2019-08-15

على وقع الرحيل... تل الزعتر 76

"النداء" اللبنانية

كتب أحمد وهبي في مجلة "النداء" اللبنانية التي تصدر عن الحزب الشيوعي اللبناني، يقول:

استيقظتُ هذا الصباح، وبين يديّ أحلامٌ، حولي أحلامٌ، وكيفما أدور أحلامٌ تدور في رأسي، وأمام ناظريْ. أشعر بألمٍ شديدٍ وبي عذابات الحقبِ السحيقة، وهي في صمتها أشدُّ هوْلاً، كأنّما تسعى بي كي أتركَ كلّ شيء... ولا شيءَ كما كان.

بعد ذلك فتحتُ كتابَ اليم، وكؤوسُ الثُمالة مثل ريحٍ باردةٍ تدفع الأنفاسَ لاصطلاءٍ عبثيٍّ فائضٍ فوق السرير، وكلّما أشرب ازداد عطشاً، والسراب خدّاعُ البصائر؛ فأغلقتُ عليه بقبلةٍ من بئرٍ قديمةٍ في البال، بكلمة لم تكن منسيّة، والنسّابون مثل اوكار القبائل، والصفحة التالية تهتزُّ بنا، تطرب للبطون والأفخاذ. ثمّ نظرتُ إلى المحبوسين خارج الحافلة، كنا لو نُرمى في التهلكة؛ فأعود إلى ذاكرة الحياة والتناسل، أقرأها بحبورٍ وألم، وإذا أقعُ بما نهاب، إذا المبادئ سجّاني، والجلْاد التزامي... كيف أنا حرٌّ؛ فشربتُ وأكلت، سهرتُ وعبثت، ولم أنم منذ زمنّ طويل.

بعد هذا المكان أفتعل رواياتٍ بذائقة العجالة، وكلّ الرّغبات والأماكن حقيقية، كي نقوم بأدوارنا على أكمل وجه، وإن نرغبُ بالعودة، نهيل علينا بأفكارٍ وذكريات، وهي في شروقٍ وغروب، يأخذنا الماضي إليه مخدّرين متحدّين بأعمال السَحَرة، وفي ليالي القلق، عشقٌ يركض إلينا باشتياقٍ وارتباك، وليس لنشعر بالذنب، وعلى رغم الأضواء والصخب نتعرّف على هوانا الآن، وغداً وإنِ اختلفَ الصحبُ، فكلّ ما يتفجّر إنّما بصمت. وقلتُ للأبواب إفتحي والنوافذ، للدّماء إن تجري في العروق، للأولاد أن يفزعوا عنّا إلى ملاعبهم، وخواطر كثيرةٌ للمصابيح والسهر، للجدران والأشجار... قلتُ لها قلبي على طبقٍ من الشّعر.

ونحن في الرحيل بلا جهات، "ومع مرور زمنٍ على شعور الكارثة"، أدخل في كساء الناجين، ولأن الكارثة طالت الوجودَ كافّةً، انحرفتُ بدمائي منتظراً هناك تحت القذائف والرصاص قانتاً مطمئناً، وقد هيأنا أنفسنا لجدرانٍ بلا صور. بعد هذا الموت، صغطت على عينيَّ وقلبي، بعد قليلٍ وأنا في هذا الموت والفقد، أسرد هذا الطين بعبراتٍ لا متناهية غير مرئية، والحرّاس يتنادون ويتسامرون، يتفكّهون، عن قتلنا ببهجةٍ وارتياح، لا ينسون أقذرَ الوسائل، وقد شخصنا بحيواتٍ سنلقاها في يومٍ ما. آنَ مضينا، تركنا ورءانا اشياءَنا والمطر، والمسام المبلّل التصاريف، بتصريف الأفعال على نحوٍ غير معهود، نتهاطل فيه بسرعة الضوء ولمعة البروق، والأضواء الراعدة تختبر عزيمتنا، وقد أضحينا غرباءَ مطارحِنا. وعيونها ترمقنا قبل الإعدام وبأشكالٍ مختلفةٍ ومشاهد قلَّ لها نظير.

وكان أن نختلف إلى جهاتنا بمحنةِ ومنحةِ المتعة. بعد ذلك، عقدنا البكاءَ بغراباتٍ كانت تدفعنا مرّةً تلو الأخرى لمسالك ومهالك، نتوغلُّ فيها بما لا يُقال بحسبان الزّمن، وانحناء الظهور تُثقِلُ علينا، كأنّما ندفع انفسنا لغرقٍ في المكان، وتلك الساعات الأخيرة مجرّد زفراتٍ تقشّعر لها الأبدان.

