2019-05-01

السمات الثورية للمادية الجدلية

خليل اندراوس

*"ليس هناك من امر نهائي، مطلق، مقدس بنظر الفلسفة الديالكتيكية فهي ترى على كل شيء وفي كل شيء خاتم الهلاك المحتوم وليس ثمة شيء قادر على الصمود في وجهها غير الحركة التي لا تنقطع، حركة الصيرورة والفناء، حركة التصاعد ابدا دون توقف من الادنى الى الاعلى هذه الفلسفة نفسها ليست الا مجرد انعكاس هذه الحركة في الدماغ المفكر". فالديالكتيك هو اذًا في نظر ماركس "علم القوانين العامة لحركة العالم الخارجي والفكر البشري على السواء".

المادية الجدلية هي الفلسفة الثورية للطبقة العاملة التي يحتاج اليها حزب الطبقة العاملة الثوري، على كل حزب سياسي في المجتمع الطبقي ان يضع ويتبنى فلسفة محددة خاصة به، ونقصد عادة بالفلسفة تفسيرنا الاكثر عمومية لطبيعة العالم ولمكان البشرية ومصيرها فيه، أي نظرتنا العامة الى العالم. المادية الجدلية ركن اساسي من اركان الفلسفة الماركسية تعتمد على قوانين الديالكتيك وبناها كارل ماركس بالاستناد الى جدلية فلسفة هيجل والى مادية فلسفة فيورباخ. اساس الفلسفة الجدلية المادية هو انها تعد ان الفكر هو نتاج المادة وان المادة ليست نتاج الفكر، ففكر الانسان نتاج المادة الاكثر تطورا العقل وليس الانسان من نتاج الفكر او الفكرة المطلقة كما كان يطرح هيغل في فلسفته الجدلية المثالية، الفلسفة المادية الجدلية تشدد على اهمية الوجود المادي في اعلاء وتوليد الفكر والوعي، ان الوعي هو انعكاس للمادة وليس العكس.

لقد قام ماركس بمزاوجة مادية فيورباخ مع مثالية هيغل التاريخية الجدلية وخرج بفلسفة كاملة متكاملة جديدة هي الفلسفة المادية الجدلية والتي تدرس التطور وفق قوانين الديالكتيك الاساسية الثلاثة وهم: 1. نفي النفي 2. وحدة وصراع الاضداد 3. تحول الكم الى كيف. حين يكون المجتمع منقسما الى طبقات – وقد انقسم المجتمع الى طبقات دائما منذ انحلال المشاعية البدائية أي طوال الفترة التاريخية التي ينتمي اليها تاريخ الفلسفة – فان مختلف الافكار الجارية في المجتمع تعكس دائما نظرات مختلف الطبقات، ومن هنا نستطيع ان نستنتج ان مختلف مذاهب الفلاسفة تعبر دائما ايضا عن نظرة طبقية، فهي ليست في الواقع الا البناء المنسق والصياغة النظرية لنظرة طبقة ما او بتعبير افضل لايديولوجية طبقة معينة، فالفلسفة هي فلسفة طبقة وهكذا كانت دوما، وقد يدعي الفلاسفة ممثلو طبقة رأس المال امثال فوكوياما وهانتنغتون انها ليست كذلك غير ان هذا لا يغير الواقع.

