2019-05-23

وعادت العصافير إلى أعشاشها... زياد عاشور ساكن سويداء القلب

* كتب/ وليد العوض

تحت ظلال شجرة البابايا الكولومبية الأصلية من حبال الأنديز المتسوحاة من روايات غبريال ماركيز حيث زرعها زياد في حديقة منزله المتواضع، وعلى حفيف اوراق الدوالي وإيقاع نغمات موسيقية منبعثة من ثنايا الة صينية كان قد علقها في سقف العريشة وكلما داعبت الريح قصباتها كانت تطلق ترنيمات تارة تثير الشجن وتارة اخرى تبدو وكأنها سمفونية الحب والامل وقد أصر على إهدائي واحدة منها وقد استفدنا في أحد الزيارات من الطول الفارع للرفيق وجيه لإنزالها من علو.

في هذه الأجواء الرائعة كنت احرص بين الفينة والأخرى على زيارة الرفيق الذي رحل، طيب القلب زياد عاشور خاصة بعد ان بدأ صراعه مع المرض اللعين قبل اربع سنوات وقد كف منذ ذلك الحين عن الحضور اليومي للمكتب. وتآكل حضوره  تدريجيا فغابت عن المكتب بسمته وحكاياته بل والألفة التي ميزت حضوره اينما حل، تحت شجرة البابايا تلك احيانا وتحت ظلال أغصان شجرة الأسكدنيا احيانا اخرى كنّا نجلس لساعات نرتشف القهوة معا ونتبادل اطراف الحديث استمع الى ما تختزنه  ذاكرته من حكايا نسجتها قطرات عرقه خلال مسيرة حياته شق طريقه من ازقة المخيم لأسرة كادحة مناضلة انخرط مبكرا في سوق العمل وكتب بحبيبات العرق على جبينه الاسمر سيرة عز وكرامة لا تنطفئ، كنت استمع منه دون ملل لسرده بأسلوب عذب لحكايته في الطريق الى المدرسة وشغفه بالقراءة وتعلقه بالأدب والشعر الى ان اهتدى إلي شاعر الفقراء احمد فؤاد نجم والشيخ امام وقادته هذه الى تلمس طريقه مبكرا والانضمام للحزب الشيوعي الفلسطيني.

حدثني كثيراع ن ظروف عمله داخل البلاد حيث يكد الكادحون من ساعات الفجرالاولى، أطلعني على اللمسات الفنية في مهنته التي تجدها في كل زاوية من زوايا بيته الإسمنتي المتواضع، حدثني عن علاقاته برفاقه كلهم وعن أمه صاحبة العيون الجميلة والإرادة الصلبة كيف قادت نساء مخيم جباليا ذات يوم لتحرير الشباب من الاعتقال، حدثني عن مسيرات عجت بها شوارع المخيم كما كل القطاع يوم موت عبد الناصر.

حدثني عن دوره الذي لم يبالغ به مع بدايات الانتفاضة مع انني كنت اعرف عن دوره الكثير، لم ينسب البطولة له لكنه تحدث بإسهاب عن الدور المميز لرفاقه طلعت وعمر حمش والحمدني وعايش وَعَبَد الكريم وصالح وابو نضال ومروان وأبو موسى والبربار وأم عبد الله والمبحوح في الانتفاضة الكبرى حدثني عن مهمته في نقل البيانات رغم منع التجول مع رفيقه المحبب لقلبه علاء السقا وكسر الحصار عن مخيم البريج وايصال البيانات التحريضية مع اوائل ايّام الانتفاضة.

حدثني عن رفاقه القادة فضل وابو عماد عن احتضانهم له ورعايتهم له ولأسرته وطمأنته وهو في المعتقل بصوت ابو عماد الجهوري بان لا تقلق فالرفاق يعتنون بالعائلة، حدثني عن بديات الانتفاضة وتوزيع المعونات من بيت إلى بيت، وعن تسجيل نداء الانتفاضة الاول بصوته الاذاعي، حدثني عن بسام الصالحي دينامو الانتفاضة في حينه وبغصة شكي وبكى لحظتها وشاركته كما يبكي الرجال من شدة الألم، تحدث الكثير ودمعت عيناه شاكيا بعزة وكبرياء.

في الرابع عشر من أيار  وبعد ان شاركنا في مسيرة احياء ذكرى النكبة وشيعنا في جنازة مهيبة  الرفيق رباح مهنا الى مثواه الاخير زرنا وثلة من الرفاق زياد في المستشفى حيث كان يصارع المرض ويتحداه هناك وعلى سرير التحدي  انشد علينا بصعوبة بالغة وبحشرجات صوت متهالك كلمات للشاعر اليساري ادم فتحي (يا ولدي)  فبكى الرفاق، عدت لزيارته مساء برفقة حفيدي وليد الذي يحبه ويحتضنه ويستمتع بحكاياته فوجدته قد تحسن قليلا، وحين هممنا بالمغادرة، تأخر وليد الصغير  ليهمس بإذن ابا طارق فرفع زياد قبضته وحين سألته ماذا قال لك الصغير (فقال انه طلب مني  ان استمر بالصمود وهزيمة المرض وانه يشجعني..   

تكررت زيارتي اليومية  الى ان خرج من المستشفى وذهبت مساء الاحد 19/5/ ٢٠١٩ برفقة زوجتي وحفيدي الذي يحب لزيارته وسهرنا لساعات طويله وكأنها ليلة الوداع الأخير  طلب الماء فلم يتمكن من حمل كوبه فساعدته على ذلك باستخدام شفاطة ليرتسم قطرات ماء، داعب الصغير كأب حاني وأجلسه بجانبه على السريريتهامسان ويتبادلان الابتسام، طلب من ابنته حنين الذهاب للحديقة وقطف ثمارالاسكدنيا ووضعها أمامنا مصرا ان نتذوقها، قبل ان اهم بالخروج اتفقنا ان اعود في اليوم التالي لاصطحابه لنقضي اسبوعا في الارض نتمتع سويا برؤية ما زرع بيده من اشتال العنب بعد ان اخضرت اوراقها.

لكن صباح الاثنين ٢٠ أيار الذي احبه زياد حل ثقيلا حاملا معه نبأ موت زياد، رحل زياد يوم الاثنين كما كنت توقعت قبل موته بأسبوع بعد الانتهاء من زيارته، حين سألني الرفاق كيف حال زياد قلت لهم ان زياد سيموت يوم الاثنين، فمات يوم الاثنين لأن زياد الذي عرفته كان يعيش في الفترة الاخيرة بقوة الارادة التي يمتاز فيها الشيوعيون، مات زياد تاركا لنا أسرة مناضلة اخ وفِي وشقيقات ماجدات وابناء وبنات حانيات نعتز بها سأحرص شخصيا على الوفاء بعهدي له ولن نخذله رغم كل شيء، مات زياد وأصر الصغير وليد على الذهاب الى محل الورد ويشتري باقة ورد بيضاء وحمراء  وضعها بيده على جثمانه الملفوف بذات العلم الذي لف به رفيقه ابو علاء .
رحل زياد وقبله رحل الأحبة ابو جهاد وقبلهما ابو علاء، فشعرت وسكين تقتطع من لحمي وكأن اليتم يداهمني في كل عام يختطف من أحب، فأهذي، عذب الجمال قلبي يُومن نوى على الرحيل ،قلت له يا جمال خذني قالي لي دربي طويل، قلت لو جمال بركب قال لي حملي ثقيل.

انتهى العزاء برحيل حبيب القلب وعادت العصافير الي أعشاشها الا زياد... وذهب الذين أحبهم ذهبوا.     

* عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني