2019-09-26

السياسة والفكر في الموضوع الفلسطيني

سعيد مضية

تفجر انتخابات الكنيست في الوسط العربي في كل دورة إشكالية العزوف عن المشاركة الشعبية في الاقتراع. تحاجج مواقف الاستنكاف عن المشاركة بذرائع عدة، بعضها موضوعي(الكنيست يخذل القضايا العربية ومقاطعته فضح لعنصرية أغلبية نوابه الساحقة)، وبعضها مزايدات تحاول التمظهر بمواقف "جذرية" . فقد علق احد نجوم فضائية عربية من خلف الخط الأخضر انه غير معني  بالانتخابات ولا بتشكيل الحكومات لأن قضيته أعظم وأكثر جدوى، هي قضية صراع وجودي!! واهاب فصيل فلسطيني بعرب يوم الأرض البقاء في بيوتهم يوم الاقتراع.

وهذا الموقف "الجذري" يخبئ خلف الجملة الثورية، ويقنّع عزلته عن الجمهور، الذي لن ينجز التغيير "الجذري" بدون إشراكه في التجربة السياسية، أي إدخاله الى الحياة السياسية بشكل مستدام. وقد برز في خمسينات القرن الماضي حزب التحرير الإسلامي احجم عن المشاركة في الأنشطة الشعبية بحجة التغيير " الجذري"، إقامة الخلافة الإسلامية. وكان امتناعه عن المشاركة في مقاومة حلف بغداد في الأردن، واصطدامه بالنهوض الشعبي العارم في وقفة عز مصيرية،  قد وضعه موضع الاتهام بالتعاون مع الاستخبارات الأجنبية؛ وأثناء الحملة الانتخابية التي تلت جرى التشنيع على مرشحيه وعرضهم لسخرية الجمهور.

وهذا يدخلنا في تشخيص دور كل من الفكر والسياسة في الموضوع الوطني. هل ينتشر فكر بدون سياسة؟ وهل الفكر بديل للسياسة؟

رغم ان السياسة ذات مضمون فكري والفكر ذا مضمون سياسي فالفرق بينهما كبير ومحاولة المزج بينهما تخرج بحصيلة ملفقة منزوعة الفكر والسياسة. الفكر له آلياته وغايته، كما يقول نصر حامد أبو زيد وللسياسة آلياتها وغايتها، "ومع ذلك يظل هناك اختلاف نوعي من حيث الآليات، إذ تنشغل السياسة- رغم أساسها الفكري- باليومي والمباشر في خضم انشغالها باتخاذ القرارات، في حين ينشغل الفكر – رغم دلالاته السياسية- بالجوهري والثابت والحقيقي الذي يقترب من حدود العلم".[النص السلطة الحقيقة الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، ص49].

الفكر ثابت وجوهري يرسم استراتيجية النشاط السياسي، الذي هو بطبيعته نسبي يخضع لتوازن القوى في لحظة اتخاذ "القرار الملموس في الظرف الملموس"، كما كان لينين يردد باستمرار. القرارات السياسية تتعاقب وتتبدل وتتمايز، استجابة لضغط الظرف، او بالنظر لضرورة إشراك الجماهير في الحياة السياسية وإطلاعها من ثم على تفاصيل الواقع المراد تغييره كي يستنفر انتباهها ويبدد عفويتها ولااباليتها في أحايين كثيرة. وظيفة  السياسية إحداث تغييرات كمية تتراكم فتحدث تغيرا نوعيا يجسد الفكر الملهم للسياسة. طبيعة النشاط السياسي تملي ضرورة إيجاد حلول مرحلية لقضايا مؤقتة بهدف تسليك درب النضال أو ردع غائلة؛ قد تملي القرارات السياسية تراجعات حيال المطاردات البوليسية الهادفة استئصال الحركة الثورية، أو بهدف الحفاظ على الجماهير من تغول السلطة الحاكمة، إذ تستدرج الجماهير الى صدام غير متكافئ. هدف السياسة التقدمية في البلدان التي ما تزال عالقة بإرث العصور القديمة، وأبرزها تبخيس الجمهور، ينشد بناء حركة شعبية ديمقراطية، أداة سياسية للتغيير الاجتماعي.