وقلتُ: لا محلَّ للخوفِ حتى وإن صرنا شهداء... والأجوبة التالية، مجرّد تنهدّاتٍ وزغاريد تُضاف على ما سبقها من آلامٍ وأسقامٍ وأشجان. في هذا السباق الوجوديّ كنّا نفكّر في كلّ شيء، وليس في العقل غير هذا العصر يصيبنا بدمائنا. أعرف كيف عبرنا تحت القذائف والقنابل المضيئة، لا ننظر لأيامنا كيف تتهاوى ونحن نُخرج ضحايا كلِّ فجيعة؟، والآلام كيف تنبري لكلِّ انفجار، لا مكابحَ توقفها، ربّما كي تميطَ دماؤنا اللثام عن وجوه الشرِّ، حتى وإن سقطنا بلا ارواجنا في أماكن بعيدةٍ جداً، وإن سقطتِ النجوم سقطتْ حيواتٌ في مقتبل الورد واليفاع، وقد حملناها فوق صهوات الرحيل، والأطفال الذين في الحلقِ والدُمع.. وقد صرنا في نهاية الدرب، هناك توقّقنا عند قصب النهر، ولم يعُد بمقدورنا أن ننظرَ صوب البيوت، ولا عِلمَ لنا بالذنوب التي وُصِمْنا بها.

كان، والصراخُ مثل أنينٍ لا يخفق في الظلام، كان مَن يوصِلُ الأحياءَ إلى مقابرهم الجماعية. وقلت للنّور: إفتحْ سبيلاً في الزّمان والمكان كي نعبر إلينا آمنين. حينما أُنيرت السّماء شدَدْنا الأهل بالقبضات، أنخنا المسافات وقد أثخنتنا الجراح، عند كلّ خطوةٍ يشتعل جسدٌ وجسد حتى أوشكنا على الوصول، ونواطير الطفولة كانوا يجمعون حطامَ الملاعبِ، تسيّرُهم الأمال والأماني، ثمّ أغلقنا علينا المرايا، تكاد يحطمُها كيف ترتعش من الخطر؛ وفي البال كيف كبرنا عن ملاعبنا بين ليلةٍ وقتلٍ طويلين؟ كيف كنّا نتمارد ونحن نحلم؟ كيف... ولم يكن لدينا متسّعٌ من الوقت.

ونحن في هذا الزحام الوطني، أُسدلت الستائر فلا نكاد نرى بعض الهمسات، تحملنا اقدارنا ومهما تآلمنا نحنُّ إليها، وفي سجلّ الرحيل تُسجّى أسماؤنا بإمرةِِ إصبعِ فاجرٍ كافرٍ بإنسانيتنا، والأبواب المثيرة للشفقة والغثيان تضيق شيئاً فشيئاً، ولم يعد لتلك الأبواب عابرون ولو كانوا خيالات، وخيالاتنا تُسحَبُ إلى العتمة بعدما سُحِبت منّا البطاقات الشخصية؛ فشَخَصْنا أمام أعضائنا واطرافنا المقطّعة بكلِّ مهابةٍ وخشوع، يتناوب علينا القَتَلةُ بمنتهى الإيمان، والممدّدون يصرخون، يستغيثون. أذكر كيف كنت أصرخ في وجوههم بنظراتٍ قويّة، كيف تمنع عليهم قتلي.. وتلك الوجوه الوسيمة وسمت بالرصاص، امسكتُ بأوردتها، والدّهشة بداياتٌ تدركنا بما يفوق المخيلة.

ونحن في محشر الدّنيا، ركضنا ولعبنا، أمسكنا برؤوسنا كي لا تخضعَ لنومٍ طويل، وعلى تلك الأسرّة وداعاتٌ أثيرية، ملامحُ خطوطٍ تتلوّى، والمناماتُ غاضبةٌ وخائفة، تبحث فينا عن الحياة، تُهرعُ، تنهض وقد أُثخنت بأرواحٍ لا تحيا، لا تموت. في تلك الأثناء دخل علينا القتّالون من كلِّ الأبواب، وكلّما انكشف بابٌ حسِبْنا اللحظة بدهورٍ طوال؛ وحسْبُنا أنّنا في عين الله، في عيون الأهل... يضمّوننا إلى صدورهم، ديْدَنُنا صبحاً ومساء.

