2019-09-26

ما طبيعة مأزق إسرائيل في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية؟

د. ماهر الشريف

قد يكون من المبكر القيام بتحليل معمق للانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 17 أيلول الجاري، وشارك فيها نحو 70 %  من أصل 6 ملايين و400000 ناخب وناخبة، لكن يمكن القول إن إسرائيل تجد نفسها مجدداً أمام مأزق، يرجعه بعض المحللين الإسرائيليين إلى نظام الانتخاب القائم على قاعدة النسبية الكاملة، والذي يجعل من الصعب بروز أغلبية واضحة ويجعل الأحزاب الصغيرة تمارس سياسة الابتزاز إزاء الأحزاب الكبيرة. بينما يعتقد عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الإسرائيلي عصام مخول أن هذا المأزق ليس انتخابياً، إذ "ثبت أن القوى الاسرائيلية الفاعلة على هذه الساحة السياسية اليوم غير مؤهلة لإخراج اسرائيل من مأزقها؛ فالمأزق الحقيقي الذي تعاني منه اسرائيل ليس في واقع الأمر مأزقاً انتخابياً بقدر ما هو مأزق سياسي استراتيجي منهجي".

هل يمكن اعتبار بنيامين نتنياهو الخاسر الرئيسي في هذه الانتخابات؟

أراد  بنيامين نتنياهو، الذي بقي على رأس الحكومة في إسرائيل  منذ سنة 2009 من دون انقطاع، وكان قد  ترأس الحكومة لأول مرة ما بين سنتَي 1996 و 1999، أن يجعل من الانتخابات الأخيرة استفتاء على شخصه، فلجأ  إلى جميع الوسائل لضمان فوزه  وقام بإثارة "رهاب" الحرب من خلال القيام، خلال الأسابيع التي سبقت الانتخابات، بشن هجمات عسكرية على مواقع في سورية ولبنان والعراق وقطاع غزة، حتى أنه فكر في تأجيل الانتخابات للقيام بعملية عسكرية واسعة في غزة. كما جعل  من الخوف من العرب  محرك حملته الانتخابية، فسعى إلى وضع كاميرات مراقبة في مواقع الاقتراع العربية ونشر، في 12 أيلول، بوستاً على صفحته على موقع فيسبوك يقول فيه "إن العرب يريدون القضاء علينا جميعاً". كما دعا إلى تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، فوضع حجر أساس لحي جديد في مستوطنة أقيمت في المدخل الشمالي لمدينة رام الله، واعتمدت حكومته مخططات لبناء آلاف الوحدات السكنية الجديدة في الضفة الغربية المحتلة، ووعد بضم منطقة الأغوار وشمال البحر الميت، بعد أن كان قد وعد بضم جميع المستوطنات والبؤر الاستيطانية.

بيد أن نتنياهو خسر رهانه، ولم يحقق النصر الذي أمل به، إذ لم يضمن معسكر اليمين القومي والديني، الذي تزعمه، الأغلبية المأمولة التي تسمح له بأن يكون رئيساً للوزراء بالشكل القديم، وهذا الفشل قد تكون له تداعيات جدية لأنه مهدد بملاحقات قانونية في قضايا فساد، ومن المفترض أن يمثل أمام القضاء يومَي 2 و 3 تشرين الأول القادم، ولن يفلت من هذه الملاحقات  إلا إذا بقي في السلطة ونجح في ضمان الحصول على الحصانة من الكنيست.

ويبدو أنه بعد عشر سنوات متواصلة في السلطة، لم يعد عدد  متزايد  من الإسرائيليين يأبه لاحتمال استمرار الحياة السياسية في البلاد من دون نتنياهو، ويعتقد أن إسرائيل  لن تكون أضعف، على الصعيد الأمني، تحت قيادة سياسية جديدة تضم ثلاثة رؤساء أركان سابقين للجيش هم بني غانتس، وموشي يعلون وغابي أشكنازي، خصوصاً بعد أن شوهد نتنياهو وهو يهرب، يوم 10 أيلول، من مهرجان انتخابي في أشدود بعد انطلاق صواريخ من قطاع غزة، الأمر الذي ساهم في إضعاف صورة من يصوّر نفسه بأنه "سيد الأمن" في البلاد. 

