2019-06-22

هل حقا توفرت فرص للتسوية السلمية مع إسرائيل أهدرها الفلسطينيون؟!

(الحلقة الثانية)

ما بعد صفقة القرن

سعيد مضية

بينت الوقائع المدرجة في الحلقة السابقة موافقة مقرري السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، وعلى رأسهم كيسنغر، على أن يضم لإسرائيل  مدينة القدس وشطر هام من الضفة. يتعزز في وظيفة الميديا الغربية والإسرائيلية، حسب توصيف المفكر الأميركي الشهير، نوعام تشومسكي، نشر الدعاية العنصرية والميل لنشر الوعي الزائف، وغدا شعارها في حرية الإعلام حرية عبور الوعي الزائف، حيث يحتدم  الصراع حول عقول البشر، إذ يقرر توجهاتهم ودوافع سلوكهم، بالدرجة الأولى، التأثير الإعلامي المتدفق من هذه الجهة أو تلك.

تلك هي وظيفة الثقافة في عهد الليبرالية الجديدةـ تضليل الجماهير ومكافحة النزعة النقدية، كما يبرز في موضوع جوهري بالنسبة للصهيونية ودولة إسرائيل. فهي تكرر على مدار الساعة أن اليهود "حرروا" وطنهم" وما على ال"محتلين" الفلسطينيين إلا ان يرحلوا. تكرار الأكذوبة حوّلها في الوعي الجمعي حقيقة من يرفضها يعد مارقا او لاساميا. تعمّد الليكوديون تسخير الدعاية المرافقة لمصادرة الأراضي للشحن العرقي وإشاعة الكراهية العنصرية، ضمن مجهود مركز لتعبئة عنصرية فاشية في إسرائيل. التيار اليميني الفاشي داخل إسرائيل وخارجها لا يخفي نوايا طرد العرب ثانية من وطنهم بدعم من اليمين الفاشي في الولايات المتحدة.

ولدى لجوء المنظمات الصهيونية الى الإرهاب  إثر صدور الكتاب الأبيض البريطاني الصادر عام 1939، توجهت حدة الإرهاب ضد العناصر اليهودية المعارضة أو المتخلفة عن الدعم. تصاعد النشاط الإرهابي للمنظمات الصهيونية مباشرة إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية وتقرر فرض إقامة الدولة اليهودية على الأرض التي تسيطر عليها الميلشيات المسلحة دون الالتزام بقرار الأمم المتحدة. في حمى الموجة الإرهابية اندثرت مجموعة يهودية من المثقفين برزت في ثلاثينات القرن الماضي نادت بالتعاون مع الشعب الفلسطيني، واحترام حقه في وطنه ، ضمت  البرت اينشتين العالم المشهور وإيهودا ماغنيس، رئيس الجامعة العبرية واحد هعام المفكر وحنه أرندت الفيلسوفة التقدمية وعدد آخر عارضوا إقامة دولة يهودية.

أورد هاري بلين، الدكتور في العلوم السياسية، نماذج من دعاية التطهير العرقي ترددها الدعاية الإسرائيلية ، منها ريتشارد سبنسر، رئيس منظمة شبه نازية دعم حملة ترمب الانتخابية ، يبدي "إعجابه الشديد بدولة وحيدة في العالم تطلق على نفسها انها يهودية. صورة باهتة لدولة تدعي انها "الديمقراطية الوحيدة بالشرق الأوسط ". رئيس وزراء إسرائيل، نتنياهو، وصف العرب ب " التهديد الديمغرافي"، وختم وزير المعارف حوارا داخل مجلس الوزراء بالقول "قتلت الكثير من العرب في حياتي وما من مشكلة في ذلك". اما وزيرة العدل فقد اعتبرت اطفال الفلسطينيين "افاعي صغيرة". وصدر عن وزير الأمن العام ، إردان، في بداية العام 2018: " لا يهمنا ما تقوله أمم العالم ، حان الوقت كي نعبر عن حقنا التوراتي في الأرض". وصدر عن وزارة إردان –الشئون الاستراتيجية- تقرير زيف التاريخ الحديث للمنطقة، مدعيا أن فلسطين المشمولة بوعد بلفور تمتد من البحر حتى الصحراء الشرقية؛ اقتطعت منها بريطانيا شرقي النهر دولة أطلقت على نفسها المملكة الأردنية وبقي غربي النهر من نصيب الدولة العبرية!!

