2019-11-30

هل كان هناك بديل عن حل التقسيم؟

د. ماهر الشريف

ينتقد  العديد من الوطنيين موافقة عصبة التحرر الوطني في فلسطين، في شباط 1948، على قرار تقسيم فلسطين الدولي، وهو القرار الذي وافقت عليه منظمة التحرير الفلسطينية في "إعلان الاستقلال" في تشرين الثاني 1988.

لكن هؤلاء المنتقدين يتجاهلون مواقف القيادة التقليدية للحركة الوطنية الفلسطينية، ممثلة بالهيئة العربية العليا، التي ساهمت في الوصول إلى هذا القرار. فهذه الهيئة، التي لعبت دوراً بارزاً في تشكيلها جامعة عربية انتهج معظم دولها سياسات مهادنة للسياسة البريطانية في فلسطين والمشرق العربي، اتخذت، عشية صدور القرار المذكور، المواقف التالية:

- امتنعت طويلاً عن عرض قضية فلسطين على هيئة الأمم المتحدة بوصفها قضية تحرر وطني واستقلال عن الاستعمار البريطاني، وهو ما دعتها إليه مراراً عصبة التحرر الوطني، فأفسحت بذلك المجال أمام الحكومة البريطانية كي تبادر هي إلى عرضها، في شباط 1947، وتصويرها على أنها "نزاع عنصري" بين العرب واليهود، لن يحول دون تفاقمه سوى بقاء الانتداب وجيوشه في فلسطين.

- قابلت في آذار 1946، [باسم اللجنة العربية العليا آنذاك]، لجنة التحقيق الأنكلو-أميركية المشتركة، على الرغم من طابعها الاستعماري، بناءً على توجيهات مسؤولي الجامعة العربية، لكنها قاطعت لجنة التحقيق الدولية التي قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أيار 1947، إيفادها إلى فلسطين، وفرضت المقاطعة على جميع القوى الوطنية الفلسطينية.

- اكتفت بالرفض السلبي لمشروع التقسيم، ولم تتقدم بأي حل واقعي لمشكلة وجود نحو 600000 يهودي في فلسطين، نجحت الصهيونية في تجميعهم فيها، مستغلة المذابح التي ارتكبها النازيون بحق يهود أوروبا، والتعاطف الدولي معهم.

أما عصبة التحرر الوطني، التي ظلت لسنوات ترفض تقسيم فلسطين، فقد تقدمت، قبل صدور القرار الدولي بشأنه، بخيار واقعي بديل له، سلطت الضوء عليه افتتاحية نشرت في عدد 23 أيار 1947 من مجلة "الغد" المقدسية، بعنوان: "موقفنا من المرحلة الخطيرة التي نجابهها"، وهي مجلة كانت تصدرها "رابطة المثقفين العرب في فلسطين"، بوصفها منظمة "رديفة" للعصبة، وورد فيها:

"انتهت الدورة الاستثنائية التي عقدتها منظمة الأمم [في أيار 1947]، للبحث في تأليف لجنة تحقق في القضية الفلسطينية، وتقدم تواصيها إلى المنظمة، في الدورة العادية التي ستعقد في أيلول المقبل...

لقد قالت بريطانيا إنها تريد وضع القضية في يدي المنظمة، ولكنها تحتفظ لنفسها بحق الاعتراف أو الرفض لتنفيذ الحل. وعندما عرضت الاقتراحات بشأن تقييد لجنة التحقيق في بحث استقلال فلسطين، قاومت [بريطانيا] ذلك أشد المقاومة وساندتها أميركا في ذلك...، وعندما عرضت الاقتراحات بشأن إشراك الدول الكبرى الخمس في لجنة التحقيق، حتى لا يسهل التملص فيما لو كان الحل عادلاً، قاومت [بريطانيا] ذلك وساندتها أميركا...

لقد عُقدت الدورة الاستثنائية من أجل البحث في اقتراح بريطانيا تأليف لجنة للتحقيق...ولما حاولت اللجنة السياسية أن تناور في الاستماع إلى الهيئة [العربية] العليا، أحيلت المسألة إلى الجمعية العمومية فأقرت ذلك بالإجماع تقريباً... فماذا كان؟ تكلم أحد المندوبين [عن الهيئة] بلغة ما قبل عشرين عاماً وانزلق بالاستفزاز، فأراد أن يثأر مندوبو الدول ممن "صلبوا زعيم المسيحية"، وألقى المندوب الثاني ما وقع في بلادنا من الجور على شيء اسمه الانتداب، وبذلك يكون قد ألقاه على عصبة الأمم الغابرة، فنال بريطانيا من الجور حصة [واحدة] من اثنين وخمسين حصة... وبذلك كسبت بريطانيا "حيادنا"، ونحن لم نكسب حيادها. إن الشيء الذي يجب أن نعترف به ودون لجلجة، هو أننا عرضنا قضيتنا في أسوأ شكل يمكن أن تُعرض فيه، وأنه منذ تلك اللحظة بدأت أسهمنا تزداد هبوطاً، وبدأت حججنا تحمل محملاً عنصرياً، وبدأنا نشعر بالوهن حتى في القوى التي كانت تشتد في مناصرتنا. ونحن اليوم، إذا قررنا مقاطعة لجنة التحقيق، وأعلنا موقفنا العدائي منها، فإنما ندفع حجة القائلين بالتقسيم، ونؤيد عملياً استحالة قيام دولة واحدة في فلسطين...

