2019-11-26

الانتفاضات الشعبية ضد مافيات الفساد ومافيا الاستيطان بالضفة

سعيد مضية

نتنياهو، وهو يحتل المكان الأسمى في دولة إسرائيل، حين يطعن في النظام القضائي لدولته، فإنما ينطوي تصرفه إما على مرض التوحد النفسي ويقول من بعدي الطوفان، او أنه يستند الى الامبريالية الأميركية ويضمر معها مشروعا مشتركا، لاسيما وقد تلقى التشجيع الصريح من بومبيو. كتب نتنياهو في إحدى تغريداته على تويتر: الضعفاء يسقطون أرضا ، يذبحون ويمحوهم التاريخ، والبقاء للأقوياء خيرا عملوا أم شرا. علق على التغريدة الكاتب الصحفي الإسرائيلي، جوناثان كوك، وقال انها أشبه بوصفة لمستقبل الفلسطينيين .

نتنياهو بحق هو اختيار اليمين الفاشي بالولايات المتحدة؛ ويذكر الجميع كيف استقبل الكونغرس الأميركي نتنياهو حين وقف يخطب من على منبره ضد الرئيس باراك أوباما. ومنذ بروز المحافظين الجدد فضلوا الليكود على حزب العمل في إسرائيل، وكان نتنياهو رجلهم في إسرائيل. وفي العام 1995، إثر اغتيال رابين تشكلت لجنة بحثية من أقطاب المحافظين الجدد برئاسة ريتشارد بيرل وعضوية كل من دوغلاس فيت وديفيد وورمستر، أنتجت عام 1995 ورقة دليل عمل لحكومات الليكود برئاسة نتنياهو؛ تضمنت الدراسة استراتيجية إعادة تشكيل الشرق الأوسط وتحويل إسرائيل دولة إٌقليمية متنفذة بالمنطقة، وأدرجت الخطة ضمن البرنامج الانتخابي لنتنياهو، وفي المحور منها عدم الانسحاب من الضفة. والخطة تشارف التنفيذ الكامل. غطرسة نتنياهو وإمعانه في نهب الأراضي العربية وتوسيع الاستيطان، وكذلك قرارا الكنيست العنصرية ونقل السفارة الأميركية وخطة القرن، كل ذلك بنود الخطة دليل العمل لحكومات نتنياهو.

ظاهرتان في عهد الليبرالية الجديدة: النهب المنفلت للأراضي الفلسطينية يناظره نهب الرأسمال الاحتكاري بضراوة لثروت الشعوب، بحيث غدت ارصدتها تحسب بالمليارات والترليونات. باتت الأراضي الفلسطينية المصادرة مراكز للصناعات الأمنية الإليكترونية التي حولت إسرائيل الى إحدى البلدان الرئيسة في تصدير الأسلحة؛ وكونت لها صداقات وتحالفات مع الأنظمة القمعية التي تنشب الانتفاضات ضد بعضها ، والبعض الآخر يترقب.

التأييد الأميركي المضطرد لنهج الضم والاستيطان والتهويد الإسرائيلي يكشف عقم المراهنة على تراجع إسرائيل من خلال مؤتمر دولي أو تدخل "المجتمع الدولي". وعلى الانتظاريين في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أن يعوا أن إسرائيل لا تلتزم إلا بالقرارات الأميركية. وائتلاف اليمين الفاشي داخل إسرائيل والولايات المتحدة ينظر بقلق الى موجة الانتفاضات في البلدان العربية والعالم؛ وكما تدخلوا بسرعة لإجهاض الموجة الأولى في بدايات العقد الحالي، فإنهم يقفون على أهبة الاستعداد لإجهاض الموجة الثانية، كي لا تقتلع الأنظمة النخرة التي يستند إليها نتنياهو ويباهي باصطفافها بجانبه، أنظمة الفساد والتخلف وقهر الشعوب. إسرائيل وجدت في سطوة النظام الأبوي العربي، كما في الماضي، الظرف الملائم لتنفيذ مشاريع اقتلاع شعب فلسطين من وطنه واستكمال السيطرة على فلسطين بأكملها؛ فالعلاقة عضوية بين الأنظمة الأبوية ووهن المقاومة لتطاولات الامبريالية وإسرائيل. إنها نفس ملابسات نجاح حرب التطهير العرقي عامي 1948- 1949

توصل دافيد بن غوريون في ثلاثينات القرن الماضي الى القناعة بأن بقاء نسبة عالية من العرب مواطنين بالدولة الموعودة ينقض تركيبة الدولة الليبرالية؛ فكر ثم قرر. يسرد الوقائع المواكبة لإقامة دولة إسرائيل، الكاتب البريطاني توماس سواريز في كتابه "دولة الإرهاب كيف قامت إسرائيل الحديثة على الإرهاب" الصادر عام  2016 وترجم وصدر بالعربية عام 2018.

