2019-09-09

عالم الرأسمال بدون مساحيق التجميل

(الحلقة الأولى)

 سعيد مضية

ترمب واليمين الفاشي: نازية جديدة، فساد، عنصرية، إسلاموفوبيا وأكاذيب

نهم  الرأسمال للأرباح يحيل كل القيم الى سلع للمتاجرة، فيدخله الجشع في شبكة علاقات مع السياسة يشتط بها نحو اليمين الفاشي وتربطه بعوالم الجريمة المنظمة والإفساد والتجسس. تتعاظم الأرباح المحتملة فيزداد الرأسمال جسارة على  تحدي القانون وانتهاك القيم الإنسانية. وقد يستغرب البعض ارتباط محنة الشعب الفلسطيني، خاصة في الزمن الراهن، بطبيعة الرأسمال هذه. ولا يتسع هذا المقال للإحاطة بجميع تأثيرات نشاط الراٍسمال في معاناة الشعب الفلسطيني. يكفي الإشارة الى أن شركات الأمن الإسرائيلية كدست الأرباح العالية من تسويق خبراتها في مكافحة النشاطات الجماهيرية ومن إنتاج وبيع أجهزة التجسس والتصوير. جشع الرأسمال الى الأرباح الاحتكارية هو المحفز لترويج حكايات التوراة والنفخ في الصهيونية الدينية.

اجرى ماكس لاوسون، المسئول في منظمة اوكسفام الدولية، دراسة حول ظاهرة المليارديرية ، مبينا كيف اقترنت المليارات  ببزوغ وتمكن الليبرالية الجديدة؛ استهل بحثه بعبارة نقلها عن مقال لهيئة تحرير صحيفة نيويورك تايمز جاء فيها أن "كل ملياردير يفشي فشلا سياسيا"، ومضي يقول إذا قدر لنا وضع نهاية للفقر فعلينا اولا اجتثاث الثراء الفاحش. حلل لاوسون نشاط الاحتكارات، مُرجعا أساليب التحايل والإفساد الى نشاط أصحاب البلايين.هؤلاء يشترون الصحافة والصحافيين ويشترون السياسيين وأعضاء البرلمانات. ان توظيف المال الأسود في الانتخابات والسياسات العامة عبارة عن مشكلة تتنامى في أنحاء العالم. يمارس الأَخَوان تشارلز وديفيد كوخ، وهما اغنى اغنياء العالم تأثيرًا ضخما على سياسات المحافظين بالولايات المتحدة. ويقف الملياردير شيلدون أديلسون، صاحب كازينوهات القمار في لاس فيغاس، مساندا لكل من نهج نتنياهو في إسرائيل وترمب بالولايات المتحدة.

من أسباب تشكل ظاهرة المليارديريين التضخم الاقتصادي الذي احدث، ارتفاعا كبيرا في قيم أصول الراسمالية وفي أثمان السلع المكدسة والرساميل الثابتة.

وسبب آخر يتمثل في الاحتكار المتغلغل في مجالات الاقتصاد كافة: الأغذية، الأدوية، الميديا، المالية، او التكنولوجيا، كل قطاع يخضع لتحكم حفنة من المؤسسات الاقتصادية الكبرى. وتسرب هذه الاحتكارات ضرائب على المستهلكين، كما تتيح لكبار مالكي الأسهم انتزاع الأرباح الاحتكارية من السوق، فتغذي بذلك نمو الثروات الفاحشة وإفقار المواطنين العاديين.

يتابع الباحث ماكس لاوسون تحليلاته فيقول أن آخر إصدار لنشرة منظمة اوكسفام عنوانه "سبع خطايا قاتلة" لمنظمة الدول السبع العظمى بين كيف ازدادت عائدات مالكي الأسهم بصورة درامية، بينما لم تحدث زيادة تذكر على الأجور الحقيقية للعمال .

ويستخدم كبار الأثرياء اموالهم لتقليص مستحقاتهم الضريبية وينشطون في البحث عن ملجأ آمن من الضريبة لأموالهم، كما اتضح في بنما. يصل لاوسون الى القول، توصلت أبحاثنا المعمقة في المعلومات المتسربة الى الاستنتاج بأن بالغي الثراء يدفعون أقل بثلاثين بالمائة من المستحقات الضريبية. وتحظى هذه الشريحة بدعم ومساندة جمعية سرية مكونة من عشرين الفا من فاحشي الثراء تمارس الضغوط على الحكومات كي تخفض الضرائب على مداخيل كبار الأثرياء.

