2019-12-09

(بمناسبة مرور مئة عام على بروز أول نواة "شيوعية" في فلسطين)

تاريخ الحركة الشيوعية في فلسطين 1919- 1948

د. ماهر الشريف

(القسم الرابع)

عصبة التحرر الوطني وحل المسألة اليهودية

إثر المذابح التي تعرض لها اليهود الأوروبيون على أيدي أجهزة النظام النازي، تصدّت عصبة التحرر الوطني للمحاولات التي قامت بها الحركة الصهيونية لإقناع الرأي العام العالمي بأن قضية فلسطين "هي قضية هجرة يهودية، أو إيقاف هذه الهجرة لا أكثر ولا أقل"، وأكدت أن قضية فلسطين هي مثل قضية كل بلد مستعمر، قضية "الاستقلال والتحرر من نفوذ أجنبي استعماري"، وأن المسألة اليهودية خارج فلسطين "تختلف، من الأساس، عنها في داخل فلسطين"، وأن الاضطهاد الذي يعانيه اليهود في أوروبا "يختلف كلية عن مقاومتنا للهجرة في الداخل". ورداً على الضغوط التي صارت تمارسها الإدارة الأمريكية على الحكومة البريطانية، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لقبول هجرة 100000 يهودي جديد إلى فلسطين، أكدت قيادة عصبة التحرر الوطني أن فلسطين لا يمكنها أن تحل المسألة اليهودية "التي يرتبط حلها بتضافر جهود جميع الدول الأوروبية"، ودعت إلى تشكيل لجنة دولية تبحث في إيجاد حل ديمقراطي لمشكلة المشردين اليهود في إطار هيئة الأمم المتحدة.

وأشارت عصبة التحرر الوطني، في المذكرة التي وجهتها إلى هيئة الأمم المتحدة في آب 1947، بعنوان: "طريق فلسطين إلى الحرية"، إلى أن الحركة الصهيونية "تتسلح بمآسي اللاسامية"، وما تعرض له اليهود من "اضطهاد عنصري"، لتحقيق هدفها في إنشاء دولة يهودية في فلسطين. ورأت أن ألمانيا الهتلرية "هي التي شحذت سلاح اللاسامية، وبلغت الذروة في استخدامه بقصد تحويل الجماهير الألمانية عن النضال ضد مستغليهم... إلى نضال عنصري وحشي ضد اليهود"، الأمر الذي يعني أن المسألة اليهودية لا يمكن أن تبحث "في معزل عن القضية التي تعترض الإنسانية كلها اليوم"، على اعتبار أن اللاسامية "هي نتيجة حتمية لمظاهر معينة في المجتمع الحالي"، ولا يمكن حلها إلا من خلال "نشر الديمقراطية الحقة في العالم".

وقدّرت العصبة، في المذكرة نفسها، أن ربط مشكلة المشردين اليهود، الناجمة عن الاضطهاد العنصري، بالقضية الفلسطينية لن يؤدي سوى إلى تعقيد هذه القضية. ففلسطين لا يمكنها أن تحل مشكلة المشردين اليهود، وإنما المسؤولية في ذلك هي مسؤولية عالمية، "ومن واجب العالم مجتمعاً أن يجد هذا الحل بأن يؤمن للذين يرغبون منهم في العودة إلى أوطانهم الأصلية عودة سريعة واستقراراً حقيقياً، وبأن تتحمل دول العالم مجتمعة عبء إيواء هؤلاء المشردين الذين لا يرغبون في العودة إلى أوطانهم الأصلية"، كما يمكن للشعوب العربية أن تساهم "في حل هذه المشكلة جنباً إلى جنب مع جميع أقطار العالم المستقلة".

وخلصت العصبة إلى أن قيام "دولة فلسطينية مستقلة ديمقراطية"، تحفظ حقوق جميع مواطنيها من العرب واليهود، هي "الضمانة الحقيقية ضد أي اضطهاد وعدوان".

فالديمقراطية، والتعاون بين العرب واليهود، هما "السبيل الوحيد لإيجاد الحياة المطمئنة والروح الإنشائية في فلسطين، وهما وحدهما اللذان يضمنان لليهود حياة مستقرة ثابتة في فلسطين". أما  تعلق الجماهير اليهودية بشعار الهجرة  فهو، فضلاً عن أنه "يعمق الخلاف والبغضاء بين العرب واليهود، وينمي النعرة العنصرية"، سيؤدي إلى تأخير وإعاقة "حل القضية الفلسطينية". ولذا، ينبغي أن  يترك البت في مشكلة الهجرة اليهودية "إلى أهالي البلاد أنفسهم ليقرروا فيها عندما ينالون حريتهم واستقلالهم، ويصبحون المسيطرين على مصائرهم".

دعامتا حل "العقدة الفلسطينية": تقرير المصير والديمقراطية

دعت عصبة التحرر الوطني في فلسطين، منذ قيامها، إلى حل للقضية الفلسطينية، يقوم على "حق تقرير المصير والديمقراطية"، بما يؤمن استقلال فلسطين  من الاستعمار الأجنبي، ويضمن الحقوق المدنية والحريات الديمقراطية للسكان اليهود فيها.

ففي المذكرة التي أرسلتها سكرتارية عصبة التحرر الوطني إلى المستر إتلي رئيس الوزراء البريطاني، في 10 تشرين الأول 1945، اعتبرت العصبة أن حزب العمال البريطاني، بوصفه "قوة عالمية مسؤولة"، لم يعد في مقدوره أن يرفض "منح حق تقرير المصير لأي شعب من الشعوب"، كما لم يعد في مقدور أحد أن يقف في وجه نشر الديمقراطية في العالم لأنها "أمر حاربت في سبيله الأمم المتحدة جميعها وأحرار الشعوب في كل بلد من بلدان الأرض".

وأوضحت العصبة أن حق تقرير المصير "يظل كلاماً مبهماً إذا لم تتوفر الشروط لتأمينه، وذلك بأن يُعترف بأن من حق الشعب أن يصل إلى تحرره الوطني واستقلال بلاده من كل نفوذ أجنبي استعماري، وأن من حقه أن يقرر شؤونه الداخلية والخارجية وحده وبمحض اختياره، وأن تقوم على تنفيذ هذا الحق مؤسسات وطنية شعبية تعكس رأي الشعب بحرية وطلاقة". ورأت العصبة في إشاعة الديمقراطية في السياسة والاقتصاد الشرط الذي لا بدّ منه لضمان ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير، وذلك "لأن الديمقراطية هي من الضرورات الأولية  لكل حركة وطنية تطالب بالحرية"، ولأن السياسة الديمقراطية هي وحدها التي ستضمن الحفاظ "على السلم في فلسطين... وفي الشرق العربي بأسره". ودعت العصبة حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين إلى أن تسير على خطة ديمقراطية في تسيير دفة الحكم في فلسطين، بحيث "يشترك الشعب بجماهيره الواسعة في إدارة شؤونه"، وهو ما يعني بلغة الواقع "إجراء انتخابات ديمقراطية للمجالس البلدية وإجراء انتخابات ديمقراطية لمجلس تشريعي ومنح الشعب حريات واسعة في إدارة شؤونه وتحقيق آماله".

وتوجهت العصبة في نهاية المذكرة إلى رئيس الوزراء البريطاني بالقول: "إن النصر الذي أحرزته الأمم المتحدة وضع حداً للاضطهاد العنصري والعدوان على الشعوب والقوميات... وعصبتنا، التي رحبت بانتصار العمال في بريطانيا، ولها الثقة الراسخة في جدوى الحلول الديمقراطية الاشتراكية، تأمل منكم، بصفتكم رئيساً لحكومة العمال، أن تعملوا على حل المشكلة الفلسطينية بروح اشتراكية صادقة، بروح قرارات سان فرانسيسكو التي اعترفت لكل شعب بحق تقرير مصيره".

عصبة التحرر الوطني والوقوف في وجه الإرهاب

ووقفت عصبة التحرر الوطني بحزم في مواجهة ظاهرة الإرهاب السياسي، معتبرة  أن "النضال السلمي" هو الشكل الوحيد الذي ستنتهجه في نشاطها السياسي.

