2019-06-27

في حوار حول تطورات المشهد السياسي السوداني

الخطيب: الوساطة الأثيوبية لا تلبي التطلعات ومستمرون في المقاومة    

الخرطوم: عبر السكرتير السياسي للحزب الشيوعي السوداني، والقيادي في «قوى الحرية والتغيير» محمد مختار الخطيب، عن عدم رضاه عن محتوى المبادرة الأثيوبية، وحمّل في حوار مع «القدس العربي» المجلس العسكري مسؤولية فض الاعتصام، مؤكدا وقوع 48 حالة اغتصاب و650 حالة اختفاء قسري، كما اتهم المجلس بالاستعانة بدول عربية، لتوطيد أقدامه في السلطة مقابل بقاء القوات السودانية في اليمن.

■ ما هي آخر تطورات المبادرة الأثيوبية من حيث المقترحات للتوفيق بين أطراف الأزمة السودانية؟

□ مع احترامنا لوساطة الشقيقة أثيوبيا لكن الوساطة وما طرحه رئيس الوزراء الأثيوبي، آبي أحمد، من مبادرة للحل، لا يفي وتطلعات الثوار وما قدم من تضحيات من أجل دولة مدنية ديمقراطية غير منقوصة. المبادرة تتعارض مع قرارات الاتحاد الافريقي الذي يمنع تدخل أي قوى خارجية للإبقاء على انقلابيين أو عسكر في مؤسسات السلطة، ويحصر دور الوسيط في المساعدة والتيسير للأطراف في الوصول إلى اتفاق تسليم السلطة للمدنيين.

■ من يتحمل مسؤولية فض الاعتصام هل هو المجلس العسكري أم كوادر الدولة القديمة في المؤسسات النظامية والدولة بشكل عام؟

□ يتحمل مسؤولية فض الاعتصام، المجلس العسكري الانتقالي، وكل من حضر الاجتماع الذي اتخذ فيه قرار الفض، والقوى التي نفذت المخطط وكل من علم به، وحسب علمي، فإن التحالف الديمقراطي للمحامين أصدر بيانا حول فض الاعتصام، وحمّل المسؤولية للمجلس العسكري، وجميع من شارك في الفض وخطط له، والجهات والمكونات والأفراد اللذين اجتمعوا مسبقا للتقرير بشأن فض الاعتصام أو التعامل مع منطقة كولمبيا، بل وكل من كان على علم مسبق بها موضع اتهام إلى حين ثبوت العكس، وفقا للقانون والإجراءات الجنائية لسنة 1991وقانون الاثبات لسنة 1994 والقانون الجنائي لسنة 1991 بما في ذلك رئيس القضاء والنائب العام».

حدثت انتهاكات جدية، وتقدم محامون سودانيون بمذكرة للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم ضد الانسانية. وأكدت المذكرة رصد حالات اغتصاب واسعة النطاق راح ضحيتها 48 امرأة و6 رجالا، واختفاء قسري طال 650 مدنياً يوم فض الاعتصام إلى جانب أعمال غير إنسانية ومهينة أخرى.

■ كانت هناك بارقة أمل للاتفاق قبل مذبحة فض الاعتصام بيوم واحد، ما الذي حدث وجعل المجلس العسكري يقوم بما قام به؟

□ الذي حدث هو تعثر المفاوضات، وكان بسبب ضعف إرادة وعدم قناعة المجلس العسكري للوصول إلى اتفاق يسلم بموجبه السلطة لقوى الانتفاضة، ومواصلة المماطلة لكسب مزيد من الوقت وقطع الطريق على النجاح الكامل للانتفاضة ومنع تفكيك مؤسسات الدولة العميقة. يريد المجلس الحفاظ على مكاسب الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة الفاسدة، والحيلولة دون محاكمة رموزها، والحفاظ على العلاقات والمصالح مع دول المحور العربي الإسلامي، والاستعانة بهم في توطيد أقدامه في السلطة مقابل بقاء القوات السودانية في اليمن.

المجلس يخطط لتنظيم وتجميع فلول النظام والحلفاء القدامى والجدد ثم التمهيد لإجراء انتخابات عامة تسهم في إعادة سيطرة الرأسمالية الطفيلية بمشاركة حلفاء جدد يوسعون القاعدة الإجتماعية للنظام بثوب جديد عبر انتخابات غير متكافئة ومزورة برقابة دولية وإقليمية مرتهنة بخدمة مصالحها.

