2019-10-08

ماركس بلا ماركسية

عبد الرزاق الدحنون

ماركس بلا ماركسية عنوان مقالة مهمة للمفكر الفلسطيني أحمد برقاوي نشرها في العدد/57/ من مجلة الجديد اللندنية تاريخ 1/10/2019 يُعيد فيها الاعتبار لماركس الفيلسوف. وجدت المقالة عميقة ومفيدة وتلائم ما أفكر فيه، لذلك كله أُعيد نشر مقاطع طويلة منها لتعميم الفائدة. والشكر طبعاً للدكتور أحمد برقاوي أستاذ الفلسفة ومدرسها:

لقد ظهرت باسم ماركس أحزاب شيوعية واشتراكية في كل أنحاء العالم، وانتشرت في أوساط جميع شعوب الأرض باستثناء الشعوب البدائية. باسم ماركس قامت ثورات وحركات تحرر، بعضها نجح، وبعضها الآخر فشل. باسم ماركس ولدت دول ذات أيديولوجية ماركسية-شيوعية في الجزء الشرقي من القارة الأوروبية، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي الذي كان ينافس الولايات المتحدة بالقوة والتأثير على العالم، وقد أنتج الصراع بين هاتين الدولتين الحرب الباردة التي انتهت بانتهاء وجود الدولة السوفييتية.

معطف ماركس

باسم الماركسية سالت دماء وفُتحت سجون وعُذب بشر. سجون امتلأت بالماركسيين، وسجون أخرى امتلأت بأعداء الماركسيين. من وحي ماركس ولد قادة وزعماء وثوار. كما ظهر من معطفه فلاسفة ومثقفون نبلاء. في هذه اللحظة من التاريخ، وقد انتهت الحرب الباردة، وضعفت الحركة الشيوعية والاشتراكية في العالم كله، في هذا الشرط التاريخي من زوال الاتحاد السوفيتي والدول الأيديولوجية التي سارت في ركابه، في هذه اللحظة التي تحولت فيها الأحزاب الشيوعية إلى مومياءات في متحف الحركات السياسية، في هذه اللحظة التي مات فيها النقاش حول البنية التحتية والبنية الفوقية والصراع الطبقي والتشكيلات الاجتماعية وأولوية المادة على الوعي وقوانين التطور التاريخي والحتمية التاريخية وحتمية انتصار الشيوعية في هذا الوقت من التاريخ مات ماركس الأب الأيديولوجي ومات أبناؤه من ماوية وبكداشية وتروتسكية. مات ماركس البيان الشيوعي، وعاد ماركس الإنسان الفيلسوف إلى الحياة.

ماركس فيلسوف ديالكتيكي كان مهجوسا بمصير سعيد للعالم، وهو جزءٌ لا يتجزأ من مفكري تاريخ الحداثة الأوروبية. فيما الماركسية مذهب سياسي اقتصادي فكري فلسفي أيديولوجي. الماركسية اتجاه يبدأ من تأسيس أول حزب شيوعي إلى أحدث حزب شيوعي راهن. الماركسية تعني بليخانوف ولينين وتروتسكي وخالد بكداش وغيفارا، تعني غرامشي وبوالنتزاس ولوكاتش وألتوسير وفيشر والعالم ومهدي عامل وما شابه ذلك. الماركسية تعني الماركسية الروسية والماركسية السوفييتية والماركسية الصينية والفيتنامية والفرنسية والإيطالية واليمانية الجنوبية وبقاياها.

فيلسوف الحرية

أشير بدايةً أن الفيلسوف -أي فيلسوف بمعنى الكلمة- لا يبلى أبداً، وإن لفّه النسيان في لحظة تاريخية ما، فإنه سرعان ما يعود للحياة عبر استحضار مفاهيمه أو بعض مفاهيمه للتأسيس عليها وإغنائها لفهم العالم المعيش، أو القطيعة معها. إن ماركس الفيلسوف، حاله حال كانط وهيغل وفيورباخ وسارتر وحال ابن رشد وابن طفيل، حاضر بوصفه منتج أفكار منتج مفاهيم. وإعطاء بعض المفاهيم المألوفة دلالات جديدة. أي أن ماركس الذي عاد حياً بعد قتله بالماركسية، هو ماركس المتنوع والمتعدد، هو الفيلسوف ماركس وليس ماركس الذي يعيش في الماركسية. الفيلسوف ماركس هو فيلسوف الحرية. أجل على عكس ما يعتقد به أعداء ماركس وما اعتقدت به التيارات الشمولية التي سادت لدى الدول الشيوعية. أجل ماركس هو فيلسوف الحرية.

ماركس دافع عن الدولة المعقولة، والدولة المعقولة هي دولة الحرية، دولة تعيّن الحرية، الأصل إذن في قيام الدولة المعقولة يقع خارج المسيحية خارج الدين، إنما هي ناتجة عن التاريخ الواقعي الذي هو مسار وعي الحرية لذاتها. فمعيار الدولة المعقولة هو الحرية. ولهذا فدولة الحرية عند ماركس الفيلسوف في مرحلة الشباب هي انتصار عقل الحرية.

ماركس الفيلسوف يدافع عن مركزية الإنسان، بل هو المدافع القوي عن الإنسان المتمرد. ماركس فيلسوف التمرد يستعير أسطورة برومثيوس الذي حمى الإنسان عندما أراد زيوس إفناءه بالطوفان، هو الذي سرق قبساً من نور الشمس وخبأه في قصبة وأعطاه للإنسان، برميثوس هو الذي خدع زيوس ولهذا غضب زيوس على برميثوس. والفيلسوف هو الذي أخذ قبساً من نور الشمس من أجل الإنسان.

ماركس فيلسوف الحرية يسعى لتحرير الإنسان من سلطة المال ويرى في المال اعتداء على ماهية الإنسان، وما ماهية الإنسان إلا الإنسان كما هو قبل أن يحوّله المال إلى ما ليس هو. ماهية الإنسان هو الإنسان في الواقع، قبيح وجميل، مستقيم وحقير، ذكي وغبي، وفيّ وخائن، محب ومبغض، فاضل ورذيل، سيد وعبد.

في حقل المال لم يعد بالإمكان تحديد صفات الإنسان كما هو في الواقع، بل في علاقته بالمال الذي يقلب الأمور رأساً على عقب، وبالتالي المال هو التشوه الكلي للإنسان الواقعي، في المال يغترب الإنسان عن ماهيته. وفي استمرار في الدفاع -دفاع ماركس عن ماهية الإنسان- يرى أن ماهية الإنسان هي الحرية. الحرية من كل ما يستعبد الإنسان، اللاهوت، الدولة، المال، وبالتالي إن الفلسفة المدافعة عن فلسفة الإنسان هي فلسفة الحرية، وما الحرية سوى أن يتحول الإنسان إلى سيد هذا العالم، إلى تطابق الإنسان مع ماهيته، وهذا التطابق مع الماهية يعني تحرر الإنسان من الأصنام، كل الأصنام التي تستبد به. لا شك أن هذا الذي تبقّى من ماركس من حيث هو فيلسوف الحرية هو الذي يجعل من ماركس دائم الحضور.

ماركس الطوباوي

أما ماركس الطوباوي، فهو الآخر، ماركس الذي يحلم بالمجتمع الذي يحقق الحرية. ولعمري، إن ما من فيلسوف إنساني إلا ويجنح نحو الطوباوية، لأن الطوباوية هي رفض للواقع المعيش، وفهم مجتمع السعادة المطلقة على هذه الأرض. أجل، شيوعية ماركس هي أوتوبيا جميلة، شيوعية مجتمع يعيش فيه البشر متساوين، لا سلطة عليهم إلا سلطة أنفسهم.

المجتمع الشيوعي الطوباوي، مجتمع لكلّ حسب حاجته، مجتمع زوال الفرق بين المدينة والقرية، زوال الفرق بين العمل اليدوي والعمل العقلي، مجتمع الشخصية المزدهرة التي تجد الوقت الكافي للإبداع، مجتمع زوال الاغتراب بكل أشكاله العملية والدينية.

وإذا كانت البشرية تسير نحو زوال الفرق بين المدينة والقرية، واقتراب أسس العمل اليدوي من العمل الفكري مع استمرار التمايز فإن طوباوية ماركس هي حلم إنساني، جنة أرضية رآها صديقه إنجلز منجزاً علمياً وما هي بالعلم. لقد مات ماركس الطوباوي كأيّ طوباوي آخر في التاريخ، حاول أن يتصور جنةً على الأرض عوضاً عن جنة السماء. وعلى أيّ حال لا بد من أن نكون دائماً حالمين بالمجتمع الأمثل حتى ولو كانت الطريق إليه طويلة ومستحيلة. ما تبقى من ماركس كثير جداً وحسبنا أن الحياة ما زالت جاعلة من الحالمين علةً للتغيير فيها.

تجديد الماركسية

يطرح الأيديولوجيون الأوفياء للماركسية، وهم صادقون، فكرة تجديد الماركسية بما يتلاءم مع شروط مرحلتنا المعيشة، أي مع ما يتلاءم مع مرحلة العولمة. ولكن كيف يمكن تجديد مذهب ما من المذاهب الأيديولوجية ظهر في مرحلة محددة من التاريخ؟

كيف يمكن، ولماذا يجب أن نجدد أيديولوجيا حكمت نصف أوروبا وانهارت دون أن تترك وراءها ما يدعو إلى الحنين إليها عند أجيال عاشتها، ونُسيت عند الأجيال الجديدة.

نسمع بين الحين والآخر دعوة لتجديد “الماركسية”. والتجديد في وعي أصحاب هذه الدعوة يعني أننا أمام مذهب قُدّ مرة واحدة وإلى الأبد، وأننا قادرون، انطلاقاً من هذا المذهب، أن نصلح فيه ونصحح ونجدد انطلاقاً من أن الماركسية مذهب لا يصيبه البلى، وإنما يتعرض لبعض العطب القابل للإصلاح. تنطوي هذه النزعة على ذهنية دينية. فإذا ما قارنا بين هذه الدعوة (لتجديد الماركسية )، والإصلاح الديني، سنجد قرابة ما بين الوعيين. تقوم وجهة نظري التي أدافع عنها في هذه العجالة من القول على ما هو آت:

إن الأيديولوجيا بوصفها وعياً دوغمائياً بالحياة تقع في تناقض مع مناهج البحث في العلوم الإنسانية والطبيعة، كما تقع في تناقض مع الفلسفة. إذا كنا نعترف فعلاً بتقدم المعرفة الإنسانية وتقدم مناهج التفكير والبحث، وتطور الوعي الفلسفي، فإنه فمن الصعب أن نمنح أيّ مذهب أو منهج أو فلسفة صفة الصحة المطلقة، ونحن نعيش تغير الأحوال. وإذا كان الأمر كذلك وهو كذلك، فما بالكم بالموقف من الأيديولوجيا، والأيديولوجيا لا تنتمي إلى العلم ومناهج البحث والفلسفة. فأن يدعو نفر من الأيديولوجيين لأن نغني المذهب كي يستقم وضعه، ونضمن استمراره، لهو ضرب من الوعي الديني الصرف.

وعندي إن مناهج التفكير والعلوم طرق تعكس في حقيقتها مستوى معرفتنا بالواقع. بل إن المنهج ليس سوى معرفة تحولت إلى طريقة في التفكير. ولأن المنهج هو معرفة تحولت إلى طريقة في التفكير، ولأن المعرفة متطورة دائماً ومتغيرة، وانتقال من المعروف إلى اللامعروف، فإن المنهج نفسه يغتني إلى الحد الذي قد يطيح بأساسياته، وقد يكون قطيعة مع منهج كان لفترة ما هو المنهج المتّبع في فهم الظاهرة.

لقد مرت البشرية، وبخاصة منذ الربع الأخير من القرن العشرين، بانقلاب تاريخي كبير، فلقد انهارت منظومات اجتماعية كاملة ومنظومات معرفية حملتنا على إعادة التفكير بكل المسلمات التي نشأنا عليها وكبرنا. بناءً على ذلك فلم تعد تلك المصطلحات التي سادت ردحاً طويلاً من الزمن قابلة للحياة كدكتاتورية البروليتاريا والشيوعية العلمية والحتمية التاريخية والدولة الرأسمالية الاحتكارية واضمحلال الدولة، حتى فضل القيمة، أحد أهم مفاهيم الاقتصاد السياسي عند ماركس، لم يعد صالحاً لتفسير تراكم رأس المال الآن.

لا شك عندي بأن أهداف البشر في تحقيق الإنصاف والعدالة، وتجاوز آثار التفاوت الطبقي، وتحرر الإنسان من الاستغلال، أهداف عظيمة واقعية أسس لها أكثر الحكماء والفلاسفة من كونفيشيوس إلى ماركس، ولا تحتاج إلى أيديولوجيا تنطوي على الحقيقة المطلقة، وتلبس إهاباً دينياً. وليس هناك أيّ سبب منطقي وواقعي يدعو بعض المصابين بالحنين إلى إبقاء أفكار لم تتحقق في التاريخ؟ بل إنها حين راحت تتحقق عبر الدولة أنتجت تخلفاً واستبداداً بذلت المجتمعات التي عاشت في ظل هذه الدولة جهداً كبيراً للتحرر منها، لماذا ندافع عن الفشل التاريخي.

المثلب الأساسي للوعي الماركسي الأيديولوجي في العالم ليس فقط نزعته الطوباوية، بل غياب فكرة الحرية في الخطاب الماركسي وغيابها في النظام الشيوعي الذي ساد فترة طويلة من الزمن. فقد نظر إلى الحرية، وما يرتبط بها من حالة الكرامة الإنسانية دائماً على أنها حرية اجتماعية في ظل رأسمالية الدولة المالكة وحدها لوسائل الإنتاج. ندرك الآن، بتجربتنا، ماذا يعني غياب الحرية لدى الفرد.

إن فكرة ازدهار الشخصية الإنسانية عند ماركس لم يكن لها أيّ حضور في الممارسة والوعي. وهنا فإنا نميز بين وعي أيديولوجي، الذي هو الماركسية التي شحذت الإرادة الحزبية في كفاحها من أجل الأوتوبيا الشيوعية، وماركس بوصفه فيلسوفاً قابلاً للقراءة والتأويل والدحض. وماركس قد انطوى على وعي أيديولوجي في حديثه عن الشيوعية، وهذا جانب لا قيمة معرفية أو فلسفية له. وهذا يعني بأن نتعامل مع ماركس بوصفه فيلسوفاً ينتمي إلى عصر، وتكمن أهميته بأنه علامة على طريق الوعي الفلسفي بالعالم.

تحرير ماركس

إذن لا تكمن القضية في تجديد الماركسية أو في إصلاحها، بل في تجاوزها بوصفها أيديولوجيا، والتعامل مع الديالكتيك كالتعامل مع أي منهج فلسفي كالبنيوية والفنومينولوجيا. أما أهداف البشر كالحق والعدالة والإنصاف والحرية فهي أهداف عملية، وتحتاج إلى كفاح عملي دون مذهب صارم، لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه. وقولنا هذا يجعل المعرفة الفلسفة-النظرية أساساً لوعي العالم، وللإمكانيات التي ينطوي عليها العالم، إذاك فإننا نحتاج إلى ماركس كما نحتاج إلى ابن خلدون، ونحتاج إلى ابن خلدون كما نحتاج إلى ليفي شتراوس، ونحتاج إلى ليفي شتراوس كما نحتاج إلى ميشيل فوكو وهكذا.

إن تحرير ماركس من الماركسية يعني إعادة الطبيعة البشرية لماركس، الذي تحول بفضل الماركسية إلى قديس منزه عن الخطل. لقد مات ماركس الأيديولوجي الطوباوي بموت الأيديولوجيا التي أخذت من ماركس اسمها، ومات ماركس الاقتصادوي، ولَم يبق إلا ماركس الفيلسوف القابل للحوار معه كما هو الحوار مع فيورباخ ونيتشه وسارتر. إنه، أي ماركس، ليس سوى علامة من علامات مسار الوعي الفلسفي بالعالم، قابل للعيش إن أردنا فلسفياً، ومتجاوز بفكرة نستلهمها من فلسفته لنبتعد عنه، أو نخلقها في تناقض معه. إن الفيلسوف والشاعر يمنحان دائماً للأجيال اللاحقة أجنحة للطيران، للطيران فقط. لا أحد يعرف ما تريده أجيال الفلاسفة اللاحقين من ماركس، فلم يخطر على بال نيتشه أن تنشأ نظرات فلسفية، وبخاصة في فرنسا، من التأمل في نصوصه.

إن الفيلسوف ليس سوى بركان قد يخمد بعد انفجاره، ويعود للانفجار بعد خموده في حالة اكتشاف وقراءة وتأويل، الفيلسوف والشاعر والرسام والنحات والموسيقي آثار حية، ولها طقوس حياتها الطويلة جداً. إنها الفُنُق البشرية الوحيدة على هذه الأرض.