2019-08-29

إيبستاين نموذج التفسخ المعولم تشيعه الليبرالية الجديدة

(الحلقة الاولى)

سعيد مضية

حلل ماركس عملية التراكم البدائي للرأسمال واستخلص من طرائق التراكم وأساليبه القاعدة الذهبية يان الرأسمالية درجت على مسرح التاريخ وهي تنز صديدا وقذارة. ولا شك ان قذارة التهافت على الأرباح بغض النظر عن الوسيلة تشيع بين المجتمعات البشرية ثقافة الانحطاط والتهافت؛ وغاية الرأسمالية في ذلك إقعاد اعدائها الطبقيين عن الإطاحة الثورية بنظام نضجت تناقضاته البنيوية وتعفنت؛ وآية التعفن تطورات قضية  الملياردير الأميركي إيبستاين وما كشفته من علاقات النخب العليا وممارساتها المنحطة داخل مواخير استرقاق الجنس، ثم تبرؤها من  واسطة عقدها وهجره ونبذه ليموت وحيدا داخل زنزانة شديدة المراقبة.

ذكرتني مقالات الكاتب طلال الربيعي في الحوار المتمدن "بيدوفيلية دونالد ترمب" بحكاية تعود احداثها لستينات القرن الماضي، قصها علي صديق درسني اللغة الإنجليزية في الثانوية. قال انه وصل لندن بجواز سفر احمر، في مهمة تخص أحد حكام الخليج، حيث كان يعمل في ديوانه. أقلته من المطار سيارة تابعة لسفارة البلد استرعت اهتمام الشرطي عند مخرج المطار؛ ولما اطلع على جواز السفر ظن انه عثر على الصيد الثمين. دخل معه في حوار طال ربع ساعة، دار حول الغرض من زيارة لندن. اعتذر الشرطي عن تعطيله وسمح للسيارة بالانطلاق. لدى وصول السفارة ناوله موظف برقية قيل انها وصلت للتو تفيد ان غرضه موجود بالعنوان المسجل بالبرقية.

أضاف محدثي، سألت السائق هل تعرف موقع العنوان، وردّ بالإيجاب. إذن لنذهب الآن! وانطلقت السيارة الى الموقع. قال كنت متعبا وطلبت من السائق الصعود الى البناية واستطلاع حقيقة الامر. رجع السائق بوجه احمر، سألته ورد لا يعنيك الأمر! صحت فيه واعتذر انه أساء التعبير؛ بالشقة امر لا يليق بمقامك. قال انها محل دعارة يجتذب المسئولين في دول الخليج بقوادة الشرطي على مخرج المطار. وهناك يجري التصوير بأوضاع مشينه لغرض الابتزاز. عقّب مدرسي على حكايته: يتم ابتزازهم ويشهر بهم ، ولم يخطر بباله أنهم يجندون لصالح الاستخبارات المعادية، وان سفالة مواقفهم السياسية وتخاذلها جاءت في معظمها حصيلة ابتزاز المخابرات.

مواخير تنصب شراكا لإسقاط اولي الأمر من مختلف المستويات؛ وحكاية الملياردير المغدور، إيبستاين، تكشف انحطاط الرأسمال حين يسخر في عمليات الإبتزاز والإسقاط على أرفع المستويات، وكذلك توريط عالم البيزنس في المخططات الاستخبارية. فضيحة مدوية تكشف كواليس صنع الرؤساء الأميركيين في مواخير الجنس وآليات استرقاق البشر، المخفية تحت بساط  الديمقراطية والرفاه. تكتمل اركان الفضيحة داخل مواخير الجنس بالتقاط المواقف المشينة لغرض الابتزاز، ترجح ان صعود ترمب الى البيت الأبيض وسياساته تجاه القضية الفلسطينية والمنطقة بوجه عام تمت بروافع الدسائس الاستخبارية داخل مواخير الجنس.

