2019-07-04

توفيق زياد – لماذا لا يغيب الغياب ؟

عصام مخول

لماذا لا يغيب الغياب؟ وماذا يعني هذا الغياب الحاضر معنا وفينا، منذ أن رحل زياد وسط الطريق، فصار هو المسافر وهو الطريق؟! لماذا يزداد غياب هذا القائد الشيوعي والشاعر الوطني حضوراً فينا، في كل مرة تنسحب فيها الآمال الى درب الآلام ؟!

ليس توفيق زياد ولم يكن من أولئك الذين يخشَوْن العاصفة ويخطفون الرأس ، بل كان هو العاصفةُ، وهو الجبل الذي لا تهزّه ريح، وهو الريح العاتية في وجه الظلم والقهر والاستغلال القومي والطبقي، توجهه مبدئية شُجاعة ومسؤولة وشَجاعةٌ مبدئية، واعية..

حين عصفت الانهيارات بالاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، كان من أصدقاء توفيق زياد والمنظومة الاشتراكية في تسعينيات القرن الماضي، كان من أصدقاء زياد ورفاق دربه من دعاه الى أن يستقل أقرب قارب نجاة ويغادر السفينة الغارقة، لكن توفيق زياد والسندباد الشيوعي الأصيل فيه، كان يعي أن أمثاله من القادة يركبون البحر أصلا لا السفينة. واختار بشكل واع أن يبقى مع رفاقه، ممسكا بألواح خشب، يعارك الموج في بحر الفكرة والتحليل الصحيح، ليستعيد أنفاسه وأنفاس سفينته، ينصب أشرعتها الحمراء من جديد، ويمخر بها عباب الفكرة التي كانت صحيحة وما زالت صحيحة، يواصل بها الطريق نحو أمل اشتراكي وخيار إنساني عميق !
توفيق زياد كان جواباً للمرحلة، بل بطل المرحلة، وظاهرة فذة فيها، لا تقبل التكرار، وعصيّة على التقليد، لأن المراحل لا تتكرر في تاريخ الشعوب، فاحتل موقعا متميزاً في كفاحات شعبه وفي وجدان الناس المظلومين أينما وجدوا، وكان مع رفاقه في الشيوعيين حجر الرحى في بلورة الانتقال بالجماهير العربية في اسرائيل، من نفسية النكبة الى نفسية المواجهة والكفاح والتصدي، ومن نفسية الهزيمة، الى نفسية الهامَة الشامخة والرأس المرفوع، والكف القادر على المخرز ...

زياد - من معركة البقاء إلى جدلية الوطن والمواطنة

لقد صاغ الحزب الشيوعي، وتوفيق زياد في القلب من قيادته، جدلية الوطن والمواطنة، ومجّد معركة البقاء وجعل من البقاء منطلقا لانتزاع المواطنة، في دولة تريد أن تكون يهودية.. وديمقراطية لو اتسع لها المجال .. وجعل زياد من المواطنة مصدر الحفاظ على قطعة الوطن الذي لا وطن لنا سواه، ونقطة القوة في واقع الاقلية القومية العربية في اسرائيل لا نقطة ضعفها أو عارها.. وصار بمقدور الشعب الفلسطيني في معركته التحررية وبإمكان القوى التقدمية اليهودية الحقة في معركتها على تحويل المجتمع الاسرائيلي تحويلا ثوريا، أن تعتمد على وزن هذه الجماهير عاملاً هاماً في معركة السلام العادل، والمساواة القومية واليومية والديمقراطية العميقة والتصدي للفاشية والعنصرية الترانسفيرية المنفلتة من عقالها

كان زيّاد منحازاً للطبقة العاملة، أممياً يُنشِد لها حبه الطبقي والانساني، ويستنهض فيها طاقاتها الثورية الكامنة، ويصوغ معها وفيها وعياً طبقياً وفكراً أممياً يكون السؤال المقرر فيه، من هم أولئك الذين لهم مصلحة حقيقية في تغيير النظام القائم، ومن هم الذين لهم مصلحة في الابقاء عليه .

زياد كان التعبير العظيم والراقي عن هذا المزيج من النضال الوطني، والالتزام الطبقي والتقدمي العالمي العابر للانتماءات القومية والوطنية، فأنشد لكوبا ولفيتنام وللساحة الحمراء ولليمن السعيد وللجزائر وللعبور الكبير! غنى للعمال وغنّى للثوار وغنّى للغلابا والمسحوقين المكافحين في كل مكان .

زيّاد الشاعر .. مثل زيّاد القائد يَحبِك قصيدته من دموع شعبه وهمومه، ومن عرق طبقته العاملة الحارق المتصبب "في ليلة لا تنتهي .. في ساحة لا تنتهي " . 

جمع زيّاد رقّة الشاعر الفنان، وصلابة القائد الشيوعي المصلوب على قضبان السجن بالمقلوب، جمع بين حاجة الارض الى دفاع المناضل الشجاع عن عروبتها، وحاجة قصيدته الى الارض، الى أودية وجبال تردد صداها.. والى شعب وفيّ يزرع أحواضا من زهرٍ يجعل منها إكليلا يلف عنق القائد وحادي المسيرة، يذود فيها "عن زهرة حمراء أن تذبل".

(ألقيت في الاحتفال المهيب في الذكرى العاشرة لرحيله في 5 تموز 2004 في قاعة فندق غراندنيو في الناصرة، وأعيد نشرها هنا لمناسبة الاحتفاء بمرور ربع قرن على رحيله)