يورد الكاتب في الصفحة 21 من الكتاب التأكيد بان المخابرات البريطانية والأميركية حذرت من انه "ليس ثمة من زعيم إسرائيلي، او احد من المستوطنين كافة، لديه النية في احترام قرار التقسيم". والحقيقة ان ثمة وثائق يعود تاريخها الى ما قبل انتهاء حكم الانتداب، تثبت ان "البريطانيين والأميركيين كانوا واثقين بأن خروج بريطانيا سينتج عنه إنشاء دولة يهودية، ليس وفق قرار التقسيم، بل مساحة الأرض التي ستتمكن الميليشيا الصهيونية من السيطرة عليها بالقوة". اشترطت خطة التشريد شيطنة الضحية، وما إن حل العام 1946 حتى "فقدت بريطانيا السيطرة لصالح المنظمات الإرهابية"، توجه الضربات ضد الجيش والشرطة البريطانية وضد العرب وكذلك ضد اليهود غير المتعاونين مع الإرهاب.

وفي مرحلة تالية تولدت القناعة لدى مناحيم بيغن، حين تولى رئاسة الحكومة اواخر سبعينات القرن الماضي ان دولة تقام بجانب إسرائيل غربي  النهر إنما تؤشر الى بداية النهاية لدولة إسرائيل. وبذا أوعز الى شارون، الوزير في حكومته، بإعداد برنامج استيطاني يجعل من المستحيل إقامة دولة للفلسطينيين غربي النهر.

علاوة على الاستيطان انتهج الليكود سياسة إعلامية رديفة حملت شواحن الكراهية العرقية وعبأت الجمهور اليهودي بعقيدة العنصرية الفاشية. في هذا الصدد كتب الون مزراحي، الصحفي بجريدة هآرتس في 22/8/ 2019 ان "إسرائيل تتعامل مع الحياة والكرامة والممتلكات الفلسطينية باستخفاف، وبغطرسة شعب من السادة، منذ سنوات كثيرة. وقتْلُ الفلسطينيين لا يعني الإسرائيليين كثيراً. والأمر المفاجئ الذي حدث في 30 آذار 2018 هو أنه نتيجة لإطلاق النار بهذا القدر الكبير على الناس لم يترك أي ضابط إسرائيل الجيش احتجاجاً على ذلك، ولم يترك أي جندي قناص وظيفته. في كل الجيش الإسرائيلي، وهو المنظمة التي تشمل مئات آلاف الأشخاص، لم يكن هناك أي شخص قال “لم أعد أحتمل إطلاق النار الجماعي على متظاهرين غير مسلحين". وخلص الى القول أن "إسرائيل مجتمع يلتزم جداً بالخط الرسمي إلى درجة مخيفة وجماعية مثل أسوأ الديكتاتوريات". في الحقيقة تلتزم اجهزة الإعلام في إسرائيل بالبيانات الصادرة عن الناطق العسكري.

وكتب حميد دباشي، بروفيسور بجامعة كولمبيا بنيويورك، مقدمة كتاب "أحلام وطن عن السينما الفلسطينية، فأبدى استهجانه "كم هو عميق الفساد البشري الذي يحول الإنسان الى مستعمِر إجرامي لأمة اخرى – يسرق أراضيها ، ويدمر ديارها، ويستولي على ثرواتها، ويقتل رجالها، ويغتصب نساءها، ويذبح اطفالها ثم يلصق بهم صفة الإرهابي ! ".

