2019-09-05

مطالب الفلسطينيين في لبنان:العدالة والكرامة الإنسانية

فيحاء عبد الهادي

»يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل

والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء.». المادة 1 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

هل كان قرار وزير العمل اللبناني، الذي مسّ بالعمال الفلسطينيين مفاجأة لهم؟ أم إنه كان امتداداً للظلم الذي تعرَّض له الفلسطينيون في لبنان منذ أواسط القرن الماضي، وامتداداً للقوانين التي حرمتهم، وما تزال الكثير من حقوقهم الإنسانية؟
 ما كان مفاجئاً حقاً ردة فعل الفلسطينيين في لبنان على القرار؛ فمن الأهمية بمكان الحذر من «غضب الحليم.»

ذكّر الوجع بالوجع، والقهر بالقهر، ولم يعد بالإمكان الاحتمال؛ إذ إن للإنسان حداً لا يستطيع بعده احتمال الظلم. اشتعلت المخيمات، وانفجر الوجع المتراكم بأشكال عدة، وما زال، بوسائل سلمية، وأساليب احتجاجية جديدة. أيّ قهر أشدّ من تمييز الإنسان ضد الإنسان، وخنقه اقتصادياً، ومحاصرته اجتماعياً، وثقافياً، وتدميره نفسياً؟!

تعرَّض الفلسطينيون لأشكال شتى من المعاملة من دول اللجوء. مِن هذه الدول مَن عامل الفلسطينيين كمهجَّرين، لهم حقوق قومية وإنسانية، ومنهم من منع عنهم بعض الحقوق الأساسية، وعاملهم كأجانب:

تتحدَّث «لطيفة الطاهر» - التي هُجِّرت من شعب/ عكا، إلى نهر البارد/ لبنان - عن عملها لإعالة عائلتها؛ وعن منع زوجها من العمل في مهنته التي يجيدها:
«
يشتغل؟ هُوِّه كان نجار، بس لما طلع هون على لبنان ما اشتغل. أنا اشتغلت، وهُوِّه بعدين الله حنَّن عليه، واحد، يقول له: جيب لي حصادين، حلاّشين، ويطلع على عدوا على مركبتا (مناطق زراعيه في الشمال) يوخذ حلاشين، ويعملوا له أجار (براتب).

قعد فترة. بعدين كبر الصبي وصار يشتغل. أنا اشتغلت بيِجي حوالي 15 سنة، ما خلّيت شغله إلاَّ اشتغلتها. كنت أحوِّش بالخضرة، أشتغل بالبطاطا بالملوخية. أروح أجيب ملوخية وآجي أبيع. ما فيه حدا ما اشتغل

بشوادر قعدنا. صارت الناس تعمِّر، طلبت الوكالة تعمِّر للناس. الناس ما قبلوا «بدكوا تنَسّونا بلادنا»؟ بعدين صارت الناس تعمِّر لحالها. كنت بدّي أعمِّر، يقول لي جوزي: إنتِ ناويه تضلِّك هون. أقول له: أنا مش ناوية، يا ريتني أرجع!، بس أنقبِر بترابات شعب».
في الثالث من حزيران/يونيو 2019؛ أطلق وزير العمل اللبناني خطة لمكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية، وأعلن أن الهدف «حماية اليد العاملة اللبنانية وتطبيق القوانين وتعزيز الأمن الاجتماعي».«امتدت هذه الحملة لتشمل اللاجئين الفلسطينيين، وبدأت وزارة العمل بإغلاق مؤسسات لفلسطينيين وطرد عمال فلسطينيين لا يملكون إجازات عمل، ما دفع الكثير من الفلسطينيين إلى النزول إلى الشارع مطالبين بإعفائهم من إجازة العمل. عندها نشرت وزارة العمل بيانًا يقول بأن قانون العمل لا يستهدف أحدًا، وبأنه يطبَّق على الجميع دون استثناء».

لماذا يريد الفلسطينيون إعفاءهم من إجازة العمل؟ باختصار: يستحيل الحصول على إجازة العمل بدون وساطات من متنفِّذين لبنانيين، كما أن أصحاب المحلات التجارية يعجزون عن دفع المبالغ الكبيرة التي يتطلبها تسوية أوضاع محلاتهم التجارية؛ ما يساهم في زيادة البطالة، ودفع الشباب إلى الهجرة

»لكلِّ شخص حقُّ العمل، وفي حرِّية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومُرضية، وفي الحماية من البطالة».

المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

يعاني الفلسطينيون في لبنان منذ واحد وسبعين عاماً في لبنان، حرماناً من حقوق اقتصادية سياسية وثقافية واجتماعية، وبعض الحقوق المدنية.

تجاهلت الدولة اللبنانية القانون الدولي، وتجاهلت قرارات القمم العربية، وجامعة الدول العربية، المتعلقة بمعاملة اللاجئين الفلسطينيين، وخصوصاً اتفاقية الدار البيضاء لسنة 1965؛ وتعاملت مع الفلسطينيين المهجّرين عام 1948 إلى لبنان تعاملاً أمنياً، وحرمتهم من العمل في سبعين مهنة.

استحدثت دائرة لإدارة شؤون اللاجئين عام 1959 للتنسيق مع الأونروا، بشأن تقديم المساعدات للاّجئين الفلسطينيين.

وبالرغم من صدور قرارات إيجابية بشكل جزئي، لاحقاً، مثل القرار من وزارة العمل عام 2005، الذي أجاز العمل بحوالي خمسين مهنة، وصدور قانون عام 2010 (خصوصية العمال واللاجئين الفلسطينيين في لبنان) والقانون رقم 128(يخضع اللاجئ الفلسطيني دون سواه إلى أحكام قانون العمل اللبناني؛ تعويض نهاية الخدمة وطوارئ العمل، دون الاستفادة من صندوق الضمان الاجتماعي)، وقانون رقم 129(استثنى حصراً الأجَراء الفلسطينيين من شروط المعاملة بالمثل، ورسم إجازة العمل)؛ لكن لا يوجد حتى الآن نص قانوني واضح ينظم وجود الفلسطينيين في لبنان باعتبارهم لاجئين، وليس باعتبارهم أجانب، كما أنهم محرومون من حقوق أساسية كفلها القانون الدولي ونصّ عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ حق مزاولة عشرين مهنة، وحق التملك، الذي حرموا منه منذ عام 2011 - يمنع الإرث ممن كان متملكاً قبل هذا التاريخ - الذي ينتهك حقاً أساسياً من حقوق الإنسان وهو الحق في السكن (يمنع إعادة بناء المخيمات المدمَّرة، ويمنع إنشاء مخيمات جديدة، ويمنع إدخال مواد البناء والترميم لعدد من المخيمات)، كما أن هناك قيوداً مفروضة على الفلسطينيين في لبنان، تحدّ من الحرية في الإقامة والتنقل.

يطالب الفلسطينيون الدولة اللبنانية «بإعادة تفسير التشريعات اللبنانية، ومواءمتها مع المعايير الدولية، من أجل تأسيس معيار أكثر صلابة لحقوق اللاجئين الفلسطينيين».

و»يطالبون بإسقاط القوانين العنصرية، ونيل كامل الحقوق المدنية، عدا حق المواطنة».

»لكلِّ فرد حقٌّ في التملُّك، بمفرده أو بالاشتراك مع غيره».

»لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً». 

 المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

 لا يستجدي الفلسطينيون، مطالبهم حقوقية بامتياز؛ يطالبون بالعدل والإنصاف والكرامة، ونبذ التمييز العنصري، وقمع الحريات، وخطاب الكراهية، في بلد أحبوه بل عشقوه، واحترموا سيادته واستقراره.

 ولد أكثر من جيل في لبنان، كبر ولعب وحلم وأحبّ وعمَّر؛ حفظ تضاريس لبنان؛ مدنها، ومخيماتها، جبالها وشواطئها، ودرس في مدارسها وجامعاتها، ولا يطمح سوى بالعيش الكريم في وطن عربي حرّ؛ مما يعزِّز صموده، في وجه المؤامرات العديدة التي يتعرّض لها ويواجهها بصلابة، مع أحرار الوطن العربي، وأحرار العالم. يرفض الفلسطينيون التوطين، ويرفضون في الوقت ذاته الظلم والقهر والتمييز، ويتمسّكون بحق العودة.