2019-11-30

(بمناسبة مرور مئة عام على بروز أول نواة "شيوعية" في فلسطين)

تاريخ الحركة الشيوعية في فلسطين 1919- 1948

(القسم الثاني)

 د. ماهر الشريف

علاقات الشيوعيين في فلسطين مع الشيوعيين في سورية ومصر

سعت قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني، بعد أشهر على اعتراف الكومنترن بها، إلى مد نشاطها إلى سورية (ولبنان)، فأوفدت، في تشرين الأول 1924، أحد أعضائها، وهو جوزيف بيرغر، إلى بيروت بهدف إقامة الروابط مع عدد من العمال والمثقفين، الذين كانوا قد أبدوا تعاطفهم مع الثورة البلشفية ومع الأفكار الشيوعية، ومن أبرزهم الصحافي يوسف يزبك، وسكرتير نقابة عمال التبغ في لبنان فؤاد الشمالي.

وفي الاجتماع الذي عقد مساء الجمعة في 24 من ذلك الشهر  في ضاحية الحدث ببيروت، تمّ الاتفاق على تأسيس "حزب الشعب" ليكون الواجهة العلنية للحزب الشيوعي السوري. بيد أن الحزب الشيوعي في سورية (ولبنان) لم يتشكّل حقيقة إلا في حزيران/يونيو 1925، وذلك بعد توحد المجموعة الشيوعية العربية مع مجموعة شيوعية أرمنية، كانت تطلق على نفسها اسم "شبيبة سبارتاكوس" ويتزعمها أرتين مادويان. وقد لعب موفد قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني إلياهو تيبر، أو شامي، الذي وصل إلى بيروت في أيار من العام نفسه، دوراً رئيسياً في توحيد هاتين المجموعتين. ومن جهة ثانية، نسج الحزب الشيوعي الفلسطيني، منذ تأسيسه، علاقات وثيقة مع الشيوعيين في مصر، ولعب دوراً بارزاً في حملة التضامن العالمي  مع الحزب الشيوعي المصري الذي تعرض لحملة  قمعية شديدة على يد حكومة حزب الوفد، في ربيع سنة 1924، أسفرت عن اعتقال معظم أعضاء لجنته المركزية، كما ساهم في تأمين الاتصالات بين الحزب الشيوعي المصري، من جهة، وقيادة الكومنترن في موسكو، من جهة ثانية. وصارت قيادة الحزب في فلسطين تزود الشيوعيين المصريين بالأدبيات الشيوعية، وترسل لهم نسخاً من مجلة "حيفا" العربية.

وكان طموح  قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني أن يتشكّل اتحاد للأحزاب الشيوعية في بلدان المشرق العربي تلعب دوراً قيادياً فيه. بيد أن قيادة الكومنترن عارضت فكرة إقامة مثل هذا الاتحاد، وطالبت قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني بالاهتمام بالقضايا التي تخص فلسطين وحدها. كما عارض قادة الأحزاب الشيوعية الأخرى من جهتهم "الوصاية" التي يريد أن يفرضها عليهم رفاقهم الفلسطينيون.

وفي آذار 1929، عبّرت قيادة الكومنترن عن موقفها الصريح من هذه المسألة في الرسالة التي وجهتها السكرتارية السياسية للجنة التنفيذية للكومنترن إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني، وورد فيها: "نرى أن من الضروري أن يقوم الحزب الشيوعي الفلسطيني، بوصفه الحزب الأكثر نضجاً على الصعيد السياسي والأكثر خبرة على الصعيد العملي، بتقديم المساعدة إلى الحزبين الشيوعيين في مصر وسورية (عبر تزويدهما بالأدبيات والمطبوعات العربية على سبيل المثال)، على أن يجري التعامل معهما بوصفهما فرعين كاملي الحقوق من فروع الكومنترن ويرتبطان مباشرة بلجنته التنفيذية".

