2019-02-27

فنزويلا بعد فشل "الإنقلاب الخاطف": ترامب أمام خيارات أحلاها مرٌ

كتب/ حبيب فارس:

"إنّ نظام الانتخابات الفنزويلي هو ’الأفضل في العالم، ولدينا في الولايات المتحدة إحدى أسوأ العمليات الإنتخابية في العالم بسبب التدفق المفرط للمال"...

- الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، 21/09/ 2012...

بقرار من الإدارة الأميركية يُمسي الرئيس الفنزويلي مادورو، الحائز في العام الماضي على 68 % من أصوات الناخبين رئيساً غير شرعي، ويصبح خوان غوايدو الذي لم يسمع باسمه من قبل 20 % من الفنزويليين، رئيساً بديلاً.

غوايدو "السياسي" هو "نائب رديف" حصل على 26 % فقط من أصوات المقترعين في أقل الولايات الفنزويلية عدداً للسكان، ورئيس بالتعيين لـ "جمعية وطنية" مطعون بدستوريتها من المحكمة العليا ولم يشارك في انتخابها 70 % من الفنزويليين بحسب الأرقام الصادرة عن المعارضة نفسها. كعادتها، تتسلّح الولايات المتحدة والسائرين في ركابها، بأكاذيب الدفاع عن "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" للتعمية على الهدف الحقيقي لحربها الجديدة المتمثّل في "تغيير النظام" في فنزويلا وزرع نظام عميل بديل له يسهّل الإستيلاء على ثرواتها النفطية الهائلة ويساعد في الحدّ من تأثير النهج السيادي للنظام البوليفاري على محيطه الأميركي اللاتيني.

يُعرّي الكاتب الكندي جو سبرغر كذبة "الديمقراطية" الأميركية مقارناً بين مستوى الحريات الديمقراطية في كل من فنزويلا والولايات المتحدة بقوله: "في الواقع، لا تزال الحريات الديمقراطية الأساسية في فنزويلا في مستوى لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتحمله فيما لو واجهت ظروفاً مشابهة: أزمة اقتصادية كبرى تتعمّدها قوة أجنبية بدعم علني للعناصر الأكثر عنفاً في المعارضة". ويعطي سبرغر مثالاً كيف كان المرشح الرئاسي المعارض هنري فالكون، ينعت خصمه مادورو، على شاشات التلفاز الفنزويلية، بأبشع الصفات مثل "مرشّح الجوع" و"الوحش عديم الضمير"، في حين ما زال ليبراليو الولايات المتحدة يصفّقون لاحتمال سجن جوليان أسانج في الولايات المتحدة لنشره فضائح "ويكيليكس".

أحدٌ لا يستطيع تبرير الأخطاء الهائلة في السياسات الإقتصادية لحكومة مادورو ومساهمتها في التضخم الجامح وارتفاع معدلات البطالة ونقص السلع الأساسية وأزمة اللاجئين. لكن أسئلة عديدة تطرح نفسها: لماذا دعمت واشنطن الإنقلابيين ضد تشافيز عام 2002، في ذروة البحبوحة الإقتصادية والإجتماعية التي وفّرها لشعبه؟ كيف يمكن للحصار والعقوبات الإقتصادية ودعم عصابات تخريب البنى التحتية أن تنقذ الشعب الفنزويلي من كابوس الفقر؟ لماذا لا تشنّ الولايات المتحدة حروب "تغيير النظام" ضد العديد من جيران فنزويلا، الدائرين في فلك واشنطن، ممّن تعاني بلدانهم أزمات أسوأ من الأزمات الفنزويلية؟ وإذا كان انتهاك حقوق الإنسان السبب الرئيسي للحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد مادورو، أفلا يستدعي النظام السعودي، بسياساته الإجرامية، في الداخل والخارج، خاصة بعد الطريقة البشعة التي صفّى بها الصحفي السعودي - الأميركي، جمال الخاشقجي، عقوبات ضده ووضع خطط لتغييره...!!؟

