2019-03-28

جريمة إرهابية جسدت فاشية الليبرالية الجديدة

(الحلقة 2 والخيرة)

سعيد مضيه

قابلية الفاشية في المجتمعين الأميركي والإسرائيلي

في الحلقة الأولى، صنفت الجريمة الإرهابية في كرايست تشيرش إحدى تجليات فاشية الليبرالية الجديدة، في الحياة الدولية، حيث تتناسل جرائم عنصرية تغذيها سياسات الإدارات الأميركية، خاصة إدارة ترمب. وذكر ايضا في الحلقة السابقة جريمة إطلاق النار على المصلين داخل الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل المحتلة، مماثلة لجريمة كرايست تشيرش، باستثناء أن الإسرائيليين طوبوا القاتل الإرهابي، الذي قُتِل أثناء اقتراف الجريمة، قديسا وبنوا له تذكارا يلهم الزوار الإرهاب العنصري المستدام؛ بينما بادرت نيوزيلندا، شعبا وحكومة، تندد بالجريمة العنصرية وتضامنت مع ضحاياها، الأمر الذي أكد التفوق الحضاري لنيوزيلندا.

السقوط الحضاري لإسرائيل قررته الصهيونية بنهجها الفاشي،كما شخصه الأكاديمي الأميركي، لورنس دافيدسون ، أستاذ التاريخ بجامعة ويست تشيستر بولاية بنسلفانيا. لاحظ دافيدسون أن "نتنياهو مرتاح مع اليمين الفاشي، العنصري، حيث يشاركه الموقف لحد كبير. هذا هو نوع اليهود الذين يأتلف نتنياهو معه". كاهانا منع في عقد السبعينات من القرن الماضي من الترشح لانتخابات الكنيست، نظرا لدعوته العنصرية لتهجير غير اليهود خارج فلسطين، وحاليا دخل اتباع كاهانا في ائتلاف انتخابي مع نتنياهو. سأل دافيدسون، لماذا تنتقل إسرائيل دوما نحو اليمين، وأجاب لأنهم ينظرون لليهودي المعادي للصهيونية خارجا عن اليهودية ومعاد لنفسه. حقا، فالصهاينة مارسوا الإرهاب ولا يزالون يمارسونه ضد اليهود غير الصهاينة. بصورة مكشوفة نشطت ميليشيا الصهاينة – منظمة الهاغاناه، التابعة للوكالة اليهودية، بالتعاون مع العصابات الإرهابية التابعة لحزب حيروت (سلف الليكود الحالي وقاعدته الفكرية) الذي دمغه بن غوريون بالفاشية-لفرض دولة إسرائيل النقية من الأغيار، دونما اعتبار لقرار الأمم المتحدة، إنما طبقا لقدرة الميليشيات على الاستيلاء وتهجير العرب من ديارهم. وسأل دافيدسون من هو اليهودي الفاشي، واجاب "إنه في هذه الحالة الشخص الذي يستخدم العنف لتحقيق الأهداف المنطقية للصهيونية". من تجارب ماضي الصهيونية بفلسطين استنتج دافيدسون، بموضوعية ونزاهة، أن " الفاشية اليهودية كانت على الدوام عنصرا هاما في التاريخ الصهيوني؛ ولا تختلف نوايا غانتس عن نوايا نتنياهو في هذا المضمار."

حقا، فمنذ بداية النشاط الصهيوني على أرض فلسطين أصر الصهاينة على عدم التفاهم مع الفلسطينيي، حملوا نوايا اقتلاعية تجاه أصحاب البلاد. طرح جابوتينسكي، سلف نتنياهو رئيس الحكومة الحالي، في عشرينات القرن الماضي نهج العنف لاقتلاع الفلسطينيين وإقامة الدولة اليهودية بالقوة. لم يتردد بن غوريون في دمغ اتجاه جابوتينسكي ثم بيغن من بعده بالفاشية؛ وفي نفس الوقت اختط سياسة إقصاء العرب من النقابات اليهودية (الهستدروت) ومن العمل العبري باكمله. ولدى لجوئه الى العنف، متعاونا مع العصابات الفاشية، خلال الفترة 1945-1948 فقد وجه السلاح ضد العرب، جنبا لجنب الجنود والشرطة البريطانيين ثم اليهود الذين تخلفوا عن التعاون مع الجهد الصهيوني. وبفضل الاستيطان والحروب راح المجتمع اليهودي ينحرف باتجاه اليمين.

وجد نتنياهو في ترمب التجاوب التام مع مساعيه الفاشية. وترمب، كما وصفه الأكاديمي الأميركي هنري غيروكس،"، يبعث جميع عناصر السياسات الفاشية التي اعتقد العديدون انها انقضت بلا رجعة. فهو يمثل شبح الماضي الكريه، وقوميته المتطرفة، عنصريته الهادفة للتطهير العرقي، وحبه للعديد من ديكتاتوريي العالم وكراهيته للديمقراطية تعكس كلها حقبة من التاريخ حيث غير المتخيل يغدو ممكنا، وحيث إبادة الجنس منتهي سحق إنسانية الآخرين".