"هبة البراق" وتكريس سياسة التعريب

في الأسبوع الأخير من آب/أغسطس 1929، شهدت فلسطين وقوع صدامات عنيفة بين المواطنين العرب والمستوطنين اليهود في عدة مدن فلسطينية، سقط فيها عشرات القتلى والجرحى من الجانبين، وتخللتها اشتباكات مع قوات الشرطة البريطانية. وتسبب بهذه الصدامات الخلاف بين العرب واليهود حول موقع "البراق" الواقع في الحائط الغربي للحرم الشريف في مدينة القدس، ومحاولة اليهود  انتزاع حقوق لهم في ملكية هذا الموقع، الخاضع لإدارة الوقف الإسلامي المسؤولة عن الحرم الشريف وكل ما يحيط به.

وقد فاجأت تلك الصدامات قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني وجعلتها تتخذ، في البدء، موقفاً سلبياً منها، الأمر الذي دفع السكرتاريا السياسية للجنة التنفيذية للكومنترن إلى انتقاد هذا الموقف، وإرجاعه، في القرار الذي أصدرته في 16 تشرين الأول 1929"حول حركة الانتفاضة في عربستان"، إلى عجز قادة الحزب الشيوعي الفلسطيني عن سلوك نهج واضح باتجاه تعريب صفوفه وتوظيف نشاطه الرئيسي في اتجاه العمال والفلاحين العرب. وقررت قيادة الكومنترن، في ضوء ذلك، إنهاء فترة دراسة بعض الكوادر الشيوعية العربية في الجامعة الشيوعية لكادحي شعوب الشرق وإرجاعهم إلى فلسطين، وكان من أبرزهم محمود الأطرش.

كما قررت، في 23 تشرين الأول 1930، توجيه رسالة مفتوحة إلى جميع أعضاء الحزب الشيوعي الفلسطيني توضّح فيها موقفها من شعار التعريب، إذ ورد فيها: "إن جميع أعضاء الحزب الشيوعي الفلسطيني متساوون، ويتوجب على الرفاق اليهود أن يشغلوا، مع العمال العرب، المواقع القيادية في صفوف الحزب، لا سيما بعد أن مرّوا بمدرسة عظيمة من النضال. غير أن الشيوعيين اليهود لا يجب أن يكونوا "موجهين" أو "معلمين" بل "مساعدين" للرفاق العرب".

وعقب عودة الكوادر العربية التي كانت تدرس في موسكو إلى فلسطين، بدأت حملة واسعة للتحضير لمؤتمر حزبي جديد. وقد انعقد المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الفلسطيني بمدينة القدس في النصف الثاني من شهر كانون الأول/ديسمبر 1930، بمساهمة 14 مندوباً، وباشتراك ممثل عن قيادة الكومنترن.  وبعد أن ناقش مندوبو المؤتمر السابع للحزب قرارات اللجنة التنفيذية للكومنترن بخصوص الأوضاع في فلسطين وفي داخل الحزب، وانتقدوا "الأخطاء السياسية" التي ارتكبتها القيادة السابقة للحزب، انتخبوا لجنة مركزية جديدة ضمت، للمرة الأولى، أغلبية من الشيوعيين العرب، وانبثق عنها سكرتارية حزبية من ثلاثة أعضاء هم نجاتي صدقي، ومحمود الأطرش وجوزيف بيرغر. لكن لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على انعقاد المؤتمر السابع للحزب، حتى قامت السلطات البريطانية في فلسطين باعتقال العضوين العربيين في سكرتارية اللجنة المركزية إثر خروجهما من اجتماع في مدينة القدس، عشية الأول من شباط 1931. كما قامت في نيسان 1932 باعتقال 80 عربياً ويهودياً من أعضاء الحزب الشيوعي ومنظماته الرديفة.