من هو غوايدو الحقيقي...؟*

لم تمضِ أيام معدودة على تنصيب غوايدو، حتى اكتشف العالم بأنه صنيعة مختبرات "تغيير النظام" التابعة للإدارة الأميركية، وأنه أحد رموز "خلية 2007"، وريثة خلية "الطلاب الفاشيين" الذين أشرفت على تدريبهم حركة "أوتبور" الصربية التي أدّت أنشطتها التآمرية إلى الإطاحة بالرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش عام 2000. في عام 2007، اعتبر مدرّبو الخليّة المذكورة زميل غوايدو المقرّب يون غويكوتشيا، "العنصر الأساسي" في هزيمة الاستفتاء على الدستور. وفي العام التالي، تم تكريم غويكوشيا على جهوده بمنحه جائزة ميلتون فريدمان "لتقدم الحرية" التي يقدمها معهد "كاتو" الأميركي.

والمعروف أن فريدمان الذي تعود اليه الجائزة، كان الأب الروحي لـ "صبية شيكاغو النيوليبراليين" سيئي السمعة الذين تم استيرادهم إلى تشيلي من قبل الدكتاتور بينوشيه لتنفيذ سياسات "التقشف المالي" الراديكالي على غرار "عقيدة الصدمة". أما المعهد المانح "كاتو"، فهو خلية تفكير ليبرالية (ثينك تانك) مقرها واشنطن، أسسها الأخوان كوخ، وهما من كبار المتبرعين للحزب الجمهوري ويعتبران من أشد أنصار اليمين المتطرف في أمريكا اللاتينية.

ولعلّ أسوأ ما في سيرة غوايدو هو إذعانه الأعمى لأوامر مشغّليه، وهي الميزة ذات الدلالة الخاصة على بشاعة ما تضمره الولايات لفنزويلا وشعبها. عام 2010 نفذت خلية غوايدو تماماً ما أمرت به مؤسسة "ستراتفور" المعروفة بـ"وكالة ظلّ المخابرات المركزية الأميركية"، عندما استغلّت أسوأ موجة جفاف ضربت فنزويلا خلال عقود وتسببت بنقص هائل في الكهرباء نتيجة قلة المياه الضرورية لتشغيل محطات الطاقة الكهرمائية.

تُشدّد التوجيهات المسرّبة عن المؤسسة المذكورة على أن تلك الكارثة الطبيعية هي فرصة لا تفوّت ضد "تشافيز" حيث سيكون لديه القليل الذي يمكن فعله لحماية الفقراء...!! لقد فشلت الخليّة في تحقيق أهداف تلك الخطة.

"ليُقتل مادورو على طريقة القذافي"

لكنّ أعمال التخريب التي اضطلع بها غوايدو لم تتوقف عند هذا الحدّ، فهو أحد رموز منظمي "سدود الأسلاك المعدنية" في الشوارع الهادفة إلى قتل أكبر عدد ممكن من سائقي الدراجات النارية العزّل، ومن أبرز منظمي "متاريس الأحياء" العنفية التي أدت إحدى موجاتها عام 2014 إلى تدمير شامل للبنى التحتية ومقتل 126 شخصاً غالبيتهم من أنصار الحكومة، ومنهم من أحرقوا وهم على قيد الحياة. أحد رعاة خلية غوايدو وممولي حلقاتها التدريبية هو بيدرو بورليلي، عضو اللجنة الاستشارية لبرنامج "القيادة في أميركا اللاتينية" بجامعة جورجتاون، الذي يجاهر برغبته الجامحة في قتل مادورو في الشارع كما حصل للزعيم الليبي معمر القذافي.

يقول عالم الاجتماع الأرجنتيني والخبير البارز في الشؤون السياسية الفنزويلية، ماركو تروجي: "إن خوان غوايدو هو الشخصية التي هُيّئت لهذا الظرف. إنه منطق المختبر: غوايدو يشبه خليطاً من عناصر متعددة تصنع شخصية تتأرجح بكل صراحة بين ما يثير الضحك وما هو مثير للقلق". يؤيد هذا الرأي الصحفي والكاتب الفنزويلي الشهير، دييجو سزيرا، ويضيف: "غوايدو أكثر شعبية خارج فنزويلا منه في الداخل، إنه شخصية معروفة في دوائر واشنطن، وهو يميني متطرف، ومخلص للبرامج". أما بالنسبة لحزب غوايدو، "الإرادة الشعبية"، فهو حزب فاقد للمصداقية على نطاق واسع داخل فنزويلا، ويعتبر مسؤولاً جزئياً عن تفتيت معارضة هي أصلاً شديدة الضعف.