■ إلى أي مدى نجح في تنفيذ هذه الخطط؟

□ عمل المجلس طوال الشهرين الماضيين على تنفيذ مخططه، وسعى بكل الوسائل لاستقطاب قوى اجتماعية لصالحه، ومن جانب آخر إضعاف كفة الانتفاضة وتغيير موازين القوى لصالحه، لكن فؤجىء بمجريات الأحداث لصالح استكمال الانتفاضة، حيث النجاح الكبير للاضراب الذي دعت له قوى الحرية والتغيير يومي 27 و28 مايو/ أيار، وتلى هذا النجاح دعوة قوى التغيير للمواطنيين لأداء صلاة عيد الفطر المبارك في ميدان الاعتصام، كل ذلك اعتبر تغيير في موازين القوى لصالح الانتفاضة والثوار، و إلحاق هزيمة نكراء بمخطط الثورة المضادة. لذلك، تعاضدت كل أجهزة القمع الخاصة بالدولة العميقة وخططت بعناية للانقضاض على الثوار وفض الاعتصام أمام القيادة العامة، وإرتكاب مجزرة وحشية لنشر الرعب وسط المواطنين حتى لا تقوم قائمة للانتفاضة. وكثف المجلس مظاهر العسكرة في شوارع الخرطوم، حيث شاهدنا عربات مدججة بالسلاح تجوب الأحياء وتطلق الرصاص والنار لإرهاب الناس، ولم يستكين الثوار وأقاموا المتاريس لحماية الأحياء.

■ خصومكم داخل قوى «الحرية والتغيير» يتهمونكم بأنكم كنتم تعدون للعصيان المدني أكثر من اهتمامكم بنتائج التفاوض قبل يوم من المجزرة؟

□ الإضراب والعصيان المدني من أسلحة الثوار لتغيير موازين القوى وكسب الجولة لصالح تسليم السلطة للمدنيين أو الإطاحة بالمجلس العسكري في حال تعنته أمام الحق.

■ قدّم المجلس العسكري تنازلات بما يخص مجلس الوزراء والمجلس التشريعي، ومع ذلك كنتم تصرون على التصعيد بالإضرابات وغيرها، ما أفسد أجواء التفاوض، كيف تردون على هذا الاتهام من المجلس العسكري ضدكم؟

□ هذا يفترض أن للمجلس مطلق الحق في حكم السودان يخول له التفضل والامتنان على الثوار بمنحهم جزءاُ من السلطات، مع أن العكس صحيح، فالشعب هو الذي انتفض وصنع التغيير والكلمه الأعلى له، بعد أن أسقط نظام الرأسمالية الطفيلية الذي جثم على صدره 30 عاما. المجلس العسكري ما هو إلا جزء من النظام الساقط عمل على قطع الطريق على الانتفاضة منعا للوصول إلى غاياتها في تغيير جذري. والأخير لن يتحقق إلا بتفكيك وتصفية النظام القديم، وليس بالمحاصصة وقبول عطايا المجلس العسكري، الذي حمى الرأسمالية الطفيلية الغادرة بالعهود والاتفاقيات والمواثيق المبرمة عبر 30 عاما من عمر سلطتها». وقد رفع الشعب شعار «تسقط بس» و«تسقط تاني وتسقط ثالث»، وسبق أن رفض حوار الوثبة الذي طرحه البشير وانتهى إلى محاصصة مع الحفاظ على سياسات النظام التي قادت لاحتقان الوضع وتفاقم الأزمة. كما رفض مشروع الهبوط الناعم الذي تبنته أمريكا وعملت على فرضه وآثر الشعب الانتفاضة الشعبية لإحداث التغيير الجذري.

■ طرحتم شعار الدولة المدنية بغموض ما أثار جدل حوله؟

□ لم تطرح قوى المعارضة شعار دولة مدنية بل طرحت شعار دولة مدنية ديمقراطية، هكذا متلازمتان بدون انفصام، فمدنية الدولة لا ينفي عنها الاستبداد، وقد خبر شعبنا أشكال الدولة الشمولية المستبدة والعسكرية والثيوقراطية ولم يأت الشعار من فراغ بل عن قناعة تامة. الحزب الشيوعي طرح شعار الدولة المدنية الديمقراطية في أدبياته وبرامجه السياسي منذ عقود خلت وتبنته تحالفات المعارضة ضد نظام الانقاذ في مواثيقها وبرامجها ابتداء من تحالف التجمع الديمقراطي وميثاق القضايا المصيرية الموقع في اسمرا وانتهاء بميثاق الحرية والتغيير.

