميا وفكريا وسياسيا إلى جانب استقلالية الحزب من خلال تحميل الأعضاء مهمات تدبير مالية الحزب.

برز الحزب خلال فترة قصيرة قوة سياسية واجتماعية امتدت فروعه في مدن الأردن وقراه ومخيماته. تميز الحزب عن بقية القوى الوطنية في الثبات على تحدي السلطة المستبدة بموقف ثوري صلب ومسئولية وطنية. واشتهر الشيوعيون في الأردن بصلابتهم في الثبات تحت ظروف السجن القاسية وتعسف قوى الأمن.أصدر الحزب كراسا يرشد مواقف الرفاق أثناء الاعتقال والتحقيق والمحاكمة. لم يتسامح حيال أي تخاذل في المواقف.

وفي نهاية كانون أول 1951 القي القبض على فؤاد نصار مع عدد من الرفاق في بيت يحوي مطبعة الحزب. تجلى الموقف الثوري الحازم لفؤاد نصار أثناء التحقيق والمحاكمة. ذكرت صحيفة يصدرها مسلم بسيسو في ذلك الحين، ان فؤاد نصار أقر بأنه قائد الحزب ويتحمل كامل المسئولية عما صدر عنه. حوكم في محكمة سرية وصدر حكم استؤنف في الحال، حيث خفض الحكم بسجنه ست سنوات أمضاها مكبلا بقيد من الحديد في معتقل الجفر؛ وهناك اعتنى بالمطالعة والتثقيف الذاتي، كما أشرف على تنظيم الرفاق وتثقيفهم، فحول المعتقل إلى مدرسة. أتقن اللغة الإنجليزية ودرس التاريخ العربي والعالمي ودرس الفلسفة والاقتصاد السياسي. دأب على تسجيل رسالة دورية يعممها على السجناء ضمنها التحليلات السياسية على ضوء ما يصله من حزم إخبارية.

أثناء السجن ميز فؤاد نصار بين فضيلة التواضع وبين الكرامة الشخصية والحزبية بصفته قائدا للحزب الشيوعي؛ فلم يقم لدى حضور الزوار الرسميين لمشاهدة الزعيم الشيوعي. يُعرف الكثير عن المواقف الرجولية لفؤاد نصار في السجن وأثناء قيادة الحزب .

حاولت السلطات الأردنية إخراج فؤاد نصار من الأردن حين ازف موعد انتهاء محكوميته، وفشلت المحاولة. طرأت على الأردن فترة انفراج بعد مظاهرات حلف بغداد في خريف  1955. ثم جرت تطورات حل البرلمان المزيف وإجراء انتخابات حرة، باستثناء منطقة عمان، فاز فيها الشيوعيان فائق وراد عن رام الله ويعقوب زيادين عن القدس، وجاء ترتيب الحزب الشيوعي الثاني في نيل أصوات الناخبين.

تشكلت على إثر الانتخابات حكومة سليمان النابلسي الوطنية، وانفتحت أمام الأردن آفاق التطور الوطني الديمقراطي. الغيت معاهدة التبعية لبريطانيا وعقدت معاهدة تعاون بين الأردن ومصر وسوريا والسعودية. ثم قطع الطريق على التطور الديمقراطي بانقلاب ابريل 1957 لصالح مبدأ ايزنهاور والتبعية للاستعمار الجديد. جرت اعتقالات بالجملة وجرد النائبان الشيوعيان، ضمن خمسة عشر نائبا من عضويتهم فتحول الأردن الى الحكم الشمولي، واضطر فؤاد نصار للخروج من الأردن.

التقى فؤاد نصار مع عبد المحسن ابو النور في دمشق، حين كان مفوضا لدولة الوحدة. رفض عرضا بتمويل نشاط الحزب وبصراحة اتهم "تودون عملاء وليس حلفاء!" رحل من سوريا الى العراق ثم استقر في الخارج. ظل يزود الحزب بمقالات وتوجيهات.

