2019-03-12

حكومة تسيير أعمال أم حكومة كاملة الصلاحيات؟

عصام عابدين

حدد القانون الأساسي المعدل طبيعة مهام وصلاحيات حكومة تسيير الأعمال بنص المادة (78) فقرة (3) والتي جاءت بالآتي " عند انتهاء ولاية رئيس الوزراء وأعضاء حكومته يمارسون أعمالهم مؤقتاً باعتبارهم حكومة تسيير أعمال ولا يجوز لهم أن يتخذوا من القرارات إلا ما هو لازم وضروري لتسيير الأعمال التنفيذية لحين تشكيل الحكومة الجديدة".

ووفقاً للقانون الأساسي المعدل، فإن الاستقالة المقدمة من قبل رئيس الوزراء للسيد الرئيس تعتبر حالة من حالات استقالة الحكومة المبينة بأحكام نص المادة (83) من القانون الأساسي والتي جاءت بالآتي "تعتبر الحكومة مستقيلة ويعاد تشكيلها وفقاً لأحكام هذا الباب في الحالات التالية:

1. فور بدء ولاية جديدة للمجلس التشريعي 2. بعد حجب الثقة عن رئيس الوزراء أو عن رئيس الوزراء وحكومته، أو عن ثلث عدد الوزراء على الأقل 3. أية إضافة أو تغيير أو شغور أو إقالة تشمل ثلث عدد أعضاء مجلس الوزراء على الأقل 4. وفاة رئيس الوزراء 5. استقالة رئيس الوزراء أو استقالة ثلث عدد أعضاء الحكومة على الأقل 6. إقالة رئيس الوزراء من قبل رئيس السلطة الوطنية".

هنالك اختلاف جوهري واسع، بين حكومة تسيير أعمال، وبين الحكومة كاملة الصلاحيات، وذلك لأن حكومة تسيير الأعمال لا تستطيع دستورياً القيام بغالبية المهام والصلاحيات الدستورية والقانونية التي تمارسها الحكومة كاملة الصلاحيات، ومنها على سبيل الأمثلة لا الحصر؛ أن حكومة تسيير الأعمال لا تستطيع تقديم مشروعات قوانين للمجلس التشريعي ولا تستطيع تقديم مشروعات قرارات بقوانين للرئيس للإصدار على أيّ نحو كان بافتراض وجود حالة ضرورة لا تحتمل التأخير على النحو الوارد في المادة (43) من القانون الأساسي المعدل والمتعلقة بالقرارات التي لها قوة القانون. كما ولا تستطيع حكومة تسيير أعمال إقرار لوائح تنفيذية أو أنظمة مُكملة للقوانين.

ولا تستطيع حكومة تسيير أعمال إقرار الموازنات العامة التي تعبّر عن خطط وبرامج الحكومة وتوجهاتها المالية التي تشمل النفقات والإيرادات العامة والتقديرات السنوية للإيرادات والمنح والقروض والمتحصلات الأخرى والنفقات والمدفوعات المختلفة، فهي لا تستطيع القيام بالإجراءات الدستورية والقانونية الواردة في القانون الأساسي وقانون تنظيم الموازنة العامة والشؤون المالية بشأن الموازنة العامة السنوية، ولا تستطيع إقرار أجندة سياسات وطنية ولا إقرار سياسات عامة ولا خطط تنموية، ولا تستطيع إجراء تعيينات وترقيات وبخاصة في الوظائف العليا، ولا تستطيع ممارسة معظم المهام والصلاحيات الدستورية والقانونية التي تمارسها حكومة كاملة الصلاحيات الدستورية.

ولا تستطيع حكومة تسيير أعمال إقرار خطة تشريعية، أو إجراء تعديلات على خطة تشريعية، ولا تستطيع إنشاء أو إلغاء هيئات أو مؤسسات أو ما في حكمها من وحدات الجهاز الإداري التي يشملها الجهاز التنفيذي التابع للحكومة ولا تستطيع تعيين رؤساء لتلك الهيئات أو المؤسسات على النحو الوارد في القانون الأساسي المعدل، ولا تستطيع اتخاذ قرار بإجراء انتخابات محلية على النحو الوارد في قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية، ولا تستطيع إصدار نظام بتعيين حدود المناطق الانتخابية والتجمعات السكانية على النحو الوارد في قرار بقانون الانتخابات العامة، ولا تستطيع حكومة تسيير أعمال إصدار نظام يحدد امتيازات رئيس المحكمة الدستورية العليا ونائبه وقضاتها على النحو الذي جاء به القرار بقانون لسنة 2017 المعدل لقانون المحكمة الدستورية العليا على سبيل المثال. ولا تستطيع حكومة تسيير أعمال اتخاذ قرارات في ملف التقاعد القسري تمس بالمركز القانوني للموظفين مدنيين وعسكريين.

