2019-05-07

الصهيونية والعداء للسامية – وجهان لعملة واحدة

د. خليل اندراوس

يصور قادة الحركة الصهيونية العالمية وهنا في اسرائيل انفسهم بصورة مناضلين ضد العداء للسامية، وما جرى في الفترة الاخيرة من ضجة اعلامية حول الكاريكاتير الذي نشر في صحيفة "نيويورك تايمز" في عددها الصادر يوم الميس 25/4/2019، والذي اظهر رئيس الوزراء الاسرائيلي على هيئة كلب يرشد الرئيس الامريكي الاعمى دونالد ترامب، مما دفع الصحيفة، نتيجة لهذه الحملة الاعلامية والانتقادات الواسعة تضطر ان تعلن الاعتذار فقط بعد مرور يومين، يوم السبت 27/4/2019.

وهكذا اصبح كل انتقاد للصهيونية ولسياسات اسرائيل عداء للسامية. وكان على رأس المنتقدين اللوبي الصهيوني واليمين الامريكي، والمؤسسات الصهيونية المسيحية، ومما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز" ان الكاريكاتير تضمن "شعارات معادية للسامية، وان الصورة كانت "قبيحة" والسماح بنشرها كان "قرارا خاطئا" ولكن كل من يعرف التاريخ ويدرسه يصل الى نتيجة بان الصهاينة لم يكونوا يوما اخصاما حقيقيين ضد العداء للسامية بل كانوا دائما وجهين لعملة واحدة، وعبر التاريخ حاولت دائما الصهيونية استغلال العداء للسامية لخدمة مصالحها وإيديولوجيتها وسياساتها العنصرية الشوفينية. يتطفل الصهاينة على العداء للسامية الذي كان قائما ولا يزال قائما في كثير من بلدان العالم بما في ذلك بلدان رأس المال ويعملون على تضخيم هذه الظاهرة بصورة اصطناعية واعلامية وسياسية لخدمة سياساتهم العدوانية العنصرية وحتى لو ادى ذلك الى التعاون مع اشد اعداء السامية تطرفا على اساس مرتكز مشترك، مرتكز على العداء للإسلام والشعوب العربية والشعب الفلسطيني، وهنا اذكر القارئ بان وصول هتلر الى الحكم في المانيا اعتبره بن غوريون والاغلبية الساحقة من سائر زعماء الحركة الصهيونية بما في ذلك زعماء ما يسمون زورا "الاشتراكيين" الصهاينة الذين كانوا آنذاك يرأسون المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية العالمية عاملا ييسر نزوح اليهود الالمان بالجملة الى فلسطين. ان قادة الحركة الصهيونية اليمينية والتي تدعي بانها "اشتراكية صهيونية لم تربكهم البتة ايديولوجية النازيين وسياستهم العدوانيتان والكارهتان للبشر واصحاب ايديولوجية "الشعب الآري الارقى" ولأنهم مثل الايديولوجية النازية المتبنية مفاهيم "شعب الله المختار" و"ارض الميعاد" لم يقلقهم سوى امر واحد هو انهم لن يتمكنوا من ان يجمعوا في فلسطين جميع اليهود المضطرين الى الهجرة من المانيا وعدد من البلدان الاخرى في اوروبا للخلاص من المضايقات والمأثم والفظائع الفاشية. وفي رسالة الى اللجنة التنظيمية للمنظمة الصهيونية العالمية بتاريخ 17 كانون الاول عام 1938 دق بن غوريون جرس الانذار والقلق لاحتمال توجه سيل المهاجرين لا الى فلسطين بل الى بلدان اخرى: فقد كتب: "اذا سلمنا بفصل مسألة اللاجئين عن القضية الفلسطينية فاننا نعرض وجود الصهيونية ذاته لخطر الزوال".

يتطفل الصهاينة على العداء للسامية الذي كان قائما ولا يزال قائما في كثير من بلدان العالم بما في ذلك بلدان رأس المال ويعملون على تضخيم هذه الظاهرة بصورة اصطناعية واعلامية وسياسية لخدمة سياساتهم العدوانية العنصرية وحتى لو ادى ذلك الى التعاون مع اشد اعداء السامية تطرفا على اساس مرتكز مشترك، مرتكز على العداء للاسلام والشعوب العربية والشعب الفلسطيني،

