2019-11-21

دراسة هامة للمؤرخ الدكتور ماهر الشريف

 إميل توما والحل الديمقراطي للقضية الفلسطينية 1944-1947

د. ماهر الشريف

سأحاول في هذه المساهمة الإضاءة على تصوّر إميل توما للحل الديمقراطي للقضية الفلسطينية، وذلك بالاستناد إلى عدد من المقالات التي نشرها في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية وفي مجلة "الغد" المقدسية خلال سنوات 1944-1947.  

والواقع، أن الحل الديمقراطي للقضية الفلسطينية لم يكن سوى مظهر من مظاهر سياسة عامة انتهجتها عصبة التحرر الوطني في فلسطين، التي كان إميل توما واحداً من قادتها البارزين. فقد توقعت العصبة، منذ تأسيسها في مطلع سنة 1944، أن تكون الديمقراطية في مركز نضالات شعوب العالم بعد القضاء على النازية والفاشية، وأكدت الارتباط الوثيق بين الديمقراطية والتحرر الوطني في فلسطين، فدعت إلى ضمان الحريات الديمقراطية للفئات الشعبية، وخصوصاً حقها في التنظيم والتعبير، كي تتمكن من الانخراط في نضال الحركة الوطنية ضد الاستعمار والصهيونية، وارتأت أن هذا النضال لن ينجح ما لم يتم نشر الديمقراطية في صفوف الحركة الوطنية، لا سيما عن طريق انتخاب قيادتها في مؤتمر شعبي تمثيلي، وما لم تتحقق وحدة وطنية ديمقراطية.

وعليه، وقبل أن أتوقف عند تصوّر إميل توما للحل الديمقراطي للقضية الفلسطينية، سأتناول بالتحليل هذه المظاهر الديمقراطية الأخرى لسياسة عصبة التحرر الوطني، كما عكسها إميل توما في مقالاته.

مرحلة جديدة في النضال الوطني

انطلق إميل توما من أن فلسطين مرّت، في تاريخها الحديث، بمراحل عديدة، اعتمد خلالها شعبها العربي، في نضاله ضد الاستعمار والصهيونية، على أساليب تفاوتت أهميتها وتأثيرها "باختلاف وتفاوت المرحلة التاريخية التي تمر في وقتها على العالم"، وأنها دخلت، عقب الحرب العالمية الثانية، مرحلة جديدة، تتميّز، على الصعيد العالمي، بانتصار قوى الشعوب على النازية والفاشستية، وباتساع نفوذ الاتحاد السوفياتي والدول الديمقراطية، وبامتداد الوعي الديمقراطي ما بين الحركات الشعبية في بريطانيا وفرنسا وأميركا وغيرها من البلدان. كما تتميّز، على الصعيد العربي، بسير سوريا ولبنان على طريق استكمال حريتهما، وبسير مصر والعراق نحو استقلالهما وسيادتهما التامة. وفي هذه المرحلة، تشكّلت الجامعة العربية التي عبّرت "عن تعاون الشعوب ضد الاستعمار، وإن كان هذا البناء ضعيفاً مهادناً، إلا أنه قفزة إلى أمام سيكون لها أكبر الأثر".

واعتبر إميل توما أن هذه المرحلة الجديدة هي أدق مرحلة تمر فيها قضية فلسطين، "فهي تواجه آخر أو أواخر مؤامرة يحيكها الاستعمار وأعوانه لإبقاء الوضع الراهن في فلسطين وإيقاف تطورها نحو استقلالها وحريتها"، وهو يرى في الصهيونية "أجيراً أميناً يساعده في الإبقاء على نفوذه وسيطرته". وهذه المرحلة تتطلب، كما قدّر إميل توما، أن تنتهج الحركة الوطنية العربية "سياسة وطنية صحيحة"، لن تتبلور إلا بعد التوقف عند أخطاء الماضي ودراستها، ومن أبرزها ابتعاد الحركة الوطنية عن الاتحاد السوفياتي والحركات الشعبية في بلاد المستعمرات والبلاد المستعمرة، ورفضها "التوجه نحوها لأخذ تأييدها ومساندتها"، ومناداتها "بحسن نية الاستعمار، ألمانيا مرة وبريطانيا أخرى"، واعتمادها في سياستها الداخلية والخارجية "على مساندة القوى الرجعية بدلاً من التوجه نحو القوى الديمقراطية" وعزلها  الجماهير الشعبية عن النضال الحقيقي، بحيث ظهرت الحركة الوطنية "حركة جزئية تعبر عن فئة ضئيلة من الشعب العربي المناضل".

وبعد أن انتقد إميل توما أولئك الذين "يريدون اعتبار نضالنا الوطني نضالاً محلياً ينفصل في جوهره  وفي أهدافه عن نضال شعوب العالم في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية"، خلص إلى أن الحركة الوطنية العربية في فلسطين باتت اليوم تقف أمام مفترق طريقين لا ثالث لهما: "فإما التعاون مع الاستعمار، وهذا يوصلنا إلى العبودية والرق، وإما التحالف مع الشعوب عدوة الاستعمار والصهيونية، وهذا يوصلنا إلى الحرية والاستقلال"، مؤكداً أن هذه الحركة هي اليوم غيرها بالأمس، إذ "انضمت إلى القيادة والأحزاب التقليدية قيادة ومنظمات شعبية لم يعد من الممكن تجاهلها" (1).

عصبة التحرر الوطني وليدة هذه المرحلة الجديدة

كانت عصبة التحرر الوطني في فلسطين، في تقدير إميل توما، وليدة هذه المرحلة الجديدة في النضال الوطني، ونتيجة حتمية للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع العربي الفلسطيني، خلال سنوات الحرب العالمية الثانية: "ففي ظروف الحرب الجديدة، أخذت الطبقة العاملة العربية التي بلغت الستين ألف عامل من حيث العدد –كما كتب- تسرّع في التطور الحاصل في مضمون الحركة الوطنية، [و] لم يعد النضال من أجل التحرر الوطني وقفاً على مطالب السيادة الوطنية، بل تعدى هذه المطالب فأصبح المطلب السياسي العام مشتملاً أيضاً على المطالب الاقتصادية والاجتماعية وعلى المطالب الديمقراطية عموماً"، الأمر الذي بات يفرض على الحركة الوطنية العربية تغيير الأساليب التي تنتهجها في نضالها "مع التأكيد على المضمون الاجتماعي للنضال ضد الاستعمار والصهيونية".