وفور عودته من الخارج عام 1967 قدم تقريرا حلل فيه أسباب نجاح انقلاب حزيران 1957، وجاء فيه: "لم يكن ممكنا تمرير المؤامرة لولا موقف الحكومة الوطنية المتردد والمتذبذب، وعدم وقوفها بحزم ضد القصر والرجعية. لقد رفضت الحكومة أن تستجيب لنداء الحزب بالصمود وبأن ترفض الإقالة، وأن تلجأ إلى الشعب. إن طبيعة حكومة النابلسي الطبقية وتركيبتها التي غلب عليها الطابع اليميني، كانا لا يسمحان للحكومة اتخاذ مواقف حازمة والتوجه إلى الشعب".

الاستناد إلى الشعب ورعاية مصلح الجماهير هما البوصلة المرشدة للتحرر الوطني والوحدة العربية: إن الشعب الأردني كغيره من الشعوب العربية يطمح إلى تحقيق الوحدة العربية وبلدانها المتحررة، ونضالها المشترك تجعل من قضية الوحدة العربية قضية حيوية وعزيزة على الشعب الأردني، وهدفا كبيرا يسعى إليه، وحدة تستند الى تحديث جوانب الحياة الاجتماعية، خاصة الثقافة والتعليم، معادية للامبريالية والاستعمار الجديد والصهيونية والرجعية العربية.

والحزب الشيوعي الأردني ليس ضد وحدة القوى الثورية التي تتبنى قضية الاشتراكية العلمية (الماركسية – اللينينية) في حزب طليعي موحد، أي القوى الثورية المناضلة بحزم من اجل السير بالأردن في طريق الديمقراطية والتقدم الاجتماعي والانتقال إلى الاشتراكية. إن عملية توحيد القوى الاشتراكية في حزب واحد وتنظيم سياسي واحد هي عملية طويلة ومعقدة تمر خلال نضال سياسي وأيديولوجي، ومن خلال النضال لإنجاز المهمات الديمقراطية العامة والانتقال إلى المرحلة الاشتراكية. إنها تمر من خلال النضال الحازم ضد الامبريالية والاستعمار الجديد.

التزم فؤاد نصار بالديمقراطية المركزية، فأعطى الحرية للمنظمات القائدة لأنشطة الحزب. لم يتدخل في مهام هيئة تحرير الجريدة المركزية والمجلة السياسية - النظرية. احيانا كان يمر على الهيئة اثناء اجتماعها ليقدم  مقالة أو بحثا ويقول شوفوه إن كان يصلح للنشر ثم يغادر. كان يحث على إمعان النظر في الظواهر الطارئة بمنأى عن العفوية؛ ولدى ظهور الطفرة النفطية بعد حرب رمضان 1973، طلب من هيئة التحرير التفكير في ظاهرة الفوائض المالية ومآلها السياسي.

شعر فؤاد نصار باعتلال صحته ووهن في قواه، وسافر لإجراء فحوصات في ألمانيا الديمقراطية، وهناك اكتشفت إصابته بسرطان الكبد. ذكر الرفيق نعيم الأشهب أنه دعا وهو في المستشفى بألمانيا لعقد اول لقاء بين الحزبين الشيوعيين الأردني والإسرائيلي. وصدر عن اللقاء أول بيان مشترك تضمن الرؤية المشتركة لعدوان 1967 والحقوق الفلسطينية المشروعة.

ذكريات شخصية مع الرفيق اود ان أسجلها في هذه المناسبة. فقد التقينا في جمهورية ألمانيا الديمقراطية قبيل أحداث أيلول الأسود عام 1970. كنت مع الرفيق الراحل عبد الكريم القاضي في رحلة استجمام بعد الخروج من السجن الإسرائيلي والإبعاد إلى الضفة الشرقية.

جاء فؤاد نصار لإجراء فحوص طبية. أبلغني ذات مساء أيلولي أن الحرب ضد المقاومة قد اندلعت، وانه وجد مقعدا له على الطائرة ذلك المساء؛ وحجز لنا عبد الكريم وانا، على رحلة اليوم التالي إلى مطار دمشق. في مساء اليوم التالي، حضر لوداعنا عدد من الطلبة الأردنيين، والرفيقة ليلى زوجة فؤاد نصار؛ طلب أحد المضيفين أن يتحدث معي على انفراد. طلب أن أبلغ الحزب أن فؤاد نصار مصاب بالتهاب في الكبد ولا يصلح للعمل السري. بدوري نصحت إطلاع ليلى على صحة زوجها. وصلنا دمشق وانتقلنا إلى إربد مع الرفيقين يعقوب زيادين ومحمد أبو شمعة.