أغرت النزعة الفاشية لدى ترمب بالانسحاب من الاتفاقات الدولية، مثل اتفاقية المناخ والاتفاقية النووية مع إيران والاتفاقيات التجارية والاقتصادية مع مختلف الدول، بل وتحدى ترمب القوانين والقرارات الدولية، خاصة تلك المتعلقة برفض التوسع الاستيطاني بالضفة المحتلة وضم القدس والجولان لدولة إسرائيل. فامر ترمب بنقل السفارة الأميركية الى القدس واجاز لإسرائيل الاحتفاظ بالأراضي المحتلة عام 1967، واخيرا وافق على طلب نتنياهو ضم الجولان لإسرائيل. لم تكتف الإدارات الأميركية بالتنصل من القانون الدولي الذي يحظر التهديد بالحرب أو خوضها في غير الدفاع عن الحدود الوطنية، بل اجازت حق الخروج على القوانين والاتفاقات الدولية لحلفائها المقربين، وعلى رأسهم إسرائيل. على خطى السياسات الاميركية في تنصلها من الشرعية الدولية تمضي سياسات إسرائيل، إذ تستبدل القانون الدولي ب"قوانين" التوراة-إبادة الجنس. يعتبر الجيش الإسرائيلي الوحيد في العالم الذي يوظف في كل وحدة عسكرية "حاخام " يلقن الجنود ما جاء في التوراة وبخاصة ب "سفر يوشع "، الذي اعتبر من قبل الباحثين في التوراة من اليهود (أمثال سبينوزا وأبراهام ليون) أنه سفر تشريع المجازر والحروب والدم، حيث يحرض على القتل والفتك والإبادة والحرق بلا رأفة أو رحمة حتى. يتمثل صلب الفاشية العنصرية في التحريض:"لا يبرح سفر هذه التوراة من فمك، تأمل فيه ليلا ونهارا لتحرص على العمل بكل ما كتب فيه ".

في ظلال شجرة ترمب الوارفة يمارس محمد بن سلمان ساديته، يعتقل خصومه ويعذبهم ويقتلهم، مضطلعا بدور حصان طروادة داخل الأوبك مقابل كسب دعم ترمب ورهطه له، ومتصدرا عملية الإبادة الجماعية لشعب اليمن كي يخضعه لهيمنة تحالف اميركا، حلف الأطلسي، إسرائيل.

وما يكابده شعب اليمن خلال السنوات الأربع الماضية إن هو إلا بعض مكائد الليبرالية الجديدة لتطويع الشعوب للمشيئة الامبريالية. وبالفعل، أعلن رسميا الأمين العام لحلف الأطلسي، أن مشروع الناتو بعد الحرب الباردة، اتجه نحو السيطرة على مجموع أنظمة الطاقة، وخطوط الأنابيب، ثم الطرق البحرية. مما يعني ان الناتو نظام شمولي وقوة للتدخل بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ترمب ينهج الأساليب الفاشية داخل الولايات المتحدة وعلى صعيد العالم، خاصة في الشرق الأوسط، حيث يجد في سياسات إسرائيل الفاشية الدعامة المساندة للجهود والأهداف الامبريالية للولايات المتحدة الأميركية. تنشر الولايات المتحدة قرابة أربعة وخمسين ألف جندي (54000) من قواتها فيما يزيد عن "دزينة" من دول الشرق الاوسط، وتحتفظ بقواعد عسكرية أمريكية في سبع دول منها. تنتشر قوات مشاة البحرية (المارينز) الأمريكية في 14 دولة من دول الشرق الاوسط وشمال إفريقيا، تشمل مصر وإسرائيل ولبنان وتركيا والأردن والعراق والكويت والعربية السعودية واليمن وعمان واتحاد الامارات العربية وقطر والبحرين، وأخيرا سوريا. تتواجد تلك القوات منذ عقود في عهود الإدارات المتعاقبة، وتضاعفت إثر انتهاء حقبة الحرب الباردة بغياب الاتحاد السوفييتي. لم تكد البشرية تتنفس الصعداء، إذ رأت زوال مبررات التسلح والتهديد بالحرب النووية، حتى سارع الاستراتيجيون بالإدارات الأميركية يؤكدون تصعيد التسلح. تضع الولايات المتحدة على رأس أولوياتها الدفاع عن إسرائيل، ثم يلي ذلك من حيث الأهمية: 2-القضاء على "الارهاب الاسلامي" 3-التحكم بمراكز انتاج الطاقة 4-التحكم بممرات وطرق التجارة الدولية 5-تطويق روسيا، 6-تطويق الصين. تدعم إسرائيل بمختلف الوسائل والأساليب الأهداف الأخرى للسياسات الأميركية.

