2019-02-26

في حوار مع "منصة الاستقلال الثقافية"

محمود شقير: تتداخل سيرتي الشخصية مع سيرة القدس.. وبدونها حياتي ناقصة

حاورته بديعة زيدان:

يستكمل محمود شقير التجارب الكبيرة في السرد الفلسطيني، ويجد مكانه بقوة الى جانب غسان كنفاني وجبرا ابراهيم جبرا واميل حبيبي، وعبر اضاءة هادئة، لا تخلو من السخرية الذكية، يتجول متأبطا ذراع قارئه في الحارة المقدسية حيث يمكن أن تلتقي بأشخاص لا يتمتعون ببلاغة السياسي او المحلل او ضيف الفضائية، مشهد القدس في أعمال شقير لا يذهب الى البلاغة او الزخرفة الكلامية والاتكاء على لغة أفقية متوفرة في الغالب لدى المتلقي، يذهب ببساطة الى حياة الناس ومشاغلهم ومخيلة فردية، حيث الأخطاء البسيطة والعواطف بعفويتها وادوات الحياة العادية، حيث يغضب الناس ويضعفون ويحلمون بالقوة. هناك بالضبط تكمن قوة محمود شقير واضافته في نفس الوقت.

يصعب فصل التجربة الشخصية عن المسيرة الابداعية للكاتب الفلسطيني محمود شقير، وسيبدو الحديث عن مشروعه الابداعي المتعدد بمعزل عن نشاطه السياسي والنقابي ناقصا وغير مكتمل، منذ سنوات جماعة "الأفق الجديد" في ستينيات القدس من القرن الماضي الى "مديح لنساء العائلة" في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين مرورا بإبعاده عن مدينته، القدس، التي شكلت المكان المركزي في معظم أعماله.

المدينة الأولى

* عند إجراء حوار مع كاتب كمحمود شقير أول ما يتبادر إلى الذهن الحديث عن القدس، خاصة أن كثيرين يرون فيك رمزاً من رموزها .. ماذا تعني لك القدس؟ وماذا تعتقد أنك تعني لها ولأهلها؟

القدس هي المدينة الأولى التي تفتّحت عليها عيناي، وما زالت تلك الدهشة التي أصابتني حين دخلتها أوّل مرّة برفقة أبي وأنا طفل؛ تسكنني وتجعلني تواقًا إلى امتلاك المدينة عبر الكتابة. ولهذا السبب؛ برزت القدس في عدد غير قليل من كتبي التي كتبتها للكبار وللأطفال وللفتيات والفتيان.

وكنت كلما أنجزت كتابًا عنها شعرت بأنني ما زلت مقصرًا تجاهها. فهي أكبر من أن يحيط بها كتاب أو العديد من الكتب. مع ذلك؛ أشعر باستمرار أن القدس جزء من حياتي ومن تجربتي في الحياة، وأشعر في الوقت نفسه بأنني جزء منها ومن وجودها العريق الضارب في عمق التاريخ.

من دونها ستكون حياتي ناقصة، ومن دون وجودي فيها أنا ومئات الألوف من أبنائها المقدسيين، مسلمين ومسيحيين، ستكون المدينة ناقصة ولا تحيا حياتها الطبيعية التي كانت لها منذ بناها اليبوسيون الكنعانيون، أجدادنا نحن الفلسطينيين، قبل آلاف السنين.

القدس والإبداع

 *حضرت القدس ولا تزال في إبداعاتك الأدبية قصة وقصة قصيرة جداً وروايات وغيرها .. هل هذا انعكاس المكان فحسب؟

هو في جزء منه انعكاس لعلاقتي بالمكان وبإقامتي فيه منذ الطفولة حتى الآن، وهو في تجليات أخرى تعبير عمّ تشتمل عليه المدينة من قيم دينية ومعمارية وثقافية؛ وعمّ لها من عراقة وقداسة وتاريخ.

هو كذلك استجابة لواجب الدفاع عنها ضد من يحاولون اختلاق تاريخ مزوّر لها لتبرير ضمهم لها وتهويدها، رغم الحقائق الدامغة التي تقول إنها مدينة يبوسية كنعانية عربية فلسطينية، ولأهلها؛ من مسلمين ومسيحيين جذور راسخة فيها وعادات وتقاليد وتراث متجذر على مرّ العصور؛ منها، ومن تراثها استوحيت وأستوحي قصصي ورواياتي، وعبر الكتابة عنها تتداخل سيرتي الشخصية مع سيرتها الممتدة التي تنطوي على هزائم وانكسارات حينًا؛ وعلى أمجاد وصحوات حينًا آخر.

نحو الرواية

* اتجهت إلى الرواية في وقت متأخر نسبياً .. هل ضاقت عليك القصة القصيرة أم ماذا؟

لم تضق عليّ القصة القصيرة بالمعنى الحرفي للكلمة؛ إنما كان لها تجليات مختلفة في تجربتي، ففي الوقت الذي كانت تتأبى القصة القصيرة عليّ، كنت أكتب القصة القصيرة جدًّا، ثم إنني لم أتجه إلى الرواية إلا لأن هاجسها لم يفارقني منذ ابتدأت الكتابة.

وأعترف؛ أنني حين كنت منفيًّا خارج الوطن على أيدي المحتلين الإسرائيليين، فإنني لم أعد قادرًا على كتابة القصة القصيرة التي اعتدت كتابتها أثناء إقامتي في الوطن، تلك التي ظهرت في كتابي الأول: خبز الآخرين؛ ربّا بسبب ابتعادي عن المكان الأول الذي شهد ولادة قصصي الأولى؛ فاستعضت عن ذلك بكتابة القصة القصيرة جدًا، التي لا تحتاج إلى مكان مكتمل، إذ تكفي طاولة في مقهى، ويكفي مقعد في قطار ليكون مكانًا في قصة قصيرة جدًّا.