لقد جاءت عصبة التحرر الوطني - كما تابع - لتعبّر عن هذا الواقع الجديد "الذي قاد إليه نمو الطبقة العاملة العربية المنظمة، ونمو الفلاحين والمثقفين والطلاب والتجار الصغار"، فهي بدأت عهدها الجديد في سنة 1944 "حين لم يكن في البلاد من يعترف بصفة الحرب التحريرية غير أنصارها، ولقد اعتمدت حين بدأت على التقدير الصادق بأن الحرب الكونية الثانية ستأتي بنتائج تساعد شعبنا على النضال الاستقلالي". واختلفت العصبة عن المنظمات السياسية الأخرى التي تقوم بدورها في الكفاح الوطني "في أنها تسير وفق فلسفة سياسية تعتمد على التطور الاجتماعي أولاً وعلى القوى الشعبية التي تؤدي دورها في المجتمع ثانياً"،  و"ترى في الطبقة العاملة وحلفائها من الفلاحين والمثقفين طبقة الطليعة التي تقود النضال الوطني وتعمل على إيصال المجتمع الإنساني إلى ما يتمناه من عدالة اجتماعية وسلم واستقرار دائمين".  وهي عندما تؤكد المضمون الاجتماعي للنضال الوطني، "تجند بذلك جماهير الشعب في النضال العام من أجل تحقيق الاستقلال والديمقراطية والمستقبل الآمن"، إذ إن الترويج لمطالب الشعب اليومية "يُدخل إلى الحركة الوطنية جماهير لم تكن نشيطة في النضال السياسي من قبل، وهذا ما يقود إلى تقوية الحركة الوطنية في نضالها العام، وهذا في الوقت نفسه يعكس أثره على الحركة الوطنية وعلى قيادتها، ويقود إلى إنقاذها من جميع الاتجاهات الرجعية التي يدخلها الاستعمار بمؤامراته على الحركة الوطنية".

ومن منطلق فلسفتها السياسية هذه، اعتبرت عصبة التحرر الوطني العالم "وحدة لا تتجزأ في الحرب وفي السلم"، ورأت حلفاءها "في الحركات الوطنية في البلاد العربية والهند والمستعمرات الأخرى" و"في الطبقة العاملة وطلائعها الأحزاب الشيوعية في أوروبا وأميركا" و"في الاتحاد السوفيتي والدول الديمقراطية في البلقان". ومن منطلق هذه الفلسفة السياسية كذلك، نبهت العصبة الشعب الفلسطيني إلى الذين يعتنقون سياسة التعاون مع بريطانيا،" لما في ذلك من كوراث" على النضال الوطني، وكانت في طليعة الذين دعوا إلى توحيد الجهود وأول من وضع الأسس الصحيحة "لقيام هيئة وطنية عليا تقود النضال وتحشد قوى الشعب للقيام بهذا النضال"، وأول من طالب بإثارة  قضية فلسطين أمام مجلس الأمن وحمل "لواء الدعوة للحل الديمقراطي الوحيد للمشكلة الفلسطينية" عندما دعت "لجلاء الجيوش الأجنبية عن فلسطين ولجعل فلسطين دولة مستقلة حرة ديمقراطية تؤمن فيها الحقوق الديمقراطية لجميع المواطنين" (2).

الترابط بين النضال الاقتصادي والنضال السياسي

قدّر إميل توما أن الظروف الذاتية في فلسطين "لم تكن في يوم من الأيام كما هي اليوم، من حيث الحيوية والإرادة والرغبة" في النضال لدى جماهير الشعب، معتبراً أن من واجب القيادة الوطنية "أن تزيد في هذه الحيوية والإرادة والرغبة بتوجهها السياسي الصحيح، وبإظهار وجوه الأمل من المستقبل"، وانتقد بعض الأشخاص الذين يريدون "تحت ستار الوطنية والدفاع عن اقتصادنا الوطني، أن يمنعوا عن العمال والموظفين ممارسة حق مقدس من حقوقهم، حق التنظيم في جمعيات ونقابات تسهر على مصالحهم". فالعمال والموظفون العرب العاملون في الصناعة والتجارة الوطنية هم - كما أكد - "أول من يحافظ على اقتصادنا الوطني، وأول من يعمل على تنميته وازدهاره  لأنهم يرون في ذلك مصلحتهم ومصلحة الوطن وأبنائه"، وهم يعرفون بالتجربة "أن الرفع من شأنهم يساعد على السير باقتصادنا الوطني إلى الأمام"، وأن التجارب في فلسطين وفي العالم أجمع  بيّنت أن الحركة الوطنية "تنمو ويشتد ساعدها كلما تمكن الشعب من ممارسة حقوقه الديمقراطية، وعلى الخصوص منها حق التنظيم".

وعارض إميل توما، في الوقت نفسه، الدعوة إلى فصل النضال السياسي عن النشاط الاقتصادي، وانتقد أولئك الذين يرون أن  الواجب الوطني "يفرض الاهتمام بالاقتصاد الوطني وتوجيه الشعب نحوه والعدول عن النضال السياسي العام"، ويرجعون انتكاسات الحركة الوطنية "إلى أسباب اقتصادية بحتة"، مؤكداً أن عدم تقدم الصناعة والتجارة الوطنيتين "لم يكن عائداً إلى قصور في النشاط الاقتصادي، أو إلى تهاون المهتمين بالمشاريع المالية، بل بالعكس تماماً، فقد كان ناتجاً عن عدم وجود أوضاع إدارية تساعد على تنمية اقتصادنا العربي"، الأمر الذي يبرز أهمية النضال السياسي "لتغيير الأوضاع الإدارية في فلسطين بشكل يؤمن مصالح اقتصادنا الوطني النامي، وذلك بأن تسيطر على إدارة  فلسطين السياسية والاقتصادية القوى الشعبية الديمقراطية".

وشدّد إميل توما على ضرورة أن يختط الاقتصاد الوطني لنفسه خطة "تتلاءم مع أوضاعه الاقتصادية وتنسجم مع وضعه السياسي"، بحيث يستقل "فيتبع تطوراً يأخذ بعين الاعتبار ثروتنا الطبيعية ومواردنا الإنتاجية بدلاً من التطلع إلى ربط اقتصادنا باقتصاد أجنبي"، وهو ما يعني "أن نعمل على تمتين علاقاتنا الاقتصادية بالأقطار العربية". وأعرب، في هذا السياق، عن تحفظه على شعار مقاطعة البضاعة الصهيونية أو البضاعة الأجنبية، معتبراً أن هذا لا يمكن تحقيقه في الأوضاع الحالية، ومقترحاً أن يحل محله  "شعار تشجيع وتنشيط الصناعة الوطنية والنضال ضد السياسة الاستعمارية التي تقف أمام تطور صناعتنا واقتصادنا"، على اعتبار أن المقاطعة "واقعة حين تظهر الصناعات الوطنية وتقدم إنتاجاً مرضياً"، وهذا ما يدفع الاستعمار "إلى مقاومة الصناعة المحلية في جميع البلاد المستعمرة " (3).