باتت مكشوفة تبعية السياسية للرأسمال الاحتكاري على أيدي الليبراليين الجدد، وكذلك  تحكم الماليين في الحياة الأكاديمية ومناهجها. وعمت القناعة بتعمد منابر الإعلام الرئيسة نقل الزيوف وتجهيل المتلقين. الإعلام يصمت عن الكثير من فضائح السياسة وألاعيب البيزنيس، ومنها عنصرية الفاشيين من العرق الأبيض. غير ان تفجر قضية إبستاين بكل أبعادها القت الضوء على الديناميات تحت الأرضية لإفساد مجمل الحياة الاجتماعية والسياسية في الولايات المتحدة. وسواء انتحر ام نحر فالمتهم الرئيس غُيِّب بحيلة كي لا تتكشف في ردهات القضاء الأميركي قواعد عمل النخب الصاعدة  الى قمة الحياة الاجتماعية والسياسية للولايات المتحدة. الفضيحة لم تسكت ماكنة دعاية الحزب الديمقراطي الأميركي حول تآمر الروس على الديمقراطية الأميركية "العظيمة"!

نشرت مقالات حول فضيحة  إيبستاين وكشفت شبكة علاقاته؛ لكنها، باستثناء تعليق موجز نشره الصحفي الأميركي، مارك بروجينسكي، قصرت في إدانة البيئة السياسية والمطالبة بمحاكمة شركاء الملياردير الراحل ممن يديرون النظام الأميركي. كتب بروجينسكي:"ان كل الاحتمالات تشير الى ان محاكمة ايبستاين سوف تفضح كبار رجال الدولة من بيل كلينتون الى ترمب الى ألان ديرشوفيتس والقائمة طويلة. كما ان المحاكمة تفضح الموساد الذي اعتاد تسخير أثرياء يهود لتنفيذ مهامه. اما غيسلين ماكسويل فكانت الشريك الأكبر لإيبستاين، والآن يجب تقديم ماكسويل للمحاكمة، وإذا هربت الى ألمملكة المتحدة فيجب ترحيلها، حيث أن ترحيلها أهم بكثير من ترحيل جوليان أسانغ. تلك هي الطريقة المطلوبة بإلحاح شديد لمنع أكبر عملية تستر تاريخية". فمن تكون غيسلين ماكسويل؟ وما هي علاقتها بالمغدور، إيبستاين ؟

ريتشارد إيسكو صحفي عمل مع حملة بيرني ساندرز الانتخابية أنشأ مقالة حول قضية إيبستاين تساءل فيها هل هو جاسوس يعمل لصالح الموساد؟ هل حصل على بلايينه بالابتزاز؟ اتهم إيسكو الإعلام حيث حظي إيبستاين  بحماية الصحفيين ممن اعتبروه بطلا ذا عقل راجح، ابدع مأثرة  في عالم البيزنس. بلغ  الستين ولم ينجب او يربي طفلا. ومضى إيسكو الى القول "في حقيقته كان كذابا، محتالا وأفاقا، شأن كل رجل أعمال ناجح. نحن لا نشمسهم بل نمجدهم، مثلما كان إيبستاين يمجَّد. لم ينشط جيفري إيبستاين وحيدا؛ كان له اعوان سياسيون وعلماء وقوادون، والعديد منهم تنفس الصعداء لدى موته. من السهل اعتباره وحشا، لكنه بشري مركز اتصال في نظام اجتماعي نحن مشاركون به، انتينة يلتقط ترددها بدقة الإشارات الشاردة من الذبذبات الأميركية. إنها إشارات الجشع والشهوة، أشارات الرغبة في امتلاك الآخرين والتلاعب بهم وكسرهم. يبيع الوهم، دواء لا يشفي وربما يفاقم المرض. الدجال الذي اوحي لمحمد بن سلمان بمشروع مدينة نيوم رفيعة التقنية، قُدَّ من قماشة إيبستاين. خطة مدبرة تقلب دماغ العلماء العظام بمطاعم فاخرة وخادمات من الروبوت وقمر اصطناعي. مدينة نيوم فرصة للسخرية من محمد بن سلمان هذا الزعيم الذي وصل منصبه بدون انتخاب. اناس من شاكلة إيبستاين جذابون، ويصلحون لتسلية الضيف في حفل غداء. يسحرونه بقمر مصطنع وربما يلقون في دربه فتاة صغيرة. ذلك هو نموذج إيبستاين الإنساني المعولم."