انه سعار رأسمالية الليبرالية الجديدة، برر للكاتب الأميركي، غاري ليتش وضع العنوان ذا الدلالة  "لماذا توجب عدم قيام إسرائيل" لمقال نشره في 19 حزيران 2017  أورد فيه، "دولة غير شرعية ونتيجة كارثية لإمبريالية الغرب ... نسبة اليهود إلى سكان فلسطين ارتفعت في عهد الانتداب البريطاني من 11 بالمائة عام 1922 لتصبح 32 بالمائة عام 1948، و"التوسيع المتواصل للمستوطنات اليهودية بالضفة الغربية يشكل مواصلة للكولنيالية الأوروبية في القرن الحادي والعشرين على حساب الشعب الفلسطيني الذي يعيش في هذا البلد منذ آلاف السنين... إسرائيل صنيعة امبريالية ودليل آخر على ذلك أن الولايات المتحدة استخدمت حق الفيتو41 مرة لإبطال قرارات صادرة عن مجلس الأمن تدين احتلال إسرائيل غير الشرعي".

في ضوء هذه الوقائع يخلص ليتش إلى ان "الحل العادل الوحيد للنزاع المستعصي يتمثل في السماح للفلسطينيين في نهاية الأمر إقامة دولتهم المستقلة التي كان من الواجب الحصول عليها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، مع السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم .

ونفس النتيجة توصلت اليها الحقوقية الإسرائيلية، ليندا براير، في مقال لها بعنوان "الحق المطلق للشعب الفلسطيني في المقاومة"، بعد سرد مطول للجرائم النازلة بالجماهير الفلسطينية: تشريد شطر كبير وإخضاع الشطر الأخر لنظام اضطهاد عنصري، لتخرج باستنتاج ان ذلك كله يجعل من قيام دولة إسرائيل عملا غير مشروع.

اما فيكتوريا بوش، اكاديمية اسرائيلية، فكتبت تقول: وصلتُ إسرائيل قبل أربعين عاما، ومضى زمن طويل حتى ادركتُ أن مجرد وجود إسرائيل، كما هي اليوم، قائم على التطهير العرقي المتواصل لشعب فلسطين. ومضت الى القول، البرت اينشتين على اطلاع منذ زمن بعيد على أكاذيب الصهيونية. بعيد الحرب العالمية الثانية اشتكى من أن الصهاينة لا يبذلون الجهد الكافي للتوصل الى اتفاق مع العرب الفلسطينيين. لم يصغ الصهاينة لشكاوى اينشتين، ولذا فنحن هنا بعد مائة عام نعيش في دولة يهودية قومية يهيمن عليها قوميون عسكريون....".

والباحث الأميركي، مات بيبيه، خلص أيضا الى القول بأن "قرار تقسيم فلسطين ترفضه محكمة العدل الدولية لو عرض عليها؛ فليس ديمقراطيا منح ثلث سكان فلسطين ممن يملكون سبعة بالمائة فقط من أراضيها نسبة 55 بالمائة من أراضيها يقيمون عليها دولتهم."

 إسرائيل لم تصدق مع العرب ولم تلتزم بأي اتفاق معهم، حتى ولم يصدر عن صهيوني في الحكم او المعارضة من دعا الى التعايش مع الفلسطينيين، والقبول بهم شركاء في الوطن. والدبلوماسية الأميركية، إذ فرضت لنفسها الاستثنائية حيال القرارات والاتفاقات الدولية ، فقد منحت تلك الاستثنائية لإسرائيل تعفيها من الالتزام بالقرارات والاتفاقات المتعلقة بالصراع مع الفلسطينيين.

إدارة ترمب مع الحركة الصهيونية هم بصدد تنفيذ خطة لجنة المحافظين الجدد برئاسة ريتشارد بيرل، متذرعين بتلفيقات مستشرقين أوّلوا حكايات توراتية، فزعموا ان اليهود عادوا الى وطنهم وحرروه من المحتلين. التأويل يقلب الحرب الأولى 1948-1949 والحرب الثانية 1967 حربي تحرير وليستا عدوانا أو احتلالا. بعض المسيحيين يؤمنون بنصوص توراتية تفيد بأن فلسطين هي وطن الشعب اليهودي وعليها قامت دولة إسرائيل القديمة، ويعتبرونه كلام الرب المنزل على موسى. عمل في فلسطين باحثون أثريون توراتيون، أبرزهم وليم فولبرايت، مبعوث المدرسة الآركيولوجية الأميركية، واعتبروا كل قطعة خزف عثروا عليها من آثار دولة إسرائيل القديمة؛ لكنهم لم يعثروا على آثار هيكل سليمان رغم ان البحث الأثري التوراتي بدأ العام 1867، وتواصل لأكثر من قرن ونصف القرن.

