2019-07-09

صداقة تشف عن عداوة لدودة

سعيد مضية

ربما تقابل بابتسامة سخرية صحفيا جهولا يتعجل الظهور من خلال شتم الفلسطينيين علّ الشتيمة ترفعه درجة على اكف إسرائيل في رحاب امبرطورية المعمورة. اما بصدد محلل واسع الاطلاع متمرس بالبحوث فلا تستطيع السخرية. لا تستطيع التسامح حيال إنذاري ختم مقالته بصحيفة مصرية، "اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد، وعلى الله قصد السبيل". التوكل على الله لإخفاء القصد الخبيث امر مألوف في السياسات  الشرق أوسطية.

المقالة عنوانها المخاتل" نصيحتي للأشقاء الفلسطينيين خذوا وطالبوا"، ينذر من عاقبة رفض تلك" التى ظهرت ملامحها فى مؤتمر المنامة، بدولة البحرين، فى أواخر شهر يونيو 2019، والتى تهدف إلى تحسين ظروف حياة الفلسطينيين اقتصاديًا وتعليميًا وصحيًا، فى قطاع غزة والضفة الغربية، واللاجئين منهم، سواء مَن يعيشون فى الأردن أو لبنان أو مصر"!! لم يشرح ل"الأصدقاء" كيف ستحدث المعجزة، لا سيما وأن الموكل بإنفاق أموال مشروع "الازدهار" هم الإسرائيليون الذين أحكموا الحصار حول الشعب الفلسطيني لأزيد من نصف قرن وجرعوهم مرارة الحكم العرفي، نهبوا خلالها أراضيهم عنوة بقوة السلاح. كيف لمن فرض حصارا مشددا على قطاع غزة وضربوه بالصواريخ طوال اثنين وخمسين يوما متتالية، ونحن نذكر عدوان واحدا، كي يرغموا الفلسطينيين على الخضوع لمشيئتهم .. كيف يمكن الثقة بهم أو بصبيانهم الصهاينة المتشددين داخل إدارة ترمب، وحسب اعتراف "الناصح" غير الأمين خلا مشروعهم من "دولة فلسطينية، ولا عن قرارات أمم متحدة، ولا حقوق فلسطينية. وهو ما فهمه معظم المراقبين على أنه خطة للازدهار مقابل السلام، على الأقل فى الأجل المنظور- من خمس إلى عشر سنوات!". هل ينصح بقبول الخطة أو ينصح برفضها بأسلوب موارب، شأن الخلايا النائمة تباغت بمهمة يتوجب إنجازها وهي مرعوبة من العواقب؟!

دوما تطرح اللازمة من "الأعداء" الغيورين على الشعب الفلسطيني، يلومون الفلسطينيين خصوصًا، والعرب عمومًا، على "رفضهم الدائم كل الحلول الوسط، والإصرار على الحلول المثالية...". هل صفقة القرن حلا وسطا؟!! الشعب الفلسطيني يدفع غاليا ثمن اتفاق اوسلو الذي بدئ بغزة وأريحا ؟! هل توقف الاستيطان اليهودي بالضفة خلال ثلاثين عاما من التفاوض العقيم؟ ألم تثبت التجربة المرة أن التفاوض كان ستارا لحملة الاستيطان المكثفة؟ الم تستبيح قوات الاحتلال مناطق السلطة وتعيدها الى الاحتلال المباشر؟

ثم كان مؤتمر كامب ديفيد مع مطلع القرن الحالي. دعا اليه الرئيس كلينتون متعهدا أن لا يلقي مسئولية فشله على الجانب الفلسطيني؛فالرئيس عرفات ادرك أن إسرائيل لا تنوي التنازل. أصر إيهود باراك رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض على الاحتفاظ بأجزاء من الضفة مع مدينة القدس؛ ومع ذلك شرع وكل الطيف الصهيوني الامبريالي يروجون مزاعم بصدد "تنازلات سخية" أيدها  الرئيس الأميركي كلينتون وحمّل الفلسطينيين مسئولية فشل المؤتمر!!

الدكتور سعد الدين ابراهيم صاحب النصيحة "للأشقاء الفلسطينيين" يلومهم بتفويت فرص جراء اللهاث خلف "الحلول المثالية". هل مجزرة صبرا وشاتيلا حدثت بسبب اللهاث خلف "الحلول المثالية"؟ أم انها  حملة غادرة تنكرت لعهد بالحفاظ على سلامة الفلسطينيين بعد انسحاب مسلحي المنظمة بموجب اتفاق رعته الولايات المتحدة؟

هل مجزرة الحرم الإبراهيمي على يد طبيب أدى قسم أبقراط اغتال تسعة وعشرين فلسطينيا كانوا يؤدون صلاة الفجر داخل الحرم الإبراهيمي، وساعده في المجزرة جنود إسرائيليون، حيث سقط على دراجات الحرم شهداء من بين المصلين.. هل ارتبطت  المجزرة بمطالب متشددة مثالية أم كانت تنفيسا عن حقد عنصري؟ هول الجريمة لم يمنع تطويب المجرم، الذي قتل داخل المسجد، قديسا ويقام له صرح غدا مزارا في مستوطنة كريات أربع، الملاصقة لمدينة الخليل حيث اقترفت المجزرة.