وفي تقرير حول ظاهرة جيفري إيبستاين أعده الصحفيان بن شريكنغر ودانيال ليبمان، تتكشف الخيوط اللاظمة للعلاقات البينية في عالم البيزنس ودنيا السياسة والمخابرات:

"تعود علاقة ترمب بروبرت ماكسويل الى ثمانينات القرن الماضي قبل أن يظهر إيبستاين على المسرح. كان روبرت ناشر صحيفة ديلي تلغراف وأشيع عنه أنه ضابط موساد. ذكر اسم روبرت ماكسويل في عمود صحفي ظهر في أيار1989. وظهر ترمب مع روبرت ماكسويل في حفل على اليخت ليدي غيسلين، الذي يملكه روبرت ماكسويل. وفي الحفل قدم الكافيار الوارد من باريس. في تلك الأثناء قارن ترمب يخت روبرت بيخته، وكلاهما اشتريا يختيهما من عدنان خاشقجي، عم الصحفي المغدور جمال، وتاجر السلاح المشهور عميل السي آي إيه.

بعد سنتين من هذا الحفل سقط ماكسويل من يخته في عرض المحيط الأطلسي وغرق ، واعتبر الحادث عرضيا. نقل الصحفيان مقابلة أعدها لآري كينغ، مع ترمب بثتها فضائية سي إن إن بعد أسبوعين من وفاته قال عنه ترمب "كان شخصية جذابة، واعتقد اننا كنا محظوظين بالتعرف عليه".أجل تقرر مسار ترمب نحو البيت الأبيض!

اماعلاقة إيبستاين بدونالد ترمب فتعود الى العام 1992؛ لعبت غيسلين، ابنة روبرت ماكسويل،  دورا حاسما في دخول إيبستاين عالم ترمب. وفي شريط فيديو من الأرشيف يعود لتلك الأيام بثته فضائية إن بي سي مؤخرا ظهر ترمب وإيبستاين محاطين براقصات في نادي مار ألاغو بفلوريدا، يخص؛ وفي خلفية الصورة ظهرت ماكسويل، وهي تبتسم.

ونقل التقرير عن البروفيسور ثوماس فولسكو، أن "غيسلين ماكسويل، ادخلت إيبستاين الى مجتمع الأثرياء في الولايات المتحدة". وضمت صورة فوتوغرافية كلا من ترمب وزوجته المقبلة ميلانيا وماكسويل وإيبستاين عام ألفين في نادي مار أولاغو، ويبعد عن فيلة إيبستاين مسيرة عشر دقائق.  في تلك السنة ذكرت صحيفة ديلي ميل أن  إيبستاين وماكسويل والأمير البريطاني أندرو شوهدوا بالنادي. وذكرت ديلي تيليغراف أن ماكسويل هي التي قدمت إيبستاين للأمير. وعن كتاب "الثري القذر" الصادر عام 2016 للكاتب جيمز باترسون، عضو نادي مار ألاغو، نقل التقرير أن "إيبستاين رغم انه لم ينضم للنادي غير أن صداقة ترمب مع غيسلين ماكسويل منحت إيبستاين فرصا غير محدودة للاستفادة من مرافق النادي".

تعرفت غيسلين على أسرة كلينتون بعد خروج بيل كلينتون من البيت الأبيض. بدأت علاقتها مع الابنة تشيلسيا. واصلت غيسلين العلاقة مع تشيلسيا كلينتون بعد ان سجن إيبستاين مدة ثلاثة عشر شهرا بجريمة القوادة. شوهدت غيسلين في رحلة على يخت مع تشيلسيا كلينتون عام 2009، وحضرت حفل زواجها عام 2010، وشاركت في مبادرات كلينتون الكونية عام 2013، أي بعد سنوات من بروز اسمها شريكا لإيبستاين في جرائم الجنس.

وذكر شخصان مطلعان على نشاط ماكسويل وعلاقاتها مع أسرة كلينتون أنها مضت في رحلة بحرية عام 2009 مع كلينتون وميزفينسكي، زوج تشيلسيا كلينتون، وماكسويل وشخص يدعى ويت على يخت يخص الأخير. وعرف ويت بنشاطه الخيري عبر المحيطات، وتبرع بمبالغ تتراوح ما بين 10 و25 مليون دولار لمؤسسة كلينتون.. لم ترد مؤسسة ويت الخيرية على سؤال صحفي بصدد الواقعة.