وما يسري على حكومة تسيير أعمال، يسري على كل وزير في تلك الحكومة، فلا يستطيع رئيس الوزراء أو أيّ وزير في حكومة تصريف أعمال أن يمارس مهامه كما لو أن الحكومة كاملة الصلاحيات الدستورية والقانونية.

وبالتالي لا يستطيع أي وزير في تلك الحكومة اقتراح سياسة عامة لوزارته أو إعداد مشروعات قوانين خاصة بها ورفعها لمجلس الوزاء لاعتمادها على النحو الوارد في القانون الأساسي، ولا يستطيع وزير الداخلية مثلاً إصدار قرار بحل أي جمعية خيرية أو هيئة أهلية وإلغاء تسجيلها وإنْ كان مُسبباً وعلى النحو الوارد في قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية، ولا تستطيع حكومة تسيير أعمال أن تقوم بتشكيل بلديات مشتركة على مستوى المحافظات وتحديد نطاقها وتحديد عدد ونسب تمثيل مجالس البلديات المشتركة ولا تستطيع إحداث أو ضم أية هيئات أو تجمعات سكانية حتى وإنْ كان هناك تنسيب من وزير الحكم المحلي في تلك الأحوال على النحو الوارد في قانون الهيئات المحلية وتعديلاته. وذلك لأن المفهوم الدستوري لتصريف الأعمال ينسحب على الحكومة وعلى كل وزير فيها.

لا تستطيع حكومة تسيير أعمال، القيام بكل ذلك، وغير ذلك، بقوة القانون الأساسي المعدل، ومن باب أولى خلال المدة الزمنية المحددة دستورياً لتشكيل حكومة جديدة فور تكليف رئيس الوزراء بتشكيل حكومته، لأن صلاحياتها محصورة فقط في تصريف الأمور الجارية العاجلة والضرورية من أجل ضمان استمرار انتظام سير المرافق العامة ليس إلاّ، حفاظاً على مبدأ المشروعية، ولكي لا تتحول حكومة تسيير أعمال إلى غطاء لاستمرار حكومة كاملة الصلاحيات خلافاً للقانون الأساسي المعدل ومبدأ سيادة القانون، وإلاّ ما الفرق بين حكومة تسيير أعمال وحكومة كاملة الصلاحيات؟ علماً أن الحكومة، التي تنال ثقة المجلس التشريعي، هي الحكومة الدستورية كاملة الصلاحيات.

ويعود الاختلاف الجوهري، بين حكومة تسيير أعمال، والحكومة كاملة الصلاحيات، في التشريع والقضاء والفقه الدستوري، إلى أن أدوات الرقابة البرلمانية التي تمارسها السلطة التشريعية (الأسئلة، الاستجوابات، لجان تقصي الحقائق، حجب الثقة فردياً أو تضامنياً) تغدو بلا جدوى أو بلا فعالية تجاه حكومة تسيير أعمال، بل وتصبح وسيلة للتهرب من أدوات الرقابة البرلمانية تحت ستار "حكومة تسيير أعمال" بعد استقالتها أو إقالتها أو حجب الثقة عنها، كونها تعد في جميع الأحوال حكومة مستقيلة أساساً، وينطبق عليها مقولة (لا يَضرُّ الشاة سلخها بعد ذبحها).

بالمناسبة، تلك المقولة الشهيرة لأسماء بنت أبي بكر، قالتها لابنها عبد الله بن الزبير؛ عندما جاءها الأخير مُودّعاً قائلاً أُماهُ إنّي أخافُ إن مِتُّ أن يُمثّلوا بجسدي، فردَّت أسماء "وهل يضرُّ الشاة سلخها بعد ذبحها" في مؤازرة لابنها في حرب دامية بين جيش عبد الله بن الزبير وجيش الحجاج بن يوسف الثقفي، قُتِل فيها بن الزبير بعد أن حوصِر، ومُثِّل بجسده، وصُلب على جذع نخلة، وعلمت أسماء بالنبأ وقالت للحجاج مقولتها الشهيرة "أمَا آن لهذا الفارس أن يترجَّل" قاصدة بكلامها ابنها عبد الله بن الزبير، ثم أمر عبد الملك بن مروان بتنزيله ودفنه، وتوفيت أسماء بعده ببضع أيام.