2019-03-29

يوم الأرض: تثوير الجماهير الشعبية ومشاركتها في الفعل السياسي!

عصام مخول

لم يكن يوم الارض الخالد في 30 آذار 1976 انفجار غضب عفوي، وانما جاء تتويجا لمعركة سياسية متواصلة ومحسوبة تم تشييدها حجرا على حجر، ولبنة لبنة، اختمرت عبر نشاطات جماهيرية لم تنقطع منذ أن أعلنت الحكومة مشاريع المصادرة الكبرى في الجليل في مطلع العام 1975.

وصار يوم الارض - نموذجاَ لبناء معركة ثورية في ظروف غير متكافئة، قوامها مشاركة الجماهير الشعبية الواسعة وإلقاء ثقلها في ساحات الفعل السياسي.

في العام 1976 كان تعداد الجماهير العربية في اسرائيل 450 ألف انسان فقط، لكنها استطاعت ان تصنع يوم الارض الخالد بقيادة حكيمة وموقف سياسي شجاع ومسؤول، لا يساوم ولا يغامر، في مواجهة أعتى قوة في المنطقة وفي مواجهة أشرس سياسات الاضطهاد القومي والعنصرية في عصرنا. صنعنا يوم الارض عندما حولنا المعركة ضد المصادرة من معركة أصحاب الاراضي، الى معركة شعب، وعندما نجحت قيادة هذه الجماهير في تحويل الجماهير العربية عبر عملية تراكمية طويلة وواعية، من جماهير تتلقى سياسة القهر القومي، الى أقلية قومية تلقي بوزنها كاملا في مواجهة سياسة القهر العنصري مصممة على ان الكف قادرة على ملاطمة مخرز السياسات العنصرية الظالمة .

نضجت الظروف في العام 1976 ونجحت الجماهير العربية في صنع يوم الارض الخالد، ليس فقط لأن السياسات العنصرية ومشاريع التهويد الحكومية قد تعمقت وانعكست في مشروع "تطوير الجليل" المشبوه، فمثل هذه السياسات المعادية للجماهير العربية كانت حاضرة بقوة وإن تعددت أشكالها منذ قيام إسرائيل.

الحقيقة أننا في سبعينيات القرن الماضي كنا نحن قد تغيرنا، فأنجزنا يوم الارض، وأنجزنا يوم الارض فغيرنا معادلات القوة وأصبحنا نعي وزن مشاركتنا السياسية والطاقات الكفاحية الكامنة في هذه المشاركة، وراكمت جماهيرنا العربية الفلسطينية الباقية في وطنها وعيها لأهمية وزنها كقوة سياسية فاعلة وقادرة ان تنجز وأن تدافع عن حقوقها القومية والمدنية من موقعها داخل اسرائيل، وعلى الساحة السياسية الاسرائيلية المعقدة والقاسية .. "نصيبي من مآسيكم".

معركة قوامها المشاركة الشعبية وبناء وحدة الصف الكفاحية!

فقط قيادة شجاعة ومسؤولة تجاه شعبها الى أقصى الحدود، متمرسة في المواجهة مع سياسة الاضطهاد القومي، حكيمة ومجربة، تستند الى مشروع سياسي وطني ديمقراطي تقدمي، كان بمقدورها ان تقف على رأس هذه المعركة وأن تخطط لها وتكسب ثقة الجماهير وتوجهها.

كانت الشرارة قد انطلقت من اجتماع تشاوري بادر اليه الحزب الشيوعي عقد في 29.7.1975 في نادي الأخوة في حيفا (مقر الحزب الشيوعي والجبهة اليوم)، تناول مشاريع المصادرة المطروحة، وأقر تشكيل لجنة تحضيرية لعقد اجتماع موسع في الناصرة في 15.8.1975، انتخبت عنه لجنة تحضيرية من 40 شخصية وطنية، تأسست منها وعلى أساسها "لجنة الدفاع عن الاراضي العربية" واختير لرئاستها الشخصية الوطنية القس شحادة شحادة ومعه مركِّزا لعمل اللجنة القائد الشيوعي صليبا خميس ومحامي الارض والشعب حنا نقارة والعديد من الشخصيات القيادية البارزة لتكون إطارا وطنيا شاملا، وأداة نضالية تتسع لبناء وحدة الصف الكفاحية. وفتحت اللجنة أبوابها أمام كل المعنيين، وتواصلت مع كل القوى التي يمكن تحشيدها للمشاركة في معركة الدفاع عن الارض ومقاومة مشروع التهويد العنصري.