وإننا نقترح على الهيئة [العربية] العليا أن تتصل باللجنة، وأن تقدم بنفسها مشروع حل واضح بيّن، يكون في وضوحه وصدقه وديمقراطيته، ما يصعب رده أو تشويهه، وأن يتقدم بشرحه أناس لهم من الأناة وحسن الأخذ وقوة الحجة ما ينطبق على المشروع نفسه...

إننا نعتقد أن خير حل للقضية هو:

  1. أن تقوم في البلاد حكومة ديمقراطية واحدة، يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، على اختلاف أجناسهم وأديانهم ولغاتهم.
  2. أن يتم جلاء الجيوش الأجنبية عن أراضيها، وأن لا يكون لأية دولة أخرى فيها مركز ممتاز، وأن تتعاون مع جميع دول العالم وعلى قدم المساواة في بناء السلام العالمي، والعمل لخير العالم ورفاهيته، وفقاً لمواثيق هيئة الأمم.

ولما كان اليهود هم الكتلة الكبرى التي تلي الكتلة [العربية]، ولما كان الهدف لكل من يعمل حقيقة لحل القضية، هو تطمين العرب واليهود، وإزالة المخاوف والشكوك عند كل منهما وإيجاد حال من الاستقرار الدائم، فإننا نرى:

1- أن كل من يحمل الجنسية الفلسطينية يعتبر فلسطينياً، وأن من يحمل التصريح بإقامة دائمة في فلسطين، يحق له نيل الجنسية الفلسطينية خلال مدة لا تتجاوز العام، إذا كان يرغب في ذلك.

أما من يقيم في فلسطين إقامة دائمة، ولا يرغب في الحصول على الجنسية الفلسطينية، فتحفظ له الحقوق المعترف بها دولياً، والتي يتمتع بها أمثاله في سائر الدول المستقلة، ويحرم بالطبع من حقوق المواطن في الانتخاب والعمل في الجهاز الحكومي.

2- يوضع دستور ديمقراطي ينسجم مع ميثاق منظمة الأمم، فيه ضمانات تحفظ لليهود في فلسطين استقلالهم الثقافي والإداري المحلي.

3- تساهم فلسطين بعد استقلالها وانضمامها إلى المنظمة الدولية، بالاشتراك مع جميع دول العالم، في بحث قضية اللاجئين وحلها، على أن تقف الهجرة [اليهودية] إلى فلسطين حالياً وفوراً، إلى أن تنتهي منظمة الأمم من بحث قضية اللاجئين واتخاذ القرارات بشأنها.

إن هذه هي أسس لمشروع الحل، يمكن السير في تطبيقها والعمل على الانتقال إليها، تحت إشراف منظمة الأمم وبمساهمتها. ويجب أن لا نعتبر أن مثل هذه الأسس تساهل أو تنازل، فإنما هي من وحي الواقع، وتهدف إلى حفظ هذا القطر العزيز...، وإن الصهيونية والاستعمار لا يهدفان إلى خير العرب واليهود.. ويلقيان على عاتقنا دائماً فشلهما في التوفيق بين الشعبين، وينتهيان دائماً إلى ضرورة حماية "الأقليات" كما كان في السابق، وإلى ضرورة التقسيم كما يروجان اليوم. فلماذا لا نتقدم نحن بالضمانات الوافية لحماية الحرية المواطنة لكل فرد فلسطيني، وعلى شكل ديمقراطي يقطع عليهما الطريق؟...

وإننا على وشك الكارثة إن لم نتداركها، وإن الطريق السلمي الوحيد الموجود الآن هو التقدم بحل ديمقراطي واضح...إن التقسيم يتهددنا، ولن تقوم دولة يهودية على قطعة صغيرة محدودة، وسوف تحتجز منطقة الأماكن المقدسة في أيدي غيرنا، وسوف يعمل على ضم الجزء العربي من بلادنا إلى قطر آخر، كل ذلك مأمول ومنتظر إذا وقفنا موقفاً سلبياً من لجنة التحقيق  الدولية، وكل ذلك يمكن البطلان إذا نحن اتصلنا باللجنة وعلى أسس واضحة جريئة...لا فائدة من مقاطعة لجنة التحقيق، والاتصال بها سبيل من سبل النضال".

وبالعودة إلى السؤال /العنوان، أقول: نعم، لقد كان هنالك بديل واقعي عن حل التقسيم، قدمته عصبة التحرر الوطني في فلسطين؛ أما سؤال مدى القدرة على فرض مثل هذا البديل، في ظل موازين القوى القائمة آنذاك على الأرض، فهذا سؤال سيبقى معلقاً!