وبهدف تكريس خطة "التعريب"، اجتمع، في نهاية سنة 1932، ممثلون عن الحزبين الشيوعيين الفلسطيني والسوري لتحديد دور الشيوعيين العرب ومهماتهم في إطار الحركة القومية العربية. وقد صدر عن ذلك الاجتماع وثيقة أكدت على أن من واجب الشيوعيين "خوض النضال من أجل استقلالهم الوطني ووحدتهم القومية ليس فقط ضمن الحدود الضيقة والمصطنعة التي خلقتها الامبريالية ومصالح الأسر المالكة في كل بلد عربي، بل أيضاً على النطاق العربي من أجل الوحدة القومية للشرق كله". وعلى هذا الطريق، دعت الوثيقة إلى "إقامة اتصال أكثر انتظاماً وأكثر ثباتاً من أجل تبادل التجربة وتنسيق العمل، في البداية بين الأحزاب الشيوعية في مصر وسوريا وفلسطين وشيوعيي العراق، دون أن يغيب عن النظر كسب شيوعيي طرابلس وتونس ومراكش والجزائر إلى هذا التعاون فيما بعد ".

وفي سنة 1934، وبناءّ على توجيهات جديدة من  قيادة الكومنترن، تسلّم رضوان الحلو أو يوسف أو مختار، وهو أحد الموفدين العرب، ما بين سنتَي 1930 و1933، إلى الجامعة الشيوعية لكادحي شعوب الشرق، منصب الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني، فشرع في تطبيق خطة التعريب بصورة عملية، بعد أن دعا إلى اجتماع حزبي موسع، في تشرين الثاني من ذلك العام، انتخب لجنة مركزية جديدة مشكّلة من خمسة من الشيوعيين العرب واثنين من الشيوعيين اليهود.

الحزب الشيوعي والثورة الفلسطينية  الكبرى

كان  المؤتمر العالمي السادس للكومنترن، الذي انعقد في موسكو في صيف سنة 1928، قد اتخذ، من خلال تبنيه سياسة "طبقة ضد طبقة"، موقفاً "انعزالياً" من البرجوازية الوطنية في البلدان المستعمرة والتابعة، وطرح أمام الأحزاب الشيوعية في هذه البلدان مهمات "يسارية متطرفة" لم تكن منسجمة مع الواقع القائم، مثل مهمة "إقامة حكومة العمال والفلاحين"، كخطوة على طريق  "ديكتاتورية البروليتاريا".

وقد انعكس هذا التوجه "اليساري الانعزالي" على سياسة الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي صار يهاجم، في أعقاب المؤتمر العالمي السادس، "القوميين الإصلاحيين" المسيطرين على قيادة الحركة الوطنية العربية الفلسطينية، وينتقد سياستهم القائمة على قاعدة المطالبة بإقامة "مجلس تشريعي"، معتبراً أن البرلمانية "هي هدف الزعماء الخونة، الذين يرون فيها وسيلة لتسلم المناصب العليا في الإدارة وفرصة للجلوس إلى جانب الامبرياليين الإنكليز". كما صار يدعو إلى ربط شعار تحرير فلسطين بشعار إقامة "حكومة عمالية فلاحية"، على اعتبار أن طبقة العمال والفلاحين "هي الطبقة الوحيدة التي تسعى فعلاً، وبشكل حقيقي، إلى تحرير فلسطين". وعقب اندلاع "هبة البراق"، صار الحزب الشيوعي الفلسطيني ينتقد  بشدة "خيانة الوطنيين المتزعمين، كاللجنة التنفيذية [للمؤتمر الوطني الفلسطيني] وما شاكلها"، الذين "حوّلوا ثورة 1929، كي "يرضوا السياسة الاستعمارية، [عن] مجراها الاقتصادي والسياسي إلى مجرى ديني".

قبل اندلاع الإضراب العربي العام في فلسطين، في نيسان 1936، كان الكومنترن قد تخلّى، في مؤتمره العالمي السابع المنعقد في  موسكو في صيف سنة 1935، وأمام تصاعد خطر الفاشية والنازية، عن نهجه "اليساري الانعزالي"، وطرح أمام جميع فروعه مهمة العمل على إقامة جبهة شعبية موحدة معادية للفاشية وللحرب، كما دعا الأحزاب الشيوعية في المستعمرات وشبه المستعمرات إلى السعي من أجل توحيد جميع القوى المناضلة في سبيل التحرر الوطني، في إطار"جبهة موحدة معادية للامبريالية" والمساهمة في جميع  النضالات الوطنية التحررية، حتى ولو كانت تجري تحت قيادة العناصر "القومية الإصلاحية".