كتب لينين يقول في مقال عن الماركسية والنزعة التحريفية ما يلي: "وليس ثمة ما يدعو الى الدهشة اذا كان مذهب ماركس الذي يهدف مباشرة الى تنوير وتنظيم الطبقة المتقدمة في المجتمع المعاصر ويشير الى مهمات هذه الطبقة ويثبت ان النظام الحالي سيستعاض عنه حتما بأوضاع جديدة من جراء التطور الاقتصادي ليس ثمة ما يدعو الى الدهشة اذا اضطر هذا المذهب الى ان يخطو كل خطوة في طريق الحياة بعد نضال شديد. وحتى الآن كل خطوة الى الامام في طريق الحياة يخطوها الفكر الماركسي وخاصة في عالمنا المعاصر، عالم تفاقم الازمة العامة للرأسمالية في اعلى مراحل تطورها – الامبريالية يجابه بتشويه ونضال مرير وشديد من قبل طبقة رأس المال وفلاسفتها. ان العلم البرجوازي وفلاسفة طبقة رأس المال الاساتذة الرسميين في غالبية جامعات العالم الرأسمالي يدرسون العلم والفلسفة البرجوازية بطريقة رسمية تهدف الى اختبار الجيل الناشئ من الطبقات المالكة والبرجوازية الصغيرة من اجل ترويضها وتحريضها ضد الاعداء الخارجيين من خلال مفاهيم صراع الحضارات والاسلامافوبيا، ونهاية التاريخ، ويعملون كل شيء من اجل ان لا يسمع الجيل الناشئ بوجود الفكر الماركسي – المادي الجدلي الثوري بادعاء ان هذا الفكر وهذه الفلسفة دحضت ولذلك على الاحزاب الشيوعية في شتى انحاء العالم العمل بشكل مبرمج وممنهج ومدروس من اجل تقدم الماركسية وانتشار افكارها ورسوخها في صفوف الطبقة العاملة لكي تزداد الماركسية ثباتا وصلابة وحيوية اكثر من أي وقت مضى كلما حاول العلم البرجوازي الرسمي ابادتها، لكي يبقى هذا الفكر الطريق الثوري الذي تتبناه الطبقة العاملة من اجل احداث الثورة الاجتماعية وبناء مجتمع المستقبل مملكة الحرية على الارض لكي يبقى العلم الاحمر الطريق الوحيد من اجل تحرر الطبقة العاملة وكل الشعوب المضطهدة، فسلام الشعوب بحق الشعوب، الفلسفة هي فلسفة طبقة وهكذا كانت دوما وقد يدعي فلاسفة طبقة رأس المال انها ليست كذلك غير ان هذا لا يغير الواقع. لقد اعتبر ماركس ان التاريخ هو تاريخ الصراع الطبقي وهذا الصراع هو المحرك الاساسي للتاريخ وان البناء الفوقي للمجتمع من انظمة سياسية وقيم اجتماعية وثقافية والاديان هي انعكاس للواقع الطبقي والمادي المعيش – انعكاس للبناء التحتي – الاقتصادي، ان هذا ينسجم مع النزعة المادية لتفسير التاريخ المتناقض مع النزعة المثالية لتفسير الاخير، لقد قام ماركس بقلب ديالكتيك هيغل "رأسا على عقب".

ان النظريات التي تؤسس لها وتنشرها طبقة رأس المال والتي تدعوها باسم نظريات ما بعد الحداثة التي تشدد على اهمية "شخصانية المعرفة" والتشكيك بموضوعية المعرفة تهدف الى تحدي ومكافحة الفكر الماركسي المادي الجدلي ولكنها بهذا العمل تتحدى وتشوه اسس المعرفة الموضوعية عن عالمنا المعاصر. ان المادية الجدلية تشدد على موضوعية الوجود وامكانية دراسته باستقلالية عبر المراقبة والدراسة والاختبار، لقد حذر لينين بان السلاح الاخير في يد الامبريالية والرأسمالية هي استمولوجيا المعرفة التي سوف تعمل على هدم الاسس النظرية للمعرفة بسبب فشلها في ربح المعركة الفلسفية والمنطقية مع المادية الجدلية والمادية التاريخية للفكر الماركسي. يؤكد الفكر المادي الجدلي الماركسي ان الناس لا يفكرون ولا يستطيعون ان يفكروا في عزلة عن المجتمع وبالتالي في عزلة عن المصالح الطبقية والمعارك الطبقية التي تسود المجتمع، تماما كما لا يستطيعون ان يعيشوا ويتصرفوا في مثل هذه العزلة، فالفلسفة هي نظرة عامة الى العالم.. هي محاولة لفهم العالم والبشرية.. ومكان الانسان في العالم ولا يمكن ان تكون مثل هذه النظرة العامة الا نظرة طبقية، ويؤدي الفيلسوف وظيفة الممثل الفكري لطبقة، فنحن لا نستورد الفلسفات من كوكب آخر بل هي تنتج هنا في هذه الارض في هذا المجتمع، وينتجها اناس ينغمسون – ارادوا ذلك او لم يريدوه – في علاقات طبقية قائمة وفي الصراع الطبقي القائم ومن هنا مهما اجهدنا انفسنا في البحث فلن نجد فلسفة غير متحيزة ولا متحزبة ولا طبقية. ولا نستطيع ان نخرج من ذلك الا بانه على الطبقة العاملة وحزبها الثوري اذا ارادت اليوم ان تشغل مكان القيادة في المجتمع ان تعبر عن نظرتها الطبقية العامة في شكل فلسفة وان تعارض بفلسفتها الفلسفات التي تعبر عن مصالح طبقة رأس المال.