أما السبب الثالث، في نظر لاوسون لتشكل ظاهرة وسبب تراكم البلايين لدى الأفراد فيتمثل في العلاقة المتينة بين الماليين والحكومات، ومن خلال المقاولات يكسبون الأرباح الأسطورية. أطلق الارتفاع الأسطوري للانفاق الحكومي، وعلى التسلح بوجه خاص، تيار اليمين المتطرف بنزعة فاشية تروج للحروب العدوانية وتشيع عنصرية العرق الأبيض. أطلقت إدارة ترمب في الولايات المتحدة والعالم أجمع طاقة قوة دافعة لعنصرية البيض وازدراء الملونين والعداء للمسلمين.

قارب موضوع التطرف اليميني في العالم البروفيسور نفيذ احمد في بحث عنوانه "ما وراء الإسلاموفوبيا" [كاونتر بونش 30 أغسطس 2019]. استهل الباحث دراسته بالحديث عن الإرهاب داخل الولايات المتحدة الأميركية، ومما اورده الباحث :

منذ بداية هذا العام حدث 257 عملية إطلاق نار على الأقل بالولايات المتحدة، قتل بسببها 9080 إنسان ، أي ثلاثة أضعاف ضحايا تفجيرات نيويورك التي تذرعت بها الولايات المتحدة لشن الحروب، وقتلت خلالها مليون إنسان على أقل تقدير.

 وخلال العقد الأخير فان ثلاثة أرباع الهجمات الإرهابية بالولايات المتحدة نفذها متطرفون بيض، والربع مرتبط بالإسلاميين؛ وخلال العام 2018 ارتبطت كل عملية اغتيال إرهابية بالولايات المتحدة باليمين المتطرف. تشكل إيديولوجيا قومية البيض المتطرفة التهديد الأعظم للأمن القومي الأميركي، ومع ذلك فملايين البيض الأميركيين تعرضوا لعملية غسل دماغ ليصدقوا عكس ذلك. يوجد خط ناقل، لا يجوز الخطأ بشانه ، بين عنصرية تفوق البيض التي ألهمت هجمات كاليفورنيا وإل باسو، وهيستريا العداء للمسلمين المنتشرة بالعالم وكذلك النازية الجديدة بتهجمها على اليهود  وبين التطرف اليميني الآخذ بالتوسع في العالم. ومع ذلك فلا يكاد يُعرَف الرابط بين الإسلاموفوبيا واللاسامية.

وفي مرشد  للتدريس يستعمله مكتب التحقيقات إشارة  بان الإسلام يمسخ  ثقافة البلد الى نسخة من القرن السابع، وأن من ميزات الذهنية العربية  تأثرها بالكلام اكثر مما تتأثر بالأفكار، وبالأفكار أكثر من الحقائق. وحاليا بلغت الإسلاموفوبيا مستوى قياسيا تحت إدارة ترمب.وأصدرت منظمة غيتستون برئاسة بولتون مادة تزعم ان العرق الأبيض قد ينقرض بفضل ارتفاع وتيرة الإنجاب لدى المسلمين وتدفق سيل الهجرة.

يمضي نفيذ أحمد الى القول، وفي العام 2016 ترأسْتُ بتكليف من الجمعية الخيرية البريطانية "قل لماما" لجنة تقصّي المواد الإخبارية عبر الأطلسي التي تقبع خلف تنامي اليمين المتطرف كحركة عولمية. ومن بين المعطيات الصادمة في تقريرنا الصادر إثر التقصي، عودة الرايخ الثالث، شكّل خارطة لانبعاث قوى اليمين المتطرف في أنحاء العالم، حيث المجموعات المعادية للإسلام تمد جذورها داخل حركات سياسية كانت تقليديا معادية للسامية، وغالبا ما عملت سرا مع النازيين. وصفْتُ تلك الظاهرة المرعبة أحد أشكال "النازية أعيد تركيبها"، "في إشارة  الى أن النواة الإيديولوجية لليمين المتطرف يحتضن نواة المبادئ النازية، مع تحويرات تجميلية على شكل تعديلات تتيح للمبادئ النازية العمل في مناخ ما بعد الحرب والعداء للنازية في سياق كوزموبوليتية دولية لما بعد تفجيرات 11/9. مثال ذلك إنتاج مسلسل فيديو مشترك بين غيتستون وشبكة ريبل ميديا الكندية المتطرف’، يقدم للجمهور عتاة العنصريين من اليمين المتطرف ، دانيال بايبس  وغيرت وايلدرز.