وانسجاماً مع توجهات الكومنترن هذه، تبنت قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني، بعد اندلاع الإضراب العام والثورة الكبرى، سياسة "الجبهة الشعبية الموحدة"، التي توحد جميع القوى الوطنية العربية الفلسطينية في النضال ضد الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية، وأصدرت، بالاستناد إلى هذه السياسة الجديدة،  في 5 حزيران 1936، العدد الأول من صحيفة "الجبهة الشعبية"، التي صارت تنقل أخبار المعارك الدائرة بين الثوار الفلسطينيين والجنود الإنكليز، وتفضح مخططات السلطات البريطانية القمعية و"دعايات الاستعمار والرجعية ضد الشيوعية"، تلك الدعايات التي تزعم أن الشيوعيين "يحاربون الأديان ويهدمون الجوامع والكنائس ويقضون على العائلة والشرف"، كما يشيعون أن الحركة الشيوعية هي "لا قومية ولا وطنية"، حتى " بلغ بهم الحقد المميت على الشيوعيين أن خيالهم الواسع في الكذب والدس أوصلهم إلى جعل الحركة الشيوعية فرعاً للحركة الصهيونية"، علماً أنه ليس هناك من "يجهل أن الصهيونية هي جزء لا يتجزأ من الاستعمار البريطاني؛ فهي رأسمالية يهودية-انكليزية في فلسطين، فكيف يمكن أن تتفق مع الشيوعية التي تناضل للقضاء على الاستعمار والرأسمالية! فإذا كانت الحركة الشيوعية فرعاً للصهيونية، فلماذا يسلّط الاستعمار البريطاني في فلسطين إرهابه الوحشي على الشيوعيين؟... إن الشيوعيين في البلاد العربية يناضلون لأجل استقلال البلاد العربية وضم أجزائها في وحدة عربية".

وفي عددها الصادر في 7 آب 1936، نشرت "الجبهة الشعبية" مبادئ ميثاق الحزب الشيوعي الفلسطيني، وهي: "النضال الثوري التحريري ضد الاستعمار والصهيونية؛ العمل لاستقلال فلسطين استقلالاً تاماً ضمن الوحدة العربية؛ مصادرة أراضي الشركات الصهيونية وأراضي الإقطاعيين وتوزيعها على الفلاحين الفقراء توزيعاً عادلاً؛ تأهيل المعامل والفبارك والمواصلات البرية والبحرية والجوية ووضعها تحت سيطرة سلطة الشعب؛ ومصادرة كل أملاك وعقار المهاجرين البعيدين".

وعقب قيام الحكومة البريطانية بتشكيل لجنة تحقيق ملكية في الأحداث الفلسطينية برئاسة اللورد بيل، رأت صحيفة "الجبهة الشعبية" في هذه اللجنة  "خدعة استعمارية"، ودعت الشعب الفلسطيني إلى أن يرد على هذه السياسة الاستعمارية البريطانية باللجوء إلى الخطوات التالية: "التعبئة العامة والانضمام سريعاً إلى جيش الثوار؛ عرقلة المواصلات البرية والبحرية والبرق في كل مكان؛ عدم تموين الجيش وبيعه أي شيء كان؛ النضال المستميت لا للمطالب الثلاثة فقط [وقف الهجرة؛ وقف انتقال الأراضي؛ تشكيل حكومة وطنية] بل للاستقلال [أيضاً]".