قال لينين في رثائه لانجلز: "يمكننا ان نعبر في بضع كلمات عن الخدمات التي اراها ماركس وانجلز للطبقة العاملة على الوجه التالي: لقد علما الطبقة العاملة ان تعرف نفسها وان تعي ذاتها وأحلال العلم محل الاحلام"، وقد وضع ماركس وانجلز النظرية الثورية لنضال الطبقة العاملة، النظرية التي تضيء الطريق الذي يمكّن الطبقة العاملة من اطاحة الاستغلال الرأسمالي وان تتولى قيادة كل جماهير الشعب وبذلك تحرر المجتمع بأسره مرة واحدة والى الابد من كل قهر ومن كل استغلال للانسان بواسطة الانسان، وكما كتب لينين في كتابه في الايديولوجية والثقافة الاشتراكية صفحة 48، كتب يقول: "ان نضال الماركسية الثورية الفكري ضد النزعة التحريفية في اواخر القرن التاسع عشر، ليس سوى مقدمة للمعارك الثورية الكبيرة التي ستخوضها البروليتاريا السائرة الى الامام نحو انتصار قضيتها التام رغم كل تردد العناصر البرجوازية الصغيرة وتخاذلها". والفكر المادي الجدلي الماركسي الثوري سيبقى السلاح الفكري في المعارك الثورية الكبيرة التي تخوضها الطبقة العاملة في عصرنا الراهن ضد طبقة رأس المال، ولقد علمنا ماركس وانجلز ان الطبقة العاملة دون حزبها المستقل عن كل الاحزاب البرجوازية لا تستطيع بالتأكيد ان تنتصر على الرأسمالية، لا تستطيع ان تقود المجتمع كله نحو الغاء الرأسمالية واقامة الاشتراكية.

وطور لينين التعاليم الماركسية عن الحزب واوضح ان على الحزب ان يعمل كطليعة لطبقته كأكثر اقسام طبقته وعيا وانه هو سلاح كسب السلطة السياسية وتدعيمها ولكي يستطيع الحزب ان ينجز هذا الدور فمن المهم والواضح ان عليه امتلاك المعرفة والفهم والبصيرة، وبعبارة اخرى يجب ان يكون مسلحا بنظرية ثورية يقيم عليها سياسته ويسترشد بها في نشاطه وهذه النظرية هي النظرية الماركسية، وهي ليست مجرد نظرية اقتصادية ولا هي نظرية سياسية بل هي نظرة شاملة للعالم – فلسفة. فليست الافكار الاقتصادية والسياسية – ولا يمكن ان تكون – مستقلة عن النظرة العامة الى العالم فالافكار الاقتصادية والسياسية المحددة تعبر عن نظرة معتنقيها الى العالم، وبالعكس تجد الافكار الفلسفية تعبيرا عنها في الافكار الاقتصادية والسياسية، وحين يدرك حزب الطبقة العاملة ذلك كله فانه لا يستطيع الا ان يصوغ فلسفته الحزبية والا ان يتمسك بها بعد صياغتها ويطورها ويكتنزها، وفي هذه الفلسفة – المادية الجدلية – تجسد الافكار العامة التي عن طريقها يفهم الحزب العالم الذي يسعى الى تغييره ووفقا لتعبيراتها يصوغ اهدافه ويحدد طريق نضاله لتحقيقها. في هذه الفلسفة، أي الفلسفة المادية الجدلية الماركسية تجسد الافكار العامة التي يسعى الحزب عن طريقها الى تنوير الطبقة العاملة كلها وتنظيمها والى التأثير في كل جماهير الشعب العامل وقيادتها وكسبها موضحا النتائج التي يجب ان تستخلص من كل مرحلة من مراحل النضال، ومساعدا الشعب على ان يعرف من خبرته الذاتية كيف يسير قدما نحو الثورة الاجتماعية نحو مجتمع المستقبل – مملكة الحرية على الارض.