انتقاد سياسة قيادة الحركة الوطنية والدعوة إلى قيام وحدة وطنية ديمقراطية

انتقد إميل توما السياسة التي انتهجتها القيادة التقليدية للحركة الوطنية التي لا تزال -كما كتب في أيار 1946- "ترفض التعاون مع القوى الشعبية في البلاد، ولا تزال تعتمد في سياستها الداخلية والخارجية على مساندة القوى الرجعية بدلاً من التوجه نحو القوى الديمقراطية"، معتبراً أن هذه القيادة لم تفلح في حل أي مشكلة من المشاكل التي تواجهها فلسطين: "فالهجرة والبيوع والاحتلال والإرهاب ما زالت قضايا لم تستطع حلها، كما لم تستطع حل قضية الاستقلال والحرية"، وذلك نتيجة الأساليب الخاطئة التي اعتمدتها في إدارة دفة النضال الوطني، وتساءل: " كيف يمكن لحركة تستهدف الحرية والاستقلال أن تنتهج أساليب تتعارض مع أهدافها هذه؟ كيف يمكن لحركة تريد التحرر من النظام الاستعماري القائم أن تنتهج أساليب تعزز [هذا] النظام وتسمح له بالبقاء؟.. إن الأساليب هي جزء من الأهداف لا يمكن فصلها أو عزلها، فإما أن ننتهج أساليب استقلالية تؤدي إلى أهداف استقلالية أو أن ننتهج أساليب "تعاونية" ستؤدي حتماً إلى ضرب هذه الأهداف النضالية".

وخلص إميل توما إلى أن من واجب هذه القيادة "أن تنسق أهدافها وأساليبها، وعليها قبل كل شيء رفض أساليب المفاوضة والمساومة"، والسير "في السياسة الصادقة الوحيدة أمامنا، سياسة فضح الاستعمار وعدم السير بذيله وعدم التفاوض معه ومقاضاته أمام الأمم المتحدة وفي مجلس أمنها".

وقدّر إميل توما أن القيادة التقليدية، ممثلة بالهيئة العربية العليا، التي قررت الجامعة العربية، في حزيران 1946، تأليفها بصفتها "القيادة الوحيدة" للحركة الوطنية العربية في فلسطين، لن يكون في مقدورها، بحال من الأحوال، أن تعدّل من أساليبها وأن تنتهج السياسة الناجحة في معارك الحركة الوطنية "ما بقيت على هذا التجميع الخاص في معزل عن القوى الوطنية الجديدة التي يقودها التطور الطبيعي لمجتمعنا الفلسطيني  إلى أن تتبوأ مركزها اللائق بها في الحركة الوطنية" (4).

فتجارب حركات التحرر الوطني، وخصوصاً تجربة سوريا ولبنان، - كما تابع - أثبتت أن النضال في سبيل الاستقلال لن ينجح  إلا بتجنيد قوى الشعب جميعها وإقامة جبهة شعبية على قاعدة برنامج  سياسي موحد، مقترحاً، مع رفيقه خالد زغموري وباسم  اللجنة المركزية لعصبة التحرر الوطني، خطة واقعية للنضال اليومي يسير حولها البحث لتأليف وحدة وطنية ديمقراطية، تضمنت المطالب الآتية: "دفع الخطر الصهيوني عن فلسطين بالإصرار على تنفيذ النقاط الإيجابية التي جاءت في الكتاب الأبيض من وقف الهجرة وبيوع الأراضي؛ النضال في سبيل الحريات الديمقراطية؛ إفساح المجال أمام الشعب للاشتراك في إدارة الحكم"؛ بحيث يشكّل العمل على تنفيذ هذه المطالب "خطوة عملية لتحقيق الهدف الوطني العام وهو استقلال البلاد وتحررها التام". أما بخصوص الجانب التنظيمي، فقد اقترحت هذه  الخطة تأليف هيئة تحضيرية تمثل الأحزاب الوطنية، وتعمل "على عقد مؤتمر عام ينتخب الشعب فيه ممثليه انتخاباً مباشراً على أساس الاشتراك الإسمي في المؤتمر، الذي يكون من حق كل عربي بلغ الـ 21 عاماً في المدينة  والقرية، وتتفق الهيئة التحضيرية على النسبة المئوية للتمثيل وتؤلف لجاناً تحضيرية فرعية في المدن توزع أوراق الانتساب للمؤتمر وتتقاضى الاشتراك ثم يصير الانتخاب للمؤتمر"، وينتخب المؤتمر في اجتماعه الأول "قيادة الجبهة الشعبية ويتفق على سياسة الحركة الوطنية العامة".

لقد أكد إميل توما أن مثل هذا المؤتمر الشعبي الكبير هو "طريق الشعب إلى القيادة، ولا طريق غيره اليوم ولا بعد اليوم"، وهو الذي عليه أن ينتخب "هيئة وطنية عليا ديمقراطية تقود النضال وتضع خطوطه"، وتعمل على "تعديل الانحراف الخطير الذي طرأ على حركتنا الوطنية"، وتستوحي  خطوط نضالها "من السياسة الواقعية والنظرية العلمية"، وتوحد قوى الشعب الفلسطيني "مع الشعوب الحرة والقوى الصادقة لا  مع أنصار الاستعمار والمساومين من أعوانه" (5).

ضمان الحقوق الديمقراطية للسكان اليهود في فلسطين

تميّزت عصبة التحرر الوطني، عن غيرها من مكوّنات الحركة الوطنية العربية في فلسطين، بتصديها الواقعي للمشكلة التي نجمت عن نجاح الصهيونية في تهجير أعداد كبيرة من يهود أوروبا من بلدانهم الأصلية إلى فلسطين، وذلك عقب شروع النازية في  تنظيم حملات اضطهاد وحشية ضد هؤلاء اليهود ذهب ضحيتها ملايين منهم. فخلافاً لمواقف القيادة التقليدية للحركة الوطنية، التي رفضت ضمان الحقوق الديمقراطية للأقلية اليهودية، بعد حصول فلسطين على استقلالها، أكد إميل توما في مقال، نشره في صحيفة الاتحاد في 18 آذار 1945، بعنوان: "حول بيان عصبة التحرر الوطني: لن نتحرر قبل أن نتفق على حل لقضية فلسطين"، أن العصبة عندما تحدد موقفاً واقعياً من السكان اليهود وتقدم حلاً يعتمد على الاعتراف بوجود هؤلاء السكان، فإنما هي تحدد موقفاً "من حقيقة راهنة فرضت علينا فرضاً ولم نستطع لها دفعاً"، داعياً إلى التمييز بين الحركة الصهيونية الاحتلالية "التي تقوم باعتداءاتها الاستعمارية" وبين اليهود "الذين هربوا من الإرهاب والطغيان مهاجرين لاجئين لتحتضنهم الصهيونية".

وأشار إميل توما إلى أن الصهيونية لا ترى مصلحتها في انتشار الديمقراطية على مستوى العالم، عقب القضاء على النازية والفاشستية، بل هي تخشى السلم والاستقرار، وتعمل "للإبقاء على البلبلة ليتم لها تهجير اليهود وبناء مملكة احتلالية استغلالية"، وهي تتمسك بشعار الهجرة إلى فلسطين الاستفزازي "الذي لا مبرر لوجوده، لأن الجماهير اليهودية في أوروبا لا تريد المهاجرة من ديارها، والأوضاع العالمية لا تبرر المهاجرة".