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن نتنياهو لم يقل كلمته الأخيرة بعد وقد يخلق مفاجأة. فحزبه لم يتخلَ عنه، وهو كان قد نجح في التخلص من جميع منافسيه الأقوياء، ولم يترك أحداً ليخلفه. وقد أعلن في سياق كلمة ألقاها خلال اجتماع خاص لكتلة الليكود في الكنيست عقد في القدس في 18 أيلول أن الأحزاب الحريدية واليمينية ستخوض المحادثات الائتلافية ككتلة واحدة بقيادة وزير السياحة ياريف ليفين من الليكود، وأضاف: "الآن وبعد أن قمنا بتشكيل كتلة اليمين، هناك خياران فقط: حكومة بقيادتي، أو حكومة خطرة تعتمد على الأحزاب العربية. وهذه المرة أكثر من أي وقت مضى، وخصوصاً في مواجهة تحديات أمنية وسياسية ماثلة أمامنا، لا ينبغي تأليف حكومة تعتمد على أحزاب معادية للصهيونية ويجب بذل كل الجهود لمنع إقامة حكومة خطرة مثل هذه".

وذكر مسؤول رفيع المستوى في حزب الليكود أن رؤساء الأحزاب الحريدية واليمينية تعهدوا بتشكيل كتلة مانعة لسد الطريق أمام تحالف "أزرق أبيض" لتأليف حكومة بديلة. وأضاف أن قادة هذه الأحزاب قرروا تشكيل فريق تفاوض مشترك للمحادثات الائتلافية والتصرف ككتلة يمين واحدة من الآن فصاعداً.

بني غانتس: فوز متواضع

لم تظهر الانتخابات، في المقابل، أن بني غانتس حصل على دعم كبير ليحتل بسهولة موقع رئيس الوزراء، وكان قد صرّح خلال الحملة الانتخابية أنه يسعى إلى قيادة "ائتلاف من أجل الوحدة العلمانية"، يشارك فيه الليكود وإسرائيل بيتنا، شريطة أن يتخلى الليكود عن نتنياهو بسبب التهم الموجهة إليه. ولا يستبعد أن يضم هذا الائتلاف حزب العمل أيضاً، الذي كان والد غانتس أحد مسؤوليه المحليين. وكان تحالف أزرق أبيض، الذي يضم خليطاً غير متجانس من السياسيين الذين يجمعهم عداؤهم لنتنياهو، قد توجّه قبل أسبوع من الانتخابات إلى المقترعين بشعار يقول: " أنتم وحدكم تقررون إن كنتم تريدون حكومة علمانية أو حكومة مسيانية".

وبينما كان نتنياهو يتهم بني غانتس قبل الانتخابات بأنه "يساري ضعيف" ستكون إسرائيل مهددة تحت قيادته، فقد اضطر بعد ظهور نتائج الانتخابات إلى دعوته إلى انتهاج طريق تشكيل حكومة وحدة وطنية، قائلاً: "بيني، لنتقابل اليوم، في أي وقت، لنضمن تقدم هذه العملية الراهنة أكثر من أي وقت مضى. ولا يحق لنا أن نذهب نحو انتخابات ثالثة، وأنا ضد هذه الفكرة". بيد أن غانتس كان يؤكد طوال حملته الانتخابية أنه لن يجلس في حكومة مع نتنياهو الملاحق بقضايا فساد؛ فهل يتراجع اليوم عن موقفه هذا؟  خصوصاً بعد أن صرّح في 18 أيلول أنه مستعد "للتفاوض مع الجميع".