الجدير ذكره؛ أنني كتبت أثناء إقامتي في المنفى؛ ستة مسلسلات طويلة للتلفاز، مكونة في أساسها من مشاهد قصيرة متلاحقة، لا تعتمد السرد كما هو معروف في هذا اللون من الإبداع، وإنما الحوار.

ومن أجل الاقتراب من عالم الرواية؛ قمت بتطويع القصة القصيرة جدًّا في عدد من كتبي القصصية الأخيرة، بحيث تتموضع هذه القصص ضمن سياقات روائية تريح المتلقي ولا ترهقه، وتحقق له متعة القراءة. حدث هذا في كتابي "احتمالات طفيفة" الذي اعتبره الناقد حسن خضر رواية، وكذلك في كتابي "القدس وحدها هنا" الذي اعتبره الناقد والروائي إلياس خوري رواية.

وقد تجلى هذا السياق الروائي في كتابين قصصين آخرين لي هما: مدينة الخسارة والرغبة، وسقوف الرغبة.

وحين أصدرت في العام 1998 كتابي "ظل آخر للمدينة "، المكرّس لمدينة القدس، فقد حرّضني محمود

درويش على ضرورة كتابة الرواية؛ بعد قراءته للكتاب وإدراكه إلى أي حد استفدت من تقنيات السرد الروائي.

ورغم ما كنت أشعر به من تهيّب كلّما فكرت بكتابة رواية، إلا أن هاجس الرواية ظلّ ملازمًا لي منذ السنوات الأولى لممارستي كتابة القصة. فقد أنجزت رواية في العام 1975 اسمها: "قلنا ذلك لكلّ الطارئين"؛ وكنت سلّمت نسخة منها للشاعر محمود درويش حين كان رئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية التي كانت تصدر عن مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت. وكان محمود على وشك أن ينشرها في المجلة، لولا أنني أرسلت إليه رسالة من عمَّن أطلب منه فيها عدم نشرها؛ بعد أن انتبهت إلى طغيان المباشرة السياسية عليها.

وكنت ابتدأت كتابة روايتي "فرس العائلة" منذ العام 1980 ونشرت فصولاً منها في مجلة "أفكار" الأردنية آنذاك، ثم تركتها مخبأة في درج مكتبي سنوات طويلة إلى أن عدت إليها في العام 2011، وواظبت طوال سنتين على الاشتغال عليها إلى أن صدرت في العام 2013 .

ولا تنسي أنّني أنجزت كتابة سبع روايات للفتيات والفتيان خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.

أجناس إبداعية

* تتنقل بين أجناس إبداعية ما بين قصة ورواية وكتابة للأطفال واليافعين ومسرح ودراما تلفزيونية وسيرة المكان، وغيرها .. أين يجد شقير نفسه أكثر، ولماذا؟

أجد شيئًا من نفسي في كل ما أكتب من قصص وروايات للكبار والصغار ومن سير وأدب رحلات. ولست أعتدّ بما كتبته من نصوص مسرحية ومن بعض مسلسلات للتلفاز. وكنت جربت كتابة سيناريو فيلم عن القدس، ولم أنجح. كتبت نصًّا أقرب ما يكون إلى الدراما التلفزيونية، ولم أكرّر التجربة.

أجد نفسي في كتابة القصة الساخرة، التي انتجت ضمن سياقها مجموعتين هما: صورة شاكيرا، وابنة خالتي كوندوليزا. نحن بحاجة إلى الكتابة الساخرة بسبب الظروف التي نعيشها تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، ومنذ أن انتهيت من إصدار هاتين المجموعتين وأنا أفكر بإنجاز مجموعة قصصية ثالثة؛ دوّنت من أجلها ملاحظات كثيرة ومقترحات حول كيفية كتابتها، لكنني حتى الآن لم أعثر على اللحظة المناسبة التي تستدعي السخرية وتظهرها من دون تكلف أو افتعال، وهنا لا بد من الإشارة إلى صعوبة هذا اللون من الكتابة القصصية الساخرة، بالنظر إلى ما تتطلبه من مزاج خاص ودربة ودراية ومراس.

وأجد نفسي في كتابة القصة القصيرة جدًّا، فقد أنجزت حتى الآن إصدار سبعة كتب، كان آخرها كتابي "سقوف الرغبة".

حين تستبدّ بي الرغبة في الإيجاز، وفي مراعاة إيقاع عصرنا السريع، وفي التعبير عن قضايا كبرى باقتصاد لغوي لافت للانتباه؛ فإنني أجد متعتي في كتابة القصة القصيرة جدًّا.

ولكي أستثمر إمكانات هذا اللون من الإبداع إلى الحد الأقصى، فقد اعتمدت أسلوب القطع والوصل في كتابة القصص، بمعنى أن تكون كل قصة قصيرة جدًّا مستقلة بذاتها عن غيرها، بحيث تبدو مكتملة الشروط الفنية، وبالإمكان قراءتها بمعزل عن غيرها، وتكون مرتبطة على نحو ما بما قبلها وبما بعدها في سياق روائي يضع المتلقي أمام كتاب قصصي وفي الوقت نفسه أمام ما يشبه الكتابة الروائية.

