2019-08-06

أهلُ غزة قبل رواد الكراسي.. والإنسان فيها قبل الرمل والتراب..

والفقراء قبل تجار الحروب.. يحملون على أكتافهم أعباء القضية!

50 دولاراً وساقٌ خشبية لكل مناضل.. وصورة مبروزة للمختار القائد!

"وطن للأنباء"

كتب معمر عرابي رئيس تحرير وكالة "وطن للأنباء"، مقالاَ جاء فيه: ارتبطت غزة تاريخياً بالمقاومة، منذ صمودها أمام جيش الإسكندر المقدوني، لمدة شهرين كاملين (332 ق.م)، وفرض عليها حصاراً هائلاً، بعدما استطاعت الجيوش الإغريقية ابتلاع مدن ساحل الشام واحدة تلو الأخرى.. وأثناء الحصار أُصيب الإسكندر بسهم، فضلاً عن إصابته بجرح في ساقه.

نستشف من تلك العبرة التاريخية، ومقاربتها مع الصمود المستمر منذ عام 2006، وما تم بينهما من مقاومة لجميع الاحتلالات الحديثة والقديمة؛ جيفارا غزة الذي حكمها ليلاً (باعتراف موشي ديان)، ومخيم جباليا الذي فجر الانتفاضة الأولى، وليس انتهاءً بإصابة قائد لواء "جولاني" في حرب 2014، في محاكاة لإصابة الغازي المقدوني قبل 2351 عاماً، نستشف من أحداث التاريخ (الذي لا يحتمل الصدف) أن ارتباط المقاومة والصمود في غزة، كان نتيجة لعوامل ذاتية فيها وبساكينها، وليس نتيجة عوامل طارئة مرتبطة بأيديولوجيات وأحزاب حاكمة حديثة أو قديمة، فليس من حق أي فصيل أو سلطة أن "يمُنَّ" على غزة وأهلها بالصمود والمقاومة... ومن ثم يقوم بالتصدّق عليهم بـ50 دولار، في فعالية معنونة بـ"لقاء توزيع 50 دولارًا مكرمة عيد الأضحى المبارك" يرتدي فيه "المخاتير" جلابيب صحراوية، ويبتسمون بتعالي، بينما الشبان المقطعة أرجلهم، يستلمون هبات السلاطين، في منظر لا ينم سوى عن محاولة متكررة ومعيبة لاغتنام الفقر وحاجة المصابين والظهور على حساب معاناتهم.

فأهلُ غزة قبل رواد الكراسي، والإنسان فيها قبل الرمل والتراب، والفقراء قبل تجار الحروب.. يحملون على أكتافهم أعباء القضية، بعدما تخلّى القريب قبل البعيد عنهم وعن فلسطين، مضحين بلحمهم ودمهم وغذائهم، محرومون من دخول أكثر من ألف نوع من الاحتياجات الأساسية إليهم، من بينها: رضاعات وحفاضات الأطفال، والصابون، وفساتين الأعراس. من العار إظاهرهم كمتسولين ومتلقين للفتات، سواءً بقصد من المخاتير أو بلا قصد!

حتى لو أخذنا مبدأ حسن النية، كان يمكن لموزعي الهبات، أن يرسلوها للمصابين، بذات الطريقة السرية التي كانوا يرسلون فيها الأموال والمساعدات "لجماعتهم"، وعلى الأقل اعتبار الذين شاركوا في مسيرات العودة، بإرادتهم المقاوِمة الحرة، ووقفوا على الأسلاك الشائكة عزّلاً أمام قناصة الاحتلال، كان يمكن اعتبارهم من "الجامعة" المحظية الحاكمة، وأن يتم تسليمهم المكرمة بالسر، من دون مهرجان خطابي فيه من الاستعراض أكثر مما فيه من "مكرمة" مدّعاة... واستحضاراً رجعياً من سحيق التاريخ، عندما كان الأمير يأمر غلامه بإعطاء من يزور بلاطه "صرة من الدنانير".