وهذا يعني بتعبير آخر ان الصهيونية حين تعين عليها ان تختار بين الاشتراك في انقاذ ملايين اليهود وبين الاستعداد لانشاء "دولة يهودية" اختارت الحل الاخير دون أي تردد. وهنا علينا ان نذكر بانه عام 1933 عقد الزعيم "الاشتراكي" الصهيوني ارلوزوروف (الذي يدعى على اسمه احد شوارع تل ابيب الرئيسية) مع الهتلريين اتفاقية بصدد صفقة تحويل اموال اليهود الالمان النازحين الى فلسطين من المانيا ونقلها الى فلسطين بشكل بضائع، وهذه الاتفاقية قوضت المقاطعة الاقتصادية لالمانيا النازية وأمنت لها مبلغا ضخما بالنسبة لذلك الوقت قدره 5.5 مليون جنيه استرليني. بعد استيلاء هتلر على مقاليد الحكم اشرف اشكول (الذي اصبح فيما بعد رئيس وزراء اسرائيل وقائد "ماباي") خلال ثلاث سنوات على قسم النزوح في مكتب فلسطين الذي انشأته الوكالة اليهودية في برلين بمعرفة واضطلاع الحكم النازي في المانيا. وكان قادة الوكالة اليهودية الصهيونية بمن فيهم من يدعي "الاشتراكية الصهيونية امثال بن غوريون وشاريت وكابلان وغيرهم يصادقون على اقامة اتصالات بين رسلهم والنازيين مثل عقد اتفاقية زعيم الصهاينة المجربين كاستنر مع رئيس "القسم اليهودي" في مصلحة الامن "إس إس" ايخمان بصدد السماح لممثلي النخبة الصهيونية بالنزوح من المجر الى فلسطين مقابل العون في ارسال 500 الف يهودي الى معتقلات الموت. والى زمنا طويلا اخفى الصهاينة عن الرأي العام اليهودي والعالمي الكثير من فظائع ومآثم وجرائم الهتلريين حيال السكان اليهود والشعوب الاخرى، وعرقلوا اشتراك اليهود في مختلف بلدان اوروبا اشتراكا اوسع في النضال ضد الفاشية وكاستنر صار بعد الحرب عضوا في "مباي" في اسرائيل. وبعد ذلك قُتل كاستنر في اسرائيل من قبل من اعتبره خائنا واسرائيل تنشر الآن وبعد مرور اكثر من 90 عاما اسماء النخبة الصهيونية التي ارسلت الى فلسطين بالتنسيق مع الـ إس إس وايخمان.

وقد بذلت حكومة اسرائيل قصارى الجهد اثناء محاكمة المجرم النازي ايخمان في القدس سنة 1961 للحيلولة دون نشر واعلان وقائع التعاون بين الجلاد الدموي ايخمان وغيره من كبار رجال الغستابو و "إس إس" وبين بعض زعماء الحركة الصهيونية العالمية ويجدر الذكر بانه في تشرين الاول عام 1937 استقبل قادة "ماباي" ايخمان ورئيسه آنذاك هاغن بوصفها ضيفيهم في فلسطين ثم في القاهرة ومنظمة "الهاغانا" والتي كان يقودها من يدعون بالاشتراكيين الصهاينة، قامت بأعمال التجسس في مصلحة "إس إس"، وفي شباط وآذار عام 1937 اتصل احد قادة الهاغانا، بولكس (وهو الذي تقابل في القاهرة مع قادة "قسم الشؤون اليهودية" في مؤسسة الامن النازي "إس إس" بضباط من الغستابو والمخابرات النازية عندما كان في برلين بناء على دعوتهم، وآنذاك اصبح بولكس بالفعل عميلا للمخابرات الهتلرية ايضا رغم انه كان من قبل يتعاون مع مصلحة التجسس في كل من بريطانيا وفرنسا، واثناء اللقاء في القاهرة أحال بولكس الى الرسل النازيين جملة من المعلومات المهمة التي تهمهم في مختلف المسائل، بما فيها مسألة نشاط الشيوعيين الالمان ضد الفاشية وادلى ببعض البيانات المهمة، فقد اكد ان "الاوساط اليهودية القومية" قد اعربت عن سرورها الكبير بصدد السياسة الالمانية الراديكالية حيال اليهود، لأن عدد السكان اليهود في فلسطين قد ازداد من جراء هذه السياسة الى حد انه سيكون من الممكن في المستقبل المنظور الامل في ان اليهود وليس العرب سيصبحون الاغلبية في فلسطين. وهنا ايضا اذكر ما كتبه ناحوم غولدمان رئيس الحركة الصهيونية العالمية ورئيس الكونغرس اليهودي العالمي الذي قال في كتابه – مذكرات – ناحوم غولدمان – كتب يقول في ص 112 – 113 – "فلو ان اليهود اخذوا هتلر على محمل الجد اكثر منذ البداية لكان من الممكن ان ينقذ مئات الآلاف وربما الملايين منهم" ونحن نقول لو لم يكن هناك تعاون مع النازيين لكان بالامكان انقاذ مئات الالاف لا بل ملايين اليهود. وهناك وقائع اخرى معروفة عن تعاون الصهاينة مع الهتلريين وكذلك مع الفاشيين الايطاليين وأنصار انطونسكو (رومانيا) وانصار هورتي (المجر) ، الخ..

اما الابعاد الحقيقية لهذه الاتصالات فلا تزال مخفية عن الرأي العام العالمي لأن الاوساط الحاكمة في الولايات المتحدة الامريكية والمانيا والحركة الصهيونية العالمية، تحول دون نشر الوثائق من ارشيفات مصالح التجسس في "الرايخ الثالث" الهتلري واعوانه، ونشر جزء من ارشيف قضية كاستنير تكشف جزءا بسيطا عن تعاون الحركة الصهيونية والابعاد الحقيقية لهذه الاتصالات مع المانيا النازية، نحن نرفض زيارة المفتي امين الحسيني لالمانيا النازية ولقاءه مع هتلر ولكن آخر من يحق له التطرق لهذا الموضوع هم الصهاينة في كل اماكن تواجدهم.

بعد الحرب العالمية الثانية انتقد بعض القادة الصهاينة وصحفهم في غمار المناظرة بين الاحزاب موقف الزعماء الاشتراكيين – الصهاينة من الفاشية الهتلرية فان جريدة "حيروت" ("الحرية") الاسرائيلية مثلا، لسان حال الحزب اليميني المتطرف بالاسم نفسه، قد تناولت مسألة جرائم الهتلريين بالجملة ضد اليهود وكتبت في 25 ايار عام 1964 متسائلة: "كيف نفسر واقع صمت قادة الوكالة اليهودية، زعماء الصهيونية المتواجدين في فلسطين؟ لماذا لم يحتجوا، لماذا لم يثيروا ضجة في العالم اجمع، لماذا لم تدع محطتهم الاذاعية "السرية" هاغانا اليهود في الغيتو والمعتقلات والقرى الى البحث عن الخلاص في الغابات والى الانتفاض والنضال ومحاولة الخلاص؟ بصمتهم تعاونوا مع الاعداء بقدر لا يقل عن قدر تعاون اولئك الاوغاد الذين احالوا الى الالمان قوائم المحكوم عليهم بالموت. ان التاريخ سيقدر ما اذا كان مجرد واقع وجود الوكالة اليهودية الخائنة مساعدة للنازيين.. وحين يحكم التاريخ بحقوق القاضي اليودنراتات (المجالس اليهودية) والبوليس اليهودي – (هيئات معاونة انشأها الهتلريون في الغيتو واشترك فيها اليهود المتعاونون مع الهتلريين – وكانوا بأغلبيتهم من الصهاينة). فانه سيحكم كذلك على قادة الوكالة وزعماء الحركة الصهيونية".

وهنا لا بد من ان نعيد الى الاذهان بان الصهاينة لا يزالون حتى في ايامنا هذه ايضا يقيمون علاقات وطيدة من الاوساط اليمينية المتطرفة بمن فيها اشد اعداء السامية اغراقا في الرجعية واكبر مثل، العلاقات الوطيدة بين اليمين الامريكي المتطرف وادارة ترامب العنصرية والتي تتعامل مع شعوب الشرق الاوسط لا بل وشعوب العالم من منطلقات عنصرية شوفينية استعلائية ومع اللوبي الصهيوني اليميني العالمي والاسرائيلي، وهنا اذكر بانه في نفس اليوم الذي اعتذرت فيه صحيفة "نيويورك تايمز" عن نشر الكاريكاتير اياه قام دونالد ترامب اليميني المأفون على طريقته التهريجية بتقديم "حكاية" جديدة لتصف طبيعة علاقته مع السعودية وملكها سلمان بن عبد العزيز، كان في رواية ترامب سخرية واضحة ومقصودة من العاهل السعودي وكذلك من بلاده وبدون الدخول في تفاصيل تصريحات هذا المأفون، نستنتج ان ترامب وادارته يقدمان دفاعا شائنا عن سجل السعودية السياسي الفظيع، لأنها رغم سخريته منها ومن ملكها هي نموذجه للحكم الذي يستحقه العرب والمسلمون: حكومة مطلقة فاسدة تحارب الدمقراطية وتنتهك حقوق البشر والنساء والاقليات، وتساهم في دعم "صفق القرن" وتدعيم الجنرالات والطغاة والفاسدين في بلاد العرب والمسلمين، وهنا اتساءل اين الاعلام الغربي الذي يدعي الدمقراطية والحرية والدفاع عن حقوق الانسان من تصريحات مخجلة ومذلة وعنصرية تجاه شعوب بأكملها.

* في الصورة: الكاريكاتير الذي أثار الضجة (نيويورك تايمز)