جدل الجوائز الأدبية

* لقد شغلت لأكثر من مرة عضو لجان تحكيم جوائز أدبية محلية وعربية، وتأهلت روايتك "مديح لنساء العائلة" إلى قصيرة البوكر 2016 .. هل تعتقد أن الجوائز رافعة للرواية العربية أم العكس؟ وكيف تنظر لمن يبرمجون اختتام أعمالهم على مواعيد التقديم لهذه الجوائز؟ وهل توافق على من يقول إن الجوائز مسيّسة، ولها حسابات تبتعد عن الإبداع الأدبي أحياناً؟

لا أستطيع أن أعطي إجابة قطعيّة على هذا السؤال، ولا أستطيع أن أعمّم. إنما يمكن الاحتكام إلى بعض الشواهد الملموسة. وحين أتذكر لجان التحكيم التي كنت على صلة بها، فإن أبرزها كانت لجنة جوائز فلسطين في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية المنبثقة عن وزارة الثقافة، حيث كنت أمين السر في هذه اللجنة ثم منسقًّا بين اللجنة والوزارة، ثم عضوًا فيها حين أعيد تنشيطها بعد انقطاع.

وكذلك لجنة جائزة محمود درويش للحرية والإبداع التي كنت منسقًا فيها بين اللجنة ومجلس أمناء الجائزة مرة؛ وعضوًا له حق التصويت مرّة أخرى، وكذلك أيضًا لجنة جائزة القدس المنبثقة عن المؤتمر الوطني الشعبي للقدس، وكنت رئيسها في دورتها الأولى، وأخيرًا لجنة الجائزة العالمية للرواية العربية؛ البوكر في دورتها الحادية عشرة للعام  2018.

ومن وحي اشتغالي في هذه اللجان، يمكن الخروج باستنتاجين؛ أولهما أنّه، وبالرغم من المعايير التي تضعها اللجان لضبط عملها، فإن لذائقة أعضاء أي لجنة دورًا اساسيًّا في اختيار الفائز أو الفائزين بالجائزة، وثانيهما أنه حينما تكون أمام اللجنة مئة وأربع وعشرون رواية، كما حدث في الدورة الأخيرة لجائزة البوكر، فإن وصول ست من هذه الروايات إلى القائمة القصيرة للجائزة؛ لا يعني التقليل من قيمة روايات أخرى لم تصل إلى هذه القائمة، إنما لا بد في نهاية الأمر من الاختيار رغم التقارب الشديد في المستوى الفني بين العديد من هذه الروايات.

وأعتقد أن وجود جوائز للرواية كفيل بأن يحفز على مزيد من الإبداع، وعلى خلق حالة من التنافس الشريف.

أعتقد كذلك أن النقد الذي يشتدّ مع كل إعلان عن جائزة ما، هو نقد متوقّع ومشروع، لأنه من المستحيل إرضاء كل الأذواق وكل القناعات الفكرية والفنية مرّة واحدة، ومن حق كل ناقد أو قارئ أو متابع أن يبدي رأيه في نتائج أية جائزة، وكذلك من حق كل روائي أن يتقدم للبوكر ولغيرها من الجوائز المعروفة لدينا في هذا القطر العربي أو ذاك، ما دامت لا تنطوي على مخالفة للمنطق السويّ، ولما نتمناه للثقافة العربية من رفعة وازدهار.

ولست أستبعد نزعة التسييس التي تظهر هنا وهناك في بعض الأحيان؛ وحين تكون هذه النزعة على حساب الإبداع فتلك مشكلة، وفي كل الأحوال فإن الجوائز بشكل عام؛ تعتبر من عناصر القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لتعزيز مكانتها في أوساط المثقفين والكتاب والفنانين، ولعلنا نذكر كيف رفض الروائي المصري صنع الله ابراهيم قبول جائزة الرواية في زمن حسني مبارك، وكيف رفض الكاتب الإسباني خوان غويتيسيلو قبول جائزة الدولة الليبية في زمن معمر القذافي.

لكن هذا الرفض المبرّر والمفهوم لا يعني التعميم؛ والامتناع عن قبول الجوائز بشكل مطلق، إلا إذا كانت هناك أسباب واضحة لعدم قبولها، كأن يتعارض الهدف منها مع حرّيّة المثقف وحقّه في التعبير عن قناعاته من دون اشتراطات أو قيود، ومع نضالات شعوبنا من أجل الحرية والعدالة والديموقراطية والمساواة.

حكايات البدايات

* كيف كانت حكاية البدايات مع الكتابة؟ ولمن كان يقرأ شقير آنذاك؟ .. إن أمكن ذكر بعض الحكايات هنا.

كان ذلك في أواخر خمسينات القرن العشرين وأوائل الستينات، حين لفتت انتباهي المقالات التي كنت أقرأها في الصحف المحلية. كانت تصدر في القدس أربع صحف يومية. كتبت مقالات سياسية، وأرسلتها إلى اثنتين من هذه الصحف هما الجهاد وفلسطين، ولم تنشرا مقالاتي ربما بسبب ضعف المستوى.

وحين ظهرت مجلة الأفق الجديد المقدسية في العام 1961 تابعت ما يُنشر فيها من قصص وقصائد ومقالات باهتمام وشغف، ثم تشجعت لكتابة قصص قصيرة، وكتبت عددًا غير قليل من القصص التي لم تكن في المستوى الذي يؤهّلها للنشر، وبقيت أكتب إلى أن اقتنع رئيس التحرير الشاعر أمين شنار بإحدى قصصي ونشرها في أحد أعداد المجلة في العام 1962.

كان لهذا النشر أثر مدهش عليّ؛ بحيث اندفعت إلى كتابة قصص واقعية مستوحاة من علاقتي بمدينة المقدس وبقرى الريف الفلسطيني؛ تحدثت في هذه القصص عن العمال والتجار في المدينة، وعن الفلاحين في الريف، وجعلت للمرأة حيزًا ملموسًا فيها، وكذلك للأطفال.

كنت قبل ذلك وأنا طالب في المرحلة الثانوية في المدرسة الرشيدية في القدس أقرأ لمحمد عبد الحليم عبد الله، كانت تعجبني نزعته الرومانسية في رواياته، وكذلك إحسان عبد القدوس، وأمين يوسف غراب ويوسف السباعي .