 عبر عقود وسعت السعودية أنشطتها في تشييد المساجد في أرجاء الولايات المتحدة وأوروبا؛ وأرسلت بعثاتها من الوهابيين المتعصبين ليروجوا التأويل الوهابي للإسلام دون ادنى اعتراض رسمي او اهلي. ولأهداف امبريالية أخذت تنشط الحركات السلفية ويبرز بينها تيار تكفيري إرهابي حظي بدعم مباشر من دول الغرب وإسرائيل. الامبريالية تدعم التيار التكفيري، وتتخذه في نفس الوقت ذريعة للتهجم على الإسلام والشعوب الإسلامية. ركزت الدعاية في الغرب ضد ما ادعته الإرهاب الإسلامي ومارست الضغوط على المنظمات والدعاة الإسلاميين. الحملة بطبيعة الحال تدخل في إطار التشهير العنصري.

في الولايات المتحدة بات اتهام المجتمع المدني للمسلمين في بلدان الغرب بأنهم يفرخون التطرف المتآمر لإلحاق الهزيمة خلسة بالغرب هو الشغل الشاغل  لمنظمات من شاكلة مؤسسة غيتستون (التي ترأسها في السابق جون بولتون مستشار الأمن القومي للرئيس ترمب) ومركز فرانك غافني لسياسات الأمن، وحركة روبرت سبينسر جهاد ووتش، ومركزان يترأسهما اكاديميان من عتاة المحافظين الجدد، ديفيد هوروفيتش ودانيال بايبس، هما بالتناوب مركزالحرية ومنبر الشرق الأوسط؛ وهناك مراكز اخرى غيرها. إحدى الجمعيات الخيرية التي انهال عليها هجوم اليمين المتطرف هي المؤسسة الدولية للفكر الإسلامي، وهي أكبر الجمعيات الخيرية الإسلامية تأسست عام 1981. تم تجميد اموال جميع الجمعيات الخيرية الإسلامية وتعرضت لهجمات متتالية بدون أي حساب أو تعويض.

يحتفظ ترمب وأقطاب إدارته بعلاقات حميمة مع زعماء اليمين الفاشي في العالم، نتنياهو في إسرائيل، بولسونارو في البرازيل، ميتيو سالفيني وزيرداخلية إيطالي، فيكتور اوربان، رئيس وزراء هنغاريا، وياروسلاف كازينسكي، زعيم حزب القانون والعدالة في بولندا. كل هؤلاء يعتبرونه عميدهم.

باتت مسألة التطرف اليميني موضع اهتمام التقدميين في العالم، تناول المشكلة نورمان فينكياشتاين، المفكر الأميركي البارز من منطلق تضامنه مع القضية الفلسطينية. ففي مقابلة صحفية اجريت معه، تساءل "لماذا ينجذب كل هؤلاء الزعماء المتطرفون إلى إسرائيل؟" وأجاب لأنهم لا يعتبرون الإسرائيليين يهودًا. وهذا صحيح. إنهم يرونهم من الناس البيض, كما يراهم المتطرفون اليمينيون الصفوة المختارة.

وبصدد الكراهية للعرب الفلسطينيين يفسر فينكلشتاين الظاهرة بان الكل يخدم في الجيش. كما تعلمون هو جيش المواطن. كان جيش المواطن هذا يشارك بشكل دوري في مذابح السكان المدنيين- سواء كانت غزة كل سنتين أو ثلاث سنوات, سواء كان لبنان كل خمس أو عشر سنوات. وقد شارك الآن لأكثر من نصف قرن في هذا الاحتلال, الذي يتمثل جوهره في التخلص من السكان الأصليين وتجريدهم من إنسانيتهم.

الدلائل تشير الى أن موقف اليمين المتطرف من القضية الفلسطينية متأثر بموقف ترمب المنطلق من اعتبارات تتعلق بشبكة علاقاته، خاصة كما فضحتها  قضية إيبستاين. يلقي البروفيسور إدارد كورتين الضوء الساطع على القضية التي كشفت الجشع الرأسمالي للأرباح ولو انحط الى أسفل الدركات.  

