2019-11-16

ما زال إميل توما يمدنا بما نحتاج اليه من معرفة وفكر وطني وانساني

عصام مخول

تزداد مكانة إميل توما والحاجة الى الاستناد الى موروثه الفكري وطريقه الثوري كلما مر الزمن وكلما ضاق الأفق واتسعت المؤامرات على الشعب الفلسطيني. وتسطع من جديد كلمات توفيق زياد بعد أن انقضت خمس سنوات على رحيل اميل توما، وقبل خمس سنوات من رحيله هو، بأن السنوات التي مرت منذ رحيل المعلِّم والقائد المؤسس "أكدت حقيقة أن إميل توما هو كنز لا يفنى بالنسبة لنا نحن رفاق طريقه وحزبه وجبهته وشعبه، كنز يمدنا باستمرار بما نحتاج اليه من معرفة وفكر وطني وانساني".

إن الاحتفاء بمئوية إميل توما التي هو في الوقت نفسه احتفاء بمئوية حركة التحرر الوطني الفلسطينية التي يجري التأريخ لها من انعقاد المؤتمر القومي السوري الاول في عام 1919 ردا على وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو الامبريالية، وهي تتزامن في الوقت ذاته مع الذكرى المئوية لنشوء أول تنظيم شيوعي في فلسطين ونشوء الحركة الشيوعية في البلاد، واميل توما الذي نحتفي بمئويته اليوم يحمل يحمل في ملامحه مكونات هذه العمليات التاريخية الكبرى في فلسطين التاريخية وعلى أرضها.

لقد كبرت الحركة الوطنية الفلسطينية، وكبرت وترسخت الحركة الشيوعية في البلاد، وفي ظل هذا وذاك شهدت فلسطين في الفترة بين نهاية الحرب العالمية الاولى ونهاية الحرب العالمية الثانية تحولا طبقيا متسارعا، أسفر عن نشوء طبقة عاملة واسعة، وشهدت سنوات الثلاثين المتأخرة من القرن العشرين لأول مرة نشوء طبقة عاملة عربية فلسطينية واسعة ليس المجال هنا لتحليلها، وكان الشاب إميل توما هناك ليبدأ مشواره التاريخي الى أن أسس مع رفاقه توفيق طوبي واميل حبيبي وفؤاد نصار وبولس فرح عصبة التحرر الوطني والنقابات التقدمية وصحيفة الاتحاد.

وبموازاة هذه التحولات البنيوية الكبرى والتي في القلب منها، نما قائد وطني ما لبث أن اكتشف طريقه الى النظرية الثورية العلمية وانحاز الى طريق الشيوعيين والى الموقف الاممي ليصبح أحد أعمدة هذه القلعة معتبرا أن الاممية بمفهومها الماركسي اللينيني أرقى أشكال الوطنية وأعمقها التزاما.  وبسرعة كبيرة نجح اميل توما أن يشق طريقه ليحتل مواقع متقدمة في داخل الحركة الوطنية الفلسطينية التقدمية من جهة، وفي داخل الحركة الشيوعية والعمالية في البلاد من الجهة الأخرى.

وفي هذا الاطار بلور اميل توما المضامين الثورية التي نحتفي بها اليوم كنزا لا يفنى ليس في تسجيل الماضي فقط، وانما في تجهيز أدواتنا الكفاحية ومفاهيمنا التحليلية لمعارك الحاضر والمستقبل أيضا.

لقد كان اميل توما أول وأبرز من وضع القضية الفلسطينية وجذورها وفروعها وتاريخها شديد التعقيد في الاطار الصحيح. "إن توجهه العلمي التحليلي قد أوقف القضية الفلسطينية على قدميها بعد أن كانت واقفة على  رأسها". وبذلك يكون قد كشف عن جوهر القضية وطبيعتها الحقيقية وطابع الصراع والتناقض الاساسي فيه، مشددا على ان التناقض الحاسم الذي نشأت القضية الفلسطينية في ثناياه، هو التناقض بين الطموحات القومية التحررية المشروعة للشعب الفلسطيني، وبين الامبريالية ومشاريع هيمنتها. وبذلك اعتبر اميل توما منذ مطلع شبابه أن مواجهة الشعب الفلسطيني الحقيقية وحرابه الكفاحية يجب أن تبدأ من الصدام مع النظام الامبريالي الجديد في المنطقة الذي أسست له اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور، معتبرا أن هذه المشاريع الامبريالية كانت وما زالت، هي الحاضنة الحقيقية والدفيئة المواتية للمشروع الصهيوني وقيام الدولة اليهودية أو الوطن القومي اليهودي في فلسطين من جهة، وتهجير الشعب الفلسطيني ومنع تبلور أي كيانية سياسية عربية فلسطينية في فلسطين لا في ظل الانتداب البريطاني ولا بعده وصولا الى المخططات التصفوية التي تعج بها صفقة القرن في ايامنا هذه.

ويجب أن يكون واضحا أن تحديد التناقض الاساسي على أنه تناقض مع الامبريالية لا يأتي للتقليل من حدة التناقض مع الصهيونية ومشروعها الاقتلاعي العنصري لا في الماضي ولا في الحاضر، وانما ليضع الصهيونية في إطارها وسياقها التاريخي الصحيح. فالإنجازات التي حققتها الصهيونية في فلسطين، وفي المنطقة العربية وصولا الى العام 1948 ونكبة الشعب الفلسطيني وحروبها واعتداءاتها التوسعية وجرائم الحرب التي ارتكبتها منذ ذلك الحين، كانت ممكنة فقط في إطار المشاريع الامبريالية والمظلة الامبريالية وفي سياق تواطؤ النظام الرجعي العربي من الجهة الاخرى الذي لجأ بدلا من مقاومة هذه المشاريع، الى منافسة الصهيونية على كسب ود الامبريالية والانضواء تحت مخططاتها. 

إميل توما مصدر إشعاع ومثل يحتذى للشباب الوطني التقدمي

إن من عظمة إميل توما انه تمكن منذ مطلع شبابه، بحسه الثوري وثقافته الشاملة رفيعة المستوى، من التقاط الواقع بأعقد صوره وتطويعه وتشريحه وتحليله وعرضه على عامة الشعب مرفقا بالتوجيه الصحيح، وتحويل الفكرة والتحليل العلمي وفق النظرية الثورية الى قوة سياسية فاعلة ومؤثرة، والى برنامج كفاحي واضح المعالم والاهداف، تفهمه جماهير العمال والفلاحين وعامة الشعب، يدغدغ آمالها ويدفعها الى النضال لتحقيق تطلعاتها وطموحاتها. ليس النضال نيابة عن الناس وتوجيههم من علٍ، بل تسييس الناس واستنهاض وعيها، وتوعية الطبقات الشعبية ومدها بالامل وتعبئتها للنهوض الى النضال، والمشاركة في تحقيق التغيير الثوري. لقد ترك لنا اميل عصارة فكره وزخم تجربته الكفاحية في مؤلفاته الخمسة عشر الباقية فينا ومعنا وما علينا الا ان ننهل منها.

ونحن نطمح في معهد اميل توما، وفي كل الهيئات الكفاحية التي ساهم في اقامتها وناضل من خلالها، الى تحويل مئوية اميل توما ليس الى مجرد ذكرى، بل الى نقطة ارتقاء وانطلاق. وهذا هو التحدي المنتصب أمام أجيالنا الشابة الصاعدة. واميل توما الذي يشكل الاطلاع عن قرب على زخم عطائه، الفكري والكفاحي، من شأنه أن يشكل مصدر إشعاع لجمهور الشباب والطلاب في مواجهة التحديات الجسام. فقد كان اميل توما، المثقف العضوي ورفيقيه توفيق طوبي وإميل حبيبي في بداية العشرينيات من العمر ومعهم الشيوعي القديم بولس فرح عندما أسسوا المنظمات الكفاحية التي ما زلنا نفاخر بها ونعيش مع ببعض منها،  وأسسوا اتحاد الطلاب في فلسطين، وعندما انبروا يحملون الهم الوطني، وعندما أقدموا على تنظيم النقابات العمالية وإقامة عصبة التحرر الوطني وتأسيس جريدة الاتحاد التي تصدر في حيفا منذ العام 1944 وحتى يومنا هذا وعقد مؤتمر العمال العرب. وقيادة التيار التقدمي والراديكالي في الحركة الوطنية الفلسطينية في المواجهة مع الاستعمار البريطاني ومع المشروع الصهيوني وفضح مشاريع الرجعية العربية.

إن رسالتنا الى الشباب من قلب هذه المئوية، أن احملوا هذا الارث – ارث اميل توما ورفاقه، هذا الارث الفكري والكفاحي ولا تترددوا في المشاركة في بلورة وتطوير مفهوم "الوحدة الكفاحية"،  الذي نحته النحات السياسي اميل توما وحزبه، في تميزه عن أشكال أخرى من "الوحدة" غير الكفاحية، وخذوا أدواركم في النضال الوطني والديمقراطي التقدمي، وفي المساهمة الفكرية والسياسية مسلحين بالنظرية الثورية التي امتشقها اميل توما وصار وصارت الجماهير الشعبية أقوى بها، فشعبكم وحزبكم وجبهتكم وطريق اميل توما بحاجة اليكم، وانتم قادرون!

* رئيس معهد اميل توما