بعد ذلك؛ اتجهت إلى قراءة الأدب الواقعي، قرأت لنجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس؛ وكنت معنيًّا بمتابعة ما ينشره زكريا تامر في المجلات وفي الكتب من قصص تعبيرية مدهشة؛ وكذلك ما ينشره حنا مينا من روايات، وما تنشره غادة السمّن من قصص.

وعلى الصعيد لعالمي قرأت لأنطون تشيكوف وجي دي موبسان وإدغار آلان بو، وهم رواد القصة القصيرة الذين تركوا أثرًا بارزًا في نفسي، وقرأت لإرنست هيمنغواي روايات كثيرة وقصصًا قصيرة، وكذلك لجون

شتاينبك وأرسكين كالدويل؛ وقمت بترجمة قصص لهيمنغواي وشتاينبك ونشرتها في مجلة "الأفق الجديد".

وقرأت لجان بول سارتر وألبير كامو وسيمون دو بوفوار وفرانسواز ساغان، وتأثرت إلىحد ما بفلسفة سارتر الوجودية..  وكان لكولن ولسون مؤلف كتاب اللامنتمي وغيره من الكتب بريق خاص، وقد تابعت بعض كتبه باهتمام.

وأعترف أن رواية "الأم" لمكسيم جوركي وكذلك "العقب الحديدية" لجاك لندن؛ وكتابات سلامة موسى الفكرية تركت فيّ أثرًا ملموسًا وأسهمت في انحيازي لاحقًا إلى الفكر الماركسي؛ وكان للمثقف الموسوعي محمد البطراوي فضل كبير عليّ حين دلّني بعد نقاشات كثيرة وكتب أكثر على الطريق إلى الإنتماء السياسي.

الأفق الجديد

* نشرت كغيرك في "مجلة الأفق الجديد"، حدثنا عن هذه التجربة بالنسبة لك، وكيف شكلت منصّة لاكتشاف وإطلاق أسماء كبيرة، وإنطلاقا من القدس؟

كان لمجلة "الأفق الجديد" فضل كبير علي وعلى عدد غير قليل من الكتاب الشباب آنذاك؛ الذين أطلق عليهم في ما بعد جيل الأفق الجديد، وقد ضمّ هذا الجيل شعراء وقاصّين ونقادًا؛ بعضهم توقف عن مواصلة الكتابة بعد هزيمة حزيران 1967، وبعضهم الآخر ممن كانوا يكتبون القصة أو الشعر اتجهوا إلى النشاط السياسي (ماجد أبو شرار) أو إلى الرواية (يحيى يخلف) أو إلى الكتابة في التراث الشعبي ثم إلى الرواية (نمر سرحان) أو إلى الترجمة (فايز صياغ) أو إلى النقد الأدبي (صبحي شحروري) .

ويعود الفضل في ظهور هذه المجلة إلى مؤسسي صحيفة "المنار" اليومية، وهما الأستاذان جمعة حمّد ومحمود الشريف، إضافة إلى الشاعر أمين شنّار الذي تم اعتماده رئيسًا لتحرير المجلة، التي ابتدأت نصف شهرية ثم أصبحت مجلة شهرية، واستمرت من العام 1961 إلى أن توقفت عن الصدور في العام 1966 لأسباب مالية.

كان أمين شنار ذا نزعة إسلامية مستنيرة، وقد تجمّع من حول المجلة كتاب من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، وكان أمين شنار ديمقراطيًّا في تعامله مع الأفكار المختلفة، ولم يكن يضيق بالرأي الآخر، ولذلك تفتّحت مواهب كثيرة على صفحات المجلة، وأنجبت كتّابًا على صفحاتها واصلوا الكتابة حتى اليوم، وكنت وما زلت واحدًا من هؤلاء الكتاب.

الجدير ذكره أن حضور النساء الكاتبات لم يكن ملموسًا على صفحات المجلة. كانت الشاعرة فدوى طوقان تواصل كتابة الشعر ونشره في مجلة "الآداب" اللبنانية وغيرها من المجلات العربية، ولم تكن على تواصل مع مجلة "الأفق الجديد"، ربما لأنها كانت آنذاك، مقيمة في بريطانيا للدراسة، وكانت سميرة عزّام وسحر خليفة وليلى الأطرش ينشرن نتاجاتهنّ الأدبية في منابر ثقافية وإعلامية أخرى.

ربحي حافظ

* لماذا كنت تكتب تحت اسم مستعار هو ربحي حافظ؟ .. حدثنا بإسهاب عن هذه الحكاية، ومتى بدأت الكتابة باسمك؟

ابتدأت الكتابة باسمي الصريح منذ نشرت أولى قصصي في العام 1962 في مجلة "الأفق الجديد".  وفي العام 1965 حين كنت محررًا ثقافيًّا في صحيفة "الجهاد" المقدسية، كتبت مقالات باسمي الصريح، وكانت لي زاوية يومية ساخرة تحت العنوان "ثرثرة أدبية" كنت أوقعها  بـ"أديب فاشل"؛ وقد جاء اختياري لهذا التوقيع من اجتهاد كان رائجاً في ذلك الزمن مفاده أن الاشتغال في الصحافة يتمّ على حساب الإبداع الأدبي، وأن الصحافي هو أديب فاشل، ثم اقترح عليّ رئيس التحرير آنذاك سليم الشريف أن أوقّعها بـ "ثرثار" فأعجبني اقتراحه لأنه جاء منسجمً مع عنوان الزاوية.

وحين وقعت هزيمة حزيران 1967 نشرتُ قصصًا باسم ربحي حافظ في صحيفة "الاتحاد " ومجلة "الجديد" الحيفاويتين، ونشرت مقالات سياسية باسم فارس أبو بكر في صحيفة "القدس" التي كانت الوريث الشرعي لصحيفة "الجهاد".