هناك نهاياتٌ بسيطةٌ وعادية. هناك، نهاياتٌ مشينةٌ من صنع أدعياء البشر. بعد ذلك، حاولنا النظرَ الى يومٍ آخر. في تاليات الأيام، يومٌ كيف أطلَّ علينا؟ واعترافاتنا النفسية لا تصمت. يقولون: هيا إعترفوا. قلتُ لهم، حسناً، إكتبوا ذنوبنا كي نوقّع عليها أو نبصم بدمائنا، ومَن حاول النيلَ منّا سقط على الأرض في مكانه.

تلك العشية، وقبل أن نلج الأماكن التالية، كنا وقد دخلنا خيالاتنا للتو، والوعد رغبة عناق للتراب، ويا لتلك النار المغروزة تحت الجلود؛ فلا حاجة لأغطية الماء، ومن أدرك زرقة المرايا، أدرك البحر التالي، على الرغم لم نلتفت إلى وجوه قريبةٍ كالملح، كالكٌحل، لم نمنح القابضين على الزناد انحناءة العبد المطيع، لم نطبع اوشمة العذاب، لم نُعِر قيد انتباهة ولو نظرة شبح، أو النزر القليل لهاتي الجموع...

والعبور من ثقوب الرصاص، وشقوق الزمن أشبه بابتسامة يمتزج فيها أدعية مبهمة.. وأحاسيس مكرورة، ونستطيع من تلك الجلسة هناك، أن نمتلئ بعينين تدعوان للأعلى في لحظة موتٍ طويلة مكرّرة، لا يكفِها.. لا الوقت، لا الدم.. والوقت يمضي بقسوة برغم دوران الأرض، ولي ارتباط مع الرؤى.. مع روح أمي وجدتي، اختلاج مع الأجساد الرطبة، أعضاء تطورت على الحياة، واللحظة الخطأ.. حيوات صارت قدراً غريباً، ولي أن أكتم أنفاسي.. كي اضبط دقات القلب، حين يقع على فكرة تلو فكرة، والمشهد ألغام مثيرة للجدل والقلق، لكنها لائحة الأسماء، واعترافات الموقّعين على حكاياتٍ لا تنتهي، والجلود المنسوجة لهذا الكم من الأوردة والعتبات، لتلك الوردة.. كنٌا حينها خِفافاً بلا حقائب ومفاتيح، بلا صورٍ وشتلات الورد تتفتّح أفوافها لأرواحنا.. ومنّا بلا أرواح، وحيث يطير الحمام.. منازلنا، ونبدو من بعيد.. كيف سقطنا من عين الحياة.

ونحن نضحكُ، كنّا نُقتّل حتى تقلّصت علينا الغرف الواسعة.. وخيّمَ علينا الصّمتُ بعد ذلك. والموت كظلٍّ يرخي علينا بأثقالهِ وتعبه، وفجأةً يُفتحُ ضوءٌ آخر، ونورٌ يسري بنا إلى حيث الأهل ينتظرون. جلسنا نتأمّل ملامحَنا، والأولاد في ما بعد أسفارُ الضواحي والمنافي، والجلّادون في متن الصفحات يكيلون الشتائمَ كي لا يقضوا حنقاً. والكلمات التي قرأتها في أذن الموت.. وقد أخذ منّي ذلك الشّعور الغريب، والموت يلفُّ حوالينا يقترب أكثر ثمّ يتردّد ثمّ يبتعد. قوّةٌ ما.. لم أعرف من أين استمديتها...؟

والرؤى الكامنة، أسبابٌ لاحقةٌ تغيّرُ نتائجَ الحرب، تثيرُ فيَّ وشائجَ مفعمة الإرادة والحياة. شعورٌ كنتُ أعمّمهُ على الجميع؛ فلا نجزع، لا نستكين لقتلٍ وقتل. والجدران المرتبكة مجرد خربشاتٍ أغمضت ألوانها. كان، دمي ينهض بي، وعلى وجه الوقت أخطارٌ تتمدّدُ بنا، ولا فرص توحي بالنجاة. لكنّه الأملُ يحدونا؛ فلا نغلق علينا بأغلاق اليأس، نحجز كأنّما للسفر، كي نلقى في ما بعد مطارحنا، وتل الزعتر قلب فوق قلب...!!