وجابت لجنة الدفاع عن الارض والقوى السياسية المنضوية فيها ، البلاد من أقصاها الى أقصاها، من الجش وعرب العرامشة شمالا وحتى النقب جنوبا، تنظم المهرجانات الاحتجاجية وتستنهض أصحاب الاراضي المتضررين من مشاريع المصادرة وتستحث الناس، وتحشد التأييد الشعبي وتؤسس اللجان المحلية للدفاع عن الارض وعن الحقوق، تعبّئ الجماهير الشعبية من الفلاحين والعمال والمثقفين والطلاب الثانويين والجامعيين والحرفيين والتجار، رجالا ونساء، وتخاطب جمهور الشباب الذي كان يشكل 60% من أبناء الاقلية العربية الفلسطينية في اسرائيل، وتوقّع بيانات التأييد للمعركة وتعقد الاجتماعات الشعبية الحاشدة وتعلن رفضها ومقاومتها لمشاريع التهويد والمصادرة .

كانت هذه العملية المتواصلة من اجتراح أساليب النضال والتحشيد وبناء الوعي وخلق آليات المشاركة الثورية هي التي جعلت الجماهير العربية تتصرف كأقلية قومية واعية ومنظمة وواثقة. كان هذا هو المفهوم الذي جعل من يوم الارض 30 آذار 1976 محطة تاريخية غير مسبوقة في حياة الجماهير العربية الفلسطينية المواطنة في اسرائيل، ونقطة انعطاف نقلت هذه الجماهير نقلة استراتيجية نوعية فرضت من خلالها هيبتها كأقلية قومية واعية، على مؤسسة الاضطهاد القومي في اسرائيل من جهة، وفرضت هيبتها فلسطينيا وعربيا وعالميا، كقوة كفاحية وطنية وفرضت نفسها على الساحة الاسرائيلية كقوة دمقراطية يحسب لها حساب، تخوض معركتها بعناد على هذه الساحة دفاعا عن ارضها وعن وجودها وحقها في التطور فوق ارضها وفي وطنها الذي لا وطن لها سواه، وتدافع عن حقوقها القومية والمدنية وتدافع عن حق شعبها الفلسطيني في التحرر والاستقلال وتقرير المصير.

ومن المفارقات المتميزة التي رافقت محطة يوم الارض التاريخية، أن اللحظة التي عكست زخم المواجهة الوطنية العميقة التي خاضتها الاقلية القومية الفلسطينية في اسرائيل بفعل ارتباطها بالأرض وعمقت انتماءها القومي وعمقها الفلسطيني، هي اللحظة نفسها التي اكتشفت فيها هذه الجماهير عمق الدور الذي افترضته معركتها المدنية على الساحة الاسرائيلية، والطاقات الكامنة في تميز هذا الدور، وفي قدرته على مواجهة التحدي المطروح للتأثيرعلى طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه، وخوض المعركة لتغيير طابع النظام الصهيوني المأزوم القائم في اسرائيل، وتحويل مساره نحو ديمقراطية حقيقية، ومقاومة التمييز العنصري، وانتزاع المساواة القومية واليومية.

صوت توفيق زياد: الشعب قرر الاضراب!

أو صوت المؤسسة الاسرائيلية - إحباط الجماهير العربية

وإبعادها عن المشاركة السياسية والتأثير!

كان واضحا لقيادة الجماهير العربية عشية يوم الارض، كما كان واضحا للمؤسسة الاسرائيلية الحاكمة أيضا، أن فرصة الجماهير العربية في اسرائيل للصمود ومقارعة مشاريع مؤسسة الاضطهاد القومي والتمييز العنصري، ولَيّ شوكة مشاريع المصادرة والتهويد، والمواجهة مع أدوات القمع وآليات السيطرة والإخضاع - الامنية والسياسية والتشريعية والقضائية والاقتصادية، كانت مرهونة بالقدرة على استنهاض أوسع قاعدة بين الجماهير العربية وتعميق وعيها، وتحويل مشاعر الغضب والمظلومية الى قوة سياسية فاعلة، والى وعي ثوري جماعي يشارك في المواجهة الكفاحية وفي الفعل السياسي ليخلق معادلات جديدة في تعامل الجماهير العربية مع نفسها وفي أشكال تناقضها مع مؤسسة القهر القومي.