طلب فؤاد نصار مني التوجه إلى عمان حاملا رسالة يحذر الرفاق من الإدلاء بتصريحات عن منظمة الحزب المسلحة، الأنصار؛ فقد طالع مقابلة في صحيفة بالإنجليزية  مع الرفيق قائد الأنصار وعلق الصحفي في نهاية المقابلة أن وجود تنظيم شيوعي مسلح في الشرق الأوسط مدعاة للقلق والتفكير العميق.

وصلْتُ عمان وسلمت الرفيق بشير البرغوثي رسالة فؤاد نصار وأبلغته الرسالة الشفوية من الرفاق الألمان. طلب مني حمل رسالة إلى الرفيق فؤاد نصار علمت لدى قراءته لها انها تطلب منه البقاء خارج الأردن، استجابة لنصيحة الرفاق الألمان. لم أشهد انفعالا يوازي حدة غضبته؛ وعبثا يجادله الرفيقان يعقوب ومحمد أبو شمعة. هدأ قليلا وتلفت نحوي وسألني ما الذي أبلغتهم به؟ اجبت يا رفيق الموضوع يتعلق بصحتك، والرفيقة ليلي تدري بذلك. صمت ثم قال صحتي كويسة، وأردف ولو اموت لكن مش خارج ساحة النضال! أصر على أن ننتقل صباح اليوم التالي إلى عمان. حذرت من أن الطريق مليئة بنقاط التفتيش، تدقق في  هويات المسافرين؛ لكنه أصر. وفي بلدة صويلح اعترضتنا مفرزة جيش ودققت الهويات وسمحت لنا بالمرور. توجهنا إلى بيت يعقوب زيادين وكان شقة مستأجرة على جبل اللويبدة؛ وانتقلت إلى مركز الحزب على جبل عمان أبلغ بوصول الرفاق ثم توجهت إلى بيت شقيقي على جبل التاج.

كلفني الرفيق بمهمة البحث عن بيت يصلح لإيواء مطبعة اقيم فيه مع زوجتي إن امكن تأمين الأطفال في البلدة. استشرت أم نضال حال وصولها من الضفة ووافقت. استمر الوضع طيلة عام، ثم حولت الى التنظيم في منطقة عمان. وعلى إثر اعتقال الرفيق سليمان النجاب وتسرب أخبار التعذيب البشع الذي صمد له سلمت الرفيق فؤاد نصًا يشيد بالموقف مع تقاليد صمود الشيوعيين تحت محن التعذيب والقتل في زنازين التحقيق. فوجئت بعد برهة  بصدور النص في كراسة حزبية، ثم قدم لي في زيارة أخرى الكراسة مطبوعة في بيروت بغلاف أنيق يحمل صورة مظاهرة جماهيرية حاشدة. بعد ذلك ألحقت بطلب منه هيئة تحرير جريدة الحزب المركزية ومجلة الحقيقة.

بعد ذلك استدعاني الى حيث يقيم وكلفني رئاسة تحرير نشرة دورية باسم "العامل". كنت حتى ذلك الحين ادير بقالة وبسطة خضار وفواكه في جبل اللويبدة حيث أقيم. ولما علم بذلك استشاط غضبا بوجه رفاق المكتب السياسي. تحدث الرفيق سالم حجازين في اجتماع حزبي كيف لوّم بحدة الرفاق واتهمهم بالرغبة في دفعه للاستنكار ثم تهاجمونه! تقرر لي راتب تفرغ، وعندما عرض علي اعتذرت عن قبوله لأنني تسلمت وظيفة مترجم بصحيفة يومية واكتب مقالا يوميا.

اثنى الرفيق على نشر مقالاتي في الصحافة العلنية، لكنه انتقد الاستشهاد بكتابات محللين سوفييت وقال ليست جميع تحليلاتهم صحيحة. تفاصيل دقيقة لكنه يعول عليها الأهمية الموضوعية.