وأخذ إميل توما على قيادة الحركة الوطنية العربية "موقفها السلبي" من السكان اليهود في فلسطين، ذلك الموقف "الذي ساعد على تمكين الحركة الصهيونية داخلاً وخارجا، وأفسد مسعانا لاكتساب نصرة القوى التقدمية في العالم، تلك القوى التي لم ترَ في حركتنا التحريرية سوى حركة عنصرية ضيقة ضد اليهود كان الأجدر بنا أن نوضحها بأنها حركة تحريرية ضد الصهيونية والاستعمار"، محملاً هذه القيادة الوطنية "وزر سياستها الجامدة التي تدفع بالسكان اليهود إلى الارتماء في أحضان الصهيونية"، ومعتبراً أن التفاهم الضروري لحل المشاكل المستعصية في فلسطين ولإقصاء العناصر الاستعمارية والرجعية لن يتحقق "إلا إذا وجدنا الطريق العملي لإقناع اليهود بفائدة التحرر الوطني وتأليف حكم ديمقراطي مستقل في فلسطين".

أما كيفية التفاهم، "فنحن لا نرى ذلك - كما كتب - بالاتفاق مع الأحزاب الصهيونية، فهذه زاهدة في التعاون، إذ تستهدف بناء دولة يهودية في فلسطين، مبررة هدفها ذلك بأنه من المستحيل العيش مع الشعب العربي أو التفاهم معه، لكننا نستثني حزباً واحداً –حزب الشيوعيين اليهود- فالمبادئ التي يستنير بهديها هذا الحزب تجعله منظمة شعبية في وسعها التعبير عن أماني السكان اليهود... ونحن نلمس هذا التعاون والتفاهم في كثير من الحوادث، بين العمال الذين خبروا أن الوحدة بينهم هي دعامة انتصارهم".

لقد كان إميل توما، بوصفه واحداً من قادة عصبة التحرر الوطني، متيقناً من أن أي حل لقضية فلسطين لن ينجح إذا ما أسقط من حسابه مسألة السكان اليهود، أو لم يقدم لهم "ضمانة اجتماعية عملية تحترم حقوقهم الديمقراطية"، وكتب: "إننا لا نطالب بأن نتنازل عن حقوقنا الديمقراطية بالاستقلال والحرية، فهذه من حقنا ولا يمكن لشريف أن يمنعها عنا، إنما نطالب بأن نختط لقضيتنا حلولاً ديمقراطية تتلاءم مع طبيعة البلاد الراهنة".

وانطلاقاً من هنا، دعا  إميل توما  الحركة الوطنية العربية  إلى فصل السكان اليهود عن الصهيونية، وإظهار هذه الأخيرة على حقيقتها بوصفها "حركة لا تمثل مصالح اليهود في فلسطين"، وهذا سيساعد الحركة الوطنية العربية "على جذب السكان اليهود إلى نضالنا الوطني في سبيل الاستقلال حيث ينعمون في ظل نظام ديمقراطي يؤمن لهم مستقبلهم ويخلصهم من استغلال الصهيونية الاحتلالية والاستعمار"، مؤكداً أن المسألة  لا يجب أن تتوقف "عند حد القول بأننا سنضمن للأقلية اليهودية في فلسطين حياة ديمقراطية في ظل حكومة وطنية مستقلة"، بل ينبغي "أن يخرج هذا القول إلى حيز العمل في مرحلة الوصول إلى هذا الوضع الداخلي في فلسطين"، فنتمكن، كعرب فلسطينيين، لأول مرة  "من أن نهاجم الصهيونية من الثغرة التي تخشاها، وبذلك نكون قد وضعنا الحجر الأول في سبيل حل قضية فلسطين".

وعندما هاجمت القيادة التقليدية للحركة الوطنية العربية في مطلع حزيران 1946، على لسان أحد أبرز ممثليها وهو جمال الحسيني، هذا الموقف الواقعي والديمقراطي الذي تبنته عصبة التحرر الوطني إزاء السكان اليهود في فلسطين، نشر إميل توما مقالاً في صحيفة الاتحاد، في 9 حزيران 1946، بعنوان: "حول تصريحات جمال الحسيني: إننا نفخر بسياستنا الجريئة ولا نسمح بتشويه نضالنا"، سأعرض، نظراً لأهميته، أهم ما ورد فيه:

"يقول السيد جمال [الحسيني] إن اليساريين ينادون باتحاد العرب واليهود، وهذا ما يخالف الميثاق الوطني ويبعدهم عن الحقل الوطني والنضال الوطني!!  

لقد نادينا دائماً وننادي بضرورة النضال ضد الاستعمار والصهيونية الاعتدائية، ونادينا دائماً وننادي بضرورة التحالف مع جميع القوى المناضلة ضد الاستعمار والصهيونية، فهل في هذا خرق للميثاق الوطني؟  قلنا ولا زلنا نقول إن يهود فلسطين يسيرون وراء الصهيونية، وإن الفرق بينهم وبينها كبير وإن لم يكن بارزاً في الناحية اليهودية، وقلنا أيضاً إن من واجبنا أن نفضح مناورات الصهيونية أمام الجماهير اليهودية التي تخدم الاستعمار والصهيونية، وأن ندعو هذه الجماهير إلى النضال ضد الاستعمار وفي سبيل إلغاء الانتداب وإنشاء حكومة وطنية ديمقراطية مستقلة، فهل في هذا خرق للميثاق الوطني؟

فإن كان هذا خرقاً للميثاق الوطني، فقد خرقته الحركة الوطنية من قبلنا عند قبولها الكتاب الأبيض، وخرقه السيد جمال الحسيني حين صرح أمام لجنة التحقيق الأنجلو-أميركية: "لو يفهم اليهود (المدللون) أن بريطانيا تتخلى عنهم لكان من المحتمل أن نصبح أصدقاء. إن ستين بالمائة على الأقل الذين يرغمهم الصهيونيون الآن على التعاون معهم، سيتعاونون معنا ونعيش نحن وإياهم بصداقة وسلام"".

وأضاف إميل توما في المقال نفسه: "إن عصبة التحرر الوطني لم تذهب أبعد من هذا، وهي لا تعتقد أن هذا خرق للميثاق الوطني...فهي تطالب الحركة الوطنية بأن لا تكتفي بمثل هذا التصريح، بل أن تبعد خطوة جديدة عن جمودها فتتوجه إلى اليهود وتطالبهم بتأييد نضال الشعب العربي الاستقلالي ضد الاستعمار وأعوانه. وعصبة التحرر الوطني تطالب الحركة الوطنية بأن تعلن دائماً سياستها الديمقراطية تجاه اليهود، فتؤمن لهم حقوقهم وواجباتهم، كما أعلن ذلك علانية السيد جمال الحسيني أيضاً أمام لجنة التحقيق حين قال: "إن اللاسامية هي نكبتنا، فلولاها لما جاء اليهود إلى بلادنا. إننا نكره اللاسامية..ستكون لهم جميع الحقوق وعليهم جميع الواجبات التي يتمتع بها اليهود في جميع البلاد العربية الأخرى كالعراق ومصر، والتي يتمتعون فيها في انكلترا وأميركا".

"لسنا نعتقد أن السيد جمال خرج عن الميثاق الوطني عندما أدلى بهذين التصريحين، بل نعتقد أنه كان واقعياً...ولذلك فهل نحن نخرق الميثاق الوطني إن نحن طالبنا بتأمين حريات اليهود في ظل حكومة وطنية مستقلة؟ هذا من ناحية، ولكننا نأسف لتفوهات السيد جمال الذي اتهمنا بأننا نريد أن يتحد العرب مع بن غوريون بالرغم من قناعته بعدائنا للاستعمار والصهونية...إننا من أصلب المقاومين للاستعمار والصهيونية، لأننا نرى فيهما عقبة كأداء أمام تحررنا وانعتاقنا السياسي والاجتماعي، ولكننا أيضاً من أصلب الداعين إلى وضع سياسة إيجابية أمام الجماهير اليهودية لنتمكن من ضرب الصهيونية التي تسيطر عليهم...ونحن نريد أن نعتقد أن السيد جمال يسعى لعرقلة الوحدة الوطنية المنشودة...إن من لا يريد التعاون على حل قضية فلسطين حلاً ديمقراطياً عادلاً، وإن من لا يريد وضع سياسة إيجابية لليهود تحفظ حقوقهم الديمقراطية- إن هؤلاء يريدون التقسيم ويريدون دولة يهودية في جزء من فلسطين. إننا نقاوم التقسيم، ونقاوم سياسة الصهيونية التي ترمي إلى التقسيم، ولذلك نضع حلاً ديمقراطياً لفلسطين ينقذها من الهجرة الجارفة ومن البيوع الشاملة" (6).

تحرير قضية فلسطين من قبضة الاستعمار بعرضها على هيئة الأمم المتحدة

لقد دعت عصبة التحرر الوطني إلى تحرير قضية فلسطين من قبضة الاستعمار البربطاني، ورفض التفاوض معه، وكانت أول من طالب قيادة الحركة الوطنية في فلسطين وحكومات البلدان العربية بعرض قضية فلسطين أمام هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، "لتقوم هذه المنظمة بتنفيذ ميثاقها الذي يقر حق الشعوب في تقرير مصائرها". 

وعندما اقترحت بريطانيا في شباط 1947، على لسان وزير خارجيها إرنست بيفن، عرض قضية فلسطين على هيئة الأمم المتحدة، اعتبر إميل توما "أن تهديد المستر بيفن بإحالة قضية فلسطين على منظمة الأمم المتحدة هو مناورة جديدة من المناورات التي حذق المستر بيفن في حبك خيوطها"، وأنه اضطر إلى اتخاذ هذه الخطوة لأنه "لم يعد، في الوقت الحاضر، من طريق أمام المستر بيفن يستطيع  بواسطته أن يوقف القضية الفلسطينية من أن تحال على منظمة الأمم المتحدة، لأنها من قضايا الانتداب الواجب إحالتها على هذه المنظمة بعد أن تألفت منظمة الأمم المتحدة وحلت عصبة الأمم". وأضاف أن وزير الخارجية البريطاني يظن أنه نجح في إظهار القضية الفلسطينية "في المظهر الذي يريده الاستعمار البريطاني، أي أنها قضية بين العرب واليهود الذين لا يريدون الاتفاق على حل والذين لا يمكن أن يعيشوا في فلسطين بسلام، وأن الحكومة البريطانية موجودة في فلسطين للتوفيق بين الفريقين المتخاصمين لا أكثر ولا أقل، وأن القوات البريطانية من الواجب بقاؤها في فلسطين لمنع الحرب الأهلية بين العرب واليهود"، مؤكداً  أن مناورة بريطانيا هذه لا يجب أن تمنع الهيئة العربية العليا من المبادرة إلى عرض قضية فلسطين على منظمة الأمم المتحدة، وكتب: "المستر بيفن يريد أن يظهر في منظمة الأمم المتحدة أيضاً في مظهر الحكم، ولكننا نريد أن نوقف المستر بيفن والسياسة البريطانية الاستعمارية في موقف الخصم، وهذا هو الواقع والصحيح، وذلك بأن نظهر قضيتنا الوطنية أمام الرأي العالمي في مظهرها الصحيح، قضية شعب يطالب بحقه من الحرية والاستقلال وجلاء الجيوش الأجنبية عن أراضيه وتأليف حكومة وطنية ديمقراطية مستقلة هي وحدها التي تستطيع حل جميع مشاكله الداخلية والخارجية".

وقد انتقدت عصبة التحرر الوطني، فيما بعد، العجز الذي أظهرته الهيئة العربية العليا أثناء الدورة الخاصة التي عقدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أيار 1947، لبحث قضية فلسطين، والعجز الذي أظهرته قبل انعقاد هذه الدورة الخاصة عندما "تجاهلت ما تقوم به العناصر الموالية للاستعمار البريطاني داخل الجامعة العربية من مناورات لمنع الدول العربية من استباق بريطانيا إلى عرض القضية الفلسطينية على منظمة الأمم حتى تمكنت الحكومة البريطانية من عرض القضية على هذا الشكل المزري المؤسف"، وكذلك العجز الذي أظهرته بعد انتهاء الدورة الخاصة "من تناقض تصاريح أعضائها في ضرورة التعاون مع اللجنة الدولية أو عدم ذلك، وفي سكوتها عن تقرير هذا الأمر الخطير الشديد الخطورة إلى اليوم". فعصبة التحرر الوطني، ومع أنها كانت قد رحبت بولادة الجامعة العربية، إلا أنها حذرت من الدور الذي يقوم به "أعوان" الاستعمار في البلاد العربية، وأبرزهم "نوري سعيد باشا"، الذين "يعملون في السر والعلانية على تخطي  الجامعة العربية والقضاء على وحدة الشعوب العربية  في النضال التحريري العام"، وأكدت ضرورة ضمان استقلال الحركة الوطنية العربية في فلسطين، وعدم خضوع قيادتها  لتوجيه  "العناصر المهادنة [للاستعمار] في البلاد العربية وحكوماتها"، هذا التوجيه الذي سار بالفلسطينيين "نحو النكبات التي ما زلنا نطلب التخلص منها"، والذي "يهدف إلى التعاون مع الاستعمار البريطاني والتفاهم على حقوق وطنية تتعارض مع بنائه القائم على انتهاب البلاد واستلاب الشعوب حقوقها" (7).

