2019-07-29

نهتف لقرار الرئيس، فمتى نهتف للوحدة؟

طلال عوكل

قد تفهم إسرائيل أن إعلان الرئيس محمود عباس عن وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة معها من قبل منظمة التحرير أو السلطة، على أنه مجرد إعلان يتم توظيفه في إطار التهديد، وليس بقصد التنفيذ. وعلى أساس هذا الفهم لم تبد إسرائيل اهتماماً بالقدر الذي يوازي خطورة وأهمية القرار، الذي يعتقدون أنه غير قابل للتنفيذ، لأن وقف تلك الاتفاقيات لا يلحق ضرراً بإسرائيل وحدها وإنما بالفلسطينيين أيضاً

صحيح هذا التقدير من قبل إسرائيل لو أن منفعة الفلسطينيين من وراء التمسك بتلك الاتفاقيات توازي منفعة إسرائيل، أو أن هذه المنفعة حتى لو كانت مفيدة للفلسطينيين يمكن مقايضتها بالحقوق التي تستهدف إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة تجريفها بالكامل.
القرار الذي اعلنه الرئيس ليس جديداً، فهو إنما يعبر عن قرارات سابقة اتخذتها المجالس الفلسطينية وأولها المجلس المركزي في دورته لشهر آذار 2015، لكن الظروف المحيطة بإعلان القرار هذه الأيام تختلف عنها حين اتخاذ المجلس المركزي قراره الأمر الذي ينطوي على جدية، وان كانت لا تعني بالضرورة ان يتم التنفيذ غداً.

في السياق السياسي ذاته، ينطوي على أهمية سياسية، قرار الحكومة الفلسطينية، بإلغاء تصنيف أراضي الضفة كما ورد في اتفاقية أوسلو، ما يعني أن كل الضفة الغربية هي منطقة (أ). الإعلان سياسي بامتياز ذلك أن الحكومات الفلسطينية السابقة، حاولت عديد المرات، أن تقيم مشاريع إسكانية وتنموية في مناطق (ج) لكن إسرائيل كانت تمنع ذلك، وهي بالتأكيد ستمنع بكل الوسائل إقامة أي مشاريع من قبل السلطة الوطنية في تلك المناطق.

واضح أن إسرائيل تتمسك بما يفيد مصالحها ومخططاتها من اتفاقية أوسلو وترفض وتمنع على الفلسطينيين الاستفادة، مما تتيحها اتفاقية أوسلو، وتتعارض مع المصالح الإسرائيلية.
الأهم في تلك القرارات هو ما ينطوي عليه التقييم السياسي للوضع الراهن بآفاقه المستقبلية القريبة وليست البعيدة، والتي تشير إلى أن الفلسطينيين لم يعودوا يراهنون على عملية سلام تعيد لهم الحقوق التي نصت عليها قرارات الأمم المتحدة، وان الأوضاع تندفع نحو الصراع المفتوح على كل الأرض وكل الحقوق الفلسطينية.

لا يمكن ان يكون هذا الاستنتاج غائبا عن أي سياسي فلسطيني، لكن الاستنتاج شيء والإعلان عنه شيء آخر، والعمل بموجبه شيء ثالث. قد لا يتيح منطق التطورات الراهنة الإعلان عن وتبني مثل هذا الاستنتاج، وذلك لأسباب تكتيكية، لكن ما تنطوي عليه صفقة القرن، أي المخطط الأميركي الإسرائيلي، يشير إلى أن الأمور تندفع بقوة نحو هذه الوجهة، وربما لهذا السبب يكون القرار الفلسطيني بوقف الاتفاقيات وليس بإلغائها، ذلك أن صيغة الوقف تتيح مجالاً للمناورة وتحريك بعض الضغوط، واستقطاب بعض المناصرة، لكن الأساس هو أن الوضع الفلسطيني، وفي ظل الظروف العربية والدولية، لا يسمح بفتح المعركة على اتساعها.

إن فتح المعركة والصراع على اتساعه يستدعي تغييرات جذرية في بنية ووظيفة المؤسسة الفلسطينية، وفي وضعية القوى والفصائل السياسية، هذا قبل ان نتحدث عن الأوضاع العربية والدولية. صيغة الإعلان أيضاً، تنطوي على دلالات عدم الاستعجال في التنفيذ ذلك أن إمكانية التنفيذ الفوري والشامل تحتاج الى تحضيرات واسعة انطلاقاً من التداعيات والمخاطر التي تنتظر عملية التنفيذ على هذا النحو.

القرار يتطلب تشكيل لجنة وطنية للبحث في آليات عملية التنفيذ وهذه اللجنة، إن كانت موجودة فهي غير مكلفة، وإن كانت غير موجودة فإنها تنتظر التشكيك والبدء بالعمل.
يثير الانتباه والاهتمام ردود فعل كل فصائل العمل الوطني الفلسطيني التي رحبت بالقرار واعتبرته خطوة في الاتجاه الصحيح، ثم راحت تضع الاشتراطات التي تشكك في مصداقية الالتزام بالتنفيذ.

برأيي فإنه من الجهل ومن الخطأ سياسياً، أن يجري تنفيذ هذا القرار دفعة واحدة، وإزاء كل ما يقع تحت عنوان اتفاقيات مع إسرائيل، الأمر الذي يعني أن عملية التنفيذ ستتخذ طابعاً جزئياً ومتدرجاً، التنفيذ سواء كان جزئياً أم كلياً، سريعاً أم بطيئاً فإن له تكلفة من الواجب النظر في كيفية تقليلها.

على أن التساؤل الكبير المطروح على فصائل العمل الوطني كلها في هذه المرحلة، وأمام الاستحقاقات المتوقعة، هو: هل يمكن في ظل استمرار الوضع الفلسطيني القائم، أن تنجح السلطة في التنفيذ بأقل الأثمان بينما بقية الفصائل في وضع المتفرج؟

أرجو أن يبتعد منطق الفصائل عن دافعية التوريط وعلى قاعدة أن من أدخل الحالة الفلسطينية في دوامة أوسلو، عليه وحده أن يتحمل المسؤولية عن الخروج منها.

القرار المهم يحتاج إلى تكاتف، يحتاج إلى وحدة وطنية شاملة ويحتاج إلى تحضير واتفاق على استراتيجيات للتعامل مع المخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية، والمخاطر القريبة الناجمة عن التحول نحو وجه آخر في التعامل مع إسرائيل. إذا كنا جميعاً سنهتف لهذا القرار فإن الشعب كله ينتظر أن يهتف لمن، يتقدم بمبادرة، وخطوة عملية نحو إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وإبداء الاستعداد لتكاتف الأيادي في مواجهة مخاطر تحدق بالكل وبالجميع.