2019-10-24

تحديث الثقافة .. صوب ثقافة التحرر الإنساني

سعيد مضية

في سياق أزمة بنيوية اقتصادية اجتماعية ثقافية لن تنجز عملية التحديث، كما أكد المفكر الراحل، نصر حامد أبو زيد، إلا بتغيير يجب أن يكون بنيويا هو الآخر. العالم العربي ليس بحاجة إلى التنوير الثقافي فقط، بل إلى رؤية شاملة، تطوير لمناحي الحياة الاجتماعية السياسية والاقتصادية والثقافية - الفكرية الإدارية. عملية التحديث الثقافي" ثورة شاملة، إصلاح شامل اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي فكيفي آن معا"، حسب توصيف الراحل نصر حامد ابوزيد.  

ومن منظور عالم الاجتماع هشام شرابي، فان "مصير المجتمع العربي متوقف على مقدرته في التغلب على نظامه الأبوي واستبداله بمجتمع حديث"؛ التخلف حسب شرابي يطال الإدارة. حقا فإدارة المقاومة الفلسطينية عبر العقود اتسمت بالتخلف والعقم، افتقرت الى اليقظة والدهاء، حيث استدرجت مرارا الى مصيدة الصراع غير المتكافئ، ما ألحق الهزائم بالمقاومة وأتاح لإسرائيل التمكن وقضم المزيد والمزيد من الأراضي الفلسطينية.

1-العقلانية

التحديث، باختصار، تسيد العقل والعلم الحياة الاجتماعية كافة. من أدوات أبو زيد الفكرية النقد والاستقامة المبدئية والاستقلالية عن السلطة والاستعانة بالتأويل، إحدى أدوات البحث العلمي في قضايا التراث. المثقف الباحث في حقل الألغام وداخل غابة المحظورات ينقل خطواته بقوة التفاؤل. "وأى إنسان يمارس الفكر لابد أن يكون لديه تفاؤل حيال المستقبل؛ فالتشاؤم نوع من الرفاهية يخص مجتمعات سعيدة، أما فى مجتمعات معذبة كمجتمعاتنا فلا مجال لنا، ولابد لنا أن نحلم من منطلق قول الشعراء بأن الواقع جنين الحلم، ولابد من مواصلة الكفاح والحلم بانتصار النور".

تنطلق الرؤية الوطنية من حكم القانون واحترام اهل الاختصاص.عمدت الأنظمة الأبوية الى تقديم امتيازات لرجال الدين استثمروها لتوسيع مجال نفوذهم باسم المقدس. والتحرر الاجتماعي ينطوي على التحرر من هيمنة رجال الدين غير المستنيرين ممن يرفضون الاختصاص، ويتجاهلون ثورة المعلومات ومعطيات التطور في الفكر المعاصر. الصدق والأمانة تقتضيان من الباحث في شئون الفقه، شأن العاملين بالسياسة، من أحزاب ومفكرين، الاتكاء على معطيات العلوم الإنسانية مثل علوم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والعلوم التربوية الحديثة وعلم الاقتصاد السياسي، والانثروبولوجيا.

وحيث تتركز السياسة في إدارة شئون المجتمع، فإنها تقتضي الاستناد الى قواعد العلم يمتن علاقة الدين بالمجتمع، ويطلق حوارات مستدامة تتناول حياة الناس يناقشها بمنطق العلم وبما لا يتناقض مع معطياته. العلم يتطلب رباطة الجأش لدى تناول قضايا المجتمع والحياة؛ يفكر بعقل بارد، عقل استراتيجي بعيد النظر، يسترشد بمعطيات التجربة الإنسانية المقطرة في العلوم، خاصة العلوم الإنسانية، ومنها علوم التربية؛ التربية قضية سياسية ومحور صراعات اجتماعية تستهدف التحكم في عقول الأجيال الناشئة. وهي حتى الوقت الراهن اداة بأيدي قوى المحافظة، إذ تستنكف قوى التغيير الاجتماعي الخوض في شجونها وشئونها؛ بينما حث عالم الاجتماع الفرنسي، بيير بوردو، أبرز علماء عصره في مجاله على ضرورة إيلاء التربية الأهمية القصوى؛ ففي الوقت الراهن "أهم نماذج الهيمنة ليست اقتصادية بل ثقافية – تربوية وتكمن في جانب المعتقدات والقناعات ".

أعاب بوردو على مثقفي اليسار استهانتهم  بالأبعاد الرمزية والتربوية للنضال، فلم يحسنوا دوما طرق الأسلحة الملائمة للكفاح في هذه الجبهة، وبصورة جذرية؛ إن هذا يعني ان "على اليسار والآخرين أن يضعوا تحديث التربية في مركز أنشطتهم السياسية"، وذلك كي تحول رسالتها من إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية للتخلف الى تعليم الديمقراطية والفكر النقدي والثقافة النقدية. يخلص بوردو" ما لم ينهض اليسار بهذه القضية فلن يداخلنا  الأمل في تحقيق مقاومة جماعية في إطار حركة ذات قاعدة جماهيرية واسعة".

تتصدى الثورة الثقافية لتدهور مستوى التعليم  الحكومي والخاص، وتطرح البديل تربية نقدية تعتمد الحوار بديلا للتلقين، وعلاقات الاحترام المتبادل بدل التسلط وأنظمة الضبط، وذلك كي تتربى الأجيال على التفكير النقدي المبدع والثقة والاعتزاز الفردي والجماعي، محركات نوابض الاعتزاز الوطني والقومي. ينبغي على المشتغلين في علوم التربية مراعاة الكرامة واحترام الذات لدى الطلبة لتشهد المدرسة علاقة احترام متبادل بين الطلبة وهيئة التدريس.

يصاحب العلاقة الإنسانية توفير الشروط للتلاميذ وغيرهم لكي يتأملوا بصورة نقدية إدراك العالم بصورة عقلانية، ويشرعوا التساؤل، مهما يكن ذلك مربكا، بصدد مشاعرهم تجاه العلاقة مع الآخرين وعلاقتهم بالعالم الأوسع. وهذا التأمل ليس  توجها منهجيا فقط، إنما هو أيضا ممارسة سياسية وأخلاقية، حيث انه يفترض سلفا تخريج تلاميذ نقديين بمقدورهم تصور مستقبل يولي أهمية للعدالة والمساواة والحرية والديمقراطية. وبهذا يجب تنميط الصف المدرسي حيزا للاحترام – مكانا للتفكير النقدي، وتوجيه أسئلة مربكة والإقدام على المخاطرات- حتى ولو عنى ذلك التعدي على القيم القائمة والإجراءات البيروقراطية.

وحيال مجتمع الكبار ممن تجاوزوا مقاعد الدراسة فإن عملية التحديث الاجتماعي تنزل الى قاع وهدة الاستلاب وهدر الإرادة والعقل والتفكير لترفع على جناحيها أولئك القاعدين  بالهوان والضعف تمدهم بالإرادة وبعزيمة مواصلة التطور الذاتي واكتساب القدرات الذهنية والعملية الى جانب الكرامة الشخصية للجميع بدون استثناء. اجل ينتصب في مقدمة مهام ثقافة المقاومة، بعد الإطاحة بسلطة الجور، ترميم تصدعات الروح الفلسطينية وتقرحاتها جراء الهزائم المتعاقبة، إثر خيبات الأمل بعد التضحيات الجسام واستنزاف الطاقات حتى النضوب.