ضرورة الانفتاح على الاتحاد السوفياتي والتصدي لحملات الهجوم عليه

لقد أكد إميل توما أن النجاح في تحرير قضية فلسطين من قبضة الاستعمار يتطلب انفتاح الحركة الوطنية العربية في فلسطين على الاتحاد السوفياتي وتعاونها معه على المسرح الدولي، معتبراً أن وجود الاتحاد السوفياتي هو "من أهم العوامل الرئيسية الجديدة التي لم تكن في الحرب الماضية"، وأن ما يقوم به وفده من نشاط في هيئة الأمم المتحدة "في سبيل تأمين مستقبل جميع الشعوب" يزيد "في أمل الشعوب المستعمرة ويقوي عزيمة البلاد العربية التي ترنو الآن إلى أمانيها".

وكان إميل توما قد أشار، في أكثر من مقال، إلى أن الصهيونية، في سعيها إلى تهجير يهود الاتحاد السوفياتي إلى فلسطين، هي التي تتصدر حملات الهجوم على الاتحاد السوفياتي، وهي التي توجّه له "اتهامات طائشة"، مدعية "أن روح العداء لليهود قد تفشت هناك...وأن الاشتراكية لم تكن حلاً لقضية اليهود، وأن قضية اليهود لا حل لها غير فلسطين". واعتبر أن موقف الاتحاد السوفياتي من الصهيونية "لا لبس فيه ولا غموض؛ فالاتحاد السوفياتي هو الوحيد الذي يحظر هجرة اليهود من أراضيه إلى فلسطين، وهو الوحيد الذي أغلق أبواب البلقان أمام زعماء الصهيونية، ووضع برنامجاً ديمقراطياً إنشائياً في البلاد المحررة حيث ضمن اليهود هناك مصالحهم، وأثار في يهود فلسطين رغبة في العودة إلى بلادهم الأصلية".

وبعد أن أشار إلى أن الاستعمار البريطاني لا يريد الخروج من فلسطين، وهو يسعى إلى أن يخلق في البلاد "أمة يهودية شكلية تحترب معنا وتبرر وجوده في بلادنا"، كما يريد "أن يستفيد من وجود معداته [العسكرية] هنا ليهدد فيها الاتحاد السوفيتي"، أعرب إميل توما عن أسفه من انسياق "نفر من الوطنيين الذين بدأوا يتخوفون من بعبع أحمر لا وجود له ولا كيان؛ فالاتحاد السوفياتي الذي يخيفنا به أعوان الاستعمار لم يعتدِ في تاريخه على الشعوب"، وقدّر أن الذين يتهجمون على الاتحاد السوفياتي "يخافون امتداد نفوذ الاتحاد السوفياتي ويرهبون دوره التحريري"،  وأن الكيد ضده "فوق أنه يخدم الأماني الاستعمارية والرجعية، فهو يضر بقضيتنا العمالية والوطنية، لأن العداء ضد الدولة المحررة العظمى يصم حركتنا بالرجعية ويقربنا من الاحتكاريين الاستعماريين...[و] يضر بقضيتنا لأنه يؤيد سعي الصهيونية التي تعمل على اتهام حركتنا بالرجعية" (8).

رفض الحل المتمثّل بتقسيم فلسطين

حذرت عصبة التحرر الوطني، منذ صيف سنة 1946، من خطر تقسيم فلسطين، وأعلنت، في الاجتماع الجماهيري الحاشد الذي عقدته في حيفا في 2 تشرين الثاني 1946، في "يوم النضال ضد وعد بلفور وأصحاب هذا الوعد ونتائجه"، وتحدث فيه إميل توما، رفضها الحازم لـ "جميع الحلول الاستعمارية كحل التقسيم وسوريا الكبرى والدولة الاتحادية"، وأصرت على تحقيق "مطالب البلاد: إلغاء الانتداب وإنشاء حكومة وطنية ديمقراطية مستقلة وجلاء الجيوش الأجنبية". وناشدت العصبة من جديد الهيئة العربية العليا "أن تدعو إلى عقد مؤتمر وطني منتخب يجمع جميع العناصر الوطنية ويحشد جميع قواها ليضع السياسة الوطنية الصلبة التي يختارها ويختار من يقودها"، مؤكدة أن الحركة الوطنية العربية لن تكون قادرة على مقاومة التقسيم واكتساب تأييد القوى الديمقراطية في العالم لقضيتها العادلة إلا إذا أقامت بناءها "على الديمقراطية في التنظيم"، وقدمت "الضمانة العملية التي تؤمن بها القوى الديمقراطية في العالم، والتي تستطيع أن ترد على الاستعمار أضاليله، والتي في مقدورها عزل القيادة الصهيونية المتآمرة مع الاستعمار عن الجماهير اليهودية"، خصوصاً وأن الاستعمار والصهيونية "يبرران دعوتهم لتقسيم فلسطين بأن العرب لا يمكن أن يعيشوا في وئام مع اليهود في ظل حكم مستقل".

وعندما بدأت منظمة الأمم المتحدة والدول المشتركة فيها تستعد للبحث نهائياً في قضية فلسطين، وذكرت الأنباء أن المنظمة الدولية ستستمع لشهادة وفد الهيئة العربية العليا، لاحظت عصبة التحرر الوطني أن الهيئة العربية العليا تتخذ، منذ فترة، من المواقف "ما يساء فهمها من الرأي العام العالمي، وما يبتعد بنا عن حل نهائي ثابت للقضية الفلسطينية"، وطرحت السؤال الآتي: "أية سياسة سوف يحملها وفد الهيئة العربية العليا لإحباط مؤامرة التقسيم؟"، وأضافت: "هل يذهب إلى منظمة الأمم ليقف بين ممثلي الشعوب التي بذل أبناؤها دماءهم في سبيل القضاء على التمييز العنصري، ليعلن أن العرب إذا ما أحرزت فلسطين استقلالها لن يعترفوا بأي حق من حقوق المواطنين لسكان فلسطين من اليهود؟" وهل سيترك الاستعمار البريطاني "منشرح الصدر في المنظمة، معزز المكانة، ليقف في موقف الموفق بين اختلافات العرب واليهود؟"، مقدّرة أنه لن يكون هناك أحسن من هذا الموقف "لتأييد التقسيم لا لرده وإحباطه"، وداعية إلى الإعلان الصريح والواضح أن الشعب العربي الفلسطيني "ينشد جلاء جيوش الاحتلال عن أراضيه وإلغاء الانتداب وتحقيق الاستقلال التام؛ فذلك هو الطريق الوحيد لإحباط جميع مؤامرات المستعمر والصهيونية، لا مؤامرة التقسيم فحسب".