وأفاد تقرير نشرته مجلة ذا ديلي بيست أن إيبستاين أقام حفلا خيريا في العام 2006  تبرع خلاله بمبلغ 25 ألف دولار لمؤسسة كلينتون.

دخل إيبستاين المجتمع المخملي بفضل غيسلين ماكسويل. ونستطيع قياس مدى اتساع  علاقاتها الاجتماعية حين نعرف ان إيبستاين حضر عام 2000 حفل عيد ميلاد ملكة بريطانيا بقصر ويندسور، كما شوهد اواخر عقد التسعينات وسط العائلة المالكة يشهدون سباق ديربي للخيول.

اكتشفت قوادة إيبستاين على الفتيات القاصرات وحققت الشرطة معه. تقول تقارير ان الشرطة شرعت تحقق مع إيبستاين عام 2006، بصدد إغراء فتيات قاصرات بممارسة الجنس. لكن تقارير أخرى ترجع ذلك الى العام 1998. وهناك إجماع على أن مكتب محاماة يرأسه الان ديرشوفيتس هب لنجدة إيبستاين. أقتع ديرشوفيتس المحكمة ان البنات لسن قاصرات؛ عقدت صفقة اعترف إيبستاين بجريمة القوادة، شريطة ان لا يتعرض شركاؤه للمساءلة. امرت المحكمة بسجنه ثمانية عشر شهرا قلصت الى ثلاثة عشر أمضاها في فيلته يمارس القوادة على البنات القاصرات. فمن هو ديرشوفيتش؟

هو خبير في القانون الجنائي، يهودي أرثوذكسي الديانة كان عميد كلية الحقوق بجامعة هارفارد، وتقاعد بعد بلوغه السن القانوني، وكرس وقته لمحاربة قضية اللاجئين الفلسطينيين. استهل نشاطه البحثي بعد التقاعد بدراسة أنكر حق الفلسطينيين المولودين بعد اللجوء بصفة لاجئين. وهي الفرية التي لقنت لدونالد ترمب ضمن ما تلقنه من زيوف حول القضية الفلسطينية خلال فترة انضوائه تحت جناح الموساد الإسرائيلي. طالب دير شوفيتس بخفض أعداد اللاجئين الفلسطينيين بناء على ذلك. هو عدو لدود للشعب الفلسطيني. اسس شبكة تجسس في مختلف الجامعات الأميركية للإبلاغ عن كل اكاديمي ينقل أخبارا مضللة عن الشرق الأوسط، كأن يدعي ان إسرائيل تضطهد الفلسطينيين. وتدخل ديرشوفيتس لدى جامعة دي بول لمنع ترفيع نورمان فينكلشتاين لدرجة الأستاذية، وتجديد العقد معه. والأكاديمي فينكيلشتاين ابن لأبوين ناجيين من محنة المحرقة، واشتهر بفضح كذب جين بيترز، مؤلفة كتاب "من  بدء التاريخ"، زعمت فيه ان وجود إسرائيل بفلسطين منذ أقدم العصور، وأنكرت سرقة أراضي الفلسطينيين.

 شارك ديرشوفيتس مع ديفيد هوروفيتش ودانيال بايبس وآخرين من المحافظين الجدد في حملة مطاردة ماكارثية للأكاديميين المناصرين لعدالة قضية شعب فلسطين. ومن ضحاياهم البروفيسور سامي العريان وجو كوثيل، ويليام روبنسون، ناغيش راد ، مارغو راملا –نانكو، لوريتا كيبهيرش، وجميعهم اتهموا بانتقاد ممارسات إسرائيل في الأراضي المحتلة. كانت مارغو متميزة في دراساتها ونال تدريسها ثناء طلبتها، لكن تعاطفها مع الشعب الفلسطيني جلب عليها المتاعب. ورفضت كلية نيوجيرسي تجديد عمل ناغيش راد، استاذ مساعد للغة الإنجليزية. اما البروفيسورة لوريتا كيبهيرش فقد استهدفتها إدارة جامعة نورث إيست إلينويس بسبب مواقفها السياسية.

(يتبع.. الحلقة الثانية)