2019-06-23

عامان على الانتخابات المحلية

ريما كتانة نزال

المراوحة في المكان، السمة التي تميز تجربة مشاركة المرأة في الحكم المحلي. الحُكم يخرج من الانتقائية والتسرع، بل حكمٌ مُدقق رقمياً ومتابعة من مسافة الصفر. فلم تتجاوز نسبة المشاركة النسائية عن 22% في أحسن حالاتها، كما لم تتعد نسبة المرشحات قياساً بالمرشحين عن 26%، شبيهة بإعلان نوايا حسنة.

المشكلات والتحديات ذاتها، ليس قياساً وبناءً على تجربة مدتها عامان بعد آخر انتخابات جرت في العام 2017 وتوابعها واستيعاب انتخابات الإعادة والاستكمالية، بل مستوعبة تجربة أربعة عشر عاماً منذ أول انتخابات جرت.. إن لم نمد الأمر على استقامته إلى خمسة وعشرين عاماً خلت وتأسيس السلطة الوطنية، مقارنة بحجم التغيّرات واتجاهاتها، التي لا تنطبق عليها صفة المراوحة فقط، بل التراجع نحو الخلف!
ومن أجل وضع ملامح التجربة، وخلق حالة أرَق جدي لدى المهتمين بحقوق النساء وتنوير المجتمع وانفتاحه وخلق دافعية وحوافز لديهم، كان لا بدّ من توصيف ووضع القضايا على الطاولة المستديرة للفاعلين والفاعلات في المجال، لاستيعابها في السياسات الإستراتيجية التي تصنع التغيير

الكلّ مسؤول عن حالة المراوحة والتراجع، المستوى الرسمي قبل وأكثر من المستوى المدني، فالأرض التي نعمل عليها تشكو من التَصَحُّر، وأحوج ما تكون إلى سياسات منهجية لقلب البيئة العامة وجعلها متقبلة للتعاطي واحترام التعددية والتنوُّع والديمقراطية ورفض التمييز والإقصاء وتحويل المفاهيم الحقوقية إلى مسألة نضالية، لا تتعلق بالمرأة فقط بل تُحرك وتؤثر وتحدِث تغييراً طارئاً واعترافاً ممأسساً يمهد للمشاركة المفتوحة أمام الجميع، خاصة النساء والشباب. فالنمطية والمراوحة أصبحتا حالة ممأسسة وأصبحت مشاركة المرأة تُمارس ضمن ثقافة المُتاح، المُبطنة

عن ماذا نتحدث:

أولاً: عن تحول التوافق والنجاح عن طريق التزكية سمة مرافقة للانتخابات بما يسهم بقتل المشاركة المجتمعية الحرة والمتنوعة بعيداً عن العشائرية، خاصة مع اتساع نطاقها بما لا يُطاق ويُحتمل. أكثر من 55% في انتخابات 2017 حُسِم أمرها بالتزكية، حيث تم تقديم قائمة واحدة في أكثر من 200 مجلس

بعيداً عن تحليل اعتبارات التوافق وقمعه حرية الترشح وحرمان عشرات الآلاف من المواطنين حق الاقتراع، تحولت التزكية إلى عبء على استقرار المجالس، خاصة في استخدام الاستقالات بشكل كيدي وتوظيفها في المناكفات بين مكونات المجلس ومنها: استهداف رئيسات المجالس محدودة العدد، كما وقع مع بلديتي «عزون وحزما، عن طريق الاستقالات المتتابعة بما يخلّ بالنصاب وصولاً إلى حلّ المجلس، ومن ثم إجراء انتخابات جديدة يسبقها لجان تسيير الأعمال

معارضة قوائم التوافق يتجسد بتقديمها كمنتوج توافقي في واقع الانقسام والخلاف وتهديد السلم المجتمعي، الأمر الذي يستدعي النظر للأسباب الحقيقية تحت القشرة: احتكار بعض الفئات الاجتماعية تحديداً العشائر والعائلات والزعامات قيادة المجتمع، حالة الترهيب من قبل مراكز النفوذ، ما يؤدي إلى قمع رغبات وطموح قوى شبابية وغيرها من طبقات فقيرة ومهمشة من التقدم للترشح.  