وفي شباط 1982 نشر عوديد يينون ، الاستراتيجي بوزارة خارجية إسرائيل، دراسة  بمجلة كيفونيم (اتجاهات) الناطقة بالعبرية عنوانها "الخطة الصهيونية للشرق الأوسط". الخطة تتطابق مع أهداف صفقة القرن، حيث تشمل المنطقة العربية بأسرها. قرر يينون في الخطة تمزيق الدول العربية كافة الى دويلات متناحرة تدور في فلك إسرائيل؛ وادعى، استنادا الى شهادة الرابي فيشرمان عضو الوكالة اليهودية من اجل فلسطين ادلى بها امام لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالتحقيق في 9تموز 1947، أي قبل صدور قرار التقسيم، زعم فيها أن الأرض الموعودة تمتد من نهر مصر حتى الفرات وتضم أجزاء من سوريا ولبنان. المنطقة المدعاة حصيلة ترجمة غير أمينة لمقولة توراتية تحدد مملكة داوود وسليمان بمنطقة ضيقة تمتد بين مصريم، ويقصد بها أرض مضر، وليس مصر، وإفرتا وهي منطقة مجاورة لا علاقة تربطها بنهر الفرات. قام يسرائيل شاحاك ، أكاديمي إسرائيلي ورئيس لجنة حقوق الإنسان في إسرائيل، بترجمة الرسالة للإنجليزية كي "يطلع الفلسطينيون على ما يدبر ضدهم"، ثم نشرتها مجلة الخريجين العرب من الجامعات الأميركية في عدد تموز 1982. وكتب رئيس اللجنة، خليل  نخلة، مقدمة للرسالة قال فيها أن تحقيق بنود الخطة يقتضي أمرين: أن تغدو إسرائيل دولة امبريالية كي تبقى، والاضطلاع بدور فاعل بالمنطقة بكاملها تمزقها دويلات عرقية وطائفية متصارعة . يتم إنجاز الشرذمة من خلال صراعات كالتي جرت عامي 1947 -1948 وكذلك في العام 1967.

من أبرز بنود الخطة إشاعة النعرات الطائفية داخل المجتمعات العربية، أداة إسرائيل، كما تجلى لاحقا، لإضعاف الدول العربية وإنهاكها بالفتن الداخلية. ولا بد من الإشارة إلى هدر الأنظمة الأبوية العربية لشعوبها وإغفال التنمية الاجتماعية شكل المسوغ لخطة يينون، حيث أجمل الوضع العربي بالفقرة الثالثة عشرة، "صورة عرقية تترامى ما بين المغرب والصومال تشير الى غياب الاستقرار والتدهور السريع للمنطقة بكاملها. ولدى إضافة هذه الصورة الى الوضع الاقتصادي نرى كيف ان المنطقة بأكملها أشبه ببنيان ورقي يعجز عن الصمود أمام مشاكله الحادة". أعلن يينون الأسف الشديد للتخلي عن سيناء وطالب باستعادتها مثلما كانت قبل زيارة السادات للقدس. فهي منطقة تنطوي على ثروات نفطية وغير نفطية. ومن بنود الخطة أيضا حل الجيش العراقي الذي يشكل خطرا على إسرائيل، وهو ما كان باكورة إجراءات الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وقرر يينون لسوريا مصير التمزق  الى خمس دويلات:كردية ودرزية وعلوية ودولة سنية في دمشق على عداء مع دولة سنية في حلب، وهو ما تجسد على الواقع أثناء هيمنة داعش. وفي تلك الأثناء تجسدت أيضا نذر الخطة الصهيونية للعراق بتقسيمها الى ثلاث دويلات سنية وشيعية وكردية.كما نوعدت الخطة مصر التجزئة الى دويلات قبطية وإسلامية ونوبية . ويفضح رياء نتنياهو إذ يتباهى بعلاقاته الودية مع دول الخليج أن خطة يينون رأت في إمارات الخليج والسعودية هياكل فوق رمال لا تحتوي غير النفط. في السعودية نصف السكان أجانب والأقلية السعودية تمسك بالسلطة بينما هناك طائفة شيعية محرومة. وفي البحرين وعمان واليمن الشمالي حكام من السنة يستبدون باغلبية شيعية. طعنت في النظام السعودي وتنبأت له بالزوال وكذلك دول الخليج.