جاء هذا اللجوء إلى الأسماء المستعارة لأسباب أمنية؛ حيث كانت سلطات الاحتلال تعدّ على الناس أنفاسهم في سنوات الاحتلال الأولى، وكانت الصحف الصادرة في الأرض المحتلة تخضع لرقابة صارمة، وكثيرًا ما كانت تظهر فيها فراغات بيضاء، تعني أن الرقيب العسكري حذف مقالة لم ترقه، أو خبرًا لم يتوافق مع مزاجه.

الصحافة الثقافية

* عملت في الصحافة الثقافية منذ عقود، وفي أكثر من منصة إعلامية .. ماذا عن هذه التجربة إيجابياتها وسلبياتها، ولماذا برأيك تتراجع الصحافة الثقافية في فلسطين هذه الأيام؟

ابتدأت علاقتي بالصحافة الثقافية منذ العام 1965 حين كنت محررًا ثقافيًّا في صحيفة "الجهاد" المقدسية كما ذكرت آنفًا. كنت آنذاك أتلقى موادَّ ثقافية مختلفة عبر البريد من هواة الكتابة الشباب والشابات.. أقرأ هذه المواد، وهي في الأساس قصص قصيرة وقصائد ومقالات أدبية وخواطر وجدانية، أختار ما هو صالح منها للنشر، واقوم بالردّ على الكتابات غير المؤهلة للنشر في زاوية مخصّصة لذلك، وفيها ملاحظات نقدية على هذه الكتابات. وقد برز عدد من بين اللواتي والذين كنت أنشر موادهم الأدبية على صفحات "الجهاد "، واصبحوا كتابًا بارزين.

ثم عملت محررًا ثقافيًّا في مجلة «صوت الوطن » التي كان يرأس تحريرها المؤرخ الدكتور ماهر الشريف، وكنت أنشر فيها قصصًا وقصائد ومقالات نقدية لكاتبات وكتاب فلسطينيين وأردنيين وعرب آخرين، ومن بينهم أؤلئك الذين كنت أنشر موادهم الأولى وهم شباب على صفحات "الجهاد "، وفيما بعد كنت مشرفًا عامًّا ثم رئيس التحرير لمجلة "دفاتر ثقافية"، التي كانت تصدرها وزارة الثقافة الفلسطينية، وكانت هذه تجرية لافتة للانتباه في الصحافة الثقافية، من خلال الجهود التي كنا نبذلها فيها أنا وزكريا محمد وليانة بدر ومنذر عامر ومريم الشروف وحسني رضوان.

اليوم؛ تتراجع الصحافة الثقافية والمجلات الثقافية عمومًا ليس في فلسطين وحدها وإنما في أقطار عربية عديدة، وحتى في العالم، حيث يتم إغلاق الصحف الورقية وتحويلها إلى صحف إلكترونية.

لقد أسهم الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، في إضعاف حضور الصحف الورقية والمجلات على نحو ملموس؛ وانعكس ذلك على حضور الثقافة فيها بطبيعة الحال، وتحوّل قطاع كبير من القراء والمعنيين بالثقافة إلى تصفّح الصحف والمجلات على الانترنت.

مسرح وتلفزيون

* قدمت أعمالاً للمسرح والتلفزيون، ما المختلف في الكتابة بين المسرح والتلفزيون وبين الكتابة الأدبية، ولماذا تغيب من ثلاثين سنة عن التلفزيون وعشر سنوات عن المسرح؟ وهل نتوقع عودة ما إلى أي منهما؟

لا أعتقد أنني سأعود إلى الكتابة للمسرح أو للتلفزيون. والسبب ماثل في الحالة الراهنة؛ حيث الاهتمام بالمسرح لم يعد في المستوى المطلوب، والحركة المسرحية التي كانت ناشطة وفعّالة في سنوات سابقة لم تعد كذلك الآن إلا في بعض الحالات، والذنب ليس ذنب المسرحيين؛ وإنما ذنب الحالة العامة التي لا تحفل كثيرًا بالثقافة ولا تبذل جهودًا كافية لإنعاش المسرح. هذا وحده كفيل بأن يجعلني بعيدًا من هذا الميدان. ذلك أنني حين كتبت للمسرح فقد كان هناك من عرض عليّ القيام بالكتابة، والأمر نفسه ينطبق على شروط الكتابة للتلفزيون. الآن لا أعرف عن وجود شركات إنتاج تلفزيوني في فلسطين.

حتى لو وجدت هذه الشركات، وحتى لو ظهر من يفكر بإنتاج عمل مسرحي، فلم تعد بي رغبة في الكتابة للمسرح أو للتلفزيون. لدي رغبة في تخصيص ما تبقى لي من عمر في كتابة القصص والروايات للأطفال وللفتيات والفتيان.

أحداث وأدب

* عايشت نكبة العام 1948 طفلاً وهزيمة العام 1967، وحرب العام 1973، وغيرها من الأحداث .. كيف أثرت هذه التواريخ على الأدب الفلسطيني، وما هي التحولات التي واكبت هذه الأحداث المفصلية؟

بعد النكبة مباشرة؛ طغت على الأدب الفلسطيني في خمسينات القرن العشرين نزعة التفجع الرومانسية على الوطن السليب، أو الفردوس المفقود؛ والحنين إلى هذا الفردوس وإلى مدنه وقراه الراسخة في الذاكرة وفي الوجدان، وظلت الحال كذلك إلى أن ظهرت الكتابات التي تحاكم الواقع وتحلل أسباب النكبة وتدعو إلى التصدي لها وتجاوزها؛ تختصرها دعوة غسان كنفاني إلى دقّ جدران الخزان، ويعززها قول محمود درويش لمن يمثل سلطة الاحتلال: "سجِّلْ أنا عربي"، ويزيدها تعزيزًا قول توفيق زياد ابن الناصرة لحكام إسرائيل "باقون فوق صدوركم باقون ".

