2019-12-05

(بمناسبة مرور مئة عام على بروز أول نواة "شيوعية" في فلسطين)

تاريخ الحركة الشيوعية في فلسطين 1919- 1948

د. ماهر الشريف

(القسم الثالث)

تشكيل عصبة التحرر الوطني في فلسطين

أدّى فشل ثورة 1936-1939، وتشديد سلطات الانتداب البريطاني حملات القمع، ومصادرتها أبسط الحريات الديمقراطية، إلى حدوث ركود  في مسيرة الحركة الوطنية العربية الفلسطينية. بيد أن حالة الركود هذه  لم تستمر طويلاً، إذ  نجم عن  التحوّل الذي طرأ على مجرى الحرب، بعد الانتصار الكبير الذي حققته شعوب الاتحاد السوفيتي في معركة ستالينغراد في ربيع سنة 1943، تنشيط الحياة السياسية  في فلسطين والبلدان العربية الأخرى، خصوصاً  بعد أن اضطرت سلطات الانتداب البريطاني إلى تخفيف قبضتها الأمنية وإباحة بعض الحريات السياسية والنقابية.

وإلى جانب التطوّرات التي طرأت على الوضع الدولي، كانت تجري في فلسطين تطوّرات اقتصادية واجتماعية مهمة، أدّت إلى حدوث تغيّرات جذرية على بنية المجتمع العربي. إذ أدّت الحرب إلى تحويل فلسطين إلى محتشد للجيوش البريطانية وإلى قاعدة لتموينها في المنطقة، ما دفع الحكومة البريطانية إلى إقامة العديد من المعسكرات والمشاغل، وإلى تشجيع قيام العديد من الصناعات المحلية، الأمر الذي ساعد على زيادة عدد العمال واختفاء ظاهرة البطالة بين صفوفهم. وشجعت إغراءات فرص العمل، في المعسكرات والمصانع، على تسارع حركية قوة العمل العربية، ما ساهم في إضعاف الارتباط التقليدي للعامل العربي بمجتمع القرية، وإلى إضعاف الأنماط التقليدية التي كانت تسود سابقاً في التشغيل.  وتسبب هذا بدوره في انتعاش الحركة العمالية النقابية بين صفوف العمال العرب، فاستأنفت "جمعية العمال العربية الفلسطينية" في حيفا نشاطها، في سنة  1942، وقامت بتأسيس فروع جديدة لها، كما تأسس، إلى جانبها، اتحاد نقابي جديد حمل اسم "اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب"، ضم في صفوفه عمال شركات النفط وعدداً من المثقفين التقدميين، ونجح، في أيار 1944، في إصدار صحيفة "الاتحاد"، كلسان حال العمال العرب في فلسطين، ثم شكّل، مع المنظمات النقابية اليسارية التي انسحبت من "جمعية العمال العرب الفلسطينية"، "مؤتمر العمال العرب في فلسطين".

وترافق انتعاش الحركة العمالية العربية مع ظاهرة تنامي الاتجاهات التقدمية والديمقراطية بين صفوف الطلاب والمثقفين العرب، الذين شكّلوا، فيما بعد، القاعدة التي قامت عليها، في أيلول/سبتمبر 1941، "رابطة المثقفين العرب في فلسطين".

وبدأت تظهر في مدن فلسطين الرئيسية العديد من النوادي الاجتماعية والسياسية، كنادي "شعاع الأمل"، الذي أراد أن يكون صلة وصل بين أعضاء "رابطة المثقفين العرب" وبين العاملين في شركات النفط ومصانع تكرير البترول، ونادي "الشعب". كما راحت تتشكّل مجموعة من الحلقات والخلايا الماركسية. ففي مدينة الناصرة مثلاً، قام فؤاد نصار بتشكيل حلقة ماركسية ضمت عدداً من العمال والمثقفين، وأصبحت جزءاً من عصبة التحرر الوطني في فلسطين.

وهكذا، كان قد تشكّل في فلسطين، عشية وقوع الانقسام القومي في صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني بين العرب واليهود، تيار وطني يساري ديمقراطي عريض، جمع عدداً كبيراً من العمال والمثقفين، وكان يبحث عن الأشكال التنظيمية الملائمة لتوحيد قواه  وتأطير نضالاته. وقد اضطلع الشيوعيون العرب، الذين خرجوا من صفوف الحزب الشيوعي، بهذه المهمة، وأُعلن رسمياً، في شباط 1944، عن ولادة عصبة التحرر الوطني في فلسطين، التي كان من أبرز قادتها فؤاد نصار، وإميل توما، وتوفيق طوبي، وإميل حبيبي، وبولس فرح، ومخلص عمرو وخالد زغموري.

عصبة التحرر الوطني و"الاتحاد الوطني"

مع أن العمال والمثقفين شكّلوا القاعدة التي قام عليها تنظيم عصبة التحرر الوطني،  إلا أن استناد العصبة إلى هاتين الفئتين الاجتماعيتين لم يحل دون سعيها إلى طرح برنامج سياسي متجاوب مع مصالح كل الشعب العربي الفلسطيني الذي كان، بمختلف طبقاته وفئاته الاجتماعية، مهدداً  في وجوده بفعل تسارع وتيرة تنفيذ المشروع الصهيوني، المدعوم من الاحتلال البريطاني.

فقد  شددت العصبة، في مقال تضمنته نشرتها الداخلية الثالثة، الصادرة في 23 شباط 1944، بعنوان: "حركتنا الوطنية حركة جماهير الشعب العربي"، على أن التحرر الوطني هو "هدف الشعب كله"، وهو "وسيلة الأمة بأسرها إلى حياة حرة سعيدة"، إذ إن جميع طبقات الشعب "من عمال وفلاحين ومثقفين وتجار وصناعيين وطنيين"  تشعر "شعوراً وطنياً واحداً "، ويجمعها النضال في سبيل التحرر الوطني "في صعيد واحد". أما الحركة الوطنية فهي "ليست احتكار طبقة معينة من طبقات المجتمع العربي، وليست ممثلة لمصلحة طبقة معينة بالذات"، بل هي "حركة الشعب بأكمله، طبقات وأفراداً، حركة شاملة جامعة تنظّم تحت لوائها جميع العناصر الراغبة في السير مع قافلة الحرية في هذا الوطن العربي العزيز".

وفي دفاعها عن مصالح العمال العرب الاجتماعية، أشارت عصبة التحرر الوطني، كما ورد في مقالين  نشرتهما "الاتحاد" بعنوان: "الاقتصاد الوطني والعامل العربي" و"موقف حركتنا العمالية من أصحاب العمل"، إلى أن العمال العرب في فلسطين يعون أهمية تطوير الاقتصاد العربي وتدعيمه، خصوصاً في ظل المنافسة الشديدة التي يتعرض لها من قبل الاقتصاد الصهيوني المتطوّر، ولكنهم "يفهمون أيضاً أن لهم نصيباً من هذا الاقتصاد في حالة ازدهاره ونموه، كما هو واقع الآن". وأكدت أن موقف العمال العرب من أصحاب العمل العرب يختلف تماماً عن موقفهم من أصحاب العمل الأجانب، وذلك "لعلمهم أن المشاريع الصناعية الأجنبية في فلسطين هي مشاريع احتكارية، تقف حجر عثرة في سبيل حرية بلادهم، وبالتالي سعادتهم وسعادة عائلاتهم". وعلى هذا الأساس، فقد تنازل العمال العرب "في كثير من المناسبات عن كثير من حقوقهم التي يختلفون عليها مع صاحب العمل العربي، بينما [أصرّوا] على نيلها كاملة من صاحب العمل الأجنبي"، من دون أن يعني ذلك أبداً أن يحاول أصحاب العمل العرب "أن يسلبوهم حقوقهم لهذا السبب، وإنما عليهم أن يساعدوا العامل في حمل رسالته المشرفة، بأن يتنازلوا له عن حقوقه ما أمكن، حتى يتمكن الفريقان من المساهمة في النضال الوطني مساهمة فعالة".

والواقع، أن عصبة التحرر الوطني أدركت، لدى تحليلها واقع فلسطين الملموس، أن الشعب الفلسطيني يختلف عن جميع الشعوب والأمم الأخرى في العالم في كونه شعباً يفتقد إلى كيان سياسي مستقل، ويواجه احتلالاً استيطانياً اقتلاعياً، ويتوق، بمجموع طبقاته وفئاته الاجتماعية، إلى التحرر والاستقلال الوطني. وهذا الإدراك لحقيقة وجود قواسم مشتركة بين مختلف طبقات الشعب الفلسطيني في مرحلة التحرر الوطني هو الذي فرض على الشيوعيين الفلسطينيين، في إطار العصبة، الخروج من إطار الطبقة الضيق إلى رحاب الشعب.

عصبة التحرر الوطني والنضال ضد النازية والفاشية

كانت الحملة الأولى التي نظّمها الشيوعيون العرب  للتعبير عن عدائهم للفاشية ولسياساتها الاستعمارية والحربية هي تلك التي نُظّمت لمساندة نضال الشعب الأثيوبي في مواجهته العدوان الإيطالي، إذ تشكّلت في عدد من البلدان العربية، بمبادرة من الشيوعيين، لجان خاصة للتضامن مع الشعب الأثيوبي ونضاله التحرري.

ففي أوائل تشرين الأول 1935، أصدر الحزب الشيوعي الفلسطيني، بالتعاون مع المنظمات والأحزاب الشيوعية في البلدان العربية وأفريقيا وإيطاليا، بياناً دعا فيه إلى تنظيم حملة دولية واسعة للمطالبة بوقف العدوان الفاشي على أثيوبيا، وورد فيه: "نحن أبناء الشعوب المضطهدة في أفريقيا والبلدان العربية، نحن عمال إيطاليا... نحن نعي تماماً أننا بدفاعنا عن الشعب الأثيوبي في وجه المغامرة الفاشية، نكون قد تصدينا في الوقت نفسه لخطر اندلاع حرب امبريالية عالمية جديدة، قد تهدد العالم أجمع، وبشكل خاص بلداننا، بدمار لم تشهده من قبل. نحن نعي أننا بدفاعنا عن استقلال أثيوبيا ضد تدخل القراصنة الفاشيين، نكون قد وحّدنا، في الوقت ذاته، قوى جماهيرنا الشعبية في النضال ضد مضطهدينا أنفسهم".

أما الحملة الثانية التي نظّمها الشيوعيون العرب، في أعقاب المؤتمر العالمي السابع،  ضد الفاشية ومخططاتها ، فكانت حملة التضامن مع الجمهوريين الاسبان، وذلك إثر نشوب الحرب الأهلية الاسبانية التي فجرتها القوى الرجعية في اسبانيا في سنة  1936، بالتعاون مع الفاشيين الألمان والإيطاليين.

فاستجابة لنداء الأممية الشيوعية، شارك عدد من الشيوعيين العرب في الفرق الأممية التي انتقلت إلى اسبانيا للقتال إلى جانب الجمهوريين الاسبان، كان من بينهم مجموعة من أعضاء الحزب الشيوعي الفلسطيني، العرب واليهود، مثل علي عبد الخالق الجيباوي، عضو اللجنة المركزية للحزب، الذي قتل في اسبانيا خلال إحدى المعارك، ونجاتي صدقي الذي كلّفته قيادة الأممية الشيوعية بالمشاركة في تنظيم الحملات الإعلامية التي وجهت إلى المقاتلين المغاربة الذين كانوا يقاتلون إلى جانب القوات المتمردة بقيادة الجنرال فرانكو.

وفي سنة 1936، كرّس الحزب الشيوعي الفلسطيني حيّزاً كبيراً من صفحات جريدته السرية الأسبوعية، "الجبهة الشعبية"، لتعريف الرأي العام الفلسطيني بحقيقة الحرب الأهلية الاسبانية وطبيعة القوى المشاركة فيها. ففي عددها الصادر في 25 أيلول/سبتمبر 1936، وتحت عنوان: "الحرب الأهلية الاسبانية: حرب رجعية فاشستية ضد الحرية والديمقراطية"، كتبت "الجبهة الشعبية": "يتجه اهتمام شعبنا العربي، بعد فلسطين العزيزة، إلى تلك الحرب الأهلية الطاحنة في اسبانيا منذ أكثر من شهرين". وبعد أن يستعرض كاتب المقال مقدمات هذه الحرب، التي أعقبت فوز الجبهة الشعبية الاسبانية في الانتخابات التي جرت في شباط 1936، ويتوقف عند حركة العصيان العسكري التي قادها الجنرال فرانكو في تموز من العام نفسه،  وحظيت بدعم ألمانيا وإيطاليا، يكتب: "إن حركة الجنرال فرانكو هي حرب فاشستية ضد الحرية والديمقراطية، وهي لا تتعدى فقط على الشعب الاسباني، بل يصيب الشعب العربي منها أوخم العواقب، ولا سيما عرب مراكش الذين بدأوا يشعرون بفداحة الخطأ الذي يرتكبونه في مناصرة الفاشست الاسبان، وقد بدأ فرانكو يبطش بزعمائهم وأحرارهم ويحكم بإعدامهم...".

وكانت "الجبهة الشعبية" قد أكدت في مقال آخر، نُشر في 21 آب 1936، أن قادة "الثورة الفاشستية" في اسبانيا، شقوا عصا الطاعة وحاربوا الحكومة الشعبية "بعد أن تلقوا أوامر وتأييداً ومساعدات مادية كبيرة من الفاشستية الإيطالية والهتلرية"، لكن رجال الشعب الاسباني ونساءه هبوا "لحمل السلاح والوقوف في وجه هؤلاء المأجورين دفاعاً عن حكومتهم الشعبية، كما هبّ عمال العالم وخصوصاً عمال الاتحاد السوفياتي لمناصرة الحكومة الشعبية والشعب المناضل في اسبانيا..."

 وبعد نشوب  الحرب العالمية الثانية، نجحت بعض الأوساط في قيادة الحركة الوطنية العربية في فلسطين، وفي مقدمها مفتي القدس محمد أمين الحسيني، في إقامة صلات مع دولتي المحور، إيطاليا وألمانيا، وفقاً لتصوّر قام على أساس مقولة إن "عدو عدوي صديقي". ومع أن هذه  الصلات بقيت في حدود ضيقة، ولم تسفر عن دعم فعال من قبل دولتي المحور لنضال الشعب العربي الفلسطيني، إلا أنها تركت، كما يقدّر عبد الرحمن عبد الغني، في كتابه: "ألمانيا النازية وفلسطين 1933-1945"، انعكاسات سلبية على نضال الشعب العربي الفلسطيني، وسمحت  للحركة الصهيونية  بتشويه صورة نضال هذا الشعب في العالم، وخصوصاً  بعد أن أمدتها الهمجية النازية إزاء اليهود وصور معسكرات العمل والإبادة "باحتياط خُلُقي لا يمكن استنفاده خلال أعوام ما بعد الحرب".

وقد عارضت عصبة التحرر الوطني تلك المواقف التي اتخذها المفتي، وأكدت أن الشعب العربي الفلسطيني يقف، في هذه الحرب، في خندق القوى الديمقراطية العالمية المناضلة ضد الفاشية والنازية، فاعتبر أحد قادتها، وهو بولس فرح، أن الحركة الوطنية العربية في فلسطين هي "حركة تقدمية في مضمونها وجوهرها"، تستهدف "الوصول إلى أسباب الرقي الاجتماعي والثقافي والسياسي، لتمكّن الشعب العربي من السير مع قافلة البشرية الحرة"، وهي بالتالي "لا تستهدف الاعتداء على أحد، كالحركة النازية مثلاً".

وفي نشرة داخلية، أصدرتها في 5 نيسان 1944، بعنوان: "إلى الوحدة العمالية"، حددت العصبة المرحلة التي تمر بها فلسطين بأنها مرحلة التحرر الوطني، وقدّرت أن شعوب العالم بأسره "تحارب اليوم في سبيل إعطاء كل شعب حقه في تقرير مصيره"، وأن هزيمة دول المحور ستعني "تحرير الشعوب، التي ستقرر مصيرها بنفسها"، معتبرةً  أن نضال الشعب الفلسطيني من أجل تحرره الوطني يلقى تأييد "جميع الشعوب المحبة للحرية، التي تناضل في هذه الحرب ضد الطغيان والعبودية، وشعارها "الموت للفاشستية والحرية للجميع".

وعادت عصبة التحرر الوطني وأشارت، في نشرة داخلية أصدرتها في 12 نيسان 1944 بعنوان: "حركتنا الوطنية والقوى التحريرية العالمية"، إلى أن القضية الفلسطينية هي "جزء من القضية العالمية، قضية القضاء على النظم العنصرية، قضية استقلال جميع الشعوب ضمن أوطانها، وتآخي الشعوب ومساواتها، قضية سلام عالمي دائم"، وأن نضال الشعب الفلسطيني من أجل حريته واستقلاله هو جزء من نضال الشعوب "ضد النازية والفاشستية ونظمها العنصرية"، وهو جزء من نضال "الشعوب السوفياتية، والشعوب الإنجليزية والأمريكية والفرنسية واليوغوسلافية وغيرها من الشعوب، المناضلة للقضاء على أكبر خطر يهدد الحريات الوطنية". وأكدت، في هذا السياق، أهمية العمل على توحيد القوى التقدمية في العالم في "جبهة مناهضة للنازية والفاشستية"، وقدّرت أن الحرب العالمية الدائرة تبشر بولادة عالم جديد، "عالم تعيش فيه الأمم محترمة حقوق بعضها البعض، وكل أمة ستدرك أن حرية غيرها هي الضمانة لحريتها واستقلالها".

(يتبع .. القسم الرابع)