وقد كتب أحد أبرز رواد استطلاعات الرأي في فنزويلا، لويس فيسينتي ليون: "إن حزب غوايدو لا يزال معزولاً لأن غالبية السكان لا يريدون الحرب، بل ما يريدونه هو الحل". فهل لهذه الأسباب وقع الاختيار على غوايدو ليكون "حصان طروادة" نحو انهيار فنزويلا؟

86 % من الفنزويليين يرفضون التدخل العسكري الخارجي والعنف...

لقد استثمر ترامب، ما استطاع، في فشل حروب سلفيه، جورج بوش الابن وباراك أوباما، بدءاً بالوصول إلى البيت الأبيض، وصولاً إلى تدفيع الوكلاء أثمان تلك الحروب ذهباً أصفر وأسود. وهو يحاول اليوم الهروب إلى الأمام من وحول الشرق الأوسط نحو ما تعتبره الولايات المتحدة حديقتها الخلفية، علّه يجد مخرجاً للأزمات المستعصية لزعيمة الإمبريالية، لكنه يبدو أنه هارب إلى مستنقع من الوحول أكثر خطورة. حتى الآن قد يكون النجاح الوحيد الذي حققه هو خلق نجومية "بديل" مادور، المدعو خوان غوايدو، لكن سلفيه أيضاً، سبق وأن نجحا في خلق نجوميات "بديلة" بما فيها بعض رموز "الربيع العربي" التي سرعان ما تلاشت أدوارها لتنطفئ أضواؤها إلى الأبد.

لقد فشل السيناريو الأول، أي "الإنقلاب الأبيض الخاطف" ضد النظام البوليفاري، وتلقت خطط "الاطاحة السلمية" بمادورو هزائم سياسية ودبلوماسية قاسية، وها هو مادورو بعد النجاح في استيعاب الصدمة وإفشال السيناريو الأول يستعدّ بخطى حثيثة لمواجهة أية سيناريوهات عدوانية بديلة. أما بالنسبة لإدارة ترامب فلم يبق أمامها سوى الهروب قدماً إلى الأمام من خلال اعتماد أحد السيناريوهات المجرّبة في العراق وليبيا وسوريا، أو التراجع.

لكن السيناريوهات المجرّبة أحلاها مرّ بالنسبة لإدارة ترامب، لا سيما في الظروف الجيوسياسية المختلفة والمستجدّة: اهتزاز القبضة الحديدية للأحادية القطبية؛ رفض الشعب الفنزويلي بغالبية 86 %، بمن فيهم المعترضين على سياسات مادورو الإقتصادية، عودة فنزويلا إلى ما قبل الحقبة "التشافيزية"، وأي تدخل خارجي أو تفجير عنفيّ داخلي؛ وقوف الجيش إلى جانب الشعب والنظام البوليفاري؛ الحساسية التاريخية لشعوب أميركا اللاتينية تجاه سياسات الولايات المتحدة العدوانية ضدها؛ انقسام "منظمة الدول الأميركية" بغالبية ترفض الحلول العسكرية وتدعو إلى الحوار بين الحكومة والمعارضة والحفاظ على الإستقرار، وذلك على خلاف "جامعة الدول العربية" التي تكفّلت بتوفير الغطاء السياسي والدبلوماسي والمالي للعدوان على البلدان العربية.

أمام هذا الواقع، إنّ إصرار الولايات المتحدة على الهروب إلى الأمام، سيؤذن بحمّامات دم ودمار ربما غير مسبوقة، وسيضع العالم مجدداً على كفّ عفريت. أمّا التراجع فسيعني الإقرار الفعليّ بانهيار استراتيجية "تغيير النظام" والمزيد من خلخلة نظام الأحادية القطبية، على صخرة صمود كاراكاس.