وقد تعزز هذا الاتجاه النقدي في الكتابة بعد هزيمة حزيران 1967 التي جاءت امتدادًا للنكبة واستكمالاً لها، وحين كان رد الفعل على هذه الهزيمة انطلاق المقاومة الفلسطينية في فلسطين المحتلة وفي مخيمات الشتات في الأردن وسوريا ولبنان، فقد واكبه انطلاق مماثل في الشعر بالدرجة الأولى ثم في باقي أنواع الأدب والفنون.

في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، وحتى أثناء الانتفاضة الأولى 1987 وما بعدها بقليل، سادت نزعة انتصارية تحريضية في الشعر، ولم تخل الكتابات القصصية والروائية من الدعوة الصريحة إلى مقاومة المحتلين وتحرير الأرض من رجس احتلالهم؛ بحيث طغت المباشرة والحماسة والإيديولوجيا على الشروط الفنية في كثير من النتاجات الأدبية التي تناولت الانتفاضة وحاولت التعبير عنها.

بعد ذلك؛ خفّت النزعة الانتصارية في الشعر، وذهبت القصة والرواية إلى آفاق أوسع، كان من نتيجتها بوجه الإجمال توسيع آفاق الأدب الفلسطيني؛ شعرًا ونثرًا.

* هل توافق على أن هناك ما يمكن تسميته أدب ما قبل أوسلو، وأدب ما بعد أوسلو، وما سمة كل منهما برأيك؟

بما أن اتفاق أوسلو وما نتج عنه من وقائع وتطورات؛ كان مرحلة فاصلة في تاريخ القضية الفلسطينية والصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي، فلا بد من أن تترك التطورات التي نتجت عنه، ومسّت حياة قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، أثرها على النتاجات الأدبية، وإذا كنت تحدثت عن بعض سمات أدب ما بعد هزيمة حزيران والانتفاضة الأولى إلى ما قبل أوسلو، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن بعد أوسلو تلك النصوص السردية التي أطلق عليها بعض النقاد اصطلاح "أدب العودة"، والمقصود هنا النصوص التي ظهرت على صفحات مجلة الكرمل تحت الباب الذي أفرده لها محمود درويش: ذاكرة المكان.. مكان الذاكرة، حيث ظهرت نصوص سيريّة، ثم توسعت وتحولت إلى كتب، أضيفت إليها كتب أخرى، أقصد هنا: "منازل القلب" لفاروق وادي، "رأيت رام الله" لمريد البرغوثي، "أرض الغزالة" لحسن خضر، "العائد.. حكاية عود"  لفيصل حوراني، "ملك الغائبين " لإلياس صنبر، و"ظل آخر للمدينة" لمحمود شقير.

في هذه النصوص التي استفاد مؤلفوها من تقنيات السرد الروائي ثمة تثبيت لهوية المكان الفلسطيني؛ الذي يتعرض للنهب وللمصادرة والاستيطان والتهويد؛ عبر الوقائع والذكريات والتفاصيل الصغيرة الدالّة، والعلاقات الحميمة بهذا المكان.

من جهة أخرى، يمكن القول إن ثيمة الانتصار للمقاومة المسلحة التي كانت سائدة في كثير من النتاجات الأدبية في مرحلة ما قبل أوسلو، خفتت إلى حدّ ما في أدب ما بعد أوسلو، ليس بسبب التراجع عن نصرة الحقوق الفلسطينية الثابتة ورفض الاحتلال، وإنما بسبب تغيّ شروط المرحلة، وبسبب الحاجة إلى توسيع أفق المفهوم، مفهوم المقاومة، بحيث لا يقتصر على المقاومة المسلحة وحدها.

ولربما أسهمت المقاومة السلمية أثناء الانتفاضة الأولى، وما تلاها من نضالات جماهيرية متعددة في قرية بلعين وفي غيرها من مواقع النضال الجماهيري ضد الاحتلال، في الالتفات إلى ضرورة توسيع دائرة المفهوم، ليشمل الأرض وضرورة حمايتها والتضحية في سبيلها، والإنسان وضرورة الانتباه إلى همومه وقضاياه التي من شأن تحقيقها حفظ كرامته وتثبيته في الأرض، وتحفيزه على الصمود وعلى التضحية من أجل الوطن.. ربما كان التداخل بين النضال الوطني والنضال الاجتماعي في ظل وجود سلطة وطنية فلسطينية واستطالة أمد الصراع مع المحتلين سببًا آخر لذلك، وربما كان لعسكرة الانتفاضة الثانية وتهميش دور الجماهير فيها سبب آخر أيضًا.

في كل الأحوال، لا أعتقد أن الأدب الفلسطيني بعد أوسلو قد تراجع أو تسلل إليه العطب؛ ربما ظهرت بعض اجتهادات أدبية مغرقة في الفردية والانعزال في هذا الميدان، فهي مختلفة من وجهة نظري عن الاجتهادات الجمالية ذات النزوع نحو التجريد العالي والابتعاد عن التبسيط والتمسح بأذيال القضية الوطنية، وهي، أي تلك الاجتهادات الأدبية؛ لا تمثل التيار الرئيس في الأدب الفلسطيني الذي تم إنجازه بعد أوسلو، وفي اعتقادي أن توسيع مفهوم المقاومة ليشمل الوطني والاجتماعي والإنساني والجمالي لا يضير الأدب الفلسطيني بل يعززه ويقوّيه، ولعل في قولة محمود درويش التالية كثيرًا مما أقصد إليه: "كل شعر جميل مقاومة".