وفي 2 تشرين الثاني 1947، وبعد أن توضح المشهد السياسي داخل أروقة هيئة الأمم المتحدة، وتبيّن أن أغلبية أعضاء لجنة التحقيق الدولية التي زارت فلسطين تقترح حل التقسيم، كتب المحرر السياسي لصحيفة الاتحاد مقالاً مطولاً  بعنوان: "الآن نستطيع أن نكشف النقاب عما يجري في منظمة الأمم"، سأستشهد فيما يتبع، نظراً لأهميته الكبيرة، بفقرات مطولة منه:

"أكتب هذا المقال في مساء الخميس في 30 تشرين أول، ولا تزال اللجنتان الفرعيتان اللتان أنشأتهما لجنة فلسطين الخاصة لتبحث الأولى في مشروع التقسيم والثانية في مشروع الدولة  الفلسطينية الموحدة، تبحثان فيما بين أيديهما من مشاريع...

لقد كانت خطة الاستعمار البريطاني تهديد الجماهير العربية واليهودية بالفوضى التي سوف تعقب جلاء البريطانيين عن فلسطين، حتى يضطر العرب واليهود إلى الوصول إلى نوع من التفاهم يطلبان على إثره بقاء البريطانيين في فلسطين...هذا ما أراده الاستعمار البريطاني في فلسطين نفسها، من وراء إعلانه عزمه على الجلاء...

إن الولايات المتحدة والدول الواقعة تحت نفوذ الولايات المتحدة ستؤيد التقسيم، لأن الولايات المتحدة أمام ضغط الرأي العام الأميركي لا يمكن إلا أن تؤيد التقسيم، ولأن الولايات المتحدة تأمل أن تجعل من الدولة اليهودية ركيزة لها في الشرق الأوسط وموطئ قدم.

أما الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية الديمقراطية، فهي تقاوم التقسيم من حيث المبدأ، وهذا معروف عنها من مضي وقت طويل.

 وأما الدول العربية فهي تقاوم التقسيم طبعاً.

فإذا وقفت بريطانيا على الحياد، وهو ما فعلته وجعلته موقفاً لها، فإن مشروع التقسيم لن يستطيع أن ينال ثلثي الأصوات حتى يصبح قراراً نافذ المفعول. وهكذا قدرت بريطانيا لمشروع التقسيم أن يفشل...

ولكن أمراً مفاجئاً حدث لم يكن إلا القلائل ينتظرونه، قلب الأوضاع رأساً على عقب، وأذهل البريطانيين والأميركيين سواسية، بل أذهل جميع من كان يعمل مع البريطانيين على بقاء الوضع الراهن في فلسطين على حاله، ذلك أن الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية أيدت مشروع التقسيم أيضاً، واشترطت لذلك جلاء البريطانيين عن فلسطين حالاً...

إن الاتحاد السوفياتي والقوى الديمقراطية التحررية في العالم تدرك أن مصلحة فلسطين، قبل كل شيء آخر، هو في تحقيق استقلالها وتصفية السلطة البريطانية عنها وجلاء جميع الجيوش الأجنبية عن أراضيها. وهي تدرك أن حل التقسيم هو أسوأ الحلول، كما صرح بذلك المندوب السوفياتي نفسه، ولكن مؤامرات الاستعمار والسياسة الصهيونية وموقف القيادة الوطنية التي لم ترد أن تتبيّن الحقائق المحيطة بها وما نتج عن ذلك من توتر في العلاقات بين العرب واليهود، كل ذلك هو الذي أوصل فلسطين إلى حل التقسيم. وكما قال المندوب البولوني في خطابه الذي أيّد به التقسيم: إن مستقبل فلسطين ليس بالتقسيم والتجزئة، ولكن في تفاهم أهلها جميعاً وعملهم السلمي الإنشائي...

وتجدر الإشارة هنا إلى أن السياسة غير العملية والبعيدة عن الواقع التي انتهجتها قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية هي مما ساعد على تبني عدد من الوفود الديمقراطية لمشروع التقسيم. ويعتبر هذا بحد ذاته دليلاً على فشل تلك السياسة القديمة، وموجباً لتغييرها واتباع أساليب جديدة في الحركة الوطنية الفلسطينية.

وهنا نذكر أن عصبة التحرر الوطني وجريدتها الاتحاد، نبهنا مراراً كثيرة إلى خطر الاستمرار على السياسة القديمة، تلك السياسة التي وصلت بفلسطين الآن إلى هذا المأزق الحرج الذي يتهدد مصيرها..." (9).

بمثابة خاتمة

وأود أن أنهي هذا المقال بتساؤل، من جانب، وباستخلاص، من جانب آخر.

فأما التساؤل فهو: هل كان إميل توما نفسه هو كاتب المقال المذكور أعلاه، الذي حمل توقيع "المحرر السياسي" لصحيفة الاتحاد، وتضمن ما يشبه التبرير لموقف الاتحاد السوفياتي من قرار التقسيم، ومفاده أن الاتحاد السوفياتي وافق على هذا القرار، خلافاً لموقفه المبدئي السابق، عندما شعر أن الحكومة البريطانية لا تسعى إلى الجلاء عن فلسطين بل هي تناور كي تحافظ على وجود قواتها وأجهزتها في هذا البلد؟

مهما يكن، وبغض النظر عن حقيقة كاتب المقال، وعن صحة أو خطأ الموقف السوفياتي، من المعروف أن إميل توما، وخلافاً لمعظم رفاقه الذين وافقوا في شباط 1948 على قرار الأمم بتقسيم فلسطين،  بقي متسقاً مع موقفه المبدئي الرافض تقسيم فلسطين، وتحمّل فيما بعد، عن طيبة خاطر، تبعات موقفه هذا.

وأما الاستخلاص فمفاده أن بعض الوطنيين الصادقين ينتقدون الشيوعيين الفلسطينيين لأنهم وافقوا على قرار التقسيم، ويتجاهلون دور القيادة التقليدية للحركة الوطنية العربية في فلسطين التي تتحمل سياستها قسطاً كبيراً من المسؤولية عن تمرير قرار التقسيم في هيئة الأمم المتحدة، وهي السياسة التي بقي الشيوعيون الفلسطينيون يحذرون طوال سنوات من المخاطر التي تنطوي عليها على مستقبل فلسطين وشعبها.

الهوامش

1- إميل توما، "البلاد العربية والكتلة الشرقية" (1 و 2)، الغد، 13 كانون الأول 1946، ص 7-8؛ الغد، 3 كانون الثاني 1947، ص 5-6؛ "مرحلة حاسمة في تاريخ النضال الوطني" [خطاب عضو مكتب رئاسة عصبة التحرر الوطني في الاجتماع الوطني الكبير الذي دعت إليه العصبة في يافا في 16 آب 1946]، الغد، 30 آب 1946، ص 5-6 و ص 20؛ " فلسطين والعالم: خطتنا اليوم وحدة وطنية ديمقراطية"، الاتحاد، 19 أيار 1946، ص 1 و 8.

