2019-09-01

نموذج للتفسخ  المعولم  تشيعه الليبرالية الجديدة

هل يجري التحقيق مع الكبار الأقوياء وإدانة من تثبت عليه الجريمة ؟

(الحلقة الثانية)

سعيد مضية

نقلت إيما بارّي عن محامي إيبستاين في تقرير نشر في الثلاثين من تموز، أي قبل وفاة إيبستاين، قال المحامي أن حياة موكله معرضة للخطر، نظرا لآن الكبار الأقوياء لا يريدون فضح أسرار حيواتهم. كان إيبستاين قد وجد يوم الثلاثاء ملقى على أرض الزنزانة بوجه ازرق، والمحققون متشككون هل أقدم على الانتحار ام هي محاولة لقتله. ونقلت الصحفية عن المحامي سبينسر كوفين الذي يتولى المرافعة عن ثلاث من ضحايا إيبستاين أنه شكك في إقدامه على الانتحار.

أبلغ كوفين مجلة صن اون لاين اعتقاده بأن إيبستاين يعرف الكثير عن قذرات أصدقائه الأغنياء والمشهورين، وقد يعثرون على فرد يرغب في تدبير "ضربة" تمنع معلوماته من الخروج للعلن. أضاف سبينسر ان إيبستاين بيدوفايل (مارس الجنس مع القاصرات). وهذا الصنف من المجرمين لا يبقى طويلا داخل السجن.  وأضاف القول، ما من شك في اعتقادي ان السجن لا يحميك عندما يريد ألأقوياء الوصول اليك- حيثما تكون.

إذا تعذر إدانة ماكسويل وتشيلسي (ابنة كلينتون) فما المتوقع إجراؤه بصدد تورط ترمب ؟ ومهما يتحدث ترمب وأركان إدارته عن وجوب إجراء "تحقيق دقيق" فسيظل ذلك امرا مشكوكا فيه.

كان لترمب مصلحة في غياب إيبستاين وترك إيبستاين لمصيره الدرامي. الرئيس الأميركي ترمب، رجل العلاقات الاجتماعية الواسعة، كان بإجماع المراقبين، على صلة وثيقة بجيفري إيبستاين؛ قبل ذلك توثقت علاقة ترمب مع روبرت ماكسويل، الصحفي البريطاني. كانت ابنته غيسلين لم تدرج بعد في الحياة الاجتماعية، حيث كانت مسئولة في متجر لوالدها لبيع الألعاب في لندن، حين طلبت من أبيها ان يعطيها توصية لمقابلة ترمب في الولايات المتحدة. وكان رد الوالد ان ترمب لديه من المشاغل ما يغنيه عن استقبال هدية ألعاب. ترمب تغلغل في عالم البيزنيس في وقت مبكر، ويبدو انه خضع لتأثير روبرت ماكسويل ذي الصلة الوثيقة بالصهيونية، وحتى بنشاط الموساد. ظهر دونالد ترامب في 10 نوفمبر 1988 في برنامج للاستعراضي ديفيد ليترمان وكشف عن شرائه اليخت (نبيلة) بقيمة "200 مليون دولار" من الملياردير السعودي عدنان خاشقجي. حدث ذلك في خضم تداعيات فضيحة إيران كونترا, حيث بيعت اسلحة الى إيران لتحويل أثمانها الى الكونترا، المنظمة التخريبية العاملة ضد الساندينيين في نيكاراغوا، و يعتقد أن عدنان خاشقجي قد تورط في الصفقة، عمل خاشقجي، كما تفيد أبحاث التقصي الصحفي، تاجر أسلحة بعد ان تم تجنيده من قبل الموساد الإسرائيلي.  

يسرد قصة علاقة خاشقجي بالموساد كتاب فيكتور أوستروفسكي، " عبر الخداع صناعة ضابط الموساد والتخلص منه"، الصادر عن مطبعة سينت مارتين بريس نيويورك ،1990. والكتاب يحتوي على ثروة هائلة من المعلومات حول طرق عمل الموساد وتجنيده للعملاء وتخلصه منهم وعلاقاته المتشابكة والاخطبوطية برجال الاعمال والسياسة في مختلف ارجاء العالم.
يقول الصحفي ومخرج ومنتج الأفلام، دانيال هوبسيكر، أن ترامب منح خاشقجي مأوى في ناديه، لامار ألاغو لاخفائه عن البوليس الدولي-الانتربول, وذلك عندما كان خاشقجي متهماً بالاحتيال على ثاني أكبر بنك في تايلاند. ما هو أكثر من ذلك, حضر خاشقجي حفل زفاف ترامب إلى زوجته الثانية، مارلا مابلز في فندق بلازا في مدينة نيويورك في 20 ديسمبر/كانون ثاني 1993. طلق ترمب الزوجة الأولى إيفانا عام 1992. ومن المثير للاهتمام أن حفل زفاف ترامب-إيفانا كان برعاية القس الماسوني (المعلم-السيد السكوتلاندي) نورمان فنسنت بيل  الذي كان له تأثير كبير على تطور ترامب الروحي والنفسي والديني. كما ترأس بيل حفل زفاف شقيقة ترامب، ماريان. هناك احتمال قوي بأن يكون ترامب نفسه ماسونيًا. اعتبر ترامب بيل معلمه، وربما معلمه الشقيق في الأخوة الماسونية. 