البعض ممن يقصرون اهتمامهم على المهمات الجذرية ينسون او يتناسون أن الثورة فى أصلها وعيا وثقافة، يتم تراكمها من خلال الممارسة اليومية للسياسة. والسياسة أيضا عملية تربية للجماهير سياسيا وثقافيا، انتشالها اولا من حضيض التبخيس الذاتي والاستلاب، الموروثين عن قرون عديدة خلت من القهر والهدر. الحملات الانتخابية أيضا مناسبات لاستعراض البرامج السياسية، تنشط الاهتمامات والهمم. هي فرص لتعميق الاطلاع، وتوثيق الصلات وتوطيد أواصرالثقة المتبادلة بين الحزب السياسي والجماهير، تعي من خلالها ان صوتها ذو قيمة، وان حزمة الأصوات ذات قرار سياسي في صندوق الاقتراع. بدون إشراك الجماهير في السياسة يستحيل تجسيد الفكر واقعا متعينا . لهذ تلجأ الأنظمة الطبقية الى تقليص او تجميد فرص النشاط السياسي، وهي تتعمد تنفير الجماهير من السياسة، حين تخالطها بالتحايل والتنكر للوعود والالتفاف حول القضايا المؤرقة.

لا يجوز للسياسة ان تعوض بالإكراه فشلَها في بناء جسور العلاقة مع الجماهير والغربة عنها. فكثيرا ما تعوض فصائل سياسية غياب ثقة الجماهير بطروحاتها، بإكراهها على الإضراب أو التظاهر أو الامتناع.  بعد ثورة أكتوبر تعبت جماهير الفلاحين من مصادرة محاصيلها الزراعية للمجهود الحربي وإطعام المدن. أدرك لينين بحسه الثوري تذمر الجماهير وتراجعت السلطة السوفييتية عن "شيوعية الحرب". أعيد النشاط للرأسمال وسمح للمزارعين المتاجرة بفائض إنتاجهم من المحاصيل، وذلك حفاظا على تحالف الطبقة العاملة مع الفلاحين، وهو افكر الملهم لبناء الحياة الجديدة،  كما برر لينين في حينه.

السياسة، بما تعنيه من التعامل اليومي مع الجماهير، تتيح التواصل الدائم مع الجماهير، تعلمها وتتعلم منها، بما يضمن الحفاظ على الواقعية السياسية ويعزز لحمة العلاقة بين الحركة السياسية والجماهير، وبما يصون الجماهير من الانزلاق في هاوية الخيبة أو الانفعالية النزقة، وترفع جاهزية الحزب مع تنامي المزاج الثوري. خلال عقود مضت من النشاط السياسي اعتادت الجماهير التوجه لقوى التغيير الاجتماعي أثناء الملمات والطوارئ؛ وإذا لم تلق الأجوبة على تساؤلاتها ترتمي باحضان المحافظة، وهي في المجتمعات العربية التيار السلفي، حيث يجمد حركيتها و يحيلها احتياطا انتخابيا له، ويعزلها ويوتر عداءها للتغيير الاجتماعي. وهذا ما حدث بعد عدوان حزيران عبر العقود الخمسة الماضية. وحصيلة ذلك كله قطيعة تامة بين اليسار والجماهير خسر بسببها الطرفان. تمت عزلة اليسار وتدهورت الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية في المجتمعات العربية كافة.

ان التعرف على المزاج العام ومراعاته لدى تنفيذ الخطط السياسية قضية محورية في أي نشاط سياسي. وبعد فشل ثورة 1905- 1907في روسيا شنت حكومة القيصر حملات عنيفة، نظمت خلالها المجازر والإعدامات بالجملة؛ اقتضت الحكمة التراجع السريع لحماية الجماهير والحفاظ على النابض الثوري في وجدانها. تحدث لينين عن هجوم ثوري وتراجع ثوري، وكلها استدعت اتخاذ قرارات سياسية متضاربة من منظور فكري واحد ثابت حدد استراتيجية كل من الهجوم والتراجع.