الأبحاث الأثرية التي أجريت في فلسطين غير الملتزمة بالتوراة أثبتت بطلان حكايات التوراة بصدد علاقة اليهود بفلسطين. علم الآثار المتعلق بفلسطين لم يعثر على ما يثبت حكايات التوراة. زئيف هيرتزوغ باحث أثري إسرائيلي، وأستاذ التاريخ القديم بجامعة تل أبيب، أكد أن جهود سبعين عاما من البحث الأثري، لم تخرج بنتيجة، أثبتت خرافة مقولات الصهاينة حول فلسطين. فلسطين ليست وطن الآباء وليست ارض الميعاد ، إلا في مزاعم الصهاينة وحماتهم الامبرياليين، ليس بدوافع دينية، إنما أطماعا في الهيمنة على الشرق الأوسط.

التصريحات الانفعالية ردا على بومبيو لا تردع الامبريالية الأميركية والفاشية الإسرائيلية. الرفض والاستنكار والتنديد لا تجدي؛ وكذلك مقترحات المؤتمر الدولي والعودة الى المفاوضات مع إسرائيل. توازن القوى هو العامل الحاسم في الصراع ، وضمن تناسب القوى الراهن لن تقدم دولة أو مجموعة دول على إعطاء الفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم الوطنية. ضغوط الشعوب المتحررة هي المعدل لتناسب القوى. نتائج علم الآثار في فلسطين واضحة وصريحة ولكن احدا من المسئولين الفلسطينيين لم يلوح بها بوجه ادعاءات نتنياهو وتهديدات الفاشية الإسرائيلية حول التهجير الجماعي للفلسطينيين. بدلا من الرفض والاستنكار يجب ان تتضمن أطروحات المسئولين الفلسطينيين ودعايتهم مضامين نتائج علم الآثار التي توصل إليها بحاثة مسيحيون ويهود. ولهذه المعطيات قيمة سياسية مرجحة .

بدل المواقف الانفعالية تجاه تصريحات بومبيو، ليقل الساسة الفلسطينيون بكلام واثق وعلى كل المنابر وفي كل المناسبات، في تصريحاتهم وخطبهم ان دولة إسرائيل القديمة مختلقة، وان الاستيطان غزو مسلح يمارس بدعم الامبريالية الأميركية، وان إطلاق أسماء توراتية على أماكن فلسطينية مثل جبل الهيكل وجبل صهيون ومملكة داوود وسليمان والامبراطورية المترامية بين الفرات والنيل كلها مجرد اوهام لفقها الاستشراق الأوروبي. الاستيطان الإسرائيلي إرهاب دولة الغزو، وليس لليهود في فلسطين الا ما يتيحه لهم القانون الدولي العصري بالحق في الإقامة لمن يرغب في العيش المشترك وينأى بنفسه عن العنصرية والأبارتهايد. لكن ذلك كله مرهون بتوازن القوى على جبهة الصراع. وبدون تحديث الحياة الاجتماعية، ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وإداريا وفي كل مجالات الحياة لن يتعدل توازن القوى.

ومن العبث مكافحة نهج الاستيطان بالفزعات الارتجالية وبانفعالات تلتهب لتتبدد بسرعة. غياب العقلانية في إدارة الصراع مع عقلانية تخطط وتحشد وتنظم اودى بالقضية الفلسطيني في مهاوي الهزيمة .

بالعقلانية والديمقراطية والخروج من ربقة الأبوية، وكذلك بالمراجعة النقدية واستلهام معطيات العلوم الإنسانية والطبيعية يتصدى الشعب الفلسطيني باقتدار لمكائد الصهيونية وينظم مقاومته المتصاعدة باضطراد. شعبنا يخوض صراعا تشارك فيه شعوب العالم قاطبة، إنه الصراع ضد القرن الأميركي والغطرسة الأميركية، ضد الليبرالية الجديدة وما نشرته في معمورة من فساد وثقافة قسوة وعنصرية فاشية.