أولا وقبل كل شيء يجري انتشال الجماهير من وهدة الاستلاب واليأس لتحقيق الكفاءة النفسية توفر نماء الطاقات والمناعة الروحية. الصحة النفسية تطهر الروح من أمراض التعصب والتزمت والانفعالية النزقة، ترتقي من مستنقع العفوية والارتجال وتكتسب الوعي المتأمل، يعي المصدات المانعة للتغيير داخل النفس وخارجها في ثنايا الحياة الاجتماعية. ونقد الذات أولى واجبات النقد الاجتماعية وأهم مكتسب للثقافة الوطنية. فقد تصطدم القناعة العقلية بما ترسب في الوجدان من هدر. الوعي يأتي في مقدمة شروط الاقتدار الذاتي؛ حيث تفتح يقظة الذهن المجال أمام مقوم آخر للتفكير الواقعي لتحقيق المرونة والتلاؤمية على مستوى النشاط الذهني. تتشكل الأرضية الصلبة التي يمكن البناء عليها. المثابرة على طريق النماء والتحرر من عقد الماضي المعيقة تساعد على استعادة اعتبار الذات، وتعلم الاستقلالية والواقعية بلا أوهام؛ فتشرع العقلانية تتكشف عن نمو مشكّلة شرط الشفاء الأول .

تستهدف الديمقراطية قبل كل شيء ضمان حق المواطنة المتكافئة للجميع بغض النظر عن العرق والطائفة والعشيرة. بقدر انخراط الكتل البشرية في النضال الديمقراطي، يأتي التحول جذريا، بما يتيح إقامة تمثيل شعبي تعددي يتم فيه تبادل الحكم. ولمنع التداعيات السلبية يفترض أن يواصل النشاط  السياسي الناجح عمله الدؤوب في أوساط الجمهور والاندماج معها، بما يتيح الاطلاع الدائم على النفسية الاجتماعية والتعرف على آليات عملها وتطلعاتها من أجل حسن التعامل معها بنجاح. التعامل اليومي مع الجماهير يوفر للحزب السياسي الاهتداء إلى العياني الملموس من الوقائع المستجدة والأفكار الرائجة ثم اجتراح العلاج.  كما أن الإبقاء على تواصل دائم مع الجماهير يضمن الحفاظ على الواقعية السياسية ويوفر طروحات طازجة تعزز لحمة العلاقة بين الحركة السياسية والجماهير، وتصون الجماهير من الوقوع في هاوية الانهزامية والخيبة والتضليل الفكري. وتظل الوحدة الوطنية ممكنة بعيدا عن الإحباط واليأس قريبا من النبض العام.

تظل تجربة بناء الحياة الجديدة بعد ثورة اكتوبر منارة هادية. لوحت باولوية الثورة الثقافية تدشن العمل الثوري لبناء الحياة الجديدة. بناء الجديد، كما قدر لينين وطرح على جدول الأعمال المباشر."إذا طرحنا جانبا الوضع الدولي واكتفينا بعلاقاتنا الاقتصادية الداخلية فإن محور عملنا ينحصر اليوم فعلا في النشاط التثقيفي". ولفرط حرصه على الموضوع يعود للتأكيد مرة بعد أخرى. "فلتجديد جهاز دولتنا ينبغي لنا مهما كلفنا الأمر أن نضع نصب أعيننا المهمة التالية: اولا ان نتعلم، وثانيا أن نتعلم وثالثا أن نتعلم دائما، ثم العناية بأن لا يأتي العلم حرفا ميتا أو جملة شائعة  على  الموضة، بأن يدخل العلم حقا في العادات، ويصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا كليا وفعلاً" .

أجل، ينبغي أن يدخل العلم ميادين الإنتاج المادي والروحي، ولا يقتصر على استخدام الأدوات منتج العلم. تتشكل الذهنية العلمية من خلال الممارسة في حقل العلم وليس بحفظ النظريات أو استعمال المعدات التقانية.

ينشد التحديث الثقافي وضع المنتج الثقافي بتعدد ألوانه في متناول الجميع. الثقافة للجميع الشعار المميز للتحديث الثقافي؛ إذ الثقافة مقاومة تنزل الى الشوارع والساحات، تقدم الغذاء الروحي للملايين ممن يؤمل فيهم ويعول عليهم إنجاح مهام التغيير - استبدال الهزائم بانتصارات واختراق حجب المحافظة واستشراف أفق التقدم، تحررا وديمقراطية وتنمية اجتماعية.

إن"قدرتنا كفلسطينيين على صون الحلم الفلسطيني تتطلب الإيمان المطلق بقدرة شعبنا على الإنجاز من خلال المزيد من الانفتاح على المكونات الشعبية وتعزيز أسس وآليات الحوار الداخلي على مختلف المستويات وجعل مسألة التفاعل الوطني ممكنة وقابلة للتحقيق سياسيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا لأن المجتمع القادر على توظيف إمكاناته المتعددة وطنيا للمساهمة في صناعة القرار يكون الأكثر قدرة على صون القرار وحمايته والدفاع عنه بصلابة واقتناع."

بهذه الرؤية الحصيفة يتوجه الشاعر والمفكر إيهاب بسيسو، فلسطيني الانتماء، إنساني الأفق السياسي – الثقافي، يسدد بحصافة اتجاه الفعل الثقافي في الظروف الفلسطينية الملموسة، حيث انغلاق كل فصيل داخل سطح املس لا يتداخل او يلصق..يتمنى أن لا ينعزل النظر إلى الحالة الفلسطينية "عن نبض الشارع مهما بدا هذا النبض متواضعا أو متصاعدا لأن القدرة على بناء وترميم تصدعات الروح الفلسطينية - بعد كل سنوات الانقسام - نحو المستقبل يتطلب جهدا مضاعفا ومسئولية جمعية تتجاوز الثنائيات الحادة ومناكفات الخطاب السياسي". هذه المسؤولية تشمل مختلف ألوان الطيف السياسي والمجتمعي الوطني معتمدة على رؤية شاملة وجريئة وليس من خلال خطابات جزئية تغفل بقصد او دون قصد مختلف أبعاد الأزمة السياسية الداخلية.

وطرح المفكر المصري، دكتور عمار علي حسن، استاذ علم الاجتماع السياسي موضوعة الخيال السياسي، "ليس الشرود في أوهام وضلالات لا أصل لها ولا فصل، وليس الاستسلام للخرافات والأساطير ... بل هو التنبؤ العلمي بما سيأتي بعد فهم ما جرى وتحليل ما يجري وفق منهج منضبط ودقيق..". في باب "معنى الخيال السياسي وأهميته" يقول "من دونه لا تخلق فكرة قوية ولا يصدر قرار مؤثر حين تسنح فرص تاريخية- مع وجود تحول او تغيير او خطر داهم- تتوقع فيها الشعوب بروز قيادة تاريخية، أو تتطلع الى صيانة مشروع وطني كبير وجامع يحافظ على الروح القومية ضد سياسة الأمر الواقع". يقدم مثالا على عواقب تغييب هذا العنصر الجوهري من التفكير الإيجابي تبرزه بصيرة ثاقبة وقدرة على الحدس، تخترق الحجب. يوضح مقولة الخيال السياسي بمثال الانتفاضات الشعبية في بداية العقد: "الربيع العربي هو نتاج قصور كبير في المخيلة السياسية العربية، وهو القصور الذي ندفع أخطاءه، في ظل عجز العقلية العربية عن تنمية الخيال السياسي لديها، وهو ما جعلها ضعيفة أمام تحديات واقعها، ومن فهم واقعها نفسه؛ فلم تتمكن من توليد رؤى استشرافية للمستقبل تواجه بها هذه التحديات الخارجية والداخلية على حد سواء. هذا الجمود في الخيال السياسي العربي جعل السياسات قاصرة لا ترى سوى موطئ قدميها، وفي أغلب الأحيان متأخرة في المنافسة مع الأمم الأخرى، وتلك هي الآفة السياسية الكبرى".