وعندما تصاعدت نضالات المجموعات العربية المسلحة في جميع أرجاء فلسطين، طالب الحزب الشيوعي الفلسطيني أعضاءه بالانخراط في هذه المجموعات والمساهمة في نضالاتها، وبرّر لجوء الشعب العربي الفلسطيني إلى الكفاح المسلح معتبراً ، في مقال نُشر في سنة 1936، في العدد 30 من مجلة "المراسلات الصحافية الأممية" الفرنسية بعنوان: "الانتفاضة في فلسطين"، أن الحركة الوطنية العربية في فلسطين "لا يمكنها أن تقتصر في نضالها على الإضراب العام، كشكل نضالي وحيد، خصوصاً وأن إضراب الشعب العربي في فلسطين لن يكون شاملاً، كما في سوريا، بسبب الدور التخريبي الذي يلعبه الصهاينة، ومن هنا لا يمكن للشعب العربي في الظروف الراهنة، وفي مواجهة جيش مجهز بالأسلحة الحديثة من دبابات وطائرات، إلا أن يلجأ إلى استخدام سلاح حرب العصابات ويحتذي في ذلك بالمثال العظيم الذي قدمه الثوريون الصينيون؛ فعن طريق أعمال التخريب وهجمات الأنصار، ستدمر الحركة التحررية العربية القاعدة الاقتصادية التي يستند إليها الغزاة الصهاينة وتجعل من استمرار الاستيطان الصهيوني أمراً  مستحيلاً".   

الانقسام القومي داخل الحزب الشيوعي الفلسطيني

منذ سنة 1937، بدأت تبرز خلافات  سياسية  داخل الحزب الشيوعي الفلسطيني بين أعضائه العرب واليهود حول الموقف من الثورة الفلسطينية ومن قيادة الحركة الوطنية العربية، إذ صار الشيوعيون اليهود يأخذون على اللجنة المركزية للحزب موقفها "التبعي" من قيادة هذه الحركة. واتخذت هذه الخلافات بعداً جديداً بعد قيام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني بتشكيل هيئة تنظيمية باسم "القسم اليهودي"، تكون مسؤولة عن نقل قراراتها إلى الشيوعيين الناشطين وسط التجمع الاستيطاني اليهودي "الييشوف"، لا سيما بعد أن تعزز، في ظروف الثورة، الاستقلال الذاتي، السياسي والاقتصادي لهذا "الييشوف". وشيئاً فشيئاً، وفي ظل استمرار حملات القمع الموجهة ضد الشيوعيين، التي نجم عنها اعتقال أمين عام اللجنة المركزية للحزب رضوان الحلو، ثم اعتقال معاونته سيمحا تساباري، صارت الروابط والصلات تضعف بين قيادة الحزب وبين سكرتارية "القسم اليهودي"، الذي راح يتمتع ببعض الاستقلال وينتهج سياسة مغايرة للسياسة العامة التي أقرتها لجنة الحزب المركزية. ففي صيف سنة 1937، أقرت سكرتارية "القسم اليهودي" مبدأ انخراط الشيوعيين اليهود في نشاط المنظمات الصهيونية بغية سلخ "العناصر الثورية" منها، ودعت إلى إقامة "جبهة شعبية" مع بعض القوى والأحزاب الصهيونية "المعتدلة"، معتبرةً أن "الييشوف" لا يمثّل تجمعاً متجانساً وأنه من الممكن، بل من اللازم، تشجيع عمليات التمايز داخله.

وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، اشتدت الخلافات داخل قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني حول الموقف من الأقلية اليهودية في فلسطين، إذ اعتبر أعضاء القيادة من اليهود، بخلاف رفاقهم العرب، أنه راحت تنشأ في فلسطين وضعية ثنائية القومية، وصارت تبرز، إلى جانب القومية العربية، قومية يهودية في طور التكوين. وفي كانون الأول 1939، ساهم القرار الذي اتخذته لجنة الحزب المركزية بحل "القسم اليهودي" في  تكريس الانقسام القومي داخل صفوفه، وهو الانقسام الذي أفضى بعد سنوات، ولا سيما بعد صدور قرار حل "الكومنترن" في موسكو في أيار 1943، إلى انشقاق الشيوعيين العرب ومساهمتهم في تشكيل تنظيم يساري عربي جديد باسم: "عصبة التحرر الوطني في فلسطين"، بينما بقي الحزب الشيوعي الفلسطيني مقتصراً على أعضائه من اليهود.

(يتبع .. القسم الثالث)