يعرف عن ترمب انه لا يقرأ ولا يطيق قراءة تقرير مهما بلغت اهميته، يكتفي بخلاصات موجزة بصدد القضايا المطروحة. وشخص من هذا القبيل من الطبيعي ان يتأثر بالأحاديث الشفهية، ويتفهم الأمور بتعصب زميت لا يقبل النقاش. وهذا ما يدعو لليقين انه تشرب العناصر الأساس في الصراع الإسرائيلي –الفلسطيني من منطلق التعصب لوجهة النظر الصهيونية خلال فترة صداقته بروبرت ماكسويل وطورها من خلال اخوته الروحية الماسونية، وعبر علاقته بغسلين ملكسويل. ومن ثم نستطيع ان نتفهم سر عناية غيسلين ماكسويل به للحفاظ على ولائه للمشروع الصهيوني. ولا شك ان التفكير بدأ منذ وقت مبكر لتأهيل ترمب لتسلم رئاسة الولايات المتحدة. ولهذا أطلق على غيسلين ماكسويل لقب "الوريث"، و"صانعة الرؤساء". ورثت مهمات والدها وعلاقاته السياسية والاجتماعية، بعد رحيله في ظروف غامضة، وطورت صلاتها الاجتماعية  الموروثة لتبلغ قصر ويندسور مقر ملكة بريطانيا، ومن خلالها وصل إيبستاين .

استثمرت غيسلين سيطرتها على ترمب وإيبستاين لأغراض تجسسية وسياسية. كانت تدخل اجهزة تصنت وتصوير أثناء الحفلات الخلاعية. غيسلين ماكسويل صلة الوصل بين شركاء الجريمة. امتلك إيبستاين جزيرة في منطقة الكاريبي كانت تتم عليها حفلات الجنس؛ وفي عطلة نهاية الأسبوع في العقد الأخير من القرن الماضي نظمت ماكسويل رحلات الى الجزيرة بطائرتها الخاصة، بعد ان استحصلت ترخيصا بنقل من تشاء بحيث لا يراهم او يتعرف عليهم العاملون بالطائرة. وبالجزيرة هيكل غامض  قيل في البداية انه مكان لإقامة طقوس شيطانية أثناء ممارسة إيبستاين وزبائنه الجنس مع القاصرات. ومؤخرا عرف الهيكل المكان الذي اعتاد إيبستاين التقاط الصور وتخزينها كي يبتز بها ضيوفه.

وصدر عن ماكسويل أن الجزيرة كلها غطيت بشبكة الفيديو، واعتقد الزبائن ان ذلك التصوير لغرض الابتزاز، وهذا ما ألزمهم بمواصلة العلاقة مع إيبستاين. مرارا وصل بيل كلينتون الجزيرة على متن طائرة إيبستاين الخاصة؛ والى جانب كلينتون وصل الجزيرة عدد كبير من السياسيين والماليين والأكاديميين. ولن يضيع كل شيء بوفاة إيبستاين. يقال انه احتفظ بمذكرة سجل فيها اسماء زبائنه ورغبات كل فرد بصدد الفتيات. فهل ترسل ماكسويل من يجمع هذه الوثائق ويدمرها؟ ولو تم ترحيل ماكسويل الى الولايات المتحدة فهل تجبر على الإدلاء باعترافات؟

قضية إيبستاين سوف تكشف الحقيقة من الزيف بصدد استقلالية السلطات في الولايات المتحدة. فهل يستدعى ترمب للتحقيق؟ وهل يعمل جهاز القضاء من تحقيق ومحاكم  مستقلا عن السياسيين ؟ وهل ستنفذ اوامر مكتب التحقيقات الفيدرالي – إن صدرت الأوامر- لجلب غيسلسن ماكسويل الى الولايات المتحدة؟

فرجينيا روبرتس جيوفري عملت في نادي مار ألاغو، في غرفة تبديل الملابس، وكان والدها يعمل موظفا بالنادي، اتهمت إيبستاين باغتصابها عندما كانت قاصرة، وادعت في قضية رفعتها الى المحكمة أنها عرفت النادي عام 1998 من خلال غيسلين ماكسويل، التي أقنعتها بلقاء إيبستاين، حيث كانت تمنّيها وأخريات بالشهرة والكسب والوصول الى الكبار الأقوياء. 