وفيما يتعلق بشعب فلسطين أورد يييون في الفقرة 26 "من غير الممكن استمرار العيش في هذه البلاد بدون فصل امتين -العرب في الأردن واليهود في المناطق غربي النهر. فالتعايش الحقيقي والسلم لن يهيمنا على المنطقة إلا عندما يدرك العرب أنهم لن يحصلوا على السلام والأمن بدون سيطرة اليهود ما بين نهر الأردن والبحر. لن يتحقق للفلسطينيين دولة وأمن إلا في الأردن". ويعود يؤكد في الفقرة التالية (27) "يجب أن يكون واضحا في ظل أي وضع سياسي لاحق أن حل مشكلة العرب  لن يتأتى إلا بعد أن يعترفوا بوجود إسرائيل ضمن حدود آمنة حتى النهر أو ما يتجاوز النهر، باعتبار ذلك حاجة وجودية لإسرائيل في هذا العصر الصعب، العصر النووي الذي سنعبره قريبا".

خطة يينون نسخت جينيا في صفقة القرن بتخطيط  نتنياهو، "فليس كوشنر، إذ يخاطب الفلسطينيين، كصبي مراسل لدونالد ترمب، إنما هو الخاتم المطاطي لنتنياهو ومشروعه الاستيطاني القديم الجديد"،حسب توصيف المحامي المشهور في نيويورك، ستانلي كوهين. المصير الذي استشرفه يينون تجسد في صفقة القرن، وإن تضمنت إبقاء بلديات للفلسطينيين متناثرة ومحاصرة بمستوطنات يهودية. فالتجمعات البلدية لا تقوى على الصمود بوجه  هجمات المستوطنين وتعدياتهم المتلاحقة على البشر والأملاك. وهذا المصير الأسود يضمره الفريق الأقوى نفوذا في السياسات الدولية، ودفعت رياحه الأحداث المتعاقبة على دول المنطقة منذ حزيران 1967. إنه فريق المحافظين الجدد ونواته الصلبة المسيحيون الأصوليون او الإنجيليون، تيار فاشي، يضمر الكراهية العرقية لغير البيض،  وينتهج سياسات عدوانية على الصعيد الدولي، ويشكل حاليا القاعدة الاجتماعية لإدارة الرئيس ترمب. دأْبُ هذا التيار منذ نصف قرن الدفاع عن ممارسات إسرائيل؛ وفي عهد الرئيس ترمب انتهك بفظاظة القانون الدولي الإنساني في عدد من القضايا ؛ حيث انسحب من اتفاقية المناخ ومن الاتفاق النووي مع إيران ومن المعاهدة الدولية حول الصواريخ متوسطة المدى وتنكر لقرارات مجلس الأمن بشأن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ، فأجاز لإسرائيل ضم القدس كاملة ونقل سفارة الولايات الى مدينة القدس وسمح بضم الجولان وأصدر صفقة القرن التي تجرد الفلسطينيين من حق إقامة دولة مستقلة وتبقي لهم كانتونات بلدية متناثرة محاطة بمستوطنات يهودية تخنقها وتمنع تطورها وتتركها تضمحل وتذبل لتغدو في النهاية غير قابلة للسكن البشري.

يحمل مشروع التطهير العرقي في فلسطين تناقضه الداخلي؛ إذ تصدر أصوات في الوقت الراهن تعبر فيها مجموعات صهيونية داخل إسرائيل وخارجها عن قلق من تشكل نظام أبارتهايد إسرائيلي، يفضي الى نبذ إسرائيل دوليا، شأن النظام العنصري في جنوب إفريقيا. أقامت إسرائيل نظام أبارتهايد منذ الأيام الأولى لوجودها، حيث نزعت  ملكية الأراضي من مالكيها العرب وسلمتها الى صندوق الأراضي اليهودي، الذي حصر لليهود فقط حق الانتفاع من الأراضي . غير أن دول الغرب الامبريالية تتستر على عنصرية نظام الحكم في إسرائيل، كما تتستر على معاناة  الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع تحت نظام أبارتهايد ممعن في عنصريته، نظام ينتزع الأرض من مالكيها العرب ليبني عليها المستوطنات اليهودية، ونظام أخضع الجماهير الفلسطينية لأزيد من نصف قرن لقوانين طوارئ صادرت أبسط حقوق الإنسان وعطلت نمو الاقتصاد الفلسطيني. تخفى نظام الأبارتهايد تحت مظهر الاحتلال، فبات إبرازه والتشهير به ضرورة ملحة من اجل فضحه والتأليب عليه.