وهكذا نرى لماذا انبعثت في عصرنا الحالي العصر الرأسمالي فلسفة تعبر عن نظرة الطبقة العاملة الثورية الى العالم، وخلال العقود الاخيرة ومن خلال الخبرة والممارسة نستطيع ان نقول بانه على الحزب الثوري ان يستوعب ويدرس بعمق الفلسفة الماركسية والتي هو بحاجة اليها، اذ توضح خبرة العقود الاخيرة بانه اذا لم يكن لدينا فلسفتنا المادية الجدلية الثورية فسيقترض البعض افكارا انتهازية خاصة من مصادر الاعداء، من مصادر معادية للفكر الماركسي، لذلك على حزب الطبقة العاملة – اذا اراد ان يكون قيادة ثورية حقة لطبقته والا يضللها باستيراد افكار رأسمالية انتهازية، معادية، وسياسة تتوافق مع هذه الافكار – ان يهتم بصياغة فلسفته الثورية وبالدفاع عنها باخلاص وتفان ونشرها ليس فقط بين الطبقة العاملة بل بين جماهير الشعب الواسعة، والعمل على كسب تأييد الطبقة العاملة والجماهير الشعبية الواسعة ونشر الفكر المادي الجدلي الماركسي من اجل احداث الثورة الاجتماعية وبناء مجتمع المستقبل، فلن نستطيع الاقتراب من الحقيقة الا اذا تبنينا وجهة النظر المتحزبة لأكثر الطبقات تقدما من الناحية التاريخية أي الطبقة العاملة.

قال لينين "المبدأ الماركسي مبدأ قادر لأنه مبدأ حقيقي انه مبدأ كامل متجانس يزود الناس بتصور متكامل للعالم لا يقبل أي شكل من اشكال الخرافة او الرجعية او الدفاع عن القهر البرجوازي" (لينين: المصادر الثلاثة والأجزاء المكونة الثلاثة للماركسية). "لا يوجد في الماركسية ما يشبه "الحلقية" بمعنى كونها مذهبا جامدا ضيق الافق، مذهبا نشأ بعيدا عن طريق تطور المدنية العالمية بالعكس ان عبقرية ماركس تكمن بالتحديد في انه استطاع ان يقدم اجوبة لاسئلة شغلت بالفعل اعظم الاذهان التي انجبتها الانسانية فقد نشأت تعاليمه كاستمرار مباشر وفوري لتعاليم اعظم ممثلي الفلسفة والاقتصاد السياسي والاشتراكية (المصدر نفسه)، والماركسية في جانبها الفلسفي تعتبر تتويجا لتطوير كبير للفكر الفلسفي طرحت فيه المشكلات الفلسفية وتشكلت في مجرى سلسلة من الثورات وصلت ذروتها في الفلسفة الكلاسيكية الالمانية في بداية القرن التاسع عشر، لقد كان ماركس وانجلز يريان ديالكتيك هيغل باعتباره اكثر مذاهب التطور شمولا واوفرها مضمونا واشدها عمقا، اثمن اكتساب حققته الفلسفة الكلاسيكية الالمانية، وكانا يعتبران كل صيغة اخرى لمبدأ التطور وحيدة الجانب، فقيرة المضمون، تشوه وتفسد السير الواقعي للتطور (الذي غالبا ما تصحبه قفزات وكوارث وثورات) في الطبيعة والمجتمع، "اننا كلينا ماركس وانا، كنا وحدنا تقريبا اللذين وضعنا نصب اعيننا مهمة انقاذ الديالكتيك الواعي" (من دكة على يد المثالية بما فيها الهيغلية) "ونقله الى صعيد المفهوم المادي عن الطبيعة"، "ان الطبيعة هي التأكيد على الديالكتيك وان العلوم الطبيعية الحديثة بالضبط تبين ان هذا التأكيد غني للغاية" (كتب هذا قبل اكتشاف الراديوم والالكترونات وتحول العناصر، الخ..!) "وانه يوفر كل يوم معطيات لا تحصى ويبرهن على ان الامور في الطبيعة تسير في آخر تحليل على النحو الديالكتيكي، لا على النحو الميتافيزيائي" (فريدريك انجلز "ضد دوهربينغ": الفصل الحادي عشر، مقدمات الطبعات الثلاث 10 – ملاحظات عامة – ص 21). وقال انجلز ايضا: "ان الفكرة الاساسية الكبرى التي تقول بان العالم لا يتألف من اشياء جاهزة مكتملة بل هو مجموعة من العمليات يطرأ فيها على الاشياء التي تبدو في الظاهر ثابتة وكذلك على انعكاساتها الذهنية في دماغنا، أي الافكار تغير مستمر من الصيرورة والفناء، ان هذه الفكرة الاساسية الكبرى قد نفذت على نحو عميق منذ هيغل في الادراك العام، حتى انه يكاد لا يوجد من يعارضها في شكلها العام هذا. ولكن الاعتراف بهذه الفكرة قولا شيء، وتطبيقها في الواقع، في كل حال من الاحوال وفي كل ميدان من ميادين البحث شيء آخر".