وهذه التكتيكات المتفقة مع جوهر الماركسية يجهلها كما يبدو بعض الماركسيين، ممن لا يعرفون سوى الهجوم في مختلف الظروف والملابسات. بعض فصائل الماركسيين أوّلت خطأ مقولة لينين "الانتفاضة المسلحة أرقى أشكال النضال"، اولتها بعد أن اجتزأتها من السياق. فقد ركز لينين أولا على تحريك الجماهير وتعبئتها وحكث الطليعة الواعية على النشاط الدؤوب في أوساطها كي تدرك ضرورة سحب الثقة بالحكومة المؤقتة، ولكي يرتفع المزاج الثوري للجماهير؛ وحين يبلغ المزاج الثوري مداه الأقصى، وحيال مقاومة السلطة التغيير الثوري تنتصب الحاجة الى الانتفاضة المسلحة لتحطيم جهاز الدولة وإحلال أجهزة السلطة الثورية.

حينها حذر لينين من ان مزاج الجماهير الثوري سوف يتبدد وتضيع الفرصة إذا لم نبادر الى الانتفاضة المسلحة تتوج جهودا سياسية مثابرة. ليست الثورة المسلحة أداة سياسية يتم اللجوء اليها في كل المناسبات والملابسات. المزاج الثوري تنضجه انشطة سياسية ناجحة. في المرحلة الراهنة قد تنفجر الجماهير نتيجة اطلاعها على تبذلات السلطة وتلاعبها وفسادها، وبتأثير الأوضاع الدولية التي باتت تحت أنظار الجماهير العريضة بفضل الاتصال الجماهيري؛ لكن يسنحيل بدون قيادة حزب ثوري متمرس نجاح الانتفاضة الثورية للجماهير. وهذا ما حدث للانتفاضات العربية اوائل العقد الحالي.

الصهيونية اتّبعت طوال قرن ونصف القرن من نشاطها نهج التطوير الصاعد لسياساتها بما راكم تغيرات كمبة عديدة لتحدث في النهاية التغيير النوعي. أضمر بن غوريون فكره، واسترشد به، بصهيونيته العملية، ورفع شعار"غنمة بعد غنمة ودونم بعد دونم". أما جابوتينسكي فأشهر الفكر الصهيوني، باقتلاع الفلسطينيين من وطنهم، وانتهاج سياسة ضمّنها مقاله "الجدار الفولاذي"، عبارة عن تراكم منجزات تحدث تغييرات كمية وتتراكم في تغيير نوعي يرغم الفلسطينيين على الاستسلام للمشروع الصهيوني. وتلاقى الاتجاهان الصهيونيان حال إنضاج ظروف التغيير النوعي ونظما عمليات إرهابية مسلحة انتهت بالدولة.

واثناء الاحتلال شُرعت سياسات الاستيطان ينزاح معها الناخبون اليهود باتجاه اليمين العنصري وكراهية العرب. الانزياح الكمي أوصل الليكود الى السلطة، وأمر بيغن حال تشكيل اول وزارة بوضع برنامج استيطاني بالضفة يجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية، وتم وضع البرنامج وتنفيذه. راكمت حكومة بيغن الوقائع عبر سياسات انهمكت في مشاريع الاستيطان، ثم واصل شارون ومن بعده نتنياهو سياسة الاستيطان تراكم الوقائع لتغير الوضع السكاني بالضفة؛ بدأت المستوطنات نقاطا وسط تجمعات سكنية عربية، وراحت تتراكم لتغدو أسوارا تحاصر البلدات الفلسطينية. سيطرت الفاشية على الوعي اليهودي بفلسطين، وتوطد نظام الأبارتهايد، استحكم الاحتلال خلف متاريسهما.

إن اليقظة تجاه مكائد الصهيونية والتحكم في مسارات الصراع بالمنطقة يتطلبان حنكة سياسية تركز في الوقت الراهن على الصراع ضد الفاشية والأبارتهايد، فهما أضعف حلقات الاحتلال،   وكلاهما يحرسان الاحتلال. اقتلاع الفاشية والأبارتهايد لا يتم إنجازهما بضربة واحدة. والإقدام على جزئية من هذه المهمة، مهما بدت بسيطة مثل عزل، او على أقل تقدير، تجميد أشد قادتها تمسكا بالأبارتهايد والتوجه الفاشي والأكثر غلوا في العداء للعرب وإصرارا على اجتثاث وجودهم من أرض وطنهم، إن هذه الجزئية تستحق المحاولة، باعتبارها ٌرصة سياسية تشف عن التحدي. ولا ينبغي إعطاؤها بعدا فكريا.

نتنياهو ربيب بيت معاد لشعب فلسطين، كان والده الذراع الأيمن لجابوتينسكي، داعية الاقتلاع والإحلال منذ عشرينات القرن الماضي. في عقد الثلاثيات كتب والده، بنزيون نتنياهو، وسكرتير جابوتيمسكي، في مجلته مقالة شّبه اليهود المستوطنين بالأوروبيين مستوطني القارة الجديدة وشبه الفلسطينيين بالهنود الحمر وفلسطين بأميركا. وقال في المقالة بنيت نيويورك في أقصى الشرق وسان فرنسيسكو بأقصى الغرب، وتطلبت إقامة الصلات بينهما تملك الأراضي الشاسعة لمد طرق المواصلات وتشييد المدن. ولو بقيت الأرض بأيدي الهنود الحمر لتعذر ربط ساحل الأطلسي بساحل الهادي.

رضع بنيامين نتنياهو مع لبن الرضاعة كراهية العرب نسل إسماعيل، كما ورد بالتوراة. تمرسه بالحرب الدعائية مكنه، عبر دعاية التحريض العنصري، من تسريع انزياح اليهود في إسرائيل باتجاه شعبوية فاشية.

مخطط نتنياهو أخطر مما سبقه من مكاذد حكومات إسرائيل السابقة. نتنياهو عراب قانون قومية إسرائيل، وفي سبيل تحقيق هدفه الانتخابي وعد بالضم، وهو ما اعتبره النائب العام رشوة للناخبين. وقيل ان نتنياهو أقدم قبل الانتخابات على ضم مناطق من الضفة، واعترض المستشار القانوني؛ ويقال انه اتخذ قرار الهجوم على غزة في الكابينيت المصغر، بعد ان أخفى عنه تحفظ قيادة الأركان؛ لكن المدعي العام، أفيخاي ميندلبليت، تدخل وألغى القرار. وفي يوم الانتخابات حرض نتنياهو على الجمهور العربي، مثلما حرض في الانتخابات السابقة، ولكن بلهجة أشد عدوانية؛ إذ قال "ان العرب يريدون تصفيتنا جميعنا، النساء والأطفال والرجال". هو يعرف أنه يكذب، ولكن استدرار اصوات اليمين الفاشي أباح له التفوه بالتصفية الوجودية التي يضمرها للجمهور العربي في فلسطين!

لم يوفر نتنياهو مناسبة دون أن يشهر التحدي بوجه عرب فلسطين، تحداهم حتى بالرجعية العربية المعروفة بتبعيتها الذليلة والمشينة للامبريالية، حليفة الصهيونية ودولة إسرائيل. تحدى نتنياهو، وبذا فتحديه وجاهًا حركة سياسية شجاعة ، لا ينبغي تحميلها بعدا فكريا.

بغض النظر عمن سيشكل الحكومة المقبلة فستكون حكومة يمينية متطرفة؛ الحزبان الرئيسان خاضا المعركة الانتخابية ببرنامج يميني فاشي. واتهم غانتز نتنياهو بأنه سرق فكرته بضم الأغوار الى إسرائيل. وليبرمان لا يقل فاشية وعنصرية، إذ اعتبر القائمة العربية "أعداء" لا يجوز حتى مشاورتهم بأمر تشكيل الحكومة، ضمن غزل سياسي مع نتنياهو. ومرارا توعد النواب العرب في الكنيست بمصير التصفية، وكرر الدعوة لتهجير الفلسطينيين، واصطناع ظرف يسهل تنفيذ الجريمة، كأن تُشعَل حربُ بالمنطقة، مثلما حدث في "المرتين السابقتين". والمشاورات تتجه نحو تشكيل حكومة ائتلاف شامل.

على ذلك يلهمنا كيف تعود أحزاب بسياسات واقعية وتفكير موضوعي، تدرك المصلحة المشتركة وتلتزم بها ، يعود بعد معارك كلامية الى الائتلاف مدركة القواسم المشتركة وثابتة عندها. هل نتعلم، أم ان آل بوربون لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا شيئا، حسب المثل الذي اختزل الجمود والغباء السياسي لعائلة مالكة فقدت المُلك واضمحلت ، قبل قرنين من الزمان؟!