إن عجز المقاومة الفلسطينية عن وقف مشاريع الاستيطان رغم التضحيات السخية من جانب الجماهير، إنما يعود الى هشاشتها الناجمة عن قيادتها الأبوية التي فضلت استقلالا منقوصا وسيادة منخورة على نهج ثوري مثابر يستند الى حركة شعبية ديمقراطية. كان الاتفاق عاما على أن اوسلو قد يسفر عن دولة أو يفضي الى جهنم ؛ وبحكم فردية القيادة لم يسفر أوسلو عن دولة مكتملة السيادة. وقعت القيادة الفلسطينية ضحية مكائد إسرائيل، تارة تغريها بمفاوضات جرت غطاءً للحملة الاستيطانية المكثفة وقبول تقسيم الضفة الى مناطق  ألف وباء وجيم، والأخيرة منطقة توسع استيطاني؛ وتارة تستدرجها الى صدام عنفي غير متكافئ عام 2001 أسفر عن شطب حصيلة المفاوضات لإدارة السلطة الفلسطينية ، وإطلاق مدحلة الاستيطان بلا توقف. يستحيل على النظام الأبوي إنجاز التحرير وبناء مجتمع التقدم ، نظرا لرفضه الحوار الداخلي وإقامة نظام الحزب الواحد والعزوف عن اعتماد المنهجية العلمية  والحيلولة دون قيام جبهة وطنية موحدة تقود مجتمعا مدنيا وتمأسس المقاومة ضمن بنية حركة شعبية ديمقراطية تتوحد فيها طاقات القوى المناهضة للاحتلال.

التيار الفاشي داخل إسرائيل وأنصاره خلف المحيط ليس مطلق القوة، رغم وضع القدرات العسكرية والدبلوماسية والثقافية الأميركية تحت تصرفه. فالإجراءات المنفردة لإدارة ترمب، بما فيها المتعلقة بالنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، حوصرت بمعارضة غير مسبوقة حتى بين الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة؛ وتصدر عن دول حليفة للولايات المتحدة تصريحات ترفض صفقة القرن، وتوجه خمسة وعشرون من وزراء خارجية دول أوروبية سابقين ودبلوماسين سابقين بمذكرة الى الرئيس الأميركي ترمب ، دعوا الى تأجيل نشر صفقة القرن لأنها جائرة ضد الفلسطينيين. طالبت الرسالة الدول الأوروبية مساندة حل الدولتين واستنكار سياسات ترمب المنحازة لإسرائيل. وتعلن روسيا والصين معارضتهما الحازمة للحل الأميركي لمشكلة الشرق الأوسط . 

وتتضاءل القدرات العسكرية النسبية للولايات المتحدة، وفقدت احتكارها للقطبية الدولية، غدت عاجزة عن إنجاز تطلعات التيار الفاشي العدواني. هذا بينما يتزايد على المسرح الدولي نشاط حركات التضامن مع العدالة في فلسطين، خصوصا بعد إقرار قانون القومية لإسرائيل، وإطلاق صفقة القرن.

طبيعي أن كل الدعم الخارجي والقرارات الدولية المؤيدة تظل حبرا على ورق إن لم تستثمرها مقاومة ثورية داخل فلسطين، مقاومة تمارس النقد الذاتي، كي تتخلص من عوامل هزالها، مسترشدة بنصيحة كيسنغر: الولايات المتحدة تدير الصراع ولا تتدخل إلا بحدوث أزمة. فلا بد من خلق أزمة  للاحتلال الإسرائيلي، بل وضعه أمام مأزقه. التحرير يتطلب حركة ثورية لا تهادن ولا تتولى حماية الاحتلال بينما تترك جماهيرها لتسلط المستوطنين.

وهذا موضوع الحلقة القادمة.

 (يتبع... الحلقة الثالثة)