والواقع أن بني غانتس يتمايز عن نتنياهو في أنه أكثر ليبرالية من منافسه إزاء الرهانات المجتمعية (الزواج المدني، المثليون)، ويركّز على "النزاهة" و "الشفافية" في الحكم، وكان قد اقترح في حال الفوز في الانتخابات أن يتناوب على رئاسة الوزراء مع يائير لبيد  الشخص الثاني في حزب أزرق أبيض.  لكنه يصوّر نفسه أيضاً بأنه صقر في المسائل الأمنية، إذ برز في الحملة الانتخابية السابقة متشدداً مثل نتنياهو، خصوصاً إزاء "التهديد الإيراني"، حتى أن صحيفة هآرتس نسبت إليه بتهكم في مطلع العام قوله: "صوّتوا لي فأنا أكثر شراً من نتنياهو، لكنني نظيف اليدين". وهو يعتمد على وجود اثنين من رؤساء هيئة أركان الجيش معه وهما موشي يعلون وغابي أشكنازي، ليبهت الصورة التي يرسمها نتنياهو لنفسه بأنه ضامن الأمن والاستقرار لإسرائيل. ويركز هجماته على الوضع الأمني في قطاع غزة، ويكتب: "إن رئيساً للوزراء يخضع لتحقيق ليس في مقدوره مواجهة حماس"، ويتهم  حكومة نتنياهو بأنها فقدت قوة الردع إزاء حماس، ويعد، في حال فوزه، بشن حملة واسعة لتصفية حماس. وعندما أعلن نتنياهو عزمه ضم غور الأردن في 10 أيلول، وعد غانتس بأن إسرائيل ستحافظ على سيطرتها على غور الأردن، ووعد، كمنافسه، بتقوية الكتل الاستيطانية في المناطق الفلسطينية المحتلة. وهو إذ يعد باستئناف عملية السلام مع الفلسطينيين، فإنه يؤكد "أن كل قرار له تداعيات استراتيجية سيخضع لاستفتاء شعبي يكون لنتائجه الكلمة الأخيرة".

هل مفتاح تشكيل الحكومة في يد أفيغدور ليبرمان؟

يُلقّب أفيغدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتنا بأنه "صانع الملوك"، وكان قد انسحب في تشرين الثاني 2018 من حكومة نتنياهو، التي  كان يشغل فيها منصب وزبر الدفاع بعد أن اتهم نتنياهو "بالاستسلام" أمام "الإرهاب" عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع حركة حماس، ثم أجبر نتنياهو على الدعوة إلى انتخابات جديدة، عقب انتخابات نيسان الفائت، بعد رفضه الانضمام إلى الليكود وإلى الأحزاب الدينية في إطار ائتلاف حكومي، وذلك إثر خلاف حول انخراط طلاب المدارس الدينية في الخدمة العسكرية. وقد بيّنت نتائج الانتخابات الحالية أن حزبه زاذ نفوذه في صفوف العلمانيين، وخصوصاً بين المهاجرين إلى إسرائيل من جموريات الاتحاد السوفييتي السابق، الذين يتذمرون من استمرارهم، عبر الضرائب التي يدفعونها، في تمويل المدارس التلمودية وطلابها الذين يصل عددهم إلى نحو 40 ألفاً ويتهربون من الخدمة العسكرية الإلزامية. وخلال حملته الانتخابية رفع حزب إسرائيل بيتنا يافطات تقول: "نعم للدولة اليهودية، لا لدولة قائمة على الشريعة اليهودية".

ويطالب أفيغدور ليبرمان بحكومة وحدة وطنية علمانية  تضم حزبه إلى جانب الليكود وتحالف أزرق أبيض، وهو رفض، على الرغم من خلافه مع نتنياهو، التوصية بتكليف بني غانتس بتشكيل الحكومة الجديدة، وفضّل أن لا يوصي رئيس الدولة بتكليف أي من القطبين المتنافسين. وهو لا يخفي مطلقاً عداءه الشديد للأقلية القومية العربية في إسرائيل، ويرفض بحزم أن تستند أي حكومة إسرائيلية إلى دعم الأحزاب العربية، وأطلق مؤخراً  على ممثلي القائمة المشتركة اسم "الأعداء".