التحديث الثقافي يزود حركة التغيير الاجتماعي بالقوة الدافعة والمحولة، ويضوي دربها. يسترشد بمعطيات العلوم الإنسانية التي أبدعها البحث والرؤى العلمية لواقع المجتمع العربي. طرأ ركود سياسي وثقافي خلال العقود الخمسة الأخيرة اتسعت الهوة بين قوى التغيير الاجتماعي وبين الجماهير. خلال الفترة نفسها قدمت الأبحاث في العلوم الإنسانية نتائج من شانها أن ترشد النهوض الجماهيري المنشود وتمنح قوى التغيير الاجتماعي معطيات عن المادة الاجتماعية المراد تغييرها والعلل الموروثة عن قهر الأزمنة. ثقافة التغيير تنطوي على المعارف العلمية في شتى مناحي الحياة، يناظرها قيم أخلاقية ومعايير سلوكية .. جميعها حصيلة جهود اختصاصيين ملتزمين حيال مجتمعهم ،مؤرقين من علله وعقده وأعطابه، تتشابك جهودهم وتتفاعل لتصب في بوتقة الحركة الاجتماعية السائرة للأمام، تنورها وتضيء مسارها. ثقافة التغيير تتجاوز المفكر الوحيد المنعزل مهما بلغ نبوغه في مجال اختصاصه.

المشروع الوطني لبناء الاقتدار الذاتي، المعرفي والإداري والعملي، يشمل مختلف الشرائح السكانية، خصوصا الطفولة والشباب والمرأة. إن تعقيد المهمات الملقاة على عاتق الجماهير وتعاظمها يزيد إلحاح وضرورة الثقافة الإنسانية والتطوير الروحي الشامل للإنسان، باني الحياة الجديدة الخالية من الاستغلال ورافده الاضطهاد. اكتسب أهمية فائقة في التطور الاجتماعي تنمية الاقتدار الذاتي لدى الأفراد وتطوير الكفاءة العملية مع نشر ثقافة العمل في المجتمع؛ فالإنسان المؤهل بالمعرفة وبالتفكير النقدي لديه الاقتدار والكفاءة العلمية والإدارية لإنجاز مشاريع التنمية. التعليم الجديد يستبدل التلقين بالحوار ويستعيض عن تكثيف المعلومات بالتدريب على البحث والتعلم الذاتي.

تشد انتباه المناضل وقائع الحياة السلبية والإيجابية، يضعها في اعتباره فيتسم وعيه بالواقعية. بالتدريج تتغلب السمات الكفاحية على العفوية والانفعالية السطحية. التفكير النقدي إيجابي دوما لا يغض النظر عن  شرور الحياة الفعلية، ولا يتغافل عن سلبيات الواقع ونواقص البشر؛ النظرة الواقعية تتناول جوانب الواقع السلبية والإيجابية بدون إفراط أو تفريط. والكوادر الحزبية تنقل بدورها التجارب والخبرات إلى الوسط الاجتماعي. "تحدث أفضل لحظات السعادة والرضى حين يتمدد جسد المناضل وذهنه إلى أقصى حدود طاقتهما وحيويتهما، في جهد إرادي لإنجاز شيء صعب أو ذي قيمة." وهذا ما خلص اليه مصطفى حجازي، في كتابه "الإنسان المهدور" الذي بحث في علم النفس الاجتماعي وفيزيلوجيا الأعصاب.

ان مفتاح التأثر بالكوادر يديره قوة المثال والعدوى الإيجابية. الحزب الثوري ينقل إلى الجماهير الوعي والتنظيم الثوريين، كما يصلب العناصر الحزبية ويغذي ثقافتها متعددة الامتدادات لكي تكون الطليعة الأوفر كفاءة وقدرة على اكتساب ثقة الجمهور واكتناه جوهر التطورات الطارئة وقهر مصاعب النضال وتعقد دروبه. بالنتيجة يتعزز الميل لدى ذوي الإرادة والعواطف الإيجابية إلى النشاط جسديا وفكريا واجتماعيا ومهنيا وعدم الخضوع للروتين والتنبه للجديد الطارئ.

2- ثقافة مكافحة.. ثقافة اممية

ويحظى بالأهمية في مجال التجديد الثقافي مكافحة ثقافة الليبرالية الجديدة، نظرا لمضامينها التي تحط من إنسانية البشر. في الحلقة التالية يتم تناول البيئة الاجتماعية الأبوية حاضنة السلفية والليبرالية الجديدة في المجتمعات العربية. يتضاعف تركيز الليبراليين الجدد على تهميج البشر حين تخفت طبول الحرب لترتفع حدة الصراع على الوعي الاجتماعي. سعت الليبرالية الجديدة لترويج ثقافة تشيع الإرباك والاضطراب الذهني والتوتر الشديد. أنتجت الليبرالية الجديدة ثقافتها التبريرية لمظاهر الفقر وقسوة العلاقات الاجتماعية وإشاعة العنف والكراهية. تكاملت حصيلة التعديلات الاقتصادية الجائرة على الجمهور العريض مع ثقافة الليبرالية الجديدة تخرب الوعي الاجتماعي من خلال المدرسة والجامعة والإعلام. فاشية الليبرالية الجديدة تسخر التربية والميديا والفنون وبرامج التسالي حواضن لثقافة العنف والكراهية والقسوة، من اجل تدعيم نظام الجور والاستلاب. يشير هذا الى أن أحد أخطر التحديات التي تواجه القوى التقدمية وشغيلة الثقافة تتمثل في مقاومة الهمجية عبر تطوير خطاب النقد وثقافة التسامح والتعاون.

تناول الراحل محمود أمين العالم، المفكر الماركسي المصري، الليبرالية الجديدة، انعشت الأصوليات الدينية في إهاب حركات سياسية تتلبس لبوس الدين، مسيحيا أو يهوديا أو إسلاميا؛ وهي في جوهرها فاشية  متحالفة مع الغرب الامبريالي. وعلى غراره رفض سمير أمين، كماركسي متمرس في الجدل المادي، المواقف الأخلاقية الزائفة التي تستعمل المبادئ للتغطية على الوقائع الباردة التي عادة ما تكون غير أخلاقية. في نظر المفكرين الماركسيين سعت الدول الكبرى وتواصل المساعي لإدماج واستتباع اقتصادات البلدان النامية في بنيتها الرأسمالية وتفكيك قطاعاتها ومؤسساتها الاقتصادية العامة  وتصفية الدور الإنتاجي لدولها. وسهل نجاحها في مساعيها عمليات تفكيك الروابط الإقليمية والقومية وخلخلة الهويات الثقافية وإشاعة الاتجاهات اللاعقلانية والاستهلاكية وروح الفردية. ضمن هذا التوجه يدأب الاحتلال الإسرائيلي، في تفكيك الاقتصاد الفلسطيني ومنعه من التطور ونخر الحياة الاجتماعية.