وكانت فلسطين قد شهدت، خلال أحداث ثورة 1936-1939،  قيام بعض الأوساط في قيادة الحركة الوطنية العربية بتنفيذ العديد من عمليات الإرهاب الفردي والقتل السياسي ضد معارضيها. وفي  سنة  1947، وبعد إعلان هيئة الأمم المتحدة عن تشكيل لجنة التحقيق الدولية الخاصة بفلسطين، عادت تلك الأوساط إلى ممارسة الأسلوب نفسه، إذ  وقعت  آنذاك اعتداءات عدة على المتاجر العربية في القدس، بحجة  خرق أوامر مقاطعة لجنة التحقيق الدولية، وألقيت القنابل على منازل بعض الزعماء العرب، كما وقعت عمليات اغتيال عديدة، كان من أبرز ضحاياها النقابي سامي طه سكرتير جمعية العمال العرب الفلسطينية في حيفا.

وقد شجبت قيادة عصبة التحرر الوطني اللجوء إلى الإرهاب الفردي والقتل السياسي، كأسلوب في العمل السياسي وحذّرت من مخاطره، وأشار أحد قادتها، وهو فؤاد نصار، في كراس صدر عن "لجنة الثقافة السياسية" التابعة للجنة المركزية للعصبة، بعنوان" الإرهاب الفردي والقتل السياسي"، إلى أن المستعمر قد "دس" على الحركة الوطنية الفلسطينية أسلوب الإرهاب الفردي والقتل السياسي كي يتمكن "من تفريق صفوف الأمة أثناء خوضها معركة النضال الوطني في سبيل الحرية".  ونظر فؤاد نصار، في الكراس المذكور، إلى القتل السياسي بوصفه "أخطر الأساليب التي تهدد وحدة الحركة الوطنية، خصوصاً في مجتمع مثل مجتمعنا... لا يزال إلى حد ما يقوم على العصبيات العائلية، وخاصة في القرى والبلدات الصغيرة"، ودعا إلى عدم التهاون "في مقاومة هذا الاتجاه"، لأن القتل السياسي "عدا عن أنه يشل النضال الوطني ويقضي على حرية الرأي ويبعد أقساماً كبيرة من الجماهير الشعبية عن الحركة الوطنية، فهو يترك آثاراً بعيدة الغور على حاضر النضال الوطني ومستقبله". وانتقد فؤاد نصار لجوء بعض الأوساط داخل قيادة الحركة الوطنية إلى هذا الأسلوب كوسيلة "لمعالجة بعض القضايا الوطنية مثل بيوع الأراضي والسمسرة عليها، وفي مسألة مقاطعة البضائع اليهودية، وغير ذلك"، معتبراً أن جميع هذه القضايا "لا يمكن معالجتها معالجة منفردة عن قضية البلاد الرئيسية، وهي قضية الحرية والاستقلال"، وذلك لأن "هذه القضايا كلها متفرعة عن وجود الاستعمار في وطننا، وهو أصل الداء والبلاء، وهو الذي قاد البلاد إلى أزمات اقتصادية وسياسية".

وبعد أن أكد فؤاد نصار أنه لا يمكن لأحد أن "يجيز لنفسه  أن يحكم على الناس بالقتل أو بإتلاف أموالهم"، لأن ذلك هو من حق محاكم الشعب فقط، أعرب عن قناعته بأن أسلوب الإرهاب "لا يردع خارجاً عن غيه"، بل "يشيع الفوضى والفساد في الصفوف المتراصة، ويفتح ثغرات يتسرب منها المستعمر". واختتم كراسه بتوجيه نداء من عصبة التحرر الوطني إلى جماهير الشعب العربي الفلسطيني وإلى جميع الهيئات والأحزاب والنوادي والجمعيات للوقوف صفاً واحداً "في وجه الاتجاه الإرهابي الذي أخذ يذر قرنه من جديد داخل حركتنا الوطنية". 

(يتبع .. القسم الخامس)