الأحزاب الدينية: ثبات القوة

لم تنفع حملات أفيغدور ليبرمان ويائير لبيد، الشخص الثاني في تحالف أزرق أبيض، الداعلية إلى العلمانية في الحد من نفوذ الحزبين الدينيين الحريديين، شاس ويهودت هاتوراه، بل إن شاس قد زاد نفوذه في هذه الانتخابات. ويرجع يوسي غورفيتز الصحافي والباحث في شؤون التطرف الديني ثبات قوة هذين الحزبين إلى واقع أن إسرائيل "تصبح دينية أكثر فأكثر وتصبح الأحزاب الدينية أكثر تطرفاً"، ويشهد البلد "عملية استقطاب ويصبح كل معسكر، من الدينيين والعلمانيين، أقل تسامحاً إزاء المعسكر الآخر".

وفي استطلاع أجرته هآرتس في العام الماضي تبين أن المجتمع الإسرائيلي ينحو أكثر فأكثر نحو التدين بالترافق مع تنامي النزعة القومية المتطرفة. فنحو 54 % من المستطلعين أكد إيمانه بالله، وهذه النسبة بلغت 78 % في صفوف المنتمين إلى اليمين. وهناك نسبة 79 % بين معسكر اليمين تعتقد أن اليهود هم "شعب الله المختار"، ونسبة 74 % تعتقد أن إسرائيل قامت بوصفها تحقيقاً لوعد إلهي. ويبيّن الاستطلاع أن الشبان أكثر تديناً من أجدادهم إذ بلغت نسبتهم  64 % في مقابل 22 %. أما مناحم كلين أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان، فيقدّر أنه من غير المحتمل أن تتشكّل حكومة علمانية من دون أن تضم بعض ممثلي الأحزاب الدينية.

وإلى جانب حزبَي اليهود الحريديين، هناك المعسكر القومي-الديني  الذي مثّله تحالف "يمينا"، ويستمد نفوذه بصورة رئيسية من جمهور المستوطنين، ويتشكل من ثلاثة أحزاب: البيت اليهودي بزعامة رافي بيرتس، وحزب الاتحاد القومي بقيادة بتسلئيل سموتريتش الذي يقول إنه يأخذ الأوامر من الله وليس من نتنياهو، وكان قد دعا في الماضي إلى قتل الأطفال الفلسطينيين الذين يلقون الحجارة، وحزب اليمين الجديد بزعامة إييليت شاكيد. وبينما يدعو حزبا اليمين الجديد والبيت اليهودي إلى ضم الجزء الأكبر من الضفة الغربية  وفرض نظام أبرتهايد على الفلسطينيين، يطالب سموتريتش بضم كل الضفة الغربية ويرى أنه قد يكون من الضروري القيام بعملية "تطهير عرقي" في إطار عملية الضم.

ويستغرب بعض المحللين نجاح شاكيد في تبؤ موقع الصدارة في تحالف "يمينا" الانتخابي الذي يضم هذه الأحزاب الثلاثة، خصوصاً أن حاخامي القوميين-الدينيين يحثون على استبعاد المرأة من الحياة السياسية. ويرجع بعضهم هذا النجاح إلى سببين، هما أن شاكيد برزت بوصفها وزيرة للعدل فعالة جداً  في دفاعها عن المستوطنين، وأرهبت المحاكم وأوصلت إليها، خصوصاً إلى المحكمة العليا، قضاة متدينين ومحافظين؛ ومن ناحية ثانية مثّلت شاكيد جسراً بين اليمين القومي واليمين الديني. ويرى غورفيتز أن الأحزاب القومية الدينية تقترح سياسة أكثر تطرفاً كي تتمايز عن الليكود، وهو ما يدفع نتنياهو إلى اتخاذ مواقف متطرفة أكثر كي لا يظهر أقل تطرفاً من منافسيه.