"ليس هناك من امر نهائي، مطلق، مقدس بنظر الفلسفة الديالكتيكية فهي ترى على كل شيء وفي كل شيء خاتم الهلاك المحتوم وليس ثمة شيء قادر على الصمود في وجهها غير الحركة التي لا تنقطع، حركة الصيرورة والفناء، حركة التصاعد ابدا دون توقف من الادنى الى الاعلى هذه الفلسفة نفسها ليست الا مجرد انعكاس هذه الحركة في الدماغ المفكر". فالديالكتيك هو اذًا في نظر ماركس "علم القوانين العامة لحركة العالم الخارجي والفكر البشري على السواء" (فريدريك انجلز "لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية (الفصل الرابع ص 21) "فالديالكتيك حسب مفهوم ماركس كما هو حسب مفهوم هيغل يشمل ما يسمى اليوم بنظرية المعرفة التي يجب عليها ان تعالج موضوعها من وجهة نظر تاريخية ايضا، وذلك بان تدرس وتعمم المعرفة وتطورها، أي الانتقال من اللامعرفة الى المعرفة" (لينين كتاب كارل ماركس ومذهبه ص 21).

لذلك نقول بان المادية الجدلية الماركسية التي كانت استمرارا وتتويجا لمنجزات الفلسفة في الماضي فانها استمرار يضع حدا لعصر ويشكل نقطة انطلاق جديدة، فهي تندفع وفق خطوط جديدة بالمقارنة بفلسفات الماضي وانها ثورة في الفلسفة، نهاية لمذاهب الماضي فلسفة من نوع جديد كلية فالفلسفة الماركسية اللينينية فلسفة تخدم الطبقة العاملة وكل جماهير الشعب والناس في نضالهم للتطويح بكل استغلال ولبناء مجتمع لا طبقي، فالماركسية فلسفة تسعى الى فهم العالم من اجل تغييره، يقول ماركس: "كان كل ما قام به الفلاسفة هو تفسير العالم بطرق مختلفة بيد ان القضية هي تغييره" (ماركس قضايا عن فورباخ رقم 11)، وهكذا فاذا كان في وسعنا ان نقول عن فلسفات الماضي انها كانت محاولة لفهم العالم ومكان الانسان منه ومصيره فيه – محاولة تحدها بالضرورة النظرة الطبقية وتحيزات واوهام مختلف فلاسفة الطبقة المستغِلة – فان علينا ان نقول عن الفلسفة الماركسية انها فلسفة لفهم العالم من اجل تغييره ومن اجل تشكيل وتحقيق مصير الانسان فيه، ان الفلسفة المادية الجدلية هي سلاح نظري في ايدي الطبقة العاملة والشعب لاستخدامه في تغيير العالم.