في العام 2009 رفعت جيوفري قضية امام المحكمة ادعت فيها أنها جُنِدت من قبل ماكسويل وهي في الخامسة عشرة للعمل مع إيبستاين. وفي آذار 2011 أوضحت جيوفري في حديث مع صحيفة ديلي ميل أن ماكسويل امرتها خلع ملابسها بينما كانت تبعث رسالة الى إيبستاين، الذي اندفع لممارسة الجنس معها . انكرت ماكسويل في بيان أصدرته عام 2015 هذا الاتهام. وامام المحكمة اتهمت جيوفري ماكسويل  بالتورط في إغراء قاصرات على ممارسة الجنس.

 تتالت  الأخبار حول سوء تصرف إيبستاين وغيسلين ماكسويل، وباتت علاقاتهما الاجتماعية محفوفة بالمخاطر. وخلال سنوات تلت تصاعدت حدة اتهامات ماكسويل بالاشتراك في ممارسات إيبستاين. تبلدت يقظة ماكسويل بفضل ثقتها بنفوذ النخب المشاركة في أنشطتها وبامتلاك إيبستاين وثائق تمنع زبائنه من الكلام، فلم تأخذ حذرها وامعنت مع إيبستاين في تنظيم حفلات الدعارة مع القاصرات اللواتي يتم تجنيدهن داخل فيلله بنيويورك وفلوريدا. تجارة الجنس شديدة الرواج داخل الولايات المتحدة، وهي مربحة، وموضوعة ترمب – إيبستاين تشكل قمة جبل الجليد فقط.

أورد مارك بروجينسكي في عمود له عنوانه "فضيحة الجنس تسببت في سقوط هيلاري كلينتون" ان امراتين، هما جيري ريان وهوما عابدين غيرتا تاريخ اميركا.دخل المليونير الوسيم، خريج هارفارد، جاك ريان منافسا لباراك أوباما عام 2004 على منصب مجلس الشيوخ. فضيحة الجنس جرى تسريبها على يد جيري ريان  وانتهزها اوباما وطرح الفضيحة امام مؤتمر الحزب الديمقراطي في تموز 2004 ووصل مجلس الشيوخ في نوفمبر 2004.

كذلك فإن ترمب تغلب على هيلاري بعد نسريب فضائح الجنس من كمبيوتر هيلاري على يد هوما عابدين زوجة انتوني واينر،  واللذين اقترنا بجهود بيل كلينتون. تسريب الفضيحة عطل جهود هيلاري في تفجير فضائح ترمب، كما قال مارك بروجينسكي، ويواصل القول ان كلينتون اقرت بتباطؤ التأييد لها بعد تسريب الفضيحة، الى أن يتساءل: من سحب الخيوط، وكيف، وبأوامر مَن من خلف الستار؟

ونتأمل حولنا ! إذ حاول كاتب هذه السطور إرسال كتابه الأخير لينشر على الحوار المتمدن، من خلال الموقع الإليكتروني (4 شيرد)؛ فشلت المحاولة، وكما يحدث في الفيروسات انبعثت وتتالت على برنامج وورد في جهازه على مربع صغير على الزاوية اليمنى السفلية  صور قاصرات في اوضاع داعرة واحيانا صور بورتريه للإغراء. عدد الصور كبير وكلها تحمل عنوان الموقع الإليكتروني. حقا، إشاعة الإباحية وترويج الجنس باتت إحدى الانماط الثقافية لليبرالية الجديدة.

لتوسيع نشاط تجارة الجنس دشنت ماكسويل في العام 2012 مؤسستها الخيرية، مشروع تيرا مار، لتعمل تحت مظلتها، وتَمركز نشاطها حول المحيطات. وبعد عام اندمجت مبادرة كلينتون الدولية مع تيرا مار في ائتلاف المحيط، وبذلت المساعي لدى الأمم المتحدة لضمان مساهمتها في الأهداف التنموية.

وفي العام 2013 اوردت نشرة إخبارية صدرت على موقع تيرامار الإليكتروني –تم إغلاقه بعد إلقاء القبض على إيبستاين- توصيفا للائتلاف بأنه شراكة ذات مسارب أربعة بين تيرا مار ومؤسسة غير ربحية تدعى المنبر الكوني للشراكة؛ برز في مجلس إدارة الائتلاف الراحل ستيوارت بيك/ السفير السابق للبحار والمحيطات، وباولو زامبولي، الصديق المقرب لترمب، إيطالي المولد ورجل الأعمال الذي عمل دبلوماسيا لدى دول الكاريبي. وقبل الانخراط في النشاط الديبلوماسي شارك زامبولي في تأسيس شركة إدارة وعمل مديرا لمؤسسة ترمب للتنمية الكونية. ومنذ زمن أسندت اليه مهمة تقديم ميلانيا زوجة ثالثة لترمب، رغم أن صحيفة نيويورك تايمز أفادت في الشهر الماضي أن إيبستاين ادعى انه قدم ميلانيا لترمب. قال زامبولي انه لم يكن على دراية بعلاقة ماكسويل بائتلاف المحيطات ، لكنه يتذكر أن بيك – الذي عمل في هيئة إدارة تيرا مار عام 2013- اصطحب ماكسويل مرتين الى الأمم المتحدة لبحث نشاطها بالمحيطات.

انتهى