القائمة المشتركة: فوز كبير

يذكر محمد دراوشة  أن نسبة التصويت في الوسط العربي خلال انتخابات نيسان  2019 بلغت  49،2 %، وهي الأضعف منذ قيام دولة إسرائيل، بينما وصلت في انتخابات سنة 2015 إلى 64 % . ويرجع ذلك إلى أسباب عدة، من بينها  الانقسام في الصف العربي وحل "القائمة المشتركة"، وغضب الجمهور العربي من تبني الكنيست قانون "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"، وعدم الثقة بأن بني غانتس سيحمل تغييراً في حال فوزه في الانتخابات، خصوصاً بعد تصريحه أنه سيشكل ائتلافاً حكومياً من الأحزاب اليهودية فقط، وافتخاره بأنه "أرجع بعض مناطق قطاع غزة إلى العصر الحجري" عندما كان رئيساً لهيئة الأركان (2011-2015)، فضلاً عن أن  الأحزاب العربية لم تنظم، عشية انتخابات نيسان، حملات ميدانية فعالة لحض الناس على المشاركة في التصويت.

وقد استخلصت الأحزاب العربية العبر من إخفاقها في نيسان 2019، فوحدت صفوفها وأعادت تشكيل القائمة المشتركة وقامت بحملات تعبئة ميدانية واسعة بين صفوف الجمهور العربي، الذي كان لتحريض نتنياهو على الناخبين العرب وزعمائهم تأثير معاكس عليه، بحيث وصلت نسبة مشاركتهم في الانتخابات إلى نحو 60 %، وتجاوزت الأصوات التي حصلت عليها القائمة المشتركة في بعض  مراكز الاقتراع العربية نسبة 90 %. وبحصولها على 13 مقعداً، باتت هذه القائمة تشكّل القوة الثالثة في الكنيست، الأمر الذي يمكّن رئيسها  أيمن عودة من تولي منصب زعيم المعارضة في حال إقامة حكومة وحدة وطنية إسرائيلية بين تحالف "أزرق أبيض" وحزب الليكود.

واتخذ ممثلو القائمة المشتركة (باستثناء ممثلي التجمع الوطني الديمقراطي) قراراً صعباً وإشكالياً عندما أوصوا رئيس الدولة بأن يشكّل بني غانتس الحكومة الجديدة "لقطع الطريق على تشكيل حكومة يمين متطرّف أو أية حكومة أخرى بزعامة نتنياهو "، مؤكدين، كما جاء في بيان أصدره الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، أن هذا القرار لا يعبّر عن قناعة بأنّ حزب أزرق أبيض "يطرح بديلاً حقيقيًا لحزب "الليكود" ولنتنياهو؛ بقدر ما يعبّر عن تشخيص واع لحقيقة أنّ نتنياهو هو الأسوأ وهو الأخطر على الجماهير العربية، على أسس الديمقراطية في البلاد، وعلى القضية الفلسطينية والوضع الإقليمي برمّته. كما يعبّر القرار عن إرادة الجماهير العربية والقوى الديمقراطية في إنهاء حقبة نتنياهو – هذه الغاية السامية التي لا يختلف عاقلان على أولويتها وصوابيتها وضرورتها".

ما هي السيناريوهات المحتملة؟

أمام المأزق الحالي الذي تواجهه إسرائيل نتيجة انتخابات لم تفرز فائزاً واضحاً، يطرح المراقبون سيناريوهات عدة، من بينها:

أولاً، حكومة وحدة وطنية تضم الليكود وأزرق أبيض،  قد تتخذ أشكالاً عدة، ويمكن الاتفاق على رئيس وزراء بالتناوب لمدة سنتين، وكان شمعون بيريز قد وافق في ثمانينيات القرن العشرين على ترؤس الحكومة بالتناوب مع  خصمه يتسحاق شامير زعيم الليكود، وهو ما أكد عليه نتنياهو. بيد أن احتمال تشكيل مثل هذه الحكومة، التي جمع رئيس الدولة في 23 أيلول نتنياهو وبني غانتس للتوافق عليها،  يطرح مجموعة من الأسئلة: هل سيشارك فيها الليكود مع نتنيناهو أو من دونه؟ فغانتس يكرر أنه يريد "تزعم حكومة وحدة وطنية موسعة وليبرالية"، ولكن ليس بالضرورة مع نتنياهو، بينما صرّح يائير لبيد، الرجل الثاني في حزبه: "أن هناك شخصاً واحداً يحول بيننا وبين تشكيل حكومة وحدة وطنية؛ فإذا انسحب نتنياهو، سنشكّل حكومتنا"؛  ومن سيكون رئيس الوزراء الأول في عملية التناوب؟ وهل ستضم هذه الحكومة حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة ليبرمان، الذي يرفض مشاركة الأحزاب الدينية؟ وهل يقبل الليكود بأن تُستبعد  هذه الأحزاب الدينية من حكومة وحدة؟ وهل سيحبذ الليكود  مشاركة ممثلي "اليسار" الصهيوني فيها؟

وعليه، فإن الطريقة الوحيدة للخروج من المأزق وتشكيل حكومة وحدة تحظى بالأغلبية هي في التوصل إلى تسويات وتقديم تنازلات؛ فمن هو الحزب الذي سيُقدم أولاً على تقديم تنازلات؟ 

ثانياً، حكومة ما يسمى بـ "يسار وسط"، هناك احتمال أضعف، وهو أن يشكّل بني غانتس حكومة يشارك فيها الحزبان الحريديان مع حزب أزرق أبيض وحزب العمل-غيشير والمعسكر الديمقراطي، ومثل هذه الائتلافات التي جمعت "الوسط" و "اليسار" الصهيونيين  مع الأحزاب الحريدية عرفتها إسرائيل  قبل عقود عدة، لكن حزبَي شاس ويهودت هاتوراه أصبحا في العقود الأخيرة من أنصار الليكود بصورة تلقائية، ولن يقبلا –على الأرجح وعلى الرغم من انتهازيتهما- المشاركة في مثل هذه الحكومة.

ثالثا، خيار اللجوء إلى انتخابات جديدة بعد أشهر في حال استمرار الطريق المسدود. ومع أن هذا الخيار لا يلقى ترحيباً من أحد كما يبدو حالياً، إلا أن يوسي فيرتر، محلل الشؤون الحزبية في صحيفة هآرتس، يرى أنه إذا أصر نتنياهو على موقفه، فقد لا يوجد سبيل تقريباً لمنع جولة انتخابات ثالثة، معتبراً أن ما قاله نتنياهو  أمام كتلة الليكود في الكنيست، بعد ظهور نتائج الانتخابات يعزز هذا الشعور، إذ قال: "هناك حكومتان فقط مطروحتان على جدول الأعمال: واحدة برئاستي، أو حكومة اليسار والأحزاب العربية"، ومستخلصاً أنه "إذا تمسك [نتنياهو] بكلمته، فلا يوجد تقريباً سبيل لمنع حل الكنيست، بعد 100 يوم على الأكثر".

مأزق إسرائيل سياسي وليس انتخابياً

يعتبر عصام مخول أن نتائج الانتخابات لم تحدث اختراقاً  في الوعي السياسي والفكري في إسرائيل "يمكّن من إحداث تغيير جوهري يقلب النهج السياسي السائد في كل القضايا المطروحة"، وأن المشكلة الحقيقية تتمثّل "في أن عقوداً من سياسة الاحتلال والاستيطان والقمع والعدوان والتمييز العنصري في اسرائيل، قد نجحت في ترسيخ وعي زائف لدى الجمهور الاسرائيلي أن بمقدوره أن يواصل الاحتلال والقمع والاضطهاد القومي واشعال الحروب وخدمة المشروع الاستيطاني والمشاريع الامريكية في المنطقة، والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني وللحقوق القومية والمدنية للمواطنين العرب في اسرائيل، وأن ينعم في الوقت نفسه بحياة طبيعية رغيدة ومستقرة وآمنة" .