ومن هنا لا تسعى الماركسية الى اقامة افكارنا عن الاشياء على اساس آخر غير الدراسة الواقعية لها، تلك الدراسة المنبعثة من الخبرة والممارسة والتي تمحصها هذه الخبرة والممارسة، انها لا تبتدع "مذهبا" – كما فعلت الفلسفات السابقة – ثم تحاول ان تجعل كل شيء متلائما معه وكما يفعل فلاسفة طبقة رأس المال في عصرنا الحالي امثال هانتنغتون وفوكوياما وأمة اليمين الامريكي، واصحاب اوهام "الحلم الامريكي" الذي هو عبارة عن مفاهيم الهيمنة والسيطرة الامبريالية على العالم فالمادية الجدلية فلسفة شعبية فلسفة علمية، فلسفة ممارسة بأصدق ما تنطوي عليه هذه الصفات. وتتجسد السمات الثورية للمادية الجدلية في قسمين للفلسفة الماركسية هما اللذان يعطيانها اسمها وهما – المادية والجدل. فكي نفهم الاشياء حتى نغيرها يجب الا ندرسها وفقا لمعطيات أي مذهب مجرد بل في تغيراتها وعلاقاتها المتبادلة الواقعية... وهذا ما يعنيه الجدل.

ويجب ان ننحّي جانبا الافكار والخيالات المسبقة عن الاشياء وان نسعى الى وضع نظرياتنا في توافق مع الظروف الحقيقية للوجود المادي... وهذا يعني ان نظرتنا ونظريتنا ماديتان، قال انجلز انه في المادية الجدلية: "اخذت النظرة المادية الى العالم مأخذا جديا حقا للمرة الاولى، وطبقت بشكل متماسك..." لأنها "عزمت على فهم العالم الحقيقي – الطبيعة والتاريخ – تماما كما يظهر لكل من يقترب منه متحررا من الخيالات المثالية المسبقة، لقد تقرر بلا هوادة التضحية بكل خيال مثالي لا يمكن ان ينسجم مع الوقائع كما تبدو في علاقاتها الحقيقية وليس في علاقاتها المتخيلة ولا تعني المادية شيئا اكثر من ذلك" (انجلز: لودفيغ فيورباخ، الفصل الرابع). ان الفهم المادي الجدلي للتاريخ هو الاساس النظري العام الفلسفي وقد سحب ماركس وانجلز خلافا لاسلافهما، المادية الفلسفية والديالكتيك ونظرية التطور الى ميدان التاريخ وبرهنا ان انتاج وتجديد انتاج الحياة المادية هما اساس الحياة الاجتماعية والعملية التاريخية.

ان التاريخ هو عملية محتمة للتطور المتواصل ولتعاقب التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية وحركة الاشكال الاجتماعية تتوقف في آخر المطاف على تطور القوى المنتجة التي يجب ان تتكيف علاقات الانتاج وعلاقات الملكية حتما حسب مستواها وهكذا تشكل علاقات الانتاج البناء التحتي للمجتمع الذي ينتصب فوقه البناء الفوقي – أي العلاقات السياسية والحقوقية وخلافها والمؤسسات المناسبة لها واشكال الوعي الاجتماعي والايديولوجية والخ.. ان التناقض الموضوعي بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج بين اسلوب الانتاج في مجتمع معين واشكاله يؤدي في درجة معينة من التطور الى تغييرات جذرية في حياة المجتمع الى انعطاف اجتماعي الى ثورة اجتماعية، وهذا التناقض يشكل اساس الثورة المادي والثورة تنجز عملية نضوج مقدمات النظام الجديد تدريجيا في احشاء النظام القديم وتحل التناقض بين القوى المنتجة الجديدة وعلاقات الانتاج القديمة وتحطم علاقات الانتاج البائدة والبناء الفوقي السياسي الذي يدعم هذه العلاقات، وتفسح المجال لاطراد نمو القوى المنتجة. وفي مقدمة ماركس لمؤلفه "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" الصيغة الكلاسيكية لجوهر الفهم المادي الجدلي للتاريخ فان ماركس يشير الى ان جوهر الثورة الاجتماعية يكمن في حل النزاع بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج، وفي الانتقال من نظام اجتماعي اقتصادي الى نظام آخر، ويؤكد ان "أي تشكيلة اجتماعية لا تموت قبل ان تتطور جميع القوى المنتجة التي تفسح لها ما يكفي من المجال ولا تظهر ابدا علاقات انتاج جديدة ارقى قبل ان تنضج شروط وجودها المادية في قلب المجتمع القديم بالذات" (ماركس انجلز – بصدد الثورة الاشتراكية – مجموعة – ص 128. ص 45).