ومقابل المعركة التي خاضتها لجنة الدفاع عن الارض وقيادة الجماهير العربية، على إشراك الناس في السياسة واشراك المزيد من القطاعات في قيادة المعركة وتثويرها وشحنها بالوعي والمعنويات لمقاومة مشاريع مصادرة الارض والتهويد والتمييز العنصري، مقابل هذه المعركة شنت سلطات القهر القومي معركة في الاتجاه المعاكس لنشر اليأس والإحباط وتفريغ الوعي الوطني بين الناس وإجهاض أية جاهزية نضالية لدى ضحاياها، بالتخويف حينا، وبتشجيع المزايدة الوطنية الفارغة أحيانا، وخصوصا بين جمهور الطلاب والشباب، لإخراجهم خارج المشاركة السياسية وخارج دائرة التأثير السياسي، وإلغاء الفعل السياسي أصلا، كما حدث حين قامت بتجنيد أعوانها للدعوة الى الغاء اضراب يوم الارض في اجتماع رؤساء السطات المحلية العربية في اجتماع شفا عمرو الشهير في 25.3.1976، ذهبت سياستهم الى مزبلة التاريخ وبقيت صرخة توفيق زياد وعشرة من رفاقه الشجعان بأن الشعب قرر الاضراب نداء تردده الجماهير وتتبناه وتنتصر له، وتنتصر به، وما يزال مدوياً حتى يومنا هذا.

إن المواجهة والصدام كان وما زال قائماً بين استراتيجيتين: بين استراتيجية يوم الارض، التي قامت على دعوة الجماهير الشعبية وتعبئتها واستنهاض وعيها للمشاركة في السياسة والانغماس في الفعل السياسي وفي صنع التاريخ في اللحظات المصيرية، وبين استراتيجية سلطات القهر القومي التي تقوم على تفعيل أدواتها لتخويف الجماهير العربية وإحباطها وتشويه وعيها، وإبعادها عن المشاركة في الفعل السياسي وإقناعها بالتخلي عن وزنها في المعارك الحاسمة.

إن المواجهة بين هذين الخيارين الاستراتيجيين، هي مواجهة ما تزال ماثلة وحاضرة بقوة في كل معركة سياسية بما فيها معركة الانتخابات المصيرية التي نذهب اليها خلال أيام معدودة. نحن نختلف مع من قرر التخلي عن استعمال وزنه في معركة الانتخابات المصيرية القريبة، ولكننا في الوقت نتفهم قوىً التزمت تاريخيا ومبدئيا بموقف عدم المشاركة في التصويت لأسبابها السياسية المعروفة وليس هنا المكان للنقاش معها. ونحن نميز بين هؤلاء، وبين تلك القوى المستحدثة التي – يرفض شعبنا ان يتفهمها – والتي تخوض "حملة" ممولة ومشبوهة تدعو الناس والجماهير الشعبية بشكل فاعل الى مقاطعة الانتخابات، وتنشر اليأس والاحباط وتدعو الجماهير العربية التي تعاني التمييز العنصري وسياسة المصادرة والهدم ونشر العنف بينها، الى الانكفاء عن دورها السياسي والى الانسحاب من دائرة الفعل السياسي، في ظل الانزلاق الخطير وغير المسبوق نحو الفاشية الذي تشهده اسرائيل اليوم.

في ذكرى يوم الارض نحن نذكر ونذكّر بضرورة اختيار أحد خيارين: صوت المؤسسة العنصرية الذي دعا الجماهير العربية الى الانسحاب من السياسة عبر حفنة من الرؤساء المتعاونين في اجتماع شفا عمرو، وبين صوت توفيق زياد ورفاقه الشجعان: بأن الشعب قرر الاضراب .. والشعب قرر المشاركة في الفعل السياسي ولن يتخلى عن إلقاء وزنه في المعارك .. نحن ومعنا الاكثرية الساحقة من ابناء شعبنا اخترنا صوت توفيق زياد .. فأي صوت ستختارون!