■ هل تعتبرون ما حدث يوم 11 إبريل/ نيسان عندما جرى خلع الرئيس عمر البشير، انحيازا من الجيش إلى ثورة الشعب أم انقلابا عسكريا؟

□ ما حدث في 11 إبريل/ نيسان من خلع رئيس النظام البائد، كان بسبب فشل النظام وعجزه عن محاصرة وإخماد الانتفاضة الشعبية طوال ستة أشهر، مما اضطر اللجنة الأمنية العليا إلى خلع البشير، وتعيين وتنصيب نفسها مجلسا عسكريا. هكذا، قطعت اللجنة الأمنية العليا طريق الانتفاضة للوصول إلى غاياتها في إسقاط للنظام وتصفيته وليس انحيازا للشعب، كما ادعت. وقد خبر وعهد الشعب السوداني مكر الإخوان المسلمين وكذبهم على الشعب، ففي 1989 ذهب حسن الترابي عراب الانقلاب الاخواني إلى السجن مع اقرانه قادة الأحزاب وذهب عمر البشير الرئيس المخلوع إلى القصر رئيسا واتضح اللأمر للشعب لاحقا.

وفي وضعنا الراهن، اتضح للشعب نوايا المجلس العسكري من ممارساته وتماطله في تسليم السلطة لقوى الثورة، وتبين للجميع الأمر بعد مجزرة اعتصام القيادة والغدر بالثوار والثورة ونعتوه بالمجلس الانقلابي.

■ تشخيصكم الاول المعلن بأن ما حدث انقلاب عسكري، ربما يكون قاد لانعدام الثقة بين ممثليكم في التفاوض مع المجلس العسكري لأن تشخيصكم يختلف من بقية القوى السياسية المفاوضة؟

□ الانتفاضة ليست من صنع المجلس العسكري ليتفضل بتقديم عطايا للآخرين فالكل يعلم أن الشعب صنع الانتفاضة تحريرا لإرادته المغتصبة واستعادة الديمقراطية ليختار من يحكمه ويوليه ثقته لإدارة الوطن، وهدف لفترة انتقالية تؤسس دولة مدنية ديمقراطية، المواطنة فيها أساس الحقوق والواجبات، وتجري الإصلاحات المطلوبة وفق برنامج «الحرية والتغيير»، وتهيئة المناخ لعقد مؤتمر دستوري قومي يتوافق فيه أهل السودان على كيف يحكم ويدار السودان، رسما لمعالم الحاضر واستشراقا لمستقبل الاجيال واستدامة الديمقراطية والسلام وترسيخ مبدأ التداول السلمي الديمقراطي للسلطة في بلادنا، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتنمية متوازنة والحفاظ على سيادة ووحدة الوطن ولا يتحقق ذلك ولن يتأتى إلا باستكمال الانتفاضة وتفكيك وتصفية نظام الانقاذ ومكوناته ومحاكمة رموزه ومن أضروا بالوطن وعاثوا فسادا من فئات الرأسمالية الطفيلية.

اللجنة الامنية أو المجلس العسكري (سيان) هما جزء من النظام وقفزوا إلى السلطة، حفاظا على مكتسبات الرأسمالية الطفيلية طوال 30 عاما من الحكم وعدم المساس بها. وقد أدركت الجماهير بحسها الثوري المراوغات في تسليم السلطة مما دعاها للاستجابة للاضراب حفاظا على الانتفاضة.

■ يتهمكم حلفاؤكم بأنكم ظللتم طوال التفاوض تزايدون عليهم بالبيانات والتصريحات الإعلامية ما أفسد أجواء التحالف وهو الأمر الذي كان ظاهرا للمراقبين؟

□ الحزب لم يرغب أو يقصد المزايدة على حلفائه بإصدار البيانات والتصريحات الإعلامية لإفساد أجواء التفاوض، إنما كان يمارس حقه في مخاطبة الوعي الجمعي للجماهير وتقديم موقفه لها، من قضايا هامة ومؤثرة في الساحة السياسية، وأحيانا بيان وجهة نظر الحزب تكون مخالفة لما يجري على طاولة التفاوض، أو ما تدفع له مجريات الأحداث، ويرى فيها الحزب خطرا، ويخشى انسياق «الحرية والتغيير» خلفها، مما يقتضي على الحزب تنبيه الجماهير لها وتكوين رأي عام يتصدى لها، فمثلاً، ما كان للحزب أن يصمت والمجلس العسكري يروج بأنه شريك في الانتفاضة بوصفه إنحاز للجماهير وإنجرار التحالف وراء هذه الفرية دون أن يتحسب لما يترتب على الاعتراف بها من مزالق. العقل الجمعي للجماهير تنبه للأمر رافضا أي تسوية أو مفاوضات.

"القدس العربي"