2019-06-18

هل حقا توفرت فرص للتسوية السلمية مع إسرائيل أهدرها الفلسطينيون؟!

سعيد مضية

خطط لعدوان حزيران 1967 أن يهيئ منطقة الشرق الأوسط لتكون منطقة نفوذ مطلق للتحالف الاستراتيجي الأميركي – الإسرائيلي. فقد ارتفعت مكانة إسرائيل بعد العدوان لدى دول الغرب الامبريالية، واتسع نفوذ الإنجيليين أنصار المسيحية الأصولية، ممن رأو في نصر حزيران علامة على صحة معتقدهم بشأن إسرائيل ولا هوت ما قبل الألفية.

قام تحالف استراتيجي اميركي - إسرائيلي ينسق الجهود للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط. وفي مذكرات جاك أوكنيل، الذي عمل مستشارا للملك حسين طيلة أربعين عاما، وكتب عن الملك الراحل، خاصة جهوده لاستعادة الضفة الغربية، يورد في الصفحة 47 "سطراً أضافه الرئيس الأميركي جونسون في رسالة الى اشكول رئيس وزراء اسرائيل جاء فيه:'لقد تبادلنا وجهات النظر بالكامل مع الجنرال عاميت’، والمذكور رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية، كان في زيارة لواشنطون قبيل تنفيذ عدوان حزيران". فالعدوان نفذ بالتنسيق بين إسرائيل وإدارة جونسون الأميركية.

أُعطي عدوان حزيران اسم "حرب الأيام الستة" تأويلا عيانيا للمقولة الدينية أن الله خلق العالم في ستة أيام ثم استوى على العرش، أي هيمنة التحالف الاستراتيجي الأميركي – الإسرائيلي على مقدرات المنطقة، وتكييفها طبقا لشروط الهيمنة: تحويل فلسطين بكاملها دولة يهودية، مع توسيعها وتقويتها لتغدو دولة إقليمية وكيلة للهيمنة الأميركية على المنطقة؛ إضعاف الدول العربية وإشغالها بالفتن الطائفية والعرقية واستثمار حركة السادات للاتكاء على التيار السلفي الإسلامي لمكافحة اليسار والناصريين؛ تعزيز نظم الاستبداد الأبوية في الأقطار العربية؛ إدخال الليبرالية الجديدة الى المجتمعات العربية لتمتين تبعية البلدان العربية للامبريالية الأميركية المتحالفة استراتيجيا مع إسرائيل. باختصار أنجزت تحولات على مدى عقود جسدت أهداف العدوان العسكري الخاطف جميعها واقعا متعينا في المنطقة، بالاستعانة بتداعيات الليبرالية الجديدة كنظام اقتصادي – ثقافي. في هذه اُلأثناء تواصل التوسع الاستيطاني يلتهم الأراضي الفلسطينية المحتلة، مراكما وقائع يصعب إزالتها بينما الطرف الفلسطيني يكتفي باعتبارها غير شرعية مراكما قرارات لمجلس الأمن لم تلتزم بها إسرائيل وبقيت مدرجة في الأرشيفات

مباشرة بعد عدوان حزيران اقترح عضو هيئة أركان الجيش الإسرائيلي متتياهو بيلد، تقديم تنازلات للفلسطينيين تمكنهم من إقامة دولتهم على جزء من فلسطين ورُفِض الاقتراح، الأمر الذي دفع بيلد للانسحاب من الجيش وتشكيل جبهة سلام مع أوري أفنيري اوصلته الى الكنيست وراح يشهر بأطماع إسرائيل في الأرض وتفويت فرص السلام. تفاعلت قضية بيلد وأسرته داخل إسرائيل، حيث أصدر نجله ميكو بيلد كتابا اكد فيه مناهضة إسرائيل للسلام في المنطقة وتفضيلها الأرض على السلام.
يتم إغفال جميع الحقائق الواردة وتتكرر بمناسبة التحضير لمؤتمر البحرين لدعم الاقتصاد الفلسطيني، والعمل الدؤوب لفرض صفقة القرن، ويشاع أن الفلسطينيين يهدرون فرص التوصل الى تسوية سلمية بإصرارهم على مواقف "متشنجة"!! وفي الأسابيع الأخيرة بثت فضائية "روسيا اليوم" إعادة لحوار جرى بثه في 23 آذار 2014مع السيد سعيد كمال، مندوب فلسطين الأسبق الى الجامعة العربية، ركز على مؤتمر مينابوليس، الذي عقد بالاسكندرية وتخلف الفلسطينيون عن حضوره مع أنه، بجهود من السادات، "هيأ فرصة للتدرج في استرجاع الحقوق الفلسطينية". سال المحاور خالد الرشد، هل التخلف عن مينابوليس كان خطأ تاريخيا؟ وأجاب كمال: مائة بالمائة ! وأردف بالقول: كان بالامكان التوصل الى ما هو أفضل من اوسلو، وأقر الرئيس عباس ان مينابوليس فرصة ثمينة أهدرت.

