2019-05-23

الاتحاد.. مسيرة نضالية حافلة

محمود شقير/ القدس المحتلة

من يتأمل المسيرة النضالية الحافلة لصحيفة الاتحاد الحيفاوية التي امتدت طوال خمس وسبعين سنة، يشعر بالفخر والاعتزاز بهذه الصحيفة التي سطرت تاريخًا ناصعًا من الدفاع المتفاني عن الأقلية الفلسطينية التي ظلت صامدة في وطنها، وعن حقوق الطبقة العاملة والكادحين الفلسطينيين واليهود، وضد التمييز القومي العنصري، وضد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس وقطاع غزة وأراضٍ عربية أخرى إثر عدوان حزيران 1967، ومن أجل دحر هذا الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة الديمقراطية وعاصمتها القدس.

ومن ينظر إلى فترة ما قبل نكبة العام 1948 وما بعدها، يدرك أن صحفًا فلسطينية عديدة ومجلات لم تعد قادرة على البقاء جراء الكارثة التي أصابت الشعب الفلسطيني وشرّدت مئات الآلاف من أبنائه وبناته، فاضمحلت وتبدّدت هذه الصحف وتلك المجلات، وتبدّدت معها أحزاب وطنية وقومية فلسطينية بعد انهيار المجتمع الفلسطيني جراء النكبة، فيما بقيت صحيفة الاتحاد، الناطقة باسم عصبة التحرر الوطني في فلسطين، ثم باسم الحزب الشيوعي الإسرائيلي، صامدة رغم التضييق المستمر عليها في زمن الانتداب البريطاني، ورغم سياسات القمع التي مارسها ضدها الحكم العسكري الإسرائيلي طوال عقدين من الزمن، وما تلا ذلك من إجراءات قمعية مارسها عليها حكام إسرائيل وأجهزتهم الأمنية وما زالوا يمارسونها حتى اليوم.

ولعل من الإنصاف القول: إن صحيفة الاتحاد هي التي اضطلعت بعد النكبة مباشرة في الدفاع عن الأرض وعن اللغة العربية وعن تراث الشعب الفلسطيني وثقافته الوطنية؛ إذ وقفت الصحيفة بثبات ضد مصادرة الأراضي، وضد الأسرلة والتغريب ومحاولات طمس الهوية الوطنية والثقافية للأقلية الفلسطينية التي بقيت في وطنها، وظلت تؤكد على أن هذه الأقلية هي جزء أصيل من  الشعب الفلسطيني، وعلى أن البلدان العربية وشعوبها هي الامتداد الطبيعي والعمق الاستراتيجي لها، وهي؛ أي الأقلية الفلسطينية، جزء لا يتجزأ من منظومة قوى الحرية والسلام والتقدم الاجتماعي والاشتراكية في العالم؛ ومعها بطبيعة الحال اليهود التقدميون المعارضون للاحتلال، المؤيدون لحق الشعب الفلسطيني في وطنه، المناضلون ضد سياسة التمييز القومي التي وجدت تجلّيها الأخير في سن قانون القومية العنصري.  

وقد ظلت الاتحاد التي صدرت في البدء مرة كل أسبوع ثم مرتين في الأسبوع؛ لتتحول بعد سنوات إلى صحيفة يومية، هي المنبر المعبر بصدق عن هموم الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل، وعن تطلعها نحو المساواة والعدالة وصيانة كرامتها وحقها في حياة كريمة آمنة، وهي؛ أي صحيفة الاتحاد التي أنجبت أجيالًا من المناضلين المنضوين في صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ومن المناضلين الوطنيين والتقدميين المؤيدين للحزب والجبهة، وهي التي فتحت صدرها لأجيال من المثقفين والكتاب والفنانين التقدميين؛ نساء ورجالًا، الذين تألقوا على صفحاتها؛ وكانت لهم وما زالت إبداعات بارزة في الشعر وفي القصة والرواية وفي الدراسات النقدية والفكرية والفن التشكيلي وغير ذلك من إبداعات تدافع عن الوطن والناس، وعن قيم الحق والعدل والحرية والسلام.

ولعلني أشير هنا إلى الأثر الطيب الذي تركته صحيفة الاتحاد في نفسي وفي نفوس أعداد كبيرة من المناضلين السياسيين ومن المثقفين والكتاب في القدس المحتلة والضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان المحتلة، حين تمكنت الاتحاد من الوصول إلينا بعد هزيمة حزيران 1967، وحين قرأنا مواقفها المبدئية ضد الاحتلال، وضرورة مقاومته والتصدي له ولإجراءاته التعسفية، وكذلك حين رحنا ننشر بعض نتاجاتنا الأدبية في هذه الصحيفة التي عاشت كل تلك السنوات ترصد نبض الناس وتدافع عنهم وتحيا معهم وبهم. كانت الاتحاد آنذاك خير ملهم لنا وخير مرشد.

وكم هي مجيدة وعظيمة هذه الصحيفة التي اقترن اسمها على نحو لا انفصام له بنضالات الشعب الفلسطيني وتضحياته، ولذلك؛ ستظل راية الاتحاد عالية خفّاقة؛ ولن يتوقف نبضها اليومي الخلاق عن بث العزيمة في نفوس المناضلين إلى أن يظفر الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال، وإلى ما بعد ذلك بأعوام وأعوام.

وآنذاك سنحتفل من جديد بالصحيفة التي احتضنتنا ورعتنا في أصعب الظروف، الصحيفة التي دافعت عني وعن آلاف المعتقلين الفلسطينيين ونحن نقبع في ظلام السجون الإسرائيلية، ولذلك؛ من حقها أن نعترف بفضلها علينا، وأن نمنحها الحب والعرفان.

أخيرًا؛ لصحيفة الاتحاد الحيفاوية، ولكل الذين قادوا مسيرتها المظفرة الخالدة من العام 1944 إلى يومنا هذا التحية وبالغ التقدير والامتنان.