منطلقا من التحليل آنف الذكر استنتج العالم أن "جوهر معركة عصرنا المباشرة الآنية هي النضال العالمي المشترك بين القوى المنتجة والمبدعة والديمقراطية والتقدمية  في العالم من أجل القضاء على الهيمنة الأميركية على الوضع الراهن غير الإنساني، وضمان حق كل بلدان العالم في اختيار طريقها الخاص للتنمية الشاملة، الاقتصادية والبشرية والثقافية والإبداعية، وتوفير الموارد بين مختلف الخبرات والتجارب السياسية والشمولية والثقافية بين شعوب العالم."

وفي النمسا رأى العالم جان زيغلر في ثقافة الليبرالية الجديدة "النظام العالمي المتوحش، يخلق الوفرة لأقلية صغيرة والبؤس القاتل للأغلبية... يعلمنا التاريخ انه لا يمكن أنسنة نظام يمارس فيه الاضطهاد."

كما تصدى المثقف الماركسي الأميركي، هنري غيروكس، لتأثير الليبرالية الجديدة في مجال الثقافة، فقد لفت الأنظار الى تدهور التعليم الجامعي في أميركا وبلدان الليبرالية الجديدة حيث "يدرس الشباب مساقات مسلعة، ويفكرون في قيم مسلعة يطلبها الرأسمال، ويعزفون عن قيم مثل الثقة والعدالة والأمانة والاستقلالية  تفتح عهد الانتعاش الثقافي وتفتح مواهب الإبداع والنقد. إن تنامي خطر تسلطية الليبرالية الجديدة تشير إلى أزمة في السياسة وأزمة معتقدات وقيم وفي الوكالات الفردية والاجتماعية. يجب أن توضع شئون التعليم في قلب أي فكرة حيوية للسياسة، يعني ان تحتل التربية المركز في أي محاولة لتغيير الوعي". هذا النموذج التعليمي يراد له الانتشار في العالم كله. وصف غيروكس الترياق للتدهور في "تصور جامعات اماكن للتفكير، أماكن للأمن، الجامعة مكان له ما يقوله عن التفكير النقدي ، ومكان يعلم الطلبة كيف يكونون مواطنين فاعلين." وفي مقابلة مع المجلة التربوية "غلوبال إيديوكيشن ماغازين (المجلة التربوية العالمية)" افاد غيروكس ان "التربية النقدية تلعب دورا حاسما في إدراك وتحدي الكيفية التي بها يتم إدماج السلطة والمعرفة والقيم والتركيز عليها وكيف نقاومها ضمن إطار الخطاب التقليدي والمجالات الثقافية وخارجها. التربية اداة إدراك الشروط المؤسسية التي تفرض القيود على إنتاج المعرفة والتعلم والعمل الأكاديمي والعلاقات الاجتماعية".

تكتسب أهمية فائقة في التطور الاجتماعي تنمية الاقتدار الذاتي لدى الأفراد وتطوير الكفاءة العملية والإدارية، الى جانب إشاعة ثقافة العمل. فالإنسان المؤهل بالمعرفة وبالتفكير النقدي يمتلك الاقتدار المعرفي والروحي يشكل عاملا أساسيا في التنمية الاجتماعية. فهي تتكون من شقين، تنمية الإنسان المنتج وتنمية قوى الإنتاج المادية. مجتمع التنمية يزخر بالأفراد المتمرسين في البحث والمبادرين والنقديين يحدوهم الاعتماد على النفس والتعلم المستدام وارتياد مرافق الثقافة من معارض ومكتبات وفنون بدل تزجية  اوقات الفراغ في ألعاب التسلية او المماحكة بالكلام الفارغ.

الكوادر الحزبية تستمد قوة تأثيرها التعبوي من ثقافتها المعرفية والروحية، ومن أحلام غد العدالة والتطور المضطرد، تسدد خطى نشاطها الاجتماعي وتمنحها البصيرة النافذة. طبيعي أن يتميز المناضلون التقدميون بقدر من الذكاء الاجتماعي، وهو طاقة ذاتية للتفاعل مع الآخرين والتعاطف والتجاوب المشترك. ما من فرد يعتز بإنسانيته يستنكف عن تقديم المساعدة للآخرين، ويساعدهم على تفهم واقعهم ومساعدتهم في مكافحة الاستلاب وهدر الكرامة. الثورة لا تنجزها المشاعر السلبية من حقد وغضب وضغينة، بل بالعواطف الإيجابية كالحب والتضحية والتعاطف مع المحرومين والبؤساء، وهي إفرازات الصحة النفسية. بأشواق التحرر وتطلعات التقدم يمضي المجتمع في طريق التحرر والتقدم.

ثقافة المقاومة الشعبية تعين المهمات الكفاحية وعلى رأسها إشرااك الجماهير الشعبية المنظمة في هيئات مدنية في الحراك السياسي؛ فمن خلال الحراك المستنير تنفتح نافذة على النقد الذاتي، يعي الفرد والمجموع الأعطاب والعقد البسيطة والمركبة ويشرع في تفكيكها وتذويبها. يمكن التعرف على الأعطاب واستيعاب الثقافة وتحصين الجماهير او ترسيخ أقدامها على تربة الوطن وتمكينها بوجه عواصف الاقتلاع. الثقافة مقاومة لمركبات الذهنية والنفسية للإحباط او اللامبالاة أو الغرق في هموم الذات والمتع الحسية.

يلقى عبء التغيير الاجتماعي على الحركات الشعبية ذات التوجه الديمقراطي. هذا الخيار يستوجب الاعتماد على الثقافة الديمقراطية المقاومة. تلتقي الثقافة المقاومة بالسياسات المقاومة لتتفاعلا؛ كلتاهما تنشد التحرر الإنساني وتمكين المجتمع. سطوة قوى المحافظة، التي تدير ظهرها للعلم وتتبنى رؤى ماضوية، تلزم قوى التقدم التركيز على منجزات العلم والاسترشاد بها في مسعى الخروج من التخلف. في الجامعات الفلسطينية تشكلت مفارقة تحمل دلالتين: الأولى قصور التعليم والتعليم الجامعي في إشاعة المعرفة العلمية بما يهبط بمنسوب الثقافة الاجتماعية ببين خريجي الجامعات؛ والثانية قصور أحزاب التقدم في مجال التربية السياسية والثقافية لكوادرها ، خاصة بين الطلبة، بما يعوض تقزيم حيز الثقافة في مناهج التعليم وأساليبه.

ثورية الحزب السياسي تتجلى في إنجاز مهمة نقل فكر التغيير الاجتماعي إلى الطبقة العاملة من خارجها. تخيل لينين الحزب الثوري يربط رسالة الحزب ارتباطا وثيقا بنظريته في الحزب الطليعي، ينصهر فيه العمال والمثقفون المحترفون السابقون في وحدة واحدة متماسكة. في رثاء ماركس قال إنجلز،" لقد علمنا الطبقة العاملة ان تعرف نفسها وان تعي ذاتها وإحلال العلم محل الأحلام".

وحيث ان المجتمع الفلسطيني يواجه احتلالا عنصريا أخضعه لنظام أبارتهايد جائر، متذرعا بأن شعب فلسطين انصاف متوحشين لا يستحقون المعاملة الإنسانية، وذلك لتبرير عمليات تهجيره من وطنه ، فإنه يواجه وضعا خاصا. نشرت مجلة "الحقيقة البشعة"، وهي مجلة اميركية نقدية، ان "اعتناق فكرة عن العرب أنصاف متوحشين هي مقدمة سيكولوجية ضرورية لتدمير إنسانية الشعب المنوي إبادته واضطهاده وطرده". الشعب الفلسطيني يواجه خطر تذويب ثقافته تمهيدا لاقتلاعه.

كتب إدوارد سعيد، "الفلسطينيون يناضلون ضد طمسهم وإخفائهم، وهو المصير الذي قاوموه منذ البداية؛ ومن ناحية أخرى فإنهم يناضلون ضد القوالب النمطية التي حشرتهم فيها وسائل إعلام – العربي المقنع بالكوفية الذي يقذف الحجارة – الهوية المرتبطة بالإرهاب والعنف". وأعد حميد دباشي، الاستاذ بجامعة كولومبيا في نيويورك، وحرر كتاب "أحلام وطن..عن السينما الفلسطينية"، وفي مقدمته يشير الى "ما نشهده في الأفلام الوثائقية الفلسطينية، على سبيل المثال،  ليس عملا عاديا عبارة عن جمع شهادات حول التاريخ العابر، إنما نجد خوفا معينا من ضياع، ونظرة مثيرة للقلق على الأقل، والحفاظ على سجل مستدام من الذاكرة المهددة بالانقراض. وهذا يمثل أبلغ ما نراه في الأفلام الوثائقية الفلسطينية". لعل نفس القلق يسري في أعمال الكتاب والباحثين الاجتماعيين والفنانين الفلسطينيين.

وفي مجال آخر يلاحظ "حكاية الفلسطينيين من البؤس وهضم الحقوق دون انقطاع أو إنكار، من خلال امل يتحدث عن اليأس، من خلال ضحك يخفي الغضب، ومن خلال عبث جدي يتجاوز مرحه الكئيب الأسود حول سرقة أرض لشعب عظيم وترويع شعب كامل وإرهابه ليغادر وطنه، ومن ثم يوصف هذا الشعب بالعنف والإرهاب"

ساهم في تقديم مادة الكتاب "احلام وطن" كل من المخرج السينمائي ميشيل خليفي والمخرج عمر القطان والمفكر جوزيف مسعد. الكتابات ترشد مجمل النشاط الثقافي الفلسطيني: الأول يشترط في الفن انتماءه للمستضعفين، يحررهم من قيود التخلف والقهر والاستعباد والاستغلال." لا يعترف الفكر بالحدود، فهو حر كالريح .. دعونا لا ننسى اننا نتحدر من خلفية تعود الى العالم الثالث، الذي يغص بالفقر؛ لذلك طالما كانت ثقافة الفقراء بنظر الاعتبار في ذهني على الدوام تدفعني لإيجاد حلول تجعل مني مبدعا خلاقا ". ينبهنا خليفي الى ظاهرة وجودية تنمي نزعة الاستغلال بما يتماهى مع الطبقات المستغِلة. الكثيرون يولدون ولديهم ميزات يعتبرونها مصدر سلطة تنمي نزعة استغلال الآخرين أو اضطهادهم. يرعى المجتمع الطبقي تلك النزعات، مظاهر للتماهي مع القاهر، قد تتفاقم لتتحول الى  تماه فكري يعد انتصارا ساحقا للقهر الاجتماعي. يمضي خليفي الى القول، "نحن نمارس الاضطهاد ضد الشرائح المهمشة، وبناءً عليه فالتحرر عملية ذات شقين: التغلب على الإخضاع الوطني لنتحرر من الأشكال الداخلية للقمع الاجتماعي أيضا؛ يتزامن التحرر الاجتماعي مع التحرر الوطني، تحرر المجتمع مرادف لتحرر الفرد".

اما عمر القطان فيلفت الانتباه الى ضرورة المبادرة لإنشاء منظمات أممية للتضامن، بحيث تساهم الثقافة الفلسطينية بنشاط وفعالية في مكافحة التمييز العنصري والعدوان ."أصبح النضال الفلسطيني من اجل الحرية في فلسطين يتم كثيرا من خلال الثقافة الحية، أي من خلال عملية سلمية غير مسالمة، وحازمة في إدخال فلسطين في ركب العالم، ليس كقوة سلبية مبسطة، ولكن كطاقة إنسانية مليئة بالتحديات والتعقيدات والجمال. يسرد عمر القطان التفاعل بين الحراك الشعبي والجهد الثقافي في التأثير على الصعيد الدولي." إذ استطاعت الجماهير على نطاق دولي، بفضل انتفاضة 1987، رؤية المزيد عن فلسطين، على الرغم من ان هذه الرؤية كانت شبه محصورة في إطار الانتفاضة. أدي ذلك الى زيادة التعاطف العالمي مع الفلسطينيين، وربما ساهم بشكل كبير في إجبار القوى العظمى على معالجة المشكلة الفلسطينية بالحد الأدنى. لكن من المؤسف أن الحقائق المتشابكة خلف الأحداث، التي تظهر على شاشات التلفزيون، ناهيك عن أصوات الفلسطينيين المشاركين في الصراع أصبحت تدريجيا تخضع لمصطلحات التقارير الإخبارية".

على الضد من التأثير الإيجابي للحراك الشعبي الفلسطيني ، شرح القطان عوامل ضعف التأثير الذي تركه فيلم ميشيل خليفي "حكاية الجواهر الثلاث"،  الذي التقطت مشاهده في قطاع غزة؛" رغم الواقع العنيف والمروع المنقول في فصل الشتاء البارد، والذي يعاني منه الأطفال، الى جانب قسوة الاحتلال الإسرائيلي، فقد بدت هذه الأمور المريرة في نظر العالم الذي أعمته  نشوة 'عملية السلام’، وكأنها جوانب من فترة خلت، ولا داعي لإثارتها. لم يبرح العنف المجتمعات الفلسطينية والعربية خلال سنوات اوسلو وبعدها". هنا يتوضح لغز اوسلو ، الذي بادر شمعون بيريز بالدعوة له، حيث غطى شبح السلام على التوسع الاستيطاني المكثف بالضفة.

ونحا ذات التوجه جوزيف مسعد؛ "ينبغي أن نكون جزءًا من واحدة من أكثر الحركات الفكرية دينامية  وتقدمية ، سواءًا  اكانت حركات ثقافية أو جمالية او فلسفية، وينبغي أن نجعل من هذا العالم مكانا مناسبا لنا، وأن نتحمل المسئولية عن مصيره. توجه هام في الثقافة الفلسطينية أن لا تجعل قضيتها عالة على التضامن الدولي؛ بل تساهم باقتدار، نظرا لكونها في صدام مباشر مع العنصرية والأبارتهايد. تكتسب الطروحات السابقة أهميتها في ضوء التجاهل، الذي يبدو متعمدا، لحركات التضامن مع العدالة في فلسطين. الإعلام العربي والفلسطيني مقصر في التعريف بتعاظم حركات التضامن العالمية مع شعب فلسطين. حتى داخل الولايات المتحدة باتت حركة التضامن مع القضية الفلسطينية تؤرق اللوبي اليهودي وعملاء وزارة الشئون الاستراتيجية الإسرائيلية الناشطين بقوة في الولايات المتحدة.

وحيث أن الثقافة الوطنية لا تساوم أو تهادن، فإن حمَلتَها معرضون للمتاعب وصنوف الحرمانات. شغيلة الثقافة النقدية المكافحة صنف من المثقفين محكوم بالمكابدة؛ وفي أضعف الحالات تقاطعه قنوات الاتصال الجماهيري ومنابره. باتت الميديا  بما توفر لها من أجهزة وبما ينهض بأعبائها من قوى بشرية تكلف رساميل ضخمة تستثمر طلبا للربح، لكنها منحازة لقوى المحافظة التي في وسطها وبالتفاعل معها تضخمت وتعاظمت قدراتها على تخدير الوعي أو تضليله او هدره لتهدر إنسانية أوسع جمهور من البشر. الميديا احتكارات مبنية على قواعد رساميل ثابتة ومتحولة، بات أعظمها قدرة على الانتشار  قوة محافظة، أسوة ببقية الاحتكارات. غير ان إدخال تكنولوجيا الإليكترون في الشبكة العنكبوتية للاتصالات الشعبية قد اتاح منابر يمكن للفكر التقدمي شق طريقه إلى الجماهير العريضة.

3- ثقافة  تقوض تراكيب النظام الأبوي

تختزل الثقافة في عبارة موجزة: هي ما نعيش به ونعيش من اجله. منظومة الثقافة محيط بلا ضفاف، والتحديث الثقافي يمضي عبر صراع ثقافي- فكري داخل بوتقة النظام الأبوي، بصارع الثقافة الأبوية، ومعها بقية البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتعليمية الخ المشكلة قوام البنية الأبوية. يشمل التجديد الحداثي القضايا الدستورية والمؤسسية والمواطنة الفاعلة، ومرجعية القانون والعقلانية والطبيعة كذلك. التحديث الثقافي عملية ثورية يمليها تكلس البنية الهرمة نظرا لتعطل دينامية التغير التدرجي فتجلى تخلفها الحضاري عن سلطوية القرار محتكرة للرئيس. البنية الأبوية ممتدة من عصر ما قبل الإسلام، نقلها الإسلام من بنية محدودة بالقبيلة الى بنية شملت جميع معتنقي العقيدة الإسلامية، تواصلت الى أن تمترست خلف قلاع التبعية حين التحمت بالامبريالية.

الدكتور هشام شرابي، في مؤلفه "البنية الأبوية إشكالية التخلف في المجتمع العربي" قدم تحليلا اجتماعيا لظاهرة الأبوية واستمراريتها في الوطن العربي حتى العصر الحديث. فهي بنية مجتمعات محاذية للصحارى المترامية على الأطراف. "في النظام المجتمعي الصحراوي البدوي قد يجف النبع ويموت الضرع فترتحل القبيلة بحثا عن موضع آخر يضمن العيش، فإن لم تجده خاضت صراعا صفريا ضد قبيلة أُخرى. قسوة طبيعية طبعت البدوي بقسوتها ورؤيته للموت شيئا اعتياديا، ظرفه يجعله مقاتلا كي لا يموت جوعا، وأن استمرار حياته لا يكون إلا بموت غيره. هكذا فرضت قسوة الطبيعة على القبيلة تماسكها العضوي في ظل قانون طوارئ دائم، كي لا تفنى، تحت إمرة نظام أبوي صارم. على المستوى الثقافي ترتبط القبيلة قرابيا وتنتسب لسلف صالح واحد يرونه خير أب لخير خلف." وفي مقدمته للترجمة العربية الصادرة في أيلول 1991، كتب الباحث، "موهبة الإبداع تكون الضحية؛ إذ يسري هذا التأثير على الجامعات والمدارس والمستشفيات ووكالات الحكومة والتجمعات الحرفية، إضافة الى بيروقراطيات المؤسسة العسكرية والدولة والحزب 'الثوري’. الأبوية المحدّثة هي السبب وراء كل محاولة يقوم بها المجتمع لردع الحداثة والحفاظ على الوضع القائم".

في مهد الأبوية نبتت وتكاثرت العصبويات الطائفية والعشائرية والعرقية. وكلها تقوم على نظام أبوي يفضل الولاء على الكفاءة، ويشترط  الطاعة مقابل الحماية.  "تتمثل الذهنية الأبوية اول ما تتمثل، في نزعتها السلطوية الشاملة التي ترفض النقد، ولا تقبل بالحوار إلا أسلوب فرض رأيها فرضا..". اخترقت الليبرالية الجديدة، اقتصاديا وثقافيا، المجتمعات العربية، وبدورها ميزت لدى التيار الغيبي الظلامي توجها لاعقلانيا و"حركة اجتماعية تفرعت مباشرة من الثقافة الأبوية الأحادية والشفوية التي تربى عليها وعيهم وتفتح..."، حسب تقييم شرابي، يزدري الخبرة والمعرفة، وينزع للتدمير الذاتي فساندته وشحنت طاقته التدميرية. بخفة يد الحاوي ودهائه تزيح الأصولية منطق الصدق والواقعية والحقيقة العلمية وتلوح بالموروث الديني حقيقة أزلية، رغم انه فكر بشري، تعفي نفسها من البحث وإعمال العقل والتحليل النقدي، وتغفل فقه المآلات، وتتناول من تراث فقه الاستبداد والظلامية بصورة انتقائية حسب المزاج. مهرت الليبرالية الجديدة في استدعاء غرائز التدمير الذاتي  وتنشيطها عبر ترويج الأضاليل الإعلامية. وشأن المواد المسرطنة في المبيدات الحشرية والمخصبات تخترق قشرة الخضار والفواكه الى اللب، ولا يذهبها الغسيل والمنظفات، فإن لاعقلانية الأبوية المطعمة بالليبرالية الجديدة والمعززة بالفكر السلفي  تتغلغل في الجهاز العصبي لتعطب آلية نشاط العقل. اختلالات لا تزول بمجرد زوال النظام القمعي.

تتجلى العطالة فيما رصده الدكتور داوود خير الله، المحاضر بجامعة جورجتاون، "قوى الدمار التي تدفع إلى التفكك المجتمعي وتلحق بالمجتمعات العربية الوهن والهزائم في الزمن الذي نعيش...". كما حلل العلامة المصري، الدكتور أحمد عكاشة، أستاذ علم النفس، آلية النشاط العقلي ضمن ظروف اجتماعية مختلة، حيث في ظل النظم القمعية الإرهابية، يغيب "الإطار القانونى وتوافر الأمن والأمان وهيبة الدولة، فيتعطل في الدماغ الجزء المسئول عن أعمال الخير والضمير وأحكام العقل، ويصبح العقل الهمجى الذى لا يلتزم بأي قوانين هو القائم". الفص الأمامي من الدماغ مسئول عن الضمير والقيم والتقاليد والأخلاق الإنسانية بمعناها الشامل.

عطالة رصدها شرابي في الاستعصاء على الفكر القومي واليساري، "لم يسبق أن تمكنت الأحزاب القومية واليسارية من النفاذ الى الجماهير الكادحة وكسب تأييدها الواسع كما حصل مع الحركات السلفية. أصولية البرجوازية الصغيرة أول عقيدة سياسية تقوى على تحقيق ذلك بعد قرن من قيام الأبوية المستحدثة".

البنية الأبوية المحدّثة (أو الأبوية المستحدثة ) تقبلت هيمنة غير المسلمين، خلافا لما درج عليه فقه السلاطين في العصر الوسيط. وحسب توصيف الشرابي تفاعلت مع الهيمنة  الامبريالية، ونجم عن التفاعل "تغلغل الرأسمالية في الاقتصاد العربي، ما أدى الى نشوء رأسمالية تبعية ومزيفة. لم تظهر طبقة برجوازية ناضجة، ولا طبقة عاملة أصيلة، إنما نموذج هجين من المجتمع /الثقافة؛ تمترس التخلف وكمن في أعماق المجتمع العربي، متخذا صفتين متلازمتين هما: اللاعقلانية والعجز". الهجانة والهشاشة أقعدتا النظام الأبوي وأوهنتا مقاومته للتحديات.

في كنف الهشاشة أشيعت مظاهر الخوف وعقد النقص والخضوع واليأس بين الشعوب المستعمرة، وكلها مناقضة للتنوير؛ ثم يقول شرابي: "رافق الاستقلال نوع مغاير وغير مباشر للاستعمار الثقافي؛ إلا أنه كان أوسع انتشارا، لم يستمد هيمنته من السيطرة العسكرية – السياسية المباشرة، بل من اختراق الثقافة الغربية للنخبة الأبوية الجديدة، مضافا إليها سيطرة وسائل الإعلام الغربية وشيوع قيم المجتمع الاستهلاكي وحاجاته... ومع أن الخريجين العرب من المعاهد التعليمية الغربية كانوا في معظمهم قوميين وطنيين في اتجاهاتهم السياسية، إلا أنهم كانوا ثقافيا ونفسيا تحت تأثير الغرب مشكلين قطاعا منفصلا من أكثر قطاعات المجتمع تبعية للثقافة الغربية - مناوئة للماركسية، يشكل الغرب في نظرها المعيار المعتمد لقياس كل أمر".

يخلص الشرابي ، مستشهدا بماركس، الى أن العقلانية هي مضمون الثقافة التي تصفي النظام الأبوي، تعري الزيف والتشوه اللذين ولدهما الاستعمار في ظل التبعية المباشرة، وذلك في إطار سيرورة ثورية تنجز في سياق ثورة تعتمد العقلانية. العقلانية هي الحل.

الليبراليون الجدد حقنوا الأصوليات بنسغ الحياة، وفي ذات الوقت اعتبروها جوهر الدين، المكون للكيان الاجتماعي، والمبرر من ثم لازدراء المجتمعات الشرقية وإخضاعها للهيمنة. منحوا الشرعية لزيوف الدين، فشاعت مفاهيم الإسلام الوسط ولإسلام المعتدل او المتطرف، والحقيقة انه لا يوجد غير الإسلام بجوهره الإنساني، دعوة للحق وللعدالة والمساواة والتكافل الاجتماعي وسمو الأخلاق. هذا الجوهر يقرب مختلف الأديان من بعضها، وكل ما خرج عن إطار جوهر الدين يعتبر تزييفا وتحريفا وتأويلا مغرضا.

الفكر الديني، شان كل فكر يظل رهن الظروف الاجتماعية التاريخية ولا ينفصل عن مصالح مهيمنة، ومن ثم الْتزمَت السلفية بالمحافظة الاجتماعية. نشأت السلفية في العصر الوسيط وانطلقت في مسارها المدمر في حضن النظام الأبوي. سلفية العصر الوسيط انتصرت في  صراع تناحري حسمته الدولة الأبوية لصالحها ضد مدرسة فقهية عقلانية استمرت أزيد من قرنين بعد وفاة الرسول. وهذا ما تسقطه من الاعتبار السلفية وأعداء الشعوب العربية. فقد نشط علم الكلام واعتمد أدوات المجاز والتأويل في الاجتهاد الفقهي، قياسا على فقه اللغة المستنبط من الشعر القديم، لتفسير المشكل من الآيات القرآنية ( ألمشتبه في دلالاتها). اطاح التدين السلفي بالفقه العقلاني، واستحال امية دينية تنكر إرادة البشر وقدرة العقل على المعرفة وترفض السببية، وتحث على الخنوع.

حملت سلفية العصر الوسيط  المجتمعات في سيرورة تدهور وانحطاط  حتى سقوط بغداد على أيدي  المغول، ثم تواصل التدهور الى أن شارفت العصر الحديث مجتمعات مبعثرة تعيش على الكفاف، نهبا للغزوات المتبادلة، ولقمة سائغة للتوسع الكولنيالي لامبريالية الغرب. السلفية تبلد المشاعر وتحيد الرؤى حيال المظالم والاختلالات الاجتماعية، وتفسر المحن بالابتعاد عن الدين، فتحمّل المسئولية للضحايا وتبعد الشبهات عن الأنظمة والطبقات المتسلطة، وترجئ محاسبة الطغاة ليوم الدين. جمهور السلفيين المعاصرين يقاوم بضراوة تجارب التقدم الاجتماعي المستندة الى إبداع الجهد البشري، المواكبة لتطوير العلوم وإرساء تقاليد البحوث العلمية المستندة الى برامج التنمية الاجتماعية طبقا لأصول التخطيط والتنظيم وتعبئة الموارد وحشد الطاقات. اقترفت القوى الوطنية خطأ فادحا يقترب من الخطيئة حين تغافلت عن نشاط التيار السلفي، كظاهرة اجتماعية ممتدة في التاريخ.

ذلك التغافل هو أحد تجليات قصور في رؤية قوى التغيير الاجتماعي أخل بالمنهجية العلمية؛  إذ دأبوا على إغفال أثر الدين كظاهرة اجتماعية، وتجاهلوا دوره في تحديد ردود أفعال الجماهير العفوية حيال مشاكل المجتمع والتحديات الخارجية. كل ما فعلوه أن اتبعوا سياسة النعام تدفن الرأس في الرمال. وآية ذلك تقاطر المجموعات المليونية زرافات بدون دعاة للالتحاق بداعش حال إعلان دولتها الإسلامية. بدل المراجعة النقدية، رفع الماركسيون مطلب فصل الدين عن السياسة.

الدين مشتبك تاريخيا بكل مظاهر الحياة الاجتماعية، وبالسياسة في الدرجة الأولى، حيث جرى تأويله بما يخفي مسئولية  السياسات السلطوية عن الكوارث الوطنية. اشتباك الدين بالحياة الاجتماعية ظاهرة موضوعية يصعب الفكاك منها بمجرد شعار يرفع؛ بل إن إسقاط مكون اجتماعي أساس مثل الدين من الواقع الاجتماعي يخل بالمنهجية العلمية. العقائد والإيديولوجيات تصطدم بغبار الواقع ويجري استيعابها من قبل الأفراد والمجموعات والمجتمعات طبقا للمستوى الثقافي.

في ضوء هذه الحقيقة الساطعة تصدق رؤية نصر حامد أبو زيد لتناول القرآن "مجال صراع سياسي، يتوجب استحضاره احد إشكال الصراع الطبقي ثقافيا وسياسيا. إن أي احتمال لظهور رؤية جديدة لمعنى الدين ومفهومه ومكانته في الحياة الفردية والاجتماعية، على مستوى المجتمع لا على مستوى بعض المثقفين المتنورين فحسب، يتوقف على نشوء ثقافة مدنية جديدة، أي على التجديد الثقافي والعقلي الذي تملك قوى التغيير الديمقراطي أدواته وتستطيع الدفع به سواء عن طريق التربية المدرسية و الارتقاء بالتعليم ـ أو البحث العلمي أو الاستثمار في الثقافة الفنية والأدبية الراقية." في هذه الميادين ينبغي أن يدور الحوار مع السلفية.

وهذا يوصلنا الى خطيئة اخرى اقترفها دعاة التغيير الديمقراطي، تجلت في إغفال الآداب والفنون، وسيلة التفتح على الحياة الواقعية، والتطهر الذاتي ومعالجة الأعطاب النفسية. الفنون تعكس الواقع، ونظرا لبنييها من صور فنية وتقييماتها للمواقف والتصرفات والوقائع، تلهم التعاطف الإنساني، فإنها بذلك ذات قيمة تربوية. نجد في الفنون قيما معرفية وأخلاقية ومعيارية تعدي المتلقي، حين يتفاعل بثقافته مع الإبداعات الأدبية او الفنية. الفنون ليست مجرد اختصاص نخب ثقافية، بل هي غذاء للعقل والروح ينبغي أن تتاح لأوسع الجماهير الشعبية. الهمت الأعمال الإبداعية المفكرين والمناضلين. تأثر لينين برواية "ما العمل" للأديب نيقولا تشيرنيشيفيسكي، وتأثر ماركس وإنجلز بالأعمال الفنية في زمانهم ، وكتبوا في الأدب والنقد الأدبي.

الحزب الثوري يسترشد بالفنون والآداب ويسترشد بالعلوم الإنسانية، وينقلها الى الوسط الاجتماعي. الفنون والآداب انجع وسيلة  لتذويب مخلفات القهر وتقرحات الهزائم والانكسارات في النفسية الاجتماعية، وأعراضها عطب او قصور يغذي الأعشاب السامة، تحقن بين الناس الإحباط والارتباك واللاجدوى المحبِطة. أعطاب نفسية تقطع الأفراد والكتل الشعبية عن الحياة دائمة الاخضرار. الحزب  الثوري ينقل إلى الجماهير الوعي والتنظيم الثوريين، كما يصلب العناصر الحزبية ويغذي ثقافتها متعددة الامتدادات لكي تكون الطليعة الأوفر كفاءة وقدرة على اكتساب ثقة الجمهور واقتناه جوهر التطورات الطارئة وقهر مصاعب النضال وتعقد دروبه. بالنتيجة يتعزز الميل لدى ذوي الإرادة والعواطف الإيجابية إلى النشاط جسديا وفكريا واجتماعيا ومهنيا وعدم الخضوع للروتين والتنبه  للجديد الطارئ.

الكادر الحزبي مثقف بامتياز، او هكذا يجب أن يكون. طرح شرابي خمسة عناصر للنماء الذاتي يتعهدها الحزب الثوري، ويربي كوادره بها سياسيا وثقافيا ويحصنهم نفسيا، وبدورهم يلهمون بها الجماهير المتطلعة للتحرر:

الأول، الوعي بالهدر الذاتي، أي إدراك خطأ تقبله والرضوخ لمقتضيات حالة نفسية مفروضة من الخارج، وذلك كدافعية للشروع في مكافحته، والنضال الواعي من أجل الديمقراطية الراديكالية.
والثاني الانطلاق في المعرفة ضمن مشروع ذاتي للنماء يتنوع بتنوع الامكانات والفرص وحسن توظيفها لمجابهة الهدر . يشكل هذا العنصر أهم معطيات علم النفس الإيجابي، التي تساعد على التمكين الذاتي.

والثالث، تعلم التفكير التحليلي والنقدي يواكبه تفكير إيجابي قادر على تحويل التحديات والصعوبات الى فرص التعلم والتعامل مع البدائل واستكشاف الامكانات وتعظيمها وتوسيع برنامج تنمية القدرات الذهنية كي تستوعب كامل أبعاد الذكاء الإنساني. تنمية توليفة متكاملة من الطاقات الذهنية المتمثلة في الذكاء العملي والإبداعي، إضافة الى التحليل المنطقي بالتوازي مع نظرية الذكاءات المتعددة، أي توسيع دائرة الاقتدار المعرفي في تطبيقاته المهنية والحياتية، نظرا لأن العملية التعليمية قد عطلت نماء الذكاءات.

والرابع، التخصص المهني مع امتلاك المعارف الواسعة، بما يتيح التكيف .التطور الزاخم للتقاني بات يتطلب نوعية جديدة للاقتدار الذاتي تتمثل في خصائص شخصية وكفاءات مهارية ومهنية وتدريب يتواصل مدى الحياة. أبرز عناصر العمل امتلاك أخلاقيات العمل – المسئولية والإحساس بالواجب والمثابرة والسعي الدؤوب نحو الإتقان، والضمير اليقظ.

والخامس هو الكفاءة الاجتماعية. الذكاء الاجتماعي يتجسد في التعلق بالآخرين وتفهمهم واستيعاب حالاتهم الوجدانية ومواقفهم وحاجاتهم وتوجيه العلاقات معهم على الأسس المذكورة. يضاف لذلك القدرة على التواصل والتفاعل والمشاركة والقيادة الجماعية، تفهم الثقافات الأخرى والسياسات والاقتصاد والإعلام.

تشد انتباه المناضل وقائع الحياة السلبية والإيجابية، يضعها في اعتباره فيتسم وعيه بالواقعية. الآداب والفنون والعلوم تبسط امام ناظريه تضاريس الحياة الاجتماعية والتواءاتها وتعرجاتها. مع الدربة والمران يكتسب المرونة والتلاؤمية، يذوّب نزعات التصلب الذهني والعقد المنزوية داخل اللاوعي، غشاوتها تضلل البصر والبصيرة. يتحقق التلاؤم مع مقتضيات الواقع، وبالتدريج تتغلب السمات الكفاحية على العفوية والانفعالية السطحية. التفكير النقدي إيجابي دوما لا يغض النظر عن  شرور الحياة الفعلية، ولا يتغافل عن سلبيات الواقع ونواقص البشر؛ النظرة الواقعية تتناول جوانب الواقع السلبية والإيجابية بدون إفراط أو تفريط.

تلتقي الثقافة المقاومة بالسياسات المقاومة لتتفاعلا؛ كلتاهما تنشد التحرر الإنساني وتمكين المجتمع. أحزاب التغيير الديمقراطي تنهض بأعباء رسالتها من خلال تربية الاقتدار الذاتي لدى كوادرها، خاصة في غياب المشروع التنموي الوطني. والحزب الثوري يسترشد بمعطيات العلوم في إطار الاستراتيجية، ومفتاح التأثر بالكوادر يديره  قوة المثال والعدوى الإيجابية.

الحزب الثوري ينقل إلى الجماهير الوعي والتنظيم الثوريين، كما يصلب العناصر الحزبية ويغذي ثقافتها متعددة الامتدادات لكي تكون الطليعة الأوفر كفاءة وقدرة على اكتساب ثقة الجمهور واكتناه جوهر التطورات الطارئة وقهر مصاعب النضال وتعقد دروبه. بالنتيجة يتعزز الميل لدى ذوي الإرادة والعواطف الإيجابية إلى النشاط جسديا وفكريا واجتماعيا ومهنيا وعدم الخضوع للروتين والتنبه  للجديد الطارئ.