2019-07-20

النفط كسلاح أمريكي!!

هاني حبيب

عند بداية القرن الماضي تم استخدام النفط كسلاح سياسي على الصعيدين الداخلي للدول، وفي سياق السياسة الخارجية التي تتحكم في العلاقات بين الدول، والتي المرة الأولى التي استخدم فيها النفط كسلاح سياسي في سياق السياسة الداخلية في الولايات المتحدة، عندما سنّت واشنطن عدة قوانين لكسر احتكار شركة "ستاندرد أويل" التي أسسها جوني روكفلر عندما وُضعت حقول النفط وتحديد إنتاجها تحت سيطرة مصلحة سكة حديد تكساس، وفي أغسطس آب 1953، قام التحالف البريطاني- الأمريكي بتنظيم الانقلاب على حكومة مصدق في إيران لضمان إمدادات النفط إليهما، إلا أن حرب تشرين أكتوبر 1973 بين العرب وإسرائيل تشكل إحدى أهم محطات الاستخدام السياسي للنفط كسلاح، وانقلبت هذه السياسة على المواطنين الأمريكيين والأوروبيين عندما احتشدوا في طوابير طويلة على محطات التزود بالبنزين بعد القرار العربي بحظر تزويد الدول المعتدية والمؤيدة لإسرائيل، هذا الخطر استمر لعدة أشهر فقط، إلا أنه أدى إلى أزماتٍ اقتصادية واجتماعية خطيرة لدى الدول التي تعتمد على النفط العربي في إدامة اقتصادها، خاصة الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية، نتيجة لارتفاع أسعار النفط في أسواقها لأكثر من أربعة أضعاف، إلا أن وزير الخارجية الأمريكية آنذاك هنري كيسنجر نجح فيما يسمى باتفاقيات "فك الارتباط" بين سوريا وإسرائيل، مما أدى إلى رفع الحظر العربي عن النفط باستثناء ليبيا، مما أعاد أسعار النفط إلى معدلها بالتدريج.

وأسفرت الهجمات على منشآت وحقول النفط الإيرانية والعراقية أثناء الحرب بينهما بين أعوام 1980- 1988 إلى خسارة 4 ملايين برميل نفط يوميًا، مما دفع إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريغان إلى الدفع بالمزيد من القوات الأمريكية في الخليج بدعوى حماية آبار وشحنات النفط، بينما ادعى الرئيس الأمريكي جورج بوش عام 1990 أن ما أسماه العدوان العراقي على  الكويت يشكل تهديدًا للولايات المتحدة التي كانت تستورد نصف حاجتها من النفط في منطقة الخليج العربي، معلنًا أن الاستقرار السياسي للسعودية يعد مصلحةً حيوية، مما يستدعي نشر المزيد من القوات الأمريكية في السعودية، وشهدت تلك الحقبة أحد أهم محطات التدخل الإنتاجي للنفط الأمريكي عندما اتخذ بوش قرارًا بالإفراج عن 34 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط الأمريكي، مما أدى إلى انخفاض أسعار النفط من حوالي 30 دولار للبرميل الواحد، إلى أقل من عشرين دولارًا، وبدأت مرحلة جديدة أخذت فيها الولايات المتحدة تستخدم سلاح النفط بديلًا عن كونه سلاحًا موجهًا ضدها!!

مع بداية العقد الثاني في القرن الجاري، جرت عدة تحولات بالغة التأثير المفترض على علاقة النفط بالسياسة، نقصد هنا تأثيرات "الربيع العربي" وتراجع الإمداد العراقي والسوري ثم الليبي، بالتوازي مع تحولاتٍ دولية، وخاصة تراجع الإمداد من فنزويلا، ومع ذلك، وهو ما يثير التساؤل، فإن كل هذه الأحداث المرتبطة بالنفط لم تؤثر على سعره، خاصة لجهة زيادته كما كان متوقعًا، وظل يتأرجح حول 45 دولارًا للبرميل، بينما كانت التوقعات تشير إلى ما يزيد عن 100 دولار للبرميل.

بالتأكيد هناك أسباب أدت إلى ذلك، منها الضغط الأمريكي على السعودية لزيادة ضخ النفط للتعويض عن نقصان في السوق، وبالتوازي الإمداد النفطي الأمريكي في النفط الأحفوري، بحيث باتت الولايات المتحدة أكثر اعتمادًا على نفسها في هذا المجال، مع أن تكلفة الإنتاج الأمريكي أكثر كثيرًا من تكلفة استيراده من الخليج العربي، وزيادة الاعتماد على الغاز كبديل عن النفط في الصناعات الجديدة، وكذلك تراجع الاقتصاد الصيني في وقتٍ بدأت فيه حربًا تجارية بين واشنطن وبكين، وتأثير هذه الحرب على التنمية الصناعية والحاجة إلى النفط.

وقد تجاهلت أسواق النفط في الشهر الأخير، التوترات المتزايدة في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز، فرغم تعرض ست ناقلات للهجمات في هذه الفترة، وتوقع ارتفاع متزايد في أسعار النفط كنتيجة ميكانيكية لذلك، إلا أن ذلك لم يحدث بل بالعكس، لوحظ أن أسعار النفط قد انخفضت نسبيًا في تلك الفترة بالتوازي مع تراجع حاد في الإمداد النفطي الإيراني، ويضاف إلى هذه المفارقة أن أقساط التأمين على الشحنات النفطية قد زادت بشكل خيالي، إلا أن ذلك أيضًا لم ينعكس على أسعار النفط، والسؤال هنا ينطوي على الحيرة والاستغراب مع التشكيك في مدى صحة مقولة سلاح النفط، إلا إذا كانت هذه المقولة قد انعكست بحيث باتت الولايات المتحدة هي التي تشحذ هذا السلاح في وجه أعدائها وخصومها، وحتى حلفائها!!