العلّامة إدوارد كورتين تعمق في التراث الكلاسيكي وفي الفلسفة والأدب والأديان وعلم الاجتماع. عمل أستاذا جامعيا وله مقالات حول مختلف المواضيع نشرت خلال عدة سنوات، ويرى في نشاطه الثقافي جهدا يسرّع سيرورة التحرر الإنساني. قارب كورتين  قضية إيبستاين من خلال ما كتب عنها، وأبرز ما كُتِب سلسلة مقالات أعدتها وايتني ويب. يقول كورتين، المهم في قضية إيبستاين حكاية عميقة قديمة تمتد عقودا الى الوراء وكشفت النقاب عنها وايتني ويب في سلسلة مقالات جميلة أعدتها لصحيفة مينت بريس. اقرأوا مقالاتها وسوف ترون كيف أن إيبستاين هو التجسيد الراهن لتاريخ الزواج الأميركي بين مختلف شرائح النخب الحاكمة الأميركية، والتي يقتصر عملها على الاستغلال الجنسي كمنفعة ثانوية، نظرا لكونهم أعضاء في النهب الاقتصادي والعسكري للعالم. انه زواج بين الجواسيس والمافيا ووكالات الاستخبارات والمنحرفين جنسيا والحكومات الأجنبية والخونة الأميركيين ممن لا يوقفهم مانع لتقديم مصالحهم.

 يمضي الى القول، لم تبن ويب مقالاتها على وثائق سرية ، بل على معلومات متوفرة لكل باحث مثابر. وإذ تضع ويب قضية إيبستاين في سياقها التاريخي فإنها لا "تحل" القضية، نظرا لعدم وجود ما يتطلب الحل. وشان عدد من المعلقين فإنها ترسم العديد من الروابط بالموساد الإسرائيلي وعلاقاته المديدة القائمة بهذا العالم الإجرامي من تحت ومن فوق، داخل الولايات المتحدة وفي انحاء العالم. تتوصل في أبحاثها الى الاستنتاج:

"في نهاية الأمر فالصورة التي ترسمها البينات ليست علاقة مباشرة بوكالة تجسس بمفردها، بل بشبكة تربط الأعضاء الرئيسين بالمجموعة الصغيرة [ مجموعة سرية من أصحاب البلايين اليهود بمن فيهم ليسلي ويكسنر، حامي إيبستاين] وكذلك روابط السياسيين والمسئولين في الولايات المتحدة وإسرائيل، وشبكة الجريمة المنظمة ذات العلاقة  بالبيزنيس والاستخبارات في كلا البلدين. وإذا كان ثمة وضوح في قضية إيبستاين فهو انها طرف في عملية ابتزاز جنسية مرتبطة بالوكالات الاستخبارية. ذلك الابتزاز  كان ديدن وكالات التجسس في أنحاء العالم وتتجه العديد من السهام الى الموساد.

ارتباط ترمب بالموساد تفشيه علاقته الحميمة مع إيبستاين وشريكته غيسلين ماكسويل، تلك العلاقة  الممتدة منذ عقود.  وهذا يعيدنا الى  مداخلة فينكلشتاين؛ فهو يوضح  أن تأثير ترمب متوقف إلى حد كبير على نتيجة انتخابات عام 2020: إذا خسر [ترامب], فسوف ينظر إلي رئاسته كنوع من الانحراف غريب الأطوار. وجميع قراراته - الاعتراف بالسيطرة الإسرائيلية على الجولان, والاعتراف بالقدس [عاصمة إسرائيل]- سوف تُنسى جميعًا كجزء من المرحلة الجنونية في السياسة الأمريكية. أما إذا فاز في عام 2020, فهناك احتمال بالالتزام بقراراته. لكن حتى الآن, لا أعلق عليها أهمية كبيرة..

ضمن العلاقة مع الاحتكارات عبر فينكلشتاين, عن الأمل في فوز ساندرز في أميركا و/أو جيريمي كوربين في بريطانيا. فذلك سيكون بمثابة تغيير في اللعبة. قال: إن ذلك سيعزز بلا حدود تسوية الدولتين. لأن كوربين وبيرني ساندرز  حازمان في نقطتين. للفلسطينيين حقوق؛ يجب احترام تلك الحقوق، ويجب أيضًا تنفيذها فعليًا. لكن ثانيا، يجب أن يتم ذلك في إطار دولتين. أقصد أن بيرني وجيريمي كانا واضحين للغاية بشأن ذلك.

(يتبع.. الحلقة الثانية)