تبرز الماركسية في المقام الاول طابع العملية التاريخية الموضوعي وتعلق كذلك اهمية كبيرة على الاعمال الواعية التي تقوم بها الطبقات والاحزاب والجماعات والافراد وتنوه بدور النظرية الثورية الطليعية الهائل، ولذلك مهم جدا نشر وتثقيف جماهير الشعب الواسعة على اساس هذه المفاهيم الثورية على اساس هذه الفلسفة المادية الجدلية لكي تمارس دورها الثوري الطبقي كأحزاب وشرائح مجتمع وجماعات وافراد. فمثلا لا يعقل ان يدعي هذا الشخص او ذاك انتماءه للفكر الماركسي ويقول بانه مثلا قادر ان يحارب وحده مكافحة البطالة او الفقر او غيرها من مشكلات وازمات المجتمع الرأسمالي؟؟ لقد صاغ ماركس وانجلز في مؤلفهما "العائلة المقدسة" وهو اول مؤلفاتهما المشتركة اسس المذهب الخاص بدور الجماهير الشعبية في التاريخ، ان الاعتراف بدور الجماهير الشعبية الحاسم هو من اهم موضوعات الفهم المادي الجدلي للتاريخ. ان الجمهور، الشعب، الشغيلة العمال والفلاحين – هم اهم قوة منتجة في المجتمع وهم الذين يصنعون بعملهم جميع الخيرات المادية وانما هم صانعو التاريخ الحقيقيون: "ان الطبقة الثورية نفسها هي من بين جميع ادوات الانتاج اقوى قوة منتجة" (ماركس انجلز بصدد الثورة الاشتراكية – مجموعة – ص 45)، وفي سياق تطور التاريخ تتعاظم اهمية دور الجماهير الشعبية الحاسم بلا مرد وبقدر ما يتسع ويتعمق الانقلاب الجاري في المجتمع بقدر ما تكبر الجماهير التي تقوم بهذا الانقلاب "ومع رسوخ الفعل التاريخي سينمو بالتالي ... حجم الجمهور الذي هو عمله" (ماركس، انجلز "العائلة المقدسة او انتقاد النقد النقاد"، كذلك بين ماركس وانجلز ان الاهمية التاريخية العظيمة للثورات الاجتماعية لا تنحصر في كونها تنقل المجتمع الى درجة من التطور اعلى من ذي قبل الى نظام اجتماعي اقتصادي جديد بل تقوم كذلك في كونها معجلة جبارة للتقدم الاجتماعي والسياسي، وقد سمى ماركس الثورات في مؤلفه "النضال الطبقي في فرنسا" "بقاطرات التاريخ" وقال انها تعجل مجرى التطور بسرعة عاصفة، وتطلق القوى الخلاقة الجبارة للجماهير الشعبية.

وعندما بحث ماركس وانجلز في مؤلفهما "الايديولوجية الالمانية" مسألة المقدمات المادية الضرورية للانقلاب الثوري، اشارا الى انه يجب ان تتوفر له "من جهة قوى منتجة معينة، ومن جهة اخرى نشوء وتكون جمهور ثوري لا يهب ضد بعض اوضاع المجتمع السابق ذاته بل ضد "النشاط الاجمالي" الذي يقوم عليه هذا الانتاج".. (ماركس انجلز، منتخبات في ثلاثة مجلدات، المجلد الاول. الجزء – 1 ص 42)، وهذه الافكار وردت بمزيد من التفصيل في "بيان الحزب الشيوعي" هذا البيان الذي يجرب ان يُدرس ويمارس في حياة الواقع من قبل كل انسان ينتمي للفكر الثوري للفكر الماركسي وان يعمل لنشر هذه المفاهيم الثورية بين الطبقة العاملة وجماهير الشعب الواسعة لكي يصبح هذا الفكر اساس النضال السياسي الاجتماعي الثوري للطبقة العاملة ولكل المظلومين والمستثمَرين.

المراجع:

1. مدخل الى المادية التاريخية – موريس كورنفورث

2. لينين – في الايديولوجية والثقافة الاشتراكية

3. لينين – كارل ماركس ومذهبه

4. انجلز – ضد دوهرنج

5. انجلز – لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية

6. ماركس انجلز – "بصدد الثورة الاشتراكية – مجموعة"