إدارة ترمب لم تأت انحرافا عن النهج الأميركي المعتاد؛ إنما مواصلة للنهج وتصعيدا له. بل إن مقدمات النهج الفاشي للولايات المتحدة أرسيت منذ بدايات استيطان البيض الأوروبيين في القارة الجديدة. الى تلك الأزمنة يرجع المفكر الأميركي تشومسكي البدايات "حينما ننظر خلفنا إلى التاريخ والثقافة الأمريكيتين، فالأمر مؤثر بشكل قوي...هناك شيء ترسخ جذريا في الثقافة الأمريكية، يمكننا بقوة التحقق من هويته، حين تصفحنا التاريخ. تذكروا، بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تمتلك سلطة كليانية، سوى حديثا نسبيا، جراء توسع داخلي. ينبغي لنا الدفاع عن أنفسنا ضد ما اشتُهر بإعلان الاستقلال، ذلك أن شخصا فذا مثل توماس جفرسون، قَلَبَ تلك التسمية إلى الاعتداءات على 'الهنود المتوحشين بدون رحمة’، حيث تتمثل الوسيلة المعروفة خلال القيام بالحرب في التعذيب وكذا الإبادة. لم يكن جفرسون أبلها، بل يدرك بأنهم كانوا إنجليز همج، يقومون بتلك الممارسات دون رأفة". يواصل تشومسكي استنطاق التاريخ الأميركي، "فترة أواسط ونهاية القرن التاسع عشر، توضح لصانعي الأسلحة أن سوقهم محدودة. تذكروا بأنه مجتمع رأسمالي، ويجدر بأصحابه توسيع سوقهم. لقد باعوا أسلحة إلى الجيش. كان سوقا محدودا نسبيا. فماذا بخصوص بقية الأفراد؟ إذن، تجلى المنطلق بناء على مختلف أنواع الحكايات الخرافية المرتكزة حول شخصية ”وايت إيرب” وكذا قطاع الطرق المسلحين ثم الغرب الأمريكي القديم، فكم كان مثيرا رؤية هؤلاء الفتيان يحملون بنادق ويدافعون عن أنفسهم ضد كل شيء !.لقد ترعرعْتُ وسط تلك الأجواء وأنا صبي. دأبتُ وأصدقائي على ممارسة عادة لعبة رعاة البقر والهنود. بحيث أدينا أدوار رعاة بقر يطاردون الهنود، وفق آثار حكايات الغرب الأمريكي. امتزج مختلف ذلك بثقافة غريبة جدا، مرعبة. تابعوا استطلاعات الرأي الحالية، أعتقد بأن نصف الساكنة يتمسكون بسياسة الحظر الصادرة في حق مهاجرين أشرارا يأتون عندنا، ويقترفون، لا أعرف ماذا...."

تاريخ أصل للسياسات الأميركية على مر العقود والقرون! في العام 1993 أفادت مادلين اولبرايت امام الكونغرس لدى تثبيتها في منصب المندوبة الدائمة لأميركا بالأمم المتحدة انها «لن تسمح بالتنازل عن السيادة الأمريكية للأمم المتحدة، في أية منطقة ذات مصالح حيوية للولايات المتحدة في أيّ مكان من العالم". وداخل المنظمة الدولية نشبت صراعات بينها وبين الأمين العام في حينه، بطرس بطرس غالي، حول صلاحيات مجلس الأمن الدولي بالذات؛ ومرارا رددت، في حضور الأمين العام أو غيابه: "أليس من المضحك أن يعتقد أنه قادر على استخدام الفيتو ضدّ سياسات الولايات المتحدة"؟! وأصرت الخارجية الأميركية، دون بقية الأعضاء في مجلس الأمن على عدم التجديد لبطرس غالي فترة ثانية.

في تلك الأجواء ظهر للوجود ما أسمي بيان القرن الأميركي وفيه جرى التأكيد على فرض انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم، ما يقتضي، من ثم، سحق كل قوة تعترض المشيئة الأميركية، او تحتفظ بقدرات قد تمكنها في المستقبل عرقلة المشيئة الأميركية. وفي متن البيان جرى التمني بحدوث ما يشبه عدوان اليابان على بيرل هاربر قبيل دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، ليقدم المبرر من جديد لمسلسل من الحروب في الخارج. وانطلاقا من نفس الاستراتيجية شنت حملة شيطنة ضد روسيا ورئيسها بوتين، إذ وجدت لديه الجسارة على التصدي للسياسات الأميركية.

وفرت تفجيرات 11أيلول 2000 لإدارة بوش الابن الانطلاق في غزو أفغانستان والعراق؛ وفي عهد أوباما اشتد اوار الحروب في الخارج، واغتال آلاف المشتبه بهم اعداء الهيمنة الأميركية. وتعرض آلاف آخرون من الأبرياء لضربات الطائرات بلا طيار، إذ صدف ان بعث بهم الحظ العاثر الى موقع الموت المدبر من مراكز التوجيه الأميركية. وفي داخل الولايات المتحدة تعاظم في عهد أوباما، المنحدر من أصل إفريقي، اضطهاد الأميركيين السود. اشتدت سطوة الشرطة الأميركية تقتل الزنوج بشكل عشوائي. فسر أوباما العداء لبلاده أمريكا انها تصرّفت لوحدها في بعض القضايا، دون الاكتراث بمصالح الآخرين. إدارة أوباما، ومن قبله إدارة كلينتون عمدتا الى بناء الجدار مع المكسيك، ما تسبب في موت العشرات من المهاجرين الى الولايات المتحدة هربا من الفقر.