* الانقسام محطة سوداء في تاريخ الشعب الفلسطيني لا تزال مستمرة، هل تعتقد أن الانقسام سينعكس على الأدب الفلسطيني لاحقاً، أم أن ملامحه بدأت تطل برأسها في بعض الأعمال الروائية أو الشعرية بعد مرور أكثر من 11 عاماً على هذا الانقسام؟

هذا موضوع مخجل ومثير للأسى، خصوصًا ونحن نواجه احتلالا استيطانيًّا يهدف إلى اقتلاعنا من أرض وطننا والحلول في مكاننا. يمكن للأدب أن يتخذ من هذا الموضوع سببًا لكتابة نصوص ساخرة، بحيث تسخر ممن يطيلون أمد الانقسام خدمة لمآرب ضيقة خاصة. ويمكن للأدب أن يستخرج العبرة من هذا الانقسام الذي يشير إلى أن بعض أو أكثر تنظيماتنا السياسية ما زالت تتصرف تحت وطأة التعصب الفئوي والتنظيمي في حالات غير قليلة بوصفها قبائل وعشائر قادمة من عصر ما قبل الدولة الحديثة. ويمكن للأدب أن يستخرج العبرة التي تحث على عدم استخدام الدين في الصراعات السياسية، وفي خلق أجيال ضيقة الأفق متزمّتة؛ لا ترى إلا بعين واحدة.

القصة الساخرة

* لك العديد من المجموعات القصصية التي حققت شهرة واسعة، وكان بارزاً منها "صورة شاكيرا" و"ابنة خالتي كونداليزا " .. هل السخرية سرّ شهرتهما أم ماذا؟

أعتقد أن السخرية لعبت دورًا كبيرًا في شهرة المجموعتين، ونحن؛ بالمناسبة بحاجة إلى الكتابة الساخرة ليس فقط في القصة القصيرة أو في المقالة، وإنما كذلك في الرواية وفي أي ميدان إبداعي تجد السخرية فيه مكانها الصحيح. ولعلّ المسرح من أكثر الفنون احتفاء بالسخرية، فقد سبق للمسرح الفلسطيني أن قدم وما زال يقدم عروضًا مسرحية حافلة بالسخرية، أقصد السخرية ذات المضمون وليس السخرية المبتذلة التي تنحط بالذوق العام.

ولعلّ استحضاري لشخصيات معروفة أو لأسماء هذه الشخصيات من عالم كرة القدم (رونالدوالبرازيلي)،  والغناء (مايكل جاكسون وشاكيرا)،  وعرض الأزياء (نعومي كامبل(، والسياسة (رونالد رامسفيلد، وكوندوليزا رايس)، هو الذي أضفى على أسلوب السرد الساخر متعة مضاعفة.

بالفعل؛ وظّفت في المجموعتين السابقتين أسماء نجوم فن ورياضة وسياسة ببراعة وبطريقة مغايرة، كما تحدث نقاد عن طريقتك في الكتابة، حتى إن حسن حميد وصف هذه الطريقة بأنها عالم آخر من الدهشة .. هل هي طريقة مبتكرة لاصطياد القراء الشباب في فلسطين، والقراء عامة خارج فلسطين ولذلك ترجمتا لأكثر من لغة؟

ما ذكره الروائي حسن حميد وصف جدير بالانتباه؛ وقد جاءت هذه القصص جرّاء عملية ملاحظة وتأمّل واختمار استمرت سنوات طويلة. ابتدأت هذه العملية حين لاحظت المفارقة المؤلمة إبّان حصار بيروت في العام 1982 على أيدي الغزاة الإسرائيليين، حيث لم تخرج تظاهرة واحدة في العواصم العربية ضد الغزو والحصار، فيما خرجت تظاهرة مليونيّة ضدّ المؤامرة التي تعرض لها فريق كرة القدم الجزائري أثناء مباريات المونديال آنذاك. يومها؛ فكرت بكتابة قصص قصيرة ساخرة مستوحاة من عالم كرة القدم ومن هذا التعلّق المذهل بها، بحيث يكون بعض نجوم الكرة هم أبطال هذه القصص. لكنني لم أتمكن من كتابة قصة واحدة، وظل هذا الهاجس يعيش في داخلي لسنوات.

وحين عدت من المنفى إلى القدس؛ المكان الأول الذي شهد ولادة قصصي القصيرة الأولى، بدا ذلك الهاجس يلح عليّ من جديد، وقد حفّزه على التجسّد في شكل قصص ساخرة تلك المفارقات التي وجدت الناس في وطني يعيشونها تحت وطأة الاحتلال.

وهكذا قمت باستحضار شخصيات من عالم كرة القدم ومن عالم السياسة والغناء وعرض الأزياء وغير ذلك، لكي تتفاعل هذه الشخصيات مع ابناء الحي الفلسطيني الذي أعيش فيه، مسلطًا النقد عبر السخرية لعنجهية الاحتلال وعسفه، وفي الوقت نفسه ضد ما لدينا من تخلف وسلبيات.

كنت معنيًّا بكتابة قصصية جديدة، وفيها قدر من متعة التلقي، ولم أكن أفكر بالقراء بقدر ما كنت معنيًّا بتجاوز كتاباتي السابقة، وبالتعبير عمّ أشاهده وألاحظه من ظواهر وقضايا تستحق أن أكتبها.

* ما هي الخلطة الناجحة للخروج بأدب ساخر ناجح؟

في تقديري؛ أن الكتابة الساخرة تتكوّن من خلطة مركّبة لا يمكن أن يمتلكها الكاتب بسهولة ويسر. ربما كان توافر قدر عال من القدرة على نقد الذات قبل نقد الآخرين عنصرًا أساسيًّا من عناصر هذه الخلطة. كذلك؛ لا بد من اطلاع واسع على الكتابات الأدبية الساخرة، في التراث وفي الآداب العربية المعاصرة وآداب الشعوب الأخرى؛ وعلى ما تبثه بعض محطات التلفزة من برامج ساخرة، وما تنشره الصحف من مقالات ساخرة يبدع كاتبوها في تصوير الأوضاع العامة بأسلوب جاذب للقراء؛ وكذلك ما يتم عرضه من مسرحيات كوميدية بعيدة من الابتذال. وأعتقد أن الإحساس بالمرارة من الأوضاع العامة حين تكون مزرية هو سبب من أسباب الكتابة الساخرة، أو كما قال الناقد وليد أبو بكر عن السخرية في مجموعتي القصصية "صورة شاكيرا ": إنه البكاء على شكل الضحك؛ أو كما ورد في القول المأثور: شر البلية ما يضحك.