ومن جهته، يعتبر الباحث جوناتان كوك أن المعركة الحقيقية في الانتخابات الإسرائيلية لم تكن بين اليمين وما يسمى بيسار الوسط، وإنما بين معسكرين متنافسين وسط اليمين القومي، مقدّراً أن الاختلافات السياسية بين الليكود وأزرق أبيض محدودة جداً. بينما يرى الصحافي والمؤرخ الصديق دومينيك فيدال أنه لن يكون هناك تغيير سياسي بارز، خصوصاً فيما يتعلق بالتسوية والعلاقة مع الفلسطينيين: "فاليسار التقليدي، ميرتس وحزب العمل، هو تقريباً في حالة احتضار، بينما كان ينجح في تأمين 50 نائباً إلى الكنيست في الستينيات. أما أزرق أبيض فلا يمتلك سياسة بديلة ومختلفة عن سياسة نتنياهو؛ فغانتس أعلن، عندما صرّح نتنياهو بأنه سيضم غور الأردن، "إنهم يسرقون برنامجي". وخلال الحملة الانتخابية كان هناك انتشار للكراهية الموجهة ضد العرب". ويتابع أن نتائج الانتخابات  تؤكد انعطاف المجتمع الإسرائيلي المتواصل نحو اليمين، والدليل هو تطور موقفه من مسألة ضم الضفة الغربية، التي كان يعارضها في سنة 2016 70% ممن استطلعت آراؤهم، بينما صار يعارضها في سنة 2019 28 % فقط.

أما نسبة أنصار "حل الدولتين"، فقد تدنت، في الفترة نفسها، من 53 % إلى 34 %. أما المظهر الثاني لهذا الانعطاف نحو اليمين فهو ، في تقديره، تنامي ظاهرة العنصرية في المجتمع، إذ بيّن تحقيق، أجري في آذار 2018، أن العنصرية تستهدف العرب  بنسبة 76 %. ويخلص فيدال إلى "أن شروط عملية سلام جديدة لا توجد اليوم، لكن الرحيل الممكن للرجل الذي جسد موت عملية السلام السابقة قد يفتح صفحة جديدة في إسرائيل، ما زالت في حاجة لمن يكتبها"، ويتساءل: "يبقى أن نعرف إلى أي حد يمكن أن تذهب حكومة وحدة وطنية في مواصلة سياسة نتنياهو الراديكالية  إزاء:

1- قانون- أساس"إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي" المقر في 19 تموز 2018 الذي يشرعن الأبرتهايد (البند الأول: الشعب اليهودي وحده له الحق في تقرير المصير).

2- ضم كل الضفة الغربية أو أجزاء منها.

3- سلسلة القوانين المتخذة منذ عشر سنوات، مثل القانون الذي يسمح لـ 90 نائباً بعزل زملائهم الآخرين في الكنيست.

4- التحالف مع الزعماء الشعبويين في أوروبا، بمن فيهم من يتخذ مواقف معادية للسامية".

المصادر

-Bachner, Michel, « Et maintenant ? Toutes les options possibles pour une future coalition »,

https://fr.timesofisrael.com/et-maintenant-toutes-les-options-possibles-pour-une-future-coalition/

-Cook, Jonathan, «Élections en Israël : c’est l’extrême-droite religieuse qui est aux commandes»,

https://www.chroniquepalestine.com/elections-israel-extreme-droite-religieuse-aux-commandes/

-Daou, Marc, « Législatives en Israël : Benny Gantz, chantre du "tout sauf Netanyahu" », 14 /09/2019

https://www.france24.com/fr/20190913-legislatives-israel-benny-gantz-opposition-netanyahu-elections-centre-campagne