2- إميل توما، "عصبة التحرر الوطني في جبهة النضال"، الغد، 2 آب 1946، ص 9-10؛ "نص البيان الذي ألقاه مندوب عصبة التحرر الوطني [إميل توما] في المؤتمر الصحفي للمكتب العربي في القدس [عقد في 5 تموز 1947]"، الاتحاد، 13 تموز 1947، ص 1؛ "موقف الجماهير من الحركة الوطنية"، الاتحاد، حيفا، 6 آب 1944، ص 1 و 5.

3- الاتحاد، "إن لنا شعبنا: عماله وفلاحيه ومثقفيه. إذا لم تعتمدوا على الشعب فعلى من تعتمدون!!"، 17 أيلول  1944، ص 1 و 4؛ إميل توما، "الحركة الوطنية بين اتجاهين اقتصادي وسياسي"، الاتحاد ، 15 تشرين الأول  1944، ص 1 و 8؛ "نحو تنمية صناعتنا الوطنية: وجهتنا الاقتصادية إلى أين، وكيف؟"، الاتحاد، 21 كانون الثاني 1945، ص 1؛ "إن شعبنا يناضل في سبيل حريته واستقلاله على أسس علمية صحيحة. إنه يطلب تنمية وإنعاش الصناعة الوطنية"، الاتحاد، 6 كانون الثاني 1946، ص 1 و 4.

4- إميل توما، " فلسطين والعالم: خطتنا اليوم وحدة وطنية ديمقراطية"، الاتحاد، 19 أيار 1946، ص 1 و 8؛ "القضية الوطنية الآن: يجب أن تُنسق الأهداف والأساليب"، الاتحاد، 29 تشرين الثاني 1946، ص 1 و 4.

5- إميل توما وخالد زغموري [عن اللجنة المركزية لعصبة التحرر الوطني]، "عصبة التحرر الوطني تقدم مشروعاً للوحدة الوطنية"، الاتحاد، 11 آذار 1945، ص 1 و 4؛ إميل توما، "حل قضية فلسطين وحق تقرير المصير"، الاتحاد، 23 أيلول 1945، ص 1؛ "مرحلة حاسمة في تاريخ نضال الوطني" [خطاب عضو مكتب رئاسة عصبة التحرر الوطني [إميل توما] في الاجتماع الوطني الكبير الذي دعت إليه العصبة في يافا في 16 آب 1946]، الغد، 30 آب 1946، ص 5-6 و ص 20؛ الاتحاد، "الخطوة الثانية والأساسية: تنظيم اللجان القومية تنظيماً تمثيلياً وبناء الوحدة الوطنية الجبارة على أساسها: هذا هو طريقنا للقضاء على مؤمرات المستعمر"، الاتحاد، 25 تشرين الأول 1947، ص 1.

6- إميل توما، "حول بيان عصبة التحرر الوطني: لن نتحرر قبل أن نتفق على حل لقضية فلسطين"، الاتحاد، 18 آذار 1945، ص 1؛ "الصهيونية لا تريد استقراراً في فلسطين والعالم"، الاتحاد، 1 تموز 1945، ص 1 و 4؛ الاتحاد، "حل قضيتنا الوطنية يتوقف على موقفنا من الشعب اليهودي في فلسطين"، الاتحاد، 8 تموز 1945، ص 1؛ "إذا أردنا خروجاً من الأزمة التي تعانيها فلسطين فلنواجه مسألة السكان اليهود بجرأة واقعية"، الاتحاد، 15 تموز 1945، ص 1؛ "التفاهم بين العرب واليهود هو أخشى ما تخشاه الصهيونية"، الاتحاد، 5 آب 1945، ص 1 و 4؛ "حول تصريحات جمال الحسيني: إننا نفخر بسياستنا الجريئة ولا نسمح بتشويه نضالنا"، الاتحاد، 9 حزيران 1946، ص 1 و 4.

7- إميل توما، "[كلمة] الجماهير الغفيرة تشترك في الاجتماع الوطني الكبير بيافا [دعت إليه عصبة التحرر الوطني في 16 آب 1946]"، الاتحاد، 18 آب 1946، ص 1؛ "القضية الوطنية الآن: يجب أن تُنسق الأهداف والأساليب"، الاتحاد، 29 تشرين الثاني 1946، ص 1 و 4؛ "بيفن يحاول تخفيف حدة الحملة ضد سياسته ويعتقد أنه نجح في تشويه وجه نضالنا الوطني"، الاتحاد، 23 شباط 1947، ص 1؛ "ماذا حدث للجامعة العربية بعد توقيع بروتوكول الإسكندرية؟ نحن لم نؤلف الجامعة لتكون مسرحاً لدسائس انكلترا"، الاتحاد، 23 شباط 1947، ص 1-4؛ الاتحاد، "واجب حركتنا الوطنية الطبيعي أن تضع سياستها، وأما الدول العربية فعليها أن تؤيدنا"، الاتحاد، 23 شباط 1947، ص 1.

8- إميل توما، "حملة الكيد والدسائس الجديدة: موقف الصهيونية من الاتحاد السوفياتي"، الاتحاد، 6 أيار 1945، ص 1 و 4؛ "إننا نفتخر بصداقة الاتحاد السوفياتي"، الاتحاد، 13 أيار 1945، ص 1 و 4؛  "الاختلافات تتلاشى أمام وحدة الشعوب. الاتحاد السوفياتي يطالب باستقلال المستعمرات"، الاتحاد، 20 أيار 1945، ص 1 و 4؛ "مرحلة حاسمة في تاريخ نضال الوطني" [خطاب إميل توما عضو مكتب رئاسة عصبة التحرر الوطني في الاجتماع الوطني الكبير الذي دعت إليه العصبة في يافا في 16 آب 1946]، الغد، 30 آب 1946، ص 5-6 و ص 20.

9- الاتحاد، "عصبة التحرر الوطني في فلسطين في حشدها الكبير ليوم النضال ضد وعد بلفور وأصحاب هذا الوعد ونتائجه"، الاتحاد، 10 تشرين الثاني 1946، ص 1؛ الاتحاد، "ليس هناك من قوة وطنية تستطيع القضاء على التقسيم وتنفيذ الحل الديمقراطي الوحيد إلا حركة وطنية تقوم على الديمقراطية في التنظيم"، الاتحاد، 1 حزيران 1947، ص 1 و 4؛ الاتحاد، "أما أننا نرفض التقسيم فهذا ما أجمعنا عليه، وأما الطريق إلى إحباط التقسيم فهذه هي المسألة"، الاتحاد، 6 أيلول 1947، ص 1 و 4؛ "بيان عصبة التحرر الوطني في فلسطين حول توصيات لجنة التحقيق الدولية: رفض التقسيم، وكل حل يفرض على فلسطين فرضاً، والمطالبة بالجلاء وإلغاء الانتداب والاستقلال التام"، الاتحاد، 6 أيلول 1947، ص 1 و 4؛ المحرر السياسي للاتحاد، "الآن نستطيع أن نكشف النقاب عما يجري في منظمة الأمم"، الاتحاد، 2 تشرين الثاني 1947، ص 1 و 4.