ثانياً: عن تفريغ «الكوتا» من دسمها ووظيفتها المؤقتة: من المفترض أن إقرار «الكوتا» في قوانين الانتخابات، نقلت المشاركة النسوية من زاويتها الحادة إلى زاوية منفرجة الأضلاع. لكنها بسبب شكلانية الفكرة؛ لم تتمكن من تحقيق وظائفها المرجوة. لقد حصّنَت الكوتا وصول المرأة ولم تُحَصِّن وجودها وحقوقها، لأنها لا تعمل بمفردها بمعزل عن السياسات وأهداف التغيير، بما هي سياسات تمأسس وترسخ ثقافة المساواة وحقوق المواطنة.. «الكوتا» ليست أكثر من طنجرة بخار تعمل بوساطة إضافة عوامل خارجية لتسريع إنضاج محتوياتها.

ثالثاً: عن الكفاءة ومعايير النجاح والفشل

يعترف أصحاب القرار والمجتمع بشكل عام بأهلية وكفاءة المرأة في مراكز صنع القرار المحلي، لكنه اعتراف محدود بأسماء وحالات يُشار إليها بأصابع اليد. لكن المشكلة في عدم التدقيق في كفاءة الأعضاء رغم أنهم الأكثرية في عضوية هيئات الحكم المحلي. المفارقة أن الأغلبية التي المفترض أن تصنع النجاح والفشل لا توضع تحت الأضواء، بينما يتجه المجهر إلى رصد نجاح وفشل العضوات

التجربة برمتها بحاجة إلى التدقيق لجهة رصد الاستقالات الجماعية وتحليلها، ومن يقف خلفها التي في الغالب تُحال على الأعضاء الذكور بسبب العدد (78.3%)، وتعود الاستقالات لجملة من الأسباب منها الخلافات والتناقضات بين الأعضاء ولنقص الموارد المتاحة وللتصورات الخاطئة المسبقة حول طبيعة العمل البلدي الفنية والتخصصية والوظيفية، أو بسبب الرغبات الشخصية للاستخدام الزعاماتي والوجاهي للمجالس. الأسباب المذكورة مجتمعة تعود لفشل الأعضاء في تجسير الفجوات وحلّ الحلافات وتوفير قواعد المشاركة والاندماج في العمل وتحمل المسؤولية وتغليب الاعتبارات العامة على الشخصية والخاصة

الأسباب المُشار إليها أعلاه، لا يُعار لها الاهتمام اللازم بقدر ما يُتاح لفشل حالات نسائية مجددة التي يعود بعضها إلى الإقصاء أو طريقة اختيار المرشحات ضمن منطق استكمال القوائم والفئوية. لنطرح الأسئلة المليونية: لماذا تسليط الضوء على الفشل الفردي وتهريب فقد العمل الجماعي مقوماته وعدم القدرة على توحيد واستثمار موارد المجلس البشرية بعدالة بين العضوات والأعضاء وبين المختلفين سياسياً، في خدمة المجلس؟! لماذا ينعكس فشل المرأة الفردي على جميع النساء ووصمهن بنقص الكفاءة.. بينما ينعكس فشل العضو عليه فقط؟! لماذا يشمل النجاح الفردي للعضو علة كافة الرجال بينما ينعكس نجاح المرأة عليها فقط؟! أليس حرياً بنا أن نعكس فشل العضوات على المجلس بجميع أعضائه وعلى الأخص على رئيسه، لأنهم قاموا بالإقصاء أو التطفيش أو عدم الإدماج بسبب نقص، الكفاءة الإدارية وتحمُّل المسؤولية وتوزيع العمل وصهر الكفاءات في خدمة الصالح العام؟!
هذا غيض من فيض النقاشات التي تدور في أروقة العمل البلدي لجهة تقييم التجربة برمتها لطرح السياسات المتلائمة مع المشكلات والعقبات.