مجازر الفلسطينيين استهلت في 19 كانون ثاني 1947، في قرية الخصاص ذات الأهمية الاستراتيجية، أي بعد أيام من صدور قرار التقسيم. شهد العملية مراسل نيويورك تايمز، والبيوت تهدم على رؤوس ساكنيها وهم نيام! الحقد العنصري يحول الضحية إلى شيء تافه ومصدر الشر ينبغي إبادته بلا رحمة. استمرت نظرة الصهاينة هذه تجاه الفلسطينيين حتى يومنا هذا. وكم بذلت القيادة الفلسطينية من جهود وقدمت تنازلات على أمل تغيير المزاج الصهيوني الحاقد؟!

"الشقيق" الدكتور سعد الدين إبراهيم يلوم الفلسطينيين لتفويتهم فرص الفوز بتسويات كان من شانها...؟؟! بينما  جاك أوكونيل، ضابط السي آي إيه مستشار الملك  الراحل حسين في كتابه "مذكرات عن الحرب والتجسس والدبلوماسية في الشرق الأوسط"، يكتب في الصفحة 217، "قلت لهاليفي مدير المخابرات الإسرائيلي مكثت مع الملك حسين اربعين عاما وكل ما كان يرغب فيه صنع السلام مع إسرائيل، كان بإمكانكم صنع السلام معه بالمعنى الحقيقي، وفي أي وقت عبر الفترة الزمنية، لكنكم لم تفعلوا ابدا. وأنا أعتبركم مسئوولين عن ذلك. كان بإمكانكم ان تجنبوا المنطقة الكثير من المتاعب لو انكم فقط كنتم أقل انانية. اعتقد انكم اهدرتم الفرصة". ويكتب في نفس السياق أن الملك حسين أقدم على فك الارتباط بالضفة بعد ان تأكد له أن الإسرائيليين لن يتنازلوا عن أجزاء من الضفة وعن مدينة القدس، له او لغيره". وفي مجال آخر اقترح كيسنغر ارجاع جزء من الضفة بدون القدس . قبل الملك شريطة ان يكون ذلك خطوة أولى، ورد كيسنغر،بل حلا نهائيا. الولايات المتحدة أضمرت ضم القدس منذ أن تدخلت بوساطتها ل"حل النزاع"، وربما قبل ذلك.

وكاتب آخر، البريطاني توماس سواريز، نقل عن مجلة إيكونوميست البريطانية في نوفمبر 1942 بصدد اغتيال الصهاينة لورد موين المفوض السامي البريطاني في الشرق الأوسط، أن" قتله صلب المشكلة الراهنة، المتمثلة في ان الصهاينة الذين تدعمهم أميركا يريدون فلسطين كلها، وأن أي شخص يعرض عليهم ما هو أقل من ذلك يعد عدوا لهم". اورد الكاتب عمليات تصفية عديدة ليهود معارضين للنهج الصهيوني. "سلّط الصهاينة إرهابهم ضد جودا ماغنس مدير الجامعة العبرية لمعارضته قيام دولة لليهود"كما" انتقد النزعة الشمولية المتنامية لدى اليهود" وندد بالضغوط "المتصاعدة من اميركا للخضوع للشمولية الصهيونية التي تسعى الى إخضاع الشعب اليهودي كله الى مذهبها". جوبه بحملة دعائية لتلطيخ سمعته دونما اعتبار لمكانته الأكاديمية مات جودا ماغنس في ظروف غامضة.

لعل كل هذه الوقائع غير خافية عن فطنة الدكتور سعد الدين إبراهيم  وسعة إطلاعه، لكنه يتجاهل ويعلن بتأنيب وسخرية، "... وكان شعار الاستقلال التام أو الموت الزؤام هو أحد تجليات تلك النزعة، التى لا تعرف أو تعترف بالتدرجية، ولا بأى تنازلات."

ثم يضيف، "ونحن نقول لا ضير ولا ضرار من قبول الفلسطينيين خطة ترامب وكوشنر، الازدهار مقابل السلام، وذلك لسببين على الأقل:

"السبب الأول هو أنه لا توجد بدائل أخرى للتعامل مع ذلك الصراع الذى قارب تاريخه على المائة عام."

بل توجد البدائل العديدة ومنها تمزيق الأقنعة المستعارة!

والشعب الفلسطيني، خبر صنوف المكر والخديعة من جانب الصهيونية وعملائها، خبر التراجع عن الاتفاقات واستدراج المقاومة الى مصادمات مسلحة غير متكافئة كي يقضم المزيد من الأرض وأخيرا كي يثبت شعب فلسطين مكبلا، ينهب أرضه ويدمر محاصيله وأشجاره ويهدم مبانيه ويطلق مستوطنيه يدمرون الأشجار ويحرقون البيوت ويقتحمون الأٌقصى بلا رادع أو حسيب.

الدكتور سعد الدين ابراهيم انزع قناع الصديق، فصداقتك مرفوضة واقتراحك أكد اين تودع ضميرك!