ولا بدّ من إحساس مرهف قادر على رؤية عدم التوازن في الواقع، قادر في الوقت نفسه على تضخيم بعض الجزئيات للوصول إلى الجوهري في الحياة وفي الواقع؛ على طريقة رسّام الكاريكاتير الذي يبرز على نحو ملموس بعض تفاصيل وجه الشخص المعني، كأن يرسم له أنفًا طويلاً أو شفتين غليظتين أو عينين جاحظتين.

اعتقال وإبعاد

* قلّة، ربما، يعلمون أنك اعتقلت العام 1969 لدى سلطات الاحتلال، بعد أن فصلت من عملك كمدرس وتعرضت لقسوة السجن والسجان .. حدثنا عن هذه التجربة وكيف أثرت فيك، وانعكست على كتابتك؟

كنت ليلة السابع والعشرين من تموز 1969 أقرأ في الكتاب الأبيض الذي وضعته لجنة إنجلو- أميركية لتقصي الحقائق بعد ثورة 1936 . فجأة؛ سمعت هدير سيارات بالقرب من ساحة بئرنا الغربية. توقعت أن ثمة مداهمة لبيتنا. حملت بطاقة هويتي وخرجت من البيت بهدف الإفلات من الاعتقال؛ غير أنني وجدت جنود الاحتلال بطوقون البيت. وضعوا القيود في يدي؛ وبعد أن فتشوا البيت اقتادوني إلى سجن المسكوبية في الجزء الغربي من القدس. طلبوا مني الوقوف ووجهي إلى الحائط في ساحة مكشوفة أمام مكاتب التحقيق فترة غير قصيرة، ثم خضعت لتحقيق استمرّ حتى الساعات الأولى من الفجر.

ثم وضعوني في زنزانة مضاءة ليلاً نهاراً بضوء ساطع، وبعد ليلتين نقلوني وأنا معصوب العينين إلى سجن صرفند العسكري الذي يجري التكتم عليه. وُضعت في زنزانة طولها 90 سم وعرضها 80 سم، ومن دون فراش أو غطاء، كان النوم فيها بالغ الصعوبة بسبب ضيقها، ومن حسن حظي أننا كنّا في فصل الصيف؛ فلم أشعر بالبرد. بقيت فيها تسعة أيام تعرّضت خلالها للضرب وللشبح وللإهانات ولتحقيقات عن نشاطي السياسي ضد الاحتلال.

أعادوني إلى سجن المسكوبية، وبقيت فيه ثلاثة أسابيع ثم نقلت إلى سجن الرملة لليلة واحدة، نقلت بعدها إلى سجن الدامون قريبًا من حيفا، وبقيت فيه معتقلاً إداريًّا مدة تسعة أشهر، وغادرته إلى البيت في جبل المكبر بتاريخ 7/5/1970، ثم جاءوا إلى بيتي لاعتقالي أثناء حرب تشرين 1973، ولم أكن في البيت؛ختفيت مدة شهرين، ثم جرى اعتقالي مرة أخرى بتاريخ  19 نيسان 1974، بتهمة الانتماء إلى الجبهة الوطنية الفلسطينية التي تشكلت بعد حرب تشرين، وتنقّلت في سجون المسكوبية، ورام الله، والجلمة، وبيت ليد، ومكثت معتقلاً إداريًّا مدة عشرة أشهر، ثم أبعدت إلى لبنان في 28 شباط 1975، وكنت آنذاك مضربًا عن الطعام مع عدد كبير من الزملاء لخمسة أيام، احتجاجًا على سياسة الاعتقال الإدراي.

بقيت في بيروت مدّة ثمانية أشهر، أقمتُ بعدها في عمّن مدّة أربع عشرة سنة، وفي براغ مدة ثلاث سنوات، وعدت من الإبعاد الذي دام ثماني عشرة سنة إلى القدس  في الثلاثين من نيسان 1993.

حينما كنت في السجن، لم أتمكن من الكتابة. كنت أشعر بأن المساحات الضيقة والأسوار الصفراء الكالحة تجعل ممارسة الكتابة من الصعوبة بمكان، لكنني كنت أقرأ كل ما يقع تحت يدي من كتب، وكنت أفكر في كتابة رواية، لكنني لم أشرع في كتابتها إلا بعد خروجي من السجن في العام  1975.

في وقت لاحق؛ في العام 1998 على وجه التحديد، نشرت كتابي "ظل آخر للمدينة"، وتطرقت فيه إلى تجربة السجن وكذلك لتجربة الإبعاد والعيش في المنفى.

* وماذا عن الإبعاد والمنفى، والاحتكاك بجغرافيات وأدباء مغايرين، وتأثيرها على ما كتبه شقير؟

كان المنفى تجربة حياتية وثقافية وسياسية متعددة الأبعاد. من جهة؛ أتيحت لي فرص للاطلاع على ثقافات شعوب عدة من خلال القراءة؛ ومن خلال الاحتكاك المباشر بأنماط من المثقفين والكتاب والسياسيين، عبر المشاركة في مؤتمرات وندوات سياسية وثقافية. ومن جهة أخرى؛ فقد جرّبت على نحو مباشر ألم الفراق، فراق الأمكنة الحميمة والأهل والأصدقاء.