جاء دوري للسهر ليلة بجانبه في بيت الدكتور يعقوب زيادين. كانت زوجته تسهر باستمرار. مرارا لومني لتكبد مشقة القدوم والسهر، ومرارا كرر طلب تغيير ملابسه الداخلية، والمسكينة زوجته تقول انها غيرت له لكنه فقد ذاكرته للأحداث القريبة. اما الأحداث البعيدة نسبيا فما زال يتذكرها. ردد بأسى مذابح أبناء المخيمات الفلسطينية في ذروة الصراع مع الكتائب في لبنان. نام عند الفجر. وبعد ليلتين أسلم الروح وقت الفجر؛ في ذلك اليوم نفذت الزهور من أسواق عمان. وسار في موكب جنازته رتل طويل من سيارات المشيعين.ترددنا على قبره الأخضر خلال سنوات. وفي العام 2006 دعتني قيادة الحزب الشيوعي الأردني للمشاركة في ندوة بمناسبة الذكرى الثلاثين لرحيله؛ وقدمت ورقة بالمناسبة.

يتردد دوما في ذهني السؤال:  كيف يتصرف فؤاد نصار لو بقي حيا حتى الوقت الراهن؟

يصعب الدخول في عقل الرفيق ولكن يمكن اختصار الجواب في  نقطة جوهرية هى الاحتكام إلى مزاج الشعب. فحين يتكلس الحكم وينحصر في رغبات فرد أوحد تنفصم العلاقة بالجماهير ويحدث انفصال عن الواقع ويصعب التجاوب مع نبض الجماهير واستشراف ضرورات التغيير.

لو عرض على فؤاد نصار معونة مالية من خصم سياسي لرفضها واجاب بما اجاب به عبد المحسن أبو النور تريدون عملاء لا حلفاء. الاعتماد على الذات في تدبير نفقات الحزب ضرورة للحفاظ على استقلاليته السياسية والفكرية. فؤاد نصار يصون كحدقة العين هيبة الحزب ونفوذه الجماهيري، يحافظ على التنظيم الحزبي الصارم ويعتبر التسيب التنظيمي تصفية للحزب وإفقاده عتلة التغيير واستقلالية قراره.

ويدرك فؤاد نصار عبثية التفاوض مع الصهاينة، نظرا لخبرته الطويلة بإصرارهم على الاستئثار بكامل فلسطين. أطماع الصهاينة لا يصدها غير تصعيد المقاومة حسب ظروف النضال.

لو مدت الحياة بفؤاد نصار لأدرك قبل غيره إن أهم اشكال الهيمنة لم تعد اقتصادية أو سياسية بل ثقافية وتربوية. وحيث أعطى فؤاد نصار أهمية استثنائية للثقافة والمعرفة في تصعيد النضال فإنه بلا شك سيرى أن على اليسار إدخال الثقافة والتربية في مركز النشاط السياسي من اجل التعبير عن حاجات الشعب ونضالاته.

رحل فؤاد نصار عام 1976، ولم تبرز بعد معالم الليبرالية الجديدة وثقافتها المناهضة لإنسانية البشر؛ ثقافة الليبرالية تشيع الكراهية والعنف والتصحر الوجداني، حتى ان مثقفين في الغرب أطلقوا عليها ثقافة الكازينو، الخاسر منبوذ لا يستحق التعاطف او التضامن. حقا رفضت الليبرالية الجديدة أفكار التكافل الاجتماعي ومسئولية الدولة تجاه البطالة والعجز. كما تقلصت نفقات التعليم في ظل الليبرالية الجديدة وجردت الدراسات الأكاديمية من مواد الفلسفة والخدمة الاجتماعية والعلوم الإنسانية. باتت ازمة نظم الليبرالية الجديدة في جميع المواقف ثقافية من حيث الجوهر.

فكر فؤاد نصار المتوقد واليقظ يرفض التذيل للبرجوازية ويظل دائم البحث عن بدائل لمسلكيات البرجوازية. وحين تحجم البرجوازية عن القيام بالمهمات التي تطرحها الضرورات التاريخية يتوجب حينئذ على حزب أو أحزاب التغيير الاجتماعي ان تأخذ على عاتقها المبادرة للاضطلاع بتنفيذ التغيير الضروري.