غير أن السيد كمال يورد في الحوار، "الليكوديون لا يمكن ان يعترفوا بحقيقة شعب فلسطين"، والمفاوضات المباشرة أجريت مع حكومة ميناحيم بيغن الليكودية، وتواصلت المفاوضات مصحوبة بتحريض عنصري ضد الشعب الفلسطيني شحن اليهود بالكراهية والقسوة ضد "النازية الجديدة"، الصفة التي أطلقها اليمين الإسرائيلي برئاسة نتنياهو على شعب فلسطين.

وجاء على لسان السيد كمال في الحوار أن الصحفي الفرنسي من أصل مصري اقترح التعاون مع يوسي بيلين لصنع تسوية، "لكن اسحق رابين رفض الفكرة رفضا قاطعا". كما اورد استعداد عرفات للانتقال بأفراد جيشه وكوادره السياسية الى مصر إذا ما تم الاعتراف بدولة فلسطينية بالضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشرقية"؛ غير أن المبادرة لم لم تلق صدى وطويت

بصدد مصر، تفيد مذكرات جاك اوكنيل [62] "بعثت إسرائيل رسالة لمصر عن طريق الولايات المتحدة مصرحة انها مستعدة أن تعيد الأراضي التي احتلتها أثناء الحرب مقابل السلام الكامل. ورفض ناصر السلام المنفصل التزاما بوعده تجاه الأردن بأن مصر لن تقوم بصنع السلام الى أن تكون الأراضي الأردنية قد استردت. وقد تم سحب العرض من قبل اسرائيل. هذا بينما السادات.

وبصدد المباحثات مع الملك حسين[89] أورد اوكنيل في مذكراته "أطلعني الملك حسين على اجتماع عقده وسكرتيره الخاص، زيد الرفاعي، مع أبا إيبان وزير خارجية اسرائيل ويعقوب هيرتزوغ، وقدم له ملاحظات دونها السكرتير ليوصلها الى جونسون. وكان هذا واحدا من أكثر من عشرين تقريرا عن هذه الاجتماعات بين أيار 1968 ونهاية فترة عملي. واستمر خليفتي يتسلم التقارير لمدة عام. تبين ان المحادثات كانت حيلة من إسرائيل للتخلص من ضغط الولايات المتحدة من خلال الزعم انه يتم إحراز تقدم بصورة سرية مع الملك ، بدون منح أي شيء للأردنيين. "أكثر ما قدم الإسرائيليون للأردن خطة ييغئال آلون التي وضعت الجيش الإسرائيلي على طول نهر الأردن[90] .

يقطع بنفي الفرصة المزعومة عقم المفاوضات التي أجراها الملك حسين بهدف استرجاع الضفة الغربية. أوردت مذكرات جاك أوكنيل في عهد السادات، [130] "حقق كيسنغر ما يريده من مفاوضاته مع حافظ إسماعيل في شارتر. دعا لعقد مؤتمر جنيف يشارك فيه السوفييت لبحث تنفيذ قرار مجلس الأمن 242؛ تبين ان الغرض من الدعوة للمؤتمر لم يكن السلام الشامل بل إنشاء مجموعة عمل مصرية – اسرائيلية –أميركية من أجل التفاوض على الانسحاب من مصر، ولم ينعقد المؤتمر مرة أخرى. كان الأردن هو الخاسر الأكبر فقد تعرض للخيانة من كيسنغر ومن السادات.

عرض كيسنغر خطة آلون مع التنازل عن القدس لصالح إسرائيل. قبل الأردن هذا كخطوة اولى ورد كيسنغر قائلا ان تلك تسوية نهائية، في تراجع عن جميع الوعود التي قدمتها الولايات المتحدة للأردن منذ حزيران 1967 "؛ ثم يقول[131]" أوهم كيسنغر الأردنيين انه ذاهب الى الاسكندرية لإقناع السادات بإزالة عوائق الانسحاب من أريحا.. ولم يكن السادات يريد أي انسحاب من الأردن تعيق الانسحاب من مصر؛ فذلك هو كل ما هو مهتم به" . قبل ان يذهب السادات الى كمب ديفيد، " بعث رسالة الى الملك حسين ؛ لم ار الرسالة ، لكن الملك حدثني عنها"، يقول اوكنيل في مذكراته،" قال السادات انه لن يصنع سلاما منفصلا في كمب ديفيد لا يشمل الأردن والضفة الغربية. واقترح الاجتماع مع الملك حسين في الدار البيضاء فيما بعد من اجل الاتفاق على الخطوة التالية". كانت مسألة الانسحاب من الضفة الغربية ستترك الى مفاوضات "الوضع النهائي"، يتحقق للفلسطينيين حكم ذاتي "بينما يحتفظ الجيش الإسرائيلي بالسيطرة العسكرية. وهكذا قام بيغن بخيانة كارتر بشأن المستوطنات، وقام السادات بخيانة الملك حسين، في التفاوض على سلام منفرد كان قد وعد بأن لا يوافق عليه"[146].