لم يكن هذه المهرجان هو الأول، لقد تم خلال العامين الأخيرين، المساس بكرامة الناس، من خلال بروتوكولات متكررة، لا ضرورة سياسية له سوى المحاباة، تارة بنشر ثقافة "الجمعيات" التي تشحد على معاناة الناس، وأخرى بتعليق صورة أمير قطر (تميم المجد!) فوق رؤوسهم وهم يتلقون إعانات المئة دولار، ومن ثم تبصيمهم على استلامها، في مشهد يناقض أجندات غزة المقاومة وأهلها، مع أجندات إمارة الغاز الغنية، حليفة الاحتلال وأول المطبعين معه، وراعية أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة العربية.

وخلال الأعوام الأخيرة، التي سطّر فيها أهالي غزة الأساطير في الصمود، وإفشال ثلاثة حروب طاحنة شنّت ضدهم، تزامن معها طردياً بروتوكولات التجريح لهم والتلاعب بمصيرهم، على يد القادة المخاتير، الذين يتقنون "الهوى" أكثر من اتقان السياسة، عندما تعالوا عن النقد، وصمّوا آذانهم عن التحذيرات والنصائح، وآذوا أول ما آذوا يد سوريا التي خرجت عن الإجماع العربي المنبطح، ومدّت لهم السلاح قبل المال، منجريّن وراء أجندات خليجية، تعاملت مع سوريا كما وصفها حمد بن جاسم بـ"الصيدة وتهاوشنا عليها". بينما تعامل قادتنا المخاتير معها على أنها "فندق"، فرّوا منه أول ما لمسته نار الأعداء، بحسب ما تم وصفهم.

كان أهون لهم وعليهم، التنحي جانباً وعدم الخوض في مغامرات دفعت سوريا ثمنها، بحرب أهلية ابتلعت نصف مليون شهيد، ومدن دمرت، ودولة آيلة للتقسيم، خسرها الفلسطينيون قبل غيرهم، كان أهون على المخاتير لبس الجلابيب وفوقها العباءات الصحراوية تلك، ودخولهم للساحة السورية كجزء من الحل، على الطريقة العشائرية، بدلاً من بيع المواقف والانجرار والارتهان لأجندات أنظمة خليجية، وجودها قائمٌ على دمار العرب وانتكاساتهم. لتخسر المقاومة الفلسطينية أكبر حلفائها، في مقابل منح مالية، تأتي بالشنط عبر معبر "إيرز"، وتوزع على الناس تحت صورة صاحب السمو، وفي مقابل أن "يبي" محمد العمادي الهدوء ويشتريه وقتما يشاء.

الغزيون الذين رفدوا الثورة الفلسطينية بأبنائهم، وخسروا أقدامهم لتقف المقاومة في عرض الرمل على قدمين راسختين، يستحقون على الأقل أن "يُستر" على مأساتهم إذا لم يتم حلها جذرياً، لا أن يُعرضوا في مهرجانات المنّة وتحميل الجمايل، كالكرام على موائد اللئام.

فالمناضل الذي اشتبك على السلك، وخسر ساقه برصاصة قناص، هو الأجدر بعرض تجاربه الناضلية في مهرجان خطابي، ولكن بدلاً من إعطائه دوره الطبيعي، أعطيَّ 50 دولارً وساقاً خشبية، بينما القائد احتل الصورة بأكملها، ليظهر مثل أي ديكتاتور من "صهاينة العرب" المتفننين بإذلال شعوبهم، ليصلُح فيهم قول المظفر:

"من باع فلسطين وأثرى بالله

سوى قائمة الشحاذين على عتبات الحكام

ومائدة الدول الكبرى؟

(...)

وهذا الثوري المتخم  (...)

تكرش حتى عاد بلا رقبة

أقسمت بتاريخ الجوع ويوم السغبة

لن يبقى عربي واحد إن بقيت حالتنا هذي الحالة

بين حكومات الكسبة".

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته