2019-08-27

إيران تتحدى بعقلانيةٍ البلطجية الأمريكية

"الاتحاد" الحيفاوية

كتب صلاح دباجة مقالاَ في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية، حول تطورات التوتر الراهن في العلاقات الأمريكية - الايرانية، يقول:

في خطوةٍ غير مسبوقةٍ أقدم نواب في البرلمان الإيراني، الأحد الماضي، على طرح مجموعةٍ من مشاريع القوانين التي تستهدف الولايات المتحدة بضمنها قانون يلزم الحكومة باسترداد عائدات النفط الإيراني من الولايات المتحدة وبريطانيا بعد الانقلاب على حكومة مصدق عام 1953. وقانون آخر يلزم الحكومة بمتابعة حقوق ضحايا هذا الانقلاب والمتضررين منه. وقانون يغرم كل من تماشوا مع العقوبات الأمريكية.

إضافة الى مجموعة أخرى من القوانين مثل: دعم المراكز العلمية والبحثية التي تعمل ضد الاستكبار العالمي. ودعم مؤتمر "أفق نو" (مؤتمر يستضيف شخصيات سياسية وثقافية وفنية مناهضة للسياسات الأمريكية من مختلف دول العالم). ومنع دخول الصحفيين الأجانب إلى إيران العاملين في وسائل إعلام تتبع العقوبات الأمريكية. وتقديم شكوى ضد هوليود لإنتاجها أفلاما مسيئة للشعب الإيراني وتاريخ إيران. وإلزام القوات العسكرية بإفشاء ونشر المعلومات العسكرية والأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط في إطار المصالح الوطنية الإيرانية. وإلزام وزارة الثقافة والإعلام بدعم إنتاج الأفلام المناهضة للولايات المتحدة. وفرض العقوبات على بعض المسؤولين الأمريكيين.

ويأتي ذلك تتويجًا للسياسة العقلانية والشجاعة التي مارستها إيران في مواجهة سياسة الابتزاز والبلطجية الامريكية منذ ان أعلن ترامب انسحابه من الاتفاق النووي في أيار 2018 وسعيه المحموم لإرغام الدول الأوروبية على الانسحاب من الاتفاق وفرض المزيد من العقوبات على إيران بهدف تصفير صادراتها النفطية وتجويع شعبها وحمله على الانتفاض على النظام وافتعال التوتر في الخليج العربي والإيهام بان إيران هي وراء عد م الاستقرار في المنطقة!!

وما نشهده اليوم من مواجهة غير مسبوقة بين الولايات المتحدة وبين إيران، على الرغم من عدم التكافؤ في موازين القوى وعلى الرغم مما تنطوي عليه من مخاطر على الأمن العالمي، يبشر ببداية مرحلة جديدة، بداية انهيار سياسة الابتزاز والبلطجية التي مارستها الدول الاستعمارية على مدار أكثر من قرن من الزمن ضد دول أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. فبعد عشرات السنين من استقلال الدول المستعمرة في أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية لم تتمكن هذه الدول حتى يومنا هذا من تحقيق استقلالها الاقتصادي والقضاء على التخلف والفقر والأمية والأمراض رغم أن هذه الدول تعد من أغنى الدول من حيث الموارد الطبيعية كالنفط والغاز وغيرهما. وتكفي الإشارة أنه من بين 53 دولة إفريقية، توجد 23 دولة من أكثر دول العالم فقرًا. وان أكثر من 60% من سكان افريقيا البالغ عددهم أكثر من 800 مليون إنسان يعيشون دون مستوى الفقر المعتمد عالميا. ففي نيجيريا البلد الغني جدًا بالثروات الطبيعية يعيش أكثر من ثلثي سكانه على اقل من دولار واحد في اليوم!!

في المقابل لم نلاحظ على مدار عشرات السنين التي تلت تحرر الدول المستعمرة، أي تراجع لاقتصاد الدول الاستعمارية بل على العكس نمو مستمر وهذا ما يفسر سياسة الابتزاز والهيمنة والبلطجية التي مارستها وما زالت الدول الامبريالية. وتكريسًا لهذه الأوضاع عمدت الدول الامبريالية الى تنصيب أنظمة موالية لها في هذه الأقطار همها الوحيد خدمة حُماتها في الخارج وليس خدمة مصالح شعوبها!

في مثل هذه الحالة تبدو إيران استثناءً مقلقًا ليس فقط للدول الامبريالية وإنما لأنظمة العمالة والارتهان وما تحالف هذه القوى ضدها الا تبرير لهذا القلق. فالدول الامبريالية تسعى الى مواصلة فرض هيمنتها الاقتصادية على هذه الدول في حين ان أنظمة العمالة تسعى الى المحافظة على عروشها وهذا ما يتناقض مع رغبة وطموح الشعوب في هذه الأنظمة التي ترى في النهج الإيراني طريقا للخلاص من الهيمنة والاستبداد الامبريالي والتفريط بمصالح البلد وتبديد ثروات الوطن.فمطالبة إيران اليوم بإستعادة عائدات النفط الإيراني من الولايات المتحدة وبريطانيا بعد الانقلاب على حكومة مصدق عام 1953 وتعويض المتضررين يشبه الى حدٍ بعيد مطالبة الدول التي كانت مستعمرة بتعويضات عن سنوات الاستعمار والاستعباد. ويشبه أيضًا ما حصلت عليه إسرائيل من تعويضات المانية وكذلك ما حصلت عليه ليبيا من تعويضات من إيطاليا عن سنوات الاستعمار والضحايا الليبيين الذين سقطوا خلال هذه السنوات. وهو في الوقت ذاته محفز لدول مثل تشيلي ومصر والعراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان وفنزويلا وكوبا ونيكارغوا وهايتي والفلبين وغيرها عشرات الدول الأخرى للمطالبة بتعويضات عن التدخل العسكري المباشر وغير المباشر للدول الامبريالية وعلى رأسها الولايات والمتحدة ومخابراتها "السي أي ايه" في شؤون هذه الدول وما تكبدته من خسائر من جراء هذا التدخل الفظ. وان مجرد طرح هذه المطالب اليوم يكشف عن تاريخ حافل للولايات المتحدة وحلفائها في التدخلات العدوانية والابتزاز السياسي وهذا قد يحد من الإمكانيات المتاحة امام هذه الدول للقيام بهمة الشرطي الوقح في العالم.

اما فيما يتعلق بباقي القوانين للبرلماني الإيراني فهي تستهدف الاعلام الغربي المنحاز والدعاية الغربية المشوهة للحقيقة التي تستند الى الهيمنة الامريكية على العالم اقتصاديًا وسياسيًا وتحاول الترويج للثقافة الامريكية وكأنها الأفضل والأجمل والأكثر إنسانية في العالم!! لكن في الواقع الأمر يختلف، فجرائم القتل الجماعي في تزايد مطرد وكذلك القتل على خلفية عنصرية والمظاهرات ضد مظاهر العنصرية متواصلة دون انقطاع. كما ان الأفلام الامريكية بمعظمها تحاول الترويج لسياسة الهيمنة والاستبداد والعنصرية. وأحدًا منا لا ينسى كيف صورت هذه الأفلام الهنود الحمر (السكان الأصليين في أمريكا) وكأنهم إرهابيّون وقتلى وعصابات لصوص ووحوش وذلك تغطية على المجازر التي نفذتها السلطات الامريكية ضدهم والتي راح ضحيتها الملايين!!

فالثقافة التي تستند الى القوة وتبرير العدوان والابتزاز والبلطجية والعنصرية لا ترقى لان تكون الأفضل في العالم وإنما ثقافة تقضي على كل حس انساني. لكن من يهمين على العالم اقتصاديا وعسكريًا يهيمن أيضًا على وسائل الاعلام ويتحكم بالحياة الثقافية على المستوى العالمي.

فطرح الموضوع اليوم في البرلماني الإيراني يحمل الكثير من شعوب العالم المتضررة من سياسة الهيمنة الامبريالية، يَحْمِلُها الى التشكيك في الدعاية الغربية المراوغة وفيما ما تحاول نشره من ثقافة مزعومة.