-Darawshe, Mohammad, « Élections : pour combler les divisions entre Juifs et Arabes, il faut de meilleurs dirigeants »,

https://www.lapaixmaintenant.org/elections-pour-combler-les-divisions-entre-

- Gendron, Guillaume, «Les russophones, prophètes de la laïcité en Israël»,

https://www.liberation.fr/planete/2019/09/09/les-russophones-prophetes-de-la-laicite-en-israel_1750286

- Gendron, Guillaume,  « Israël : Gantz snobe les appels à l'union de Nétanyahou »,

https://www.liberation.fr/planete/2019/09/19/israel-gantz-snobe-les-appels-a-l-union-de-netanyahou_1752340

- Ha’aretz (Editorial), « Courage et lâcheté dans la campagne électorale israélienne », 23 août 2019

juhttps://www.lapaixmaintenant.org/courage-et-lachete-dans-la-campagne-electorale-israelienne/ifs-et-arabes-il-faut-de-meilleurs-dirigeants/

-Haski, Pierre, «En Israël, le pari perdu de Benyamin Netanyahou »

https://www.franceinter.fr/emissions/geopolitique/geopolitique-18-septembre-2019

- Horovitz, David, « Si les résultats sont corrects, Netanyahu est en difficulté ».

https://fr.timesofisrael.com/si-les-resultats-sont-corrects-netanyahu-est-en-difficulte/

-Horovitz, David,  « Les résultats montrent que les Israéliens n’ont pas peur de l’après-Netanyahu»,

https://fr.timesofisrael.com/les-resultats-montrent-que-les-israeliens-nont-pas-peur-de-lapres-netanyahu/

- Imbert, Louis, «Benny Gantz, en position de force après les élections législatives en Israël»,

Alors que son mouvement Bleu Blanc est arrivé en tête, le général pourrait tenter de former une coalition.

https://www.lemonde.fr/international/article/2019/09/19/israel-benny-gantz-en-position-de-force_5512282_3210.html

-Levy, Gideon, « Le camp anti-Netanyahou  a  la nostalgie d’un pays  qui n’a jamais existé »,

http://alencontre.org/moyenorient/israel/israel-le-camp-anti-netanyahou-a-loccasion-les-elections-du-17-septembre-a-la-nostalgie-dun-pays-qui-na-jamais-existe.html

- Perroquin, Flore, « Israël: qui sont les principaux candidats aux législatives? »,

http://www.lefigaro.fr/international/israel-qui-sont-les-principaux-candidats-aux-legislatives-20190917

-Vidal, Dominique,  « La campagne électorale en Israël a été un déferlement de haine anti-arabe »,

http://www.regards.fr/la-midinale/article/dominique-vidal-la-campagne-electorale-en-israel-a-ete-un-deferlement-de-haine

-Vidal, Dominique, «Israël: cinq premières leçons d'un scrutin »,

https://blogs.mediapart.fr/dominique-vidal/blog/180919/israel-cinq-premieres-lecons-dun-scrutin

Vinet, Caroline,  «Avigdor Lieberman, le maître des alliance »

https://www.la-croix.com/Monde/Moyen-Orient/Avigdor-Lieberman-maitre-alliances-2019-09-17-1201048028

Vinet, Caroline, « « Bibi » Netanyahou, le tacticien au pied du mur»,

https://www.la-croix.com/Monde/Moyen-Orient/Bibi-Netanyahou-tacticien-pied-mur-2019-09-17-1201048084

الحزب الشيوعي والجبهة، "مطلب الساعة إنهاء حقبة نتنياهو"،

https://www.alarab.com/Article/917044

فيرتر، يوسي، "إذا أصر نتنياهو على موقفه لا يوجد سبيل تقريباً لمنع جولة انتخابات ثالثة"، "هآرتس"، 19/9/2019 .

https://www.palestine-studies.org/daily/mukhtarat-view/237157

مخول، عصام، "انتخابات الأزمة: نتنياهو هو الخاسر الأساس"،

http://ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=650052

فضلاً عن نشرة الصحافة العبرية الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

* نُشر ضمن ملف على موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية الالكتروني.