في هذا الصدد يلقي الصحفي الأميركي مارك بروزينسكي، محرر الموقع الإليكتروني، "ميدل إيست" ضوءًا على كواليس مؤتمر كامب ديفيد، وكيف خذا كارتر السادات وخدعه كي ينقذ مؤتمر كامب ديفيد. كتب بروزينسكي عام2001: استدعى السادات طائرة الهيليوكبتر لتقل الوفد المصري في كامب ديفيد الى القاهرة صباح اليوم التالي؛ فقد يئس من عناد بيغن ورفضه تقديم تنازلات؛ اقترح كارتر على السادات التمشي معه في الغابة؛ وفي الأثناء أقنعه بالعدول عن السفر بوعود من كارتر ان ينتزع من بيغن تنازلات بشان الفلسطينيين وتقديم مساعدات مالية سخية لمصر في دورته الثانية. غير أن بيغن واصل الإصرار. أعاد بروزينسكي نشر اللمحة عام 2017،" تحذيرا لمحمود عباس من تكرار خديعة السادات".

في الولايات المتحدة تتناوب مؤسسات الحكم التصرف، حيال الصراع في الشرق الأوسط، ويكون بمقدور انصار إسرائيل في النهاية شطب ما لا ترضاه إسرائيل مما يتقرر رسميا أحيانا بشأن الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. هكذا أمكن شطب مقررات مؤتمر أنا بوليس الذي دعت إليه إدارة بوش الابن عام 2008، وقرر إقامة الدولة الفلسطينية عام 2010، ودعا بوش مرارا الى ضرورة "احترام كرامة الشعب الفلسطيني". 
واوعز اوباما في نهاية فترة إدارته الى المندوب الأميركي بتمرير مشروع القرار 2334، بإدانه الاستيطان الإسرائيلي بالضفة والقدس والمطالبة بوقفه وإزالة المستوطنات. ثم جاءت إدارة ترمب وشطبت على جميع القرارات الرافضة للاستيطان الإسرائيلي

باستمرار أصرت القيادة الإسرائيلية، العمالية ثم الليكودية، في جميع المراحل على التوسع الاستيطاني، ورفض الضغوط او المقترحات باتجاه التوصل الى تسوية تستجيب لضرورة التعايش مع الشعب الفلسطيني فوق أرض وطنه. حتى أثناء المفاوضات الجارية في العقد الأخير من القرن الماضي بوساطة اميركية لم يصدر عن الجانب الإسرائيلي موقف مجاملة او تهدئة خواطر تجاه الجماهير الفلسطينية؛ بل اقترن التمدد الاستيطاني بإلصاق وصمة الإرهاب بكل من يتصدى لقرصنة الأرض من أصحاب البلاد الأصليين، وإصدار أحكام سجن ثقيلة ومديدة مع رعاية سيئة للسجناء ألحقت بهم أمراضا مزمنة. تصدت الولايات المتحدة لانتقاد ممارسات إسرائيل المناقضة للقانون الدولي الإنساني، لدرجة الإقدام على محاولات تخريب المنظمات الدولية المعنية مثل منظمة اليونيسكو ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وإمعانا في الكيد أصدرت قوانين أميركية تدين باللاسامية كل انتقاد لممارسات إسرائيل

كان كيسنغر يجيب على مطلب ردع إسرائيل: " ليس لدى الولايات المتحدة سياسة شرق أوسطية، وهي تتعامل فقط مع إدارة الأزمات. ومن اجل ان تجعل الولايات المتحدة تشارك، عليك ان تخلق ازمة’. قدم التصريح نفسه للملك حسين وزيد الرفاعي على حد سواء في مناسبات متنوعة"[122].

حضر قادة الدول لحضور الجنازة و"حضر من إسرائيل ستة، هم نتنياهو ووايزمن رئيس الدولة وشمعون بيريز واسحق شامير ووزير الخارجية شارون. لم يسبق لهؤلاء ان اجتمعوا سابقا في غرفة واحدة ، أبدا، على حد قول وايزمان... في سياق المحادثة بدأ وايزمن يصف نتنياهو بأشنع الصفات بصوت مرتفع بينما كان يتحدث مع فيتس – ابن العاهرة ذاك القابع هناك، ولم يكن نتنياهو بعيدا جدا وكان على مسافة بإمكانه السماع منها بشكل جيد... قلت لهاليفي مدير المخابرات الإسرائيلي مكثت مع الملك حسين اربعين عاما وكل ما كان يرغب فيه صنع السلام مع إسرائيل، كان بإمكانكم صنع السلام معه بالمعنى الحقيقي ، وفي أي وقت عبر الفترة الزمنية، لكنكم لم تفعلوا ابدا. وانا أعتبركم مسئولين عن ذلك . كان بإمكانكم ان تجنبوا المنطقة الكثير من المتاعب لو انكم فقط كنتم أقل انانية . اعتقد انكم اهدرتم الفرصة"[217].

في ضوء ما تقدم الى أين توصلنا صفقة القرن ورديفها مشروع أنعاش الاقتصاد